الهداية والضلال

الهداية والضلال

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما ورد في النصوص المقدسة من الدلالة على كون الله تعالى هو الهادي والمضل لعباده، وأنه لا يمكن أن تتم الهداية ولا الضلال من دون إرادته وتيسيره، وعن علاقة ذلك بالعدالة والرحمة الإلهية، وعلاقته بعد ذلك وقبله بالنفس المطمئنة الراضية.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن هذه المعرفة من المعارف الضرورية للنفس المطمئنة، وأنها سبب من أسباب طمأنينتها ورضاها، ذلك أن الأساس الأكبر للطمأنينة والرضا هو اعتقاد تفرد الله تعالى بكل شيء في كونه.

ولو أن أمر الهداية والضلال، وهما من أهم الأمور التي ينبني عليها الكون، وُكل إلى غير الله، أو وُكل بعضه لغيره، لكان في ذلك مزاحمة للألوهية، وتناقضا مع التوحيد؛ ولحصل في الكون ما لا يريد ربه، وفي ذلك كل المفاسد، كما قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]

أما رضاها عن ذلك؛ فيعود إلى أمرين:

أولهما، هو فرحها باختيار الله تعالى لها للهداية؛ فيكون الفرح بالاصطفاء الإلهي أعظم من الفرح بالهداية نفسها، كما ذكرت لك ذلك عند حديثي عن التوفيق والخذلان.

وأما الثاني؛ فطمأنينتها وأمانها من أن يقع عليها الضلال من جهة أخرى؛ فما دام الضلال بيد الله؛ وقد أسلمت نفسها إليه؛ فهي بذلك تشعر براحتها العظمى من جهته، ولا تخاف من جهة غيره، لأنه لا توجد جهة تنتقم منها بسبب هدايتها.

ولو أن الأمر لم يكن كذلك لكان المهتدون ممتلئين بالمخافة من المضلين.. ولتشتتت نفوسهم، ولم يطمئنوا إلى ربهم.. أما الضالون، فيتوهمون أنهم قد غلبوا ربهم، بسبب عدم انصياعهم لهدايته.

أما توافق ذلك مع العدالة؛ فقد ذكرت لك بأن الله تعالى هو العدل المطلق، وكما أن الكون يسير بموازين دقيقة ممتلئة بالعدالة، فمثل ذلك عالم النفس وعالم الحياة.. وعالم الهداية وعالم الضلال.. فقد نصب الله تعالى للهداية أعلامها، ورغب فيها، وأرسل لأجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب، ووفر لها كل الدواعي، ووضع لها كل الحجج.

فمن رغب فيها، أقبل عليه، وثبته، وزاده هدى، ووفر له كل ما يمكن للهداية من قلبه، بل وفر له كل ما يرقيه في مراتب الهداية، بحيث تتحول معارفه الإيمانية من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين.

أما الذين يعرضون عن تلك الأعلام الواضحة البينة؛ فإن الله تعالى بعدله، لا يرغمهم على اتباعها، بل يدعهم ونفوسهم، ويعطيهم الفرص المختلفة؛ فإن اهتدوا تعامل معهم كما يتعامل مع المهتدين، وإن أبوا تركهم وضلالهم.. فهم في ضلالهم لم يخرجوا عن إرادة الله، وإنما خرجوا عن رضاه، وتحولوا عنه إلى سخطه وغضبه.

وأما توافق ذلك مع الرحمة الإلهية، فهو ما وفر الله تعالى للهداية من أسباب كثيرة واضحة، يمكن لأي عاقل، وبنظرة بسيطة أن يصل إلى الهدى.. فليس فيه إلا التواضع والسكون والتفكر، ليصل المهتدي إلى ربه، وإلى كل القيم النبيلة التي دعا لها.. بخلاف طريق الضلالة الذي فيه العنت والضنك والتعب، مع مخالفته لما تقتضيه الفطر والعقول السليمة.

إذا عرفت ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ فاقرأ كلمات ربك المقدسة على ضوء تلك الرؤية التنزيهية التعظيمية البعيدة عن الجدل، أو التي تدخل أهواءها ومزاجها فيما لا طاقة لها به.

فعندما يقول لك ربك: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ الله يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام:39)، لا تفهم منها ما يفهمه الجاحدون، الذين اتهموا ربهم بالظلم نتيجة سوء فهمهم للمشيئة الإلهية، بل اقرأ الآية بكمالها، لتعلم أن الله تعالى نصب الآيات الواضحات، وأرسل الرسل والهداة بما يوضح طرق الهداية، وسبلها، لكن المغفلين صموا آذانهم عن سماع كلمات الحق، أو رؤية الآيات الدالة عليه؛ فلذلك تحققت لهم مشيئة الضلال، وكان في إمكانهم أن تتحقق لهم مشيئة الهداية.

وبمثل ذلك اقرأ قوله تعالى، وهو يخبرنا بأن ما نراه من مشاهد الضلال ليس خارجا عن مشيئته، بل هو من مقتضياتها:﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (السجدة:13)، فالله تعالى ذكر في هذه الآية مشيئته المطلقة، وهي الدالة على وحدانيته في التصرف في الكون، وهي مشيئة مبنية على عدالته ورحمته التي لا تضع أي شيء إلا في محله الصحيح المناسب له.

وبمثل ذلك اقرأ قوله تعالى، وهو يذكر غناه المطلق عن خلقه:﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ (الأنعام:133)، فهو يشير إلى أن الهداية والضلال لا تنفع الله تعالى ولا تضره، ولا تزيد في ملكه ولا تنقص منه، وإنما منفعتها تعود للمهتدين، وضررها يعود للضالين.

فلذلك يرى المؤمن في الضلال الموجود على الأرض غنى الله المطلق عن خلقه، قال تعالى:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: 7)، وقال مخبرا عن مقالة موسى عليه السلام:﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (ابراهيم: 8)

وقد ورد في الحديث القدسي الجليل:(يقول اللّه تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)([1]

وزيادة على كل تلك المعاني النفسية التي تفرزها تلك المعارف الإيمانية؛ فإن لها أيضا تأثيرها الاجتماعي الكبير، ذلك أن المؤمن بكون الهداية من الله تعالى، وأنه لا يمكن لأحد من الناس أن يفرضها على غيره كرها، يجعله مسالما لغيره، يوفر له أسباب الهداية، ثم يتركه بعد ذلك ليختار القرار المناسب، ولهذا نهي عن الإكراه على الإيمان، فقد عقب الله تعالى قوله:﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (يونس: 99) بقوله:﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾ (يونس: 99)

ويذكر سر ذلك، وهو أن كتابة الإيمان في القلب فضل من الله، وهذا الفضل لا يكون إلا بإذنه، كما قال تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ (يونس:100)

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن الله تعالى يطمئن المبلغين والدعاة والهداة إليه، أنه في حال عدم تحقق الهداية في الذين تولوا دعوتهم، لا يعني ذلك تقصيرهم، ولا عدم أدائهم لوظائفهم التي وكلت إليهم، وإنما يدل ذلك على عدم القابلية في أولئك المدعوين، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص:56)

ويضرب المثل على ذلك بابن نوح عليه السلام، والذي توفر له كل فرص الهداية وأسبابها، ولأمد طويل جدا، ومع ذلك رغب عنها، قال تعالى: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ [هود: 42، 43]

ومثله أخبر عن زوجتي لوط ونوح عليهما السلام، قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10]

وفي مقابل ذلك ذكر امرأة فرعون، التي عاشت في بلاط الضلالة، ولكن قابليتها للهداية جعلتها من المهتدين، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11]

وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)([2]

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإيمان بتولي الله تعالى لشؤون الهداية والضلال يحمي المؤمن من تلك العقد التي تسببها رؤيته لانتشار الضلالة، وكثرة الواقعين فيها، ولهذا يتكرر في القرآن الكريم النهي عن الحزن لضلال الضالين، لأن ذلك لا يخرج عن إرادة الله في خلقه، قال تعالى:﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: 8)، وقال:﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ (الكهف:6)، وقال:﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ (الشعراء:3)

ولذلك يأمر تعالى بالتسليم لله في أمر هداية الخلق وإضلالهم بعد القيام بالأسباب المشروعة، قال تعالى:﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (الرعد:31) أي: ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق ويتبينوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا.

بل إن رؤية المؤمن لانتشار الضلالة تجعله يحمد الله تعالى، ويتوجه إليه بالشكر العميق نتيجة المن عليه واصطفائه بالهداية، كما قال تعالى مخبرا عن مقالة المؤمنين لأقوامهم:﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله ﴾ (الأنعام: 71)، وقال:﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (ابراهيم:12)، وقال تعالى مخبرا عن مقالة أهل الجنة بعد دخولها:﴿ الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ (الأعراف: 43)

أما الغافلون عن هذه الحقائق، فهم الذين يمنون على الله بإيمانهم، وبالتالي يطالبون بالجزاء على هذا الإيمان، وقد قال تعالى مخبرا عنهم ورادا عليهم:﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (الحجرات:17)

وفوق ذلك كله، فإن المؤمن بهذه المعاني تجعله يلجأ إلى الله، ويفر إليه في كل ما اشتد على نفسه قبوله أو الإذعان له؛ فيسأله أن يهديه سواء السبيل، ويريه الحق حقا، ويرزقه اتباعه..

ولذلك تمتلئ الأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة الهدى بهذه المعاني، ومن الأمثلة عنها ما ورد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه: (اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)([3]

وكان يقول:(اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت)([4]

وأوصى عليا بأنه يقول:(اللهم اهدني، وسددني)، وعلمه ما يستشعره أثناء هذا الدعاء، فقال:(واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم)([5]

ومن أدعية الإمام السجاد قوله في [مناجاة المطيعين لله]: (اللهم ألهمنا طاعتك، وجنبنا معصيتك، ويسر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء رضوانك، وأحللنا بحبوحة جنانك، واقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب، واكشف عن قلوبنا أغشية المرية والحجاب، وأزهق الباطل عن ضمآئرنا، وأثبت الحق في سرائرنا، فإن الشكوك والظنون لواقح الفتن، ومكدرة لصفو المنآئح والمنن.. اللهم احملنا في سفن نجاتك، ومتعنا بلذيذ مناجاتك، وأوردنا حياض حبك، وأذقنا حلاوة ودك وقربك، واجعل جهادنا فيك، وهمنا في طاعتك، وأخلص نياتنا في معاملتك، فإنا بك ولك، ولا وسيلة لنا إليك إلا أنت.. إلهي اجعلني من المصطفين الاخيار، وألحقني بالصالحين الابرار، السابقين إلى المكرمات، المسارعين إلى الخيرات، العاملين للباقيات الصالحات، الساعين إلى رفيع الدرجات، إنك على كل شيء قدير، وبالاجابة جدير برحمتك يا أرحم الراحمين) ([6])

وقوله في [مناجاة المريدين]: (سبحانك ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله، وما أوضح الحق عند من هديته سبيله.. إلهي فاسلك بنا سبل الوصول إليك، وسيرنا في أقرب الطرق للوفود عليك، قرب علينا البعيد، وسهل علينا العسير الشديد، وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإياك في الليل والنهار يعبدون، وهم من هيبتك مشفقون، الذين صفيت لهم المشارب، وبلغتهم الرغآئب، وأنجحت لهم المطالب، وقضيت لهم من فضلك المآرب، وملات لهم ضمائرهم من حبك ورويتهم من صافي شربك، فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا، ومنك أقصى مقاصدهم حصلوا، فيا من هو على المقبلين عليه مقبل، وبالعطف عليهم عآئد مفضل، وبالغافلين عن ذكره رحيم رؤوف، وبجذبهم إلى بابه ودود عطوف، أسألك أن تجعلني من أوفرهم منك حظا، وأعلاهم عندك منزلا، وأجزلهم من ودك قسما، وأفضلهم في معرفتك نصيبا، فقد انقطعت إليك همتي، وانصرفت نحوك رغبتي، فأنت لا غيرك مرادي، ولك لا لسواك سهري وسهادي)([7])

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بأسباب الهداية لتحل عليك أنوارها، وأول أسبابها تواضعك للحق والحقيقة، وتسليمك لأهلها، وعدم جدلك أو مشاغبتك، فهي من أعظم الحجب التي تحول بينك وبين التحقق بالهداية.


([1]) رواه مسلم وغيره.

([2]) رواه مسلم (220)

([3]) رواه الطبراني في الكبير، والحاكم.

([4]) رواه الطبراني في الكبير.

([5]) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

([6]) الصحيفة السجادية (291)

([7]) الصحيفة السجادية (292)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *