الوجود والشهود

الوجود والشهود

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن تلك المسألة التي وقع فيها الخلاف الشديد بين البشر، بأديانهم وفلسفاتهم وتوجهاتهم المختلفة، وهي المسألة التي يُطلق عليها لقب [وحدة الوجود]، وهل هي من معارف النفس الراضية، كما يذكر ذلك بعض الحكماء، أم أنها من معارف الزنادقة والملاحدة، ولا علاقة لها بالإسلام، ولا بالأديان؟

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن هذه المسألة بطروحاتها المختلفة تدخل ضمن الفضول المذموم، الذي حاول به العقل الإنساني، أن يقتحم لجة عالم الغيب، من خلال تلك المناهج التي استعملها: إما مناهج الفكر والتأمل والتدبر، هو ما استعمله الفلاسفة.. وإما مناهج الكشف والإشراق والشهود، وهو ما استعمله الصوفية.

ذلك أن الغرض من تلك المسألة هو تفسير سر الوجود، وسر الكثرة فيه، وعلاقته بالوحدة، وعلاقته بالألوهية.. ولذلك التقى الطرفان النقيضان في هذا المعنى.. ذلك الذي يزعم أن إلهه الواحد هو عين الوجود والموجود، وأنه لا مكان للكائنات فيه، وأنها عدم محض، ولم تشم رائحة الوجود.. وذلك الملحد الذي لا يؤمن بإله يدير الكون، فلذلك راح يصور أن الكون هو الإله، وأنه وحده، وأن وجوده واحد، وليس هناك اثنية فيه.. اثنية الخالق والمخلوق.

ولذلك كان لوحدة الوجود فرعان: فرع روحي وفرع مادي.. وقد التقى الفرعان: إما على نفي الإله.. أو نفي الكون.

والعاقل الذي يحترم عقله، هو الذي يعترف بعجزه عن إدراك هذه الحقائق الكبرى.. فيسلم لله تعالى بالوجود الحقيقي الكامل، لأنه لا يمكن أن يكون إلها من دون أن يكون موجودا.. ويسلم كذلك للكون بالوجود، ويعتبره وجودا تابعا لموجده، لا بكونه فيضا فاض عنه، أو مولودا ولد منه، ولكن بكونه مخلوقا نشأ عن إرادته ومشيئته وعلمه وقدرته.

ويؤمن كذلك بأن هذين الوجودين لا يتزاحمان، ولا يتناقضان، ولا يحتاج أحدهما لإلغاء الآخر.. لا بمعنى المفاصلة والبينونة المكانية التي نراها بين الخلق.. بحيث يكون لكل منهما محله الخاص به.. فالله يتعالى عن المكان والمحل والزمان.. ويتعالى عن الحدود والجسمية والصورة.. ويتعالى أن يعبر عنه بما يعبر عن الأشياء من كونها داخل العالم أو خارجه..

فكل تلك التعابير ناشئة عن العرفان الذي يتوهم في غروره أنه يمكن أن يحيط بالحقائق، مع أنه لم يُتح له ذلك.. لا لعدم وجودها، ولكن لعدم قدرته.. ولذلك كان كلا العقلين مغرورا أثناء بحثه في مثل هذه المسائل:

سواء كان الباحث فيها عقل فيلسوف يدعي أن تلك البديهيات المحدودة التي يملكها كفيلة بحل ألغاز الكون والوجود، مع أنه اكتسبها من الحس والقياس المرتبط بالخلق، لا بالخالق.

أو كان الباحث فيها عقل صوفي، يتوهم أن ما فتح له من نوافذ المعرفة المحدودة كفيل بأن يفسر له حقائق الوجود الكبرى.

لذلك كان الأعقل منهما هو الذي يسلم عقله للوحي الإلهي المقدس، الذي لم يتدنس لا بالفلسفة ولا بالإشراق الذي يختلط فيه العقل بالهوى.

والوحي يخبرنا عن وجود الله كما يخبرنا عن وجود الخلق، مع أن وجود الخلق من البديهيات التي تدركها العقول.. فذلك لم يكن للعاقل أن يزعم عدمه لأجل وجود ربه.. بل هو يزعم ويتيقن بأن وجوده لم يكن ليتحقق لولا وجود ربه.. أما كيفية ذلك.. فذلك ليس للعقل.. ولا للكشف.. ولا للشهود.. بل هو للتسليم لله تعالى، فالعاقل هو الذي يؤمن بالله القدوس.. وفي نفس الوقت يؤمن بالله الخالق البارئ المصور.. وكل أسمائه الحسنى التي تدل على وجود من تتوفر فيهم القابلية لتلك الأسماء.

وأكبر دليل على ما ذكرت لك ـ أيها المريد الصادق ـ هو ذلك الاختلاف الشديد بين الفلاسفة حول هذه المسألة.. فيمكنك فلسفيا إذا أردت إثباتها، أن تذكر أدلة من أثبتوها.. وإذا أردت نفيها أن تذكر أدلة من نفوها.. مع أن كليهما يزعم أنه يعود لعقله.

ومثل ذلك المتصوفة.. فكما وجد من يقول بها، وينتصر لها، ويؤلف المؤلفات الكثيرة في ذلك، وجد من يرد عليه، ويعتبره صاحب حال دني، وأن الكمال في إثبات الخالق والمخلوق، والحق والخلق.

ولذلك كان الأعقل من الجميع هو احترام المحل الذي هو فيه.. فالله تعالى لم يوفر لنا في هذا العالم الأدوات التي ندرك بها الحقائق الكبرى.. ولذلك كان التسليم والإسلام هو الحل الأمثل الذي يحفظ عقولنا ومعارفنا وحقائقنا من أن تدنس بالهوى، وبما يوحيه الشيطان من زخرف القول الذي قد نتوهم أنه معارف إلهية، وهو ليس سوى زخارف شيطانية.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فأحسن الظن بأولياء الله الصالحين الذين لم يطرحوا هذه المسألة باعتبارها حقيقة عقدية، وإنما طرحوها باعتبارها حالة شهودية.. ففرق كبير بين من يقول لك: لا يوجد في الكون إلا الله، وكل من عداه عدم محض.. وبين من يقول لك: لم أشهد في الكون إلا الله.. ثم يسكت عن ذكر الأكوان وعدمها ووجودها.

والفرق في هذا مثل شخص كان يحمل شمعة في محل مظلم، وكان يراها، وكأنها كل شيء.. لكنه يفاجأ بالأضواء تنطلق من كل مكان.. بحيث لم يعد لضوء الشمعة أي ظهور..

فهكذا يحصل للسالك عندما يتخلى عن نفسه وأهوائه ويسير إلى ربه.. وتبرق عليه بوارق فضله.. حينها يصل إلى الحالة التي لا يشهد فيها إلا الله.. لا بمعنى انعدام الأكوان، ولكن بمعنى عدم رؤيته لها.. وهل يمكن أن يُرى مع الله غيره.

وهذا المعنى هو الذي يسميه الحكماء [وحدة الشهود]، ويقصدون به ما ذكرته لك من أن الانشغال التام بالله تعالى يجعل الكون كله ممحوا في ذهن وبصر وبصيرة السالك.

وقد يعبرون عنه بـ [وحدة الوجود] من غير أن يقصدوا معناها الذي ذكره الفلاسفة.. وإنما يستعملون تعابيرهم فقط.

وقد أشار إلى هذا المعنى الكثير من الحكماء الذين صوروا الموقف الحقيقي للصالحين من تلك الطروحات الفلسفية.. أو بينوا أن أمثال تلك الأحاديث التي قد تشبه ما ذكره الفلاسفة ليس المقصود منها ما أرادوه، وإنما المقصود هو التوحيد الشهودي.. لا الوجودي.

ومن الأمثلة على ذلك قول بعضهم عن مراتب تنزيه السالكين الله، بحسب المقامات التي تتحقق لهم: (والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمِّيه الصوفية (الفناء في التوحيد).والثالث: موحد، بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلًا واحداً إذا انكشف له الحق كما هو عليه، ولا يرى فاعلًا بالحقيقة إلا واحداً وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه، لا أنه كلَّف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين.. والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد. وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد)([1])

ثم يجيب عن سر ذلك، فيقول: (فإن قلت: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً، وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة؟ فكيف يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات.. وهو أن الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدةٍ واعتبار، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الِإنسان كثير إن التفتّ إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبارٍ آخر ومشاهدةٍ أخرى واحدٌ، إذ نقول: إنه إنسان واحد.. والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرقٌ بواحد ليس فيه تفريق، وكأنه في عين (الجمع)؛ والملتفتُ إلى الكثرة في (تفرقة) فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحدٍ من الاعتبارات واحدٌ، وباعتبارات أخر سواه كثيرٌ…وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق، تارة تدوم، وتارة تطرأ كالبرق الخاطف، وهو الأكثر، والدوام نادر عزيز)([2])

ثم يطبق هذا المثال على ما يحصل للسالك في سيره التحققي لله تعالى، فيقول: (فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الِإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره، ولا يُتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فإن الأشياء تُستبان بأضدادها، وما عمّ وجوده حتى إنه لا ضدّ له، عسر إدراكه)([3])

وهكذا نراهم يذكرون أن معناها ليس ما يذكره الفلاسفة، أو بعض الديانات، وإنما معناها يعود إلى تنزيه الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته في أي شيء حتى في الوجود نفسه، فالله صاحب الوجود الحقيقي الواجب، وأما مخلوقاته، فوجودها تبعي لا ذاتي، وناقص لا كامل، كما عبر عن ذلك قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ﴾ [الحج: 22]. أي الثابت الوجود، المحَقَّق، أما غيره، فوجوده جائز عرضي ممكن، كما عبر شاعرهم عن ذلك بقوله:

الله قل وذر الوجود وما حوى

   إن كنت مرتاداً بلوغ كمال

فالكل دون الله أن حققته

   عدم على التفصيل والإجمال

واعلم بأنك والعوالم كلها

   لولاه في محو وفي اضمحلال

من لا وجود لذاته من ذاته

   فوجوده لولاه عين محال

والعارفون بربهم لم يشهدوا

   شيئاً سوى المتكبر المتعال

ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً

  في الحال والماضي والاستقبال

وبناء على هذه البديهية القرآنية والعقلية يميزون بين معنى وحدة الوجود أو الشهود التي يقصدونها، ووحدة الوجود الفلسفية، والتي تعني (اتحاد الحق بالخلق، وأنه لا شيء في هذا الوجود سوى الحق، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين الأشياء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه)([4])

وقد حكم هؤلاء الحكماء على هذا النوع من الوحدة بأنه (كفر وزندقة وأشد ضلالة من أباطيل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، وقد شدَّد الصوفية النكير على قائله، وأفتَوْا بكفره، وحذَّروا الناس من مجالسته) ([5])

وقد قال بعضهم في ذلك: (فاحذر يا أخي كلَّ الحذر من الجلوس مع من يقول: ما ثَمَّ إِلا الله، ويسترسل مع الهوى، فإِن ذلك هو الزندقة المحضة، إِذ العارف المحقق إِذا صح قدمه في الشريعة، ورسخ في الحقيقة، وتَفَوَّهَ بقوله: ما ثَمَّ إِلا الله، لم يكن قصدهُ من هذه العبارة إِسقاطَ الشرائع وإِهمال التكاليف، حاش لله أن يكون هذا قصده)([6])

وهم يستشهدون لهذا المعنى بالمعنى الإشاري المبثوث في ثنايا قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، فيفهمون منها أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك، أو هو عدم محض ونفي صرف، وإنما له الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته، موجود بوجه ربه، أي أن وجوده قاصر على جهة ربه.

وهكذا يفهمون من كل النصوص الواردة في إثبات وحدانية الحق أو أحديته أو أحقيته:وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال من ضمن دعاء التهجد: (أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق)([7])

ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أنت الحق) أي واجب الوجود؛ فأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب، فوجود الله هو الوجود الحقيقي إذ وجوده لنفسه، لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم؛ وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، فهو معدوم باعتبار ذاته في كل الأحوال.

وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر، كما ورد في الحديث كلمة لبيد([8]): (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)([9])

ومن هذا الباب وردت أسماء الله تعالى التي نص عليها قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 3]

فالتأمل في المعاني العميقة التي تحملها هذه الأسماء يلبس الأشياء جميعا ثوب العدم، ليبقى الحق وحده المتفرد بالوجود الحقيقي.

وقد قال بعضهم مبينا عمق المعاني التي تدل عليها هذه الأسماء الحسنى: (وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض، حتى تطالعه حقيقة أخرى، لعلها أضخم وأقوى. حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة. فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه؛ ومن ثم فهي محيطة بكل شيء، عليمة بكل شيء ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 3]

ويقول عن المعاني التي يستشعرها، وهو يعيش في ظلال هذه الأسماء:(الأول فليس قبله شيء. والآخر فليس بعده شيء. والظاهر فليس فوقه شيء. والباطن فليس دونه شيء.. الأول والآخر مستغرقا كل حقيقة الزمان، والظاهر والباطن مستغرقا كل حقيقة المكان. وهما مطلقتان. ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا لله. وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه. حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمدا من وجود الله. فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده. وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته. وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود)([10]

وأحب ـ أيها المريد الصادق ـ في آخر هذه الرسالة أن أذكر لك ردا لبعض الشيوخ على من اتهمه واتهم أصحابه بأنهم يقولون بوحدة الوجود الفلسفية، فقد ذكر في مقدمة رده الفرق بين (وحدة الوجود)، و(وحدة الموجود)

وذكر أن الموجود متعدد لاشك فيه.. (ولم يقل أحد من الصوفية الحقيقيين ـ ومنهم ابن العربي والحلاج ـ بوحدة الموجود، وما كان للصوفية، وهم الذروة من المؤمنين أن يقولوا ـ وحاشاهم ـ بوحدة الموجود)([11])

وبعد أن ذكر الفرق بين معنى وحدة الوجود عند الصوفية ومعناها عند الفلاسفة، كما ذكرت لك سابقا، أخذ يتحدث عن سبب إلصاق تهمة القول بوحدة الوجود الفلسفية بالصوفية، فقال: (وقد تتساءل: من أين اذن أتت الفكرة الخاطئة التي يعتقدها كثير من الناس من أن الصوفية يقولون بوحدة الموجود؟! وتفسير ذلك لا عسر فيه: إن فريقا من الفلاسفة في الأزمنة القديمة، وفي الأزمنة الحديثة، يقولون بوحدة الموجود، بمعنى أن الله ـ سبحانه وتعالى عن إفكهم ـ هو والمخلوقات شيء واحد، قال بذلك هيراقليط في العهد اليوناني: والله عند نهار وليل صيف وشتاء، وفرة وقلة، جامد وسائل ـ أنه على حد تعبيره ـ كالنار المعطرة تسمى بإسم العطر الذي يفوح منها تقدس سبحانه وتنزه عما يقول، والله سبحانه وتعالى في رأي (شلي) في العصور الحديثة. هو هذه البسمة الجميلة على شفتي طفل باسم. وهو هذه النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل. وهو هذه الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل، وهو هذه الوردة اليافعة تنفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة. إنه الجمال أينما وجد، ولكنه أيضا ـ سبحانه وتعالى ـ القبح أينما كان. وكما يكون طفلا فيه نضرة، وفيه وسامة. يكون جثة ميت، ويكون دودة تتغذى من جسد ميت. ويكون قبرا يضم بين جدرانه هذه الجثة، وهذا الدود. أستغفرك ربي وأتوب اليك. ولوحدة الوجود ـ بمعنى وحدة الموجود ـ أنصار في كل زمان. ولما قال الصوفية بالوجود الواحد.. شرح خصومهم الوجود الواحد بالفكرة الفلسفية عن وحدة الوجود بمعنى وحدة الموجود وفرق كبير بينهما. ولكن الخصومة كثيرا ما ترضى عن التزييف وعن الكذب في سبيل الوصول إلى هدم الخصم. والغاية تبرر الوسيلة كما يقولون)([12])

هذا هو السبب الأول، وهو مرتبط بالاشتراك اللفظي بين المصطلحين: الفلسفي والصوفي مع أن لكل منهما دلالته الخاصة.

وأما الثاني فمرتبط باشتراك لفظي آخر.. ليس بين الصوفية والفلاسفة.. وإنما بين الصوفية والمتكلمين، وقد وضحه الشيخ بقوله: (وشيء آخر في غاية الأهمية، كان له أثر كبير في الخطأ في فهم فكرة الصوفية عن الوجود الواحد، وهو أن الأشعري رأى في فلسفته الكلامية أن الوجود هو عين الموجود، ولم يوافقه الكثير من الصوفية على هذه الفكرة الفلسفية. ولم يوافقه الكثير من مفكري الإسلام وفلاسفته على رأيه. وهو رأي فلسفي يخطئ فيه أبو الحسن الأشعري أو يصيب، وما مثله في آرائه الفلسفية الا مثل غيره في هذا الميدان يخطئ تارة ويصيب أخرى، ورأى مخالفوه أن الوجود غير الموجود. وأنه ما به يكون وجود الموجود. ولما قال الصوفية بالوجود الواحد. شرح خصومهم فكرتهم في ضوء رأي الأشعري، دون أن يراعوا مذهبهم ولا رأيهم. ففسروا قولهم بالوجود الواحد على أنه قول بالموجود الواحد)([13])

ثم ذكر سببا ثالثا لذلك الخلط بين قول الصوفية وقول الفلاسفة ـ وهو الذي يتشبت به المنكرون في العادة ـ وهو (هذه الكلمات التي تناثرت هنا وهناك مخترعة ملفقة مزيفة، ضالة في معناها، تافهة في قيمتها الفلسفية غريبة على الجو الإسلامي تنادي بصورتها ومعناها: أنها اخترعت تضليلا وافتياتا، إنها هذه الكلمات التي يعزونها إلى الحلاج، أو إلى غيره.. لا توجد في كتاب من كتبه ولم يخطها قلمه.. لقد اخترعوها اختراعا ثم وضعوها أساسا تدور عليه أحكامهم بالكفر والإضلال. ويكفي أن يتشبث بها انسان فيكون في منطق البحث غير أهل الثقة)([14])

وبناء على هذا راح الشيخ يوضح مدى عقلانية وشرعية ما يطرحه الصوفية من معان حول وحدة الوجود، فقال: (الوجود الواحد: وهل في الوجود الواحد من شك؟ إنه وجود الله المستغني بذاته عن غيره، وهو الوجود الحق الذي أعطى ومنح الوجود لكل كائن، وليس لكائن غيره سبحانه. الوجود من نفسه، أنه سبحانه الخالق. وهو البارئ المصور.. وصلة الله بالإنسان إذن: هي أنه سبحانه يمنحه الوجود الذي يريده له في كل لحظة من اللحظات المتتابعة. فشكل حياته في كل بصورة أمده سبحانه وتعالى بها. وصلة الله بكل كائن: إنما هي على هذا النمط)([15])

ثم بين أن معنى وحدة الوجود في النصوص القرآنية هو نفسه معنى القيومية، فالله سبحانه وتعالى (قيوم السموات والأرض قائم على كل نفس بما كسبت، وقائم على كل ذرة من كل خلية وقائم على كل ما هو أصغر من ذلك وما هو أكبر، بحيث لا يعزب عن هيمنته وعن قيوميته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. هذه القيومية أخذ القرآن والسنة يتحدثان عنها في استفاضة مستفيضة ليهزا الإنسان هزة عنيفة، فلا يخلو على الأرض، ولا يتبع هواه، وإنما يرتفع ببصره، ويستشرف بكيانه إلى الملأ الأعلى مستخلصا نفسه من عبودية المادة ليوحد الله سبحانه وتعالى في عبودية خالصة، وفي إخلاص لا يشوبه شرك من هوى أو شرك من سيطرة المادة أو الغرائز)([16])

وبناء على هذا راح يستعرض آيات القرآن الكريم التي يُستدل بها عادة في إثبات وحدة الوجود القرآنية التي يؤمنون بها، ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الواقعة: 58، 59]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63، 64]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68، 69]

ثم علق على هذه الآيات الكريمة وغيرها مبينا قيمة النظرة إلى الكون بهذه الصفة، بقوله: (هذه الهيمنة وهذه القيومية يمر بها قوم فلا يعيرونها التفاتا، إنهم يمرون بها مرور الحيوانات بما تدرك ولا تعقل، إن الله سبحانه وتعالى لا يحتل من شعورهم درجة أيا كانت، وهمهم كل همهم مصبحين ممسين، إنما هو ملء البطن، أو كنز الذهب والفضة، أو النزاع على جاه، أو العمل لتثبيت سلطان. انهم يمرون بآيات الله فلا يشهدونها، وتحيط بهم آثاره، فلا ينظرون اليها، وتغمرهم نعماؤه وآلاؤه، فلا يوجههم ذلك إلى الحمد لا إلى الشكر. إن الله سبحانه وتعالى لا يحتل في قلوبهم ولا في تفكيرهم ولا في بيئتهم، قليلا ولا كثيرا. والطرف الآخر المقابل لهذا هو هؤلاء الذين انغمسوا حقا في محيط الإلهية. سبحوا في بحارها، واستنشقوا نسائمها الندية، وغمرهم لألاؤها وضياؤها؛ لقد بدأوا بحمد الله وشكره على نعماه وآلائه التي تحيط بهم من جميع أقطارهم، فزادهم نعما وآلاء.. لقد اتقوا الله حق تقاته فعلمهم الله.. لقد اكتفوا بالله هاديا ونصيرا، فهداهم الله إلى صراطه المستقيم، ونصرهم على أنفسهم وعلى أعدائهم)([17])

هذا هو مقصود الحكماء من [وحدة الوجود]، كما يوضحها أعلامهم الكبار، وهي مما لا حرج فيه، بل إنها دليل على المراتب العالية التي يعيشها السالك في صحبة ربه.

وأنا لا أنكر ـ أيها المريد الصادق ـ هذه المعاني، وكيف أنكرها، وقد نطق القرآن الكريم بالدلالة عليها.. ولكني أنكر تلك التصانيف التي ألفت في بعض تفاصيلها، مما هيأ الفرصة للمندسين ليتحولوا بها عن معناها الشرعي الصحيح إلى معان أخرى.. لا يقبلها العقل المجرد، ولا العقل المسدد.

لذلك أوصيك بدل أن تضيع وقتك في فهم تلك الألغاز التي وضعوها، والإشكالات التي طرحوها، أن تنشغل بذكر ربك، وعبوديته، وممارسة أدوارك الرسالية التي كلفت بها.. وحينها سيفتح الله لك من فهم الحقائق ما لا تطيق كل تلك الدفاتر جميعا أن تبلغك إياه.


([1]) إحياء علوم الدين: (4/212)

([2]) إحياء علوم الدين: (4/213)

([3]) إحياء علوم الدين: (4/276)

([4]) حقائق عن التصوف، ص544.

([5]) حقائق عن التصوف، ص544.

([6]) مدارج السلوك إِلى ملك الملوك، محمد بناني المتوفى 1284هـ.

([7]) صحيح البخاري (2/ 61)

([8]) وقد ورد الحديث بصيغ مختلفة منها أشعر كلمة تكلمت بها العرب، وفي رواية أصدق كلمة قالها شاعر، وفي أخرى أصدق بيت قاله الشاعر، وفي أخرى أصدق بيت قالته الشعراء، وفي أخرى أصدق كلمة قالتها العرب.

([9]) صحيح البخاري (5/ 53) صحيح مسلم (7/ 49)

([10]) في ظلال القرآن، (5/ 3161)

([11]) أبو العباس المرسي، ص 132.

([12]) أبو العباس المرسي، ص 133.

([13]) أبو العباس المرسي، ص134.

([14]) أبو العباس المرسي، ص 135.

([15]) أبو العباس المرسي، ص 136.

([16]) أبو العباس المرسي، ص 137.

([17]) أبو العباس المرسي، ص 138.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *