النفع والضرر

النفع والضرر

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما ورد في النصوص المقدسة من الدلالة على كون الله تعالى هو وحده النافع الضار، وكل نفع أو ضر لا يكون إلا منه، وبإذنه، وعن علاقة ذلك بالعدالة والرحمة الإلهية، وعلاقته بعد ذلك وقبله بالنفس المطمئنة الراضية.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن هذه المعرفة من المعارف الضرورية للنفس المطمئنة، وأنها سبب من أسباب طمأنينتها ورضاها، وذلك يعود إلى ما ذكرت لك من أن الأساس الأكبر للطمأنينة والرضا هو اعتقاد تفرد الله تعالى بكل شيء في كونه، وما دام النفع والضر مرتبط بالتدبيرات الكونية؛ فالله تعالى هو المتفرد بتدبيرهما.

وذلك لا يعني عدم وجود علاقة لعباده بذلك.. بل لهم علاقة كبيرة، ذلك أن النفع والضر مثلهما مثل الهداية والضلال، أو التوفيق والخذلان، أو الخفض والرفع، كلها لها أسبابها المرتبطة بأعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلهمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]

فالله تعالى أخبر في الآية الكريمة أنه هو من يذيق عباده جرائر أعمالهم، لكنه أخبر في نفس الوقت عن سبب ذلك، وهو أهليتهم وقابليتهم لذلك الضر الذي نزل بهم، وكان في إمكانهم تحويله إلى نفع لو أنهم لم يفسدوا.

وهذه المعرفة ـ أيها المريد الصادق ـ هي وحدها من يُكسب النفس طمأنينتها ورضاها، ذلك أنها تعلم أن الأمر كله لله؛ فلذلك توحّد مشاعرها جميعا نحوه، ولو أنها اعتقدت أن النفع منه والضرر من غيره، لتشتت بين إرضاء من يملك النفع، أو من يملك الضر، وذلك ما يجعلها منقسمة على نفسها، لأنها إن أرضت جهة أسخطت غيرها.

ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك)([1]

وهذا الاعتقاد ـ أيها المريد الصادق ـ هو الذي يجعل المؤمن قويا شجاعا لا يخاف في سبيل الحق الذي يحمله أو ينتصر له لومة لائم، ولذلك أخبر الله تعالى عن مقالة إبراهيم عليه السلام لقومه في عزة المؤمن عندما خوفوه بكل ألوان التخويف، حيث قال:﴿ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ (الأنعام: 80)

ثم عقب بعدها بسر الأمن النفسي العظيم الذي واجه به كل تلك المخاوف بقوله:﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام:81)

ومثله مقالة نبي اللّه هود عليه السلام لقومه عندما قالوا له:﴿ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء ﴾ (هود: 53 ـ 54)، فرد عليهم:﴿ إِنِّي أُشْهِدُ الله وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (هود:من الآية:54 ـ 56)

ولهذا يتردد في القرآن الكريم الإخبار بأن النفع والضر بيد الله، ورهن مشيئته، حتى يقرر في النفس التوحيد المطلق؛ فلا ترجع لغير الله، ولا ترجو ولا تخاف غيره، يقول تعالى آمرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (الأعراف:188)

ودعا رسول الله أن يقول لقومه: ﴿ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ الله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ (يونس:49)

ويخبر الله تعالى أن هذه المشيئة المطلقة في الضر والنفع هي من مقتضيات الألوهية، قال تعالى:﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَالله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (المائدة:76) أي لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا إيصال نفع إليكم.

ولهذا يخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن مشيئته تعالى قادرة على أن ترزقه من الخير في الدنيا ما يحولها إلى جنة في ناظريه، قال تعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ﴾ (الفرقان:10)

وفي نفس الوقت يملؤنا بمعاني التوحيد حين لا نرى الضر والنفع إلا من الله، قال تعالى:﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ (يونس:107)

ولهذا كان من أسماء الله الحسنى المقترنة ببعضها (النافع الضار)، وهما اسمان متعلقان بجميع ما يصدر في الكون مما يسمى نفعا أو ضرا، سواء نُسب ذلك إلى الله مباشرة أو نُسب للملائكة أو الإنس أو الجمادات، فمشيئة الله تعالى وراء كل ذلك، وقد قال بعض الحكماء معبرا عن هذا المعنى: (فلا تظنن أن السم يقتل ويضر بنفسه، وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه، وأن الملك والإنسان والشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شر أو نفع أو ضر بنفسه، بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له)([2]

وما نراه من نفع أو ضار صادر من الأشياء، فنتوهمه منها وبها، فننحني شكرا لها، أو نتنحى هيبة منها وهم كبير أفرزته الغفلة عن مشيئة الله، فكل ما نراه (بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي، وكما أن السلطان إذا وقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك ولا نفعه من القلم، بل من الذي القلم مسخر له، فكذلك سائر الوسائط والأسباب)

بل إن الغافل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب، أما العارف فيعلم أن الكل مسخر بيد الله ومشيئته الكاتب والقلم وسائر الأسباب والوسائط.

إذا علمت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاحذر من أن تسمي الله تعالى باسم [الضار]، مجردا عن اسمه [النافع]، فيستحيل على الله تعالى خلق الشر المجرد، أو أن يكون ضارا بخلقه، وكيف يكون ذلك، وهو الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.

فلذلك كان كل ما نراه ضررا أو شرا صادرا منه ممتلئا برحمات كثيرة تغيب عنا حقائقها، فيكون حالنا كحال من يرى الطبيب الجراح، وهو يقوم بتمزيق جسد المريض، فيتوهم أنه يعذبه بذلك، ولا يعلم أنه يداويه به.

وأول تلك الرحمات تمييز مراتب الخلق في هذه النشأة حتى لا يختلط الطيب بالخبيث، والصالح بالمفسد، وذلك أن الله تعالى جعل بحكمته هذه الدار محلا لاختبار عباده، لينزل كل واحد منهم ـ في النشأة الآخرة ـ المحل الذي ينسجم مع طبيعته، وتبرزه أهليته.

فلذلك كان ذلك الضرر البسيط المحدود المتنزل على الخلق نوعا من الاختبار لطبائعهم وما تكنه صدورهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأنفال:37)، وقال:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142)، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ الله وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:16)

وقد أشار بعض الحكماء إلى هذا المعنى حين دخل عليه جماعة يزورونه، فجمع بـين يديه حجارة، ثم قال: من أنتم؟ فقالوا: محبوك، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال: ما بالكم ادعيتم محبتي، إن صدقتم فاصبروا على بلائي.

وقال آخر: كنت نائما عند بعض الصالحين، فانبهني فقال لي: (يا فلان، رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي: خلقت الخلق فكلهم ادعى محبتي، وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم، وبقي معي العشر، وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر، وبقي معي عشر العشر، فسلطت عليهم ذرة من البلاء، فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر، فقلت للباقين: معي، لا الدنيا اردتم، ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم، فماذا تريدون، قالوا: إنك تعلم ما نريد، فقلت لهم: فإني مسلط عليكم من البلاء بعدد انفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي اتصبرون؟ قالوا: اذا كنت انت المبتلي لنا، فافعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا)

وقال آخر: (الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه)

وبناء على هذا يخبرنا القرآن الكريم عن المواقف المختلفة من أنواع البلاء، وتمييز الخلق على أساسها، ففي موقف الخوف مثلا يخبر تعالى عن صنفين من الناس: أما الأول، وهو الناجح في الاختبار، فيذكر وقوفه كالطود الأشمّ أمام كل المخاوف، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173)

وأما غيرهم من الجبناء الساقطين في الاختبار، فقد قال تعالى في شأنهم:﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ (المائدة:52)

وقد أخبر تعالى عن الناجحين في الاختبار بأنه من المنعم عليهم، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة:23)

وهذا في مقابلة الساقطين الجبناء الذين قالوا:﴿ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة:22)، وقالوا بكل تبجح:﴿ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:24)

وهكذا في كل المواقف، نجد المؤمنين الصادقين الناجحين فيما أنعم به عليهم من البلاء، ونجد الراسبين الساقطين في الامتحان الذين قال تعالى في شأنهم:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج:11)

فهذا الخاسر لا يعبد الله في الحقيقة وإنما يعبد أهواءه التي قد تتفق أحيانا مع ما يأمر به الله، فيتوهم الخلق أنه يعبد الله، فلذلك يبتلى بما يظهر حقيقته، ويكشف عن سريرته.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن ذلك البلاء المحدود الذي قد ينزله الله على عباده، يستبطن خيرا كثيرا، فهو ضرر في ظاهره، لكنه نفع ونعمة في باطنه، ولهذا ورد الأمر بتبشير الصابرين، والبشارة لا تكون إلا على نعمة وفضل، قال تعالى:﴿ وَلَنَبلُوَنكُم بِشَيء منَ الخَوف وَالجُوعِ وَنَقصٍ منَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثمَراتِ وَبَشرِ الصابِرِينَ الذِينَ إِذَا أَصَـابَتهُم مصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلهِ وَإِنـا إِلَيهِ راجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ من ربهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ ﴾ (البقرة:155-157)

ولهذا ذكر الله تعالى كثرة الخير المخزن في طيات ما نكره، فقال:﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (النساء:19)، وقد قال بعضهم تعليقا على الآية: (لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك)

ولهذا بشر صلى الله عليه وآله وسلم المبتلين بأنهم سيكونون موضع غبطة الخلق يوم القيامة عندما يعاينون ما أعد الله لهم من جزاء، فقال: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([3])

وهذا ما جعل أصحاب النفوس المطمئنة الراضية ينشغلون بالمكاسب المرتبطة بما ينزل بهم، بدل الانشغال بالآلام التي تعرض لهم، وقد روي أن بعضهم راح يعدد المعاني الجمالية المصبوبة في قوالب البلاء، فقال: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني)

وروي عن بعض الصالحين أنه برىء من علة كان فيها، فجلس للناس، وهنؤوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامهم، قال: (إن في العلل لنعماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للمثوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد، الخيار)

ومن تلك النعم التي يراها أصحاب النفوس المطمئنة، والتي يحجب عنها المعترضون على الله من أصحاب النفوس الأمارة، [نعمة التأديب]، وهي التي أشار إليها قوله تعالى:﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الانبياء:87)، فقد جعل الله تعالى ذلك البلاء الذي حل بيونس عليه السلام مؤدبا له، وزاجرا عما وقع فيه.

ومثل ذلك ما حصل لآدم عليه السلام من أكله من الشجرة بعد أن نهي عنها.. فقد ابتلي ليؤدب أمام أوامر ربه، وليعرف مدى عداوة الشيطان له، فكان ظاهر بلائه نقمة، وباطنه رحمة، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأعراف:22)

ولو أن ذلك الخروج كان نهائيا من الجنة بحيث يستحيل أن يعود إليها، كان ضررا محضا، ولكنه عندما أتيح له أن يعود إليها بعد تحققه بالشروط التي تستلزمها، كان نفعا محضا، وقد قال بعض الحكماء على لسان الحضرة الإلهية مخاطبا آدم عليه السلام، يبين النعم المختفية وراء العقوبة: (يا آدم لا تجزع من قولي لك:﴿ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ (الأعراف:24)، فلك ولصالح ذريتك خلقتها.. يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك.. يا آدم لا تجزع من قولي لك:﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ (البقرة:216)([4])

ولهذا ورد في النصوص المقدسة الإخبار بابتلاء الله لعباده بسبب الذنوب التي يقعون فيها، وهو ابتلاء يشبه تماما تقريع المعلم لتلميذه رادعا له ومؤديا، وقد قال تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30)، فالآية الكريمة تبيّن بوضوح أن المصائب التي تصيب الإنسان هي نوع من التحذير والعقاب الإلهي إلا ما كان من البلاء المتعلق بالمقربين من الأنبياء والصديقين، فله نواح أخرى غير هذا.

وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر)([5]

ولهذا، فإن أصحاب النفوس المطمئنة يمتلئون سرورا، وهم يوقنون هذا المعنى، ذلك أنهم يلاحظون عناية الله تعالى بهم، وتأديبه لهم، وقد ورد في الحديث الإشارة إلى ذلك، فعن الإمام علي أنه قال: (ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30)، ثم قال: (يا علي ما أصابكم من مرض أوعقوبة أوبلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه)([6])

وقد شاءت حكمة الله وعدله وتربيته لعباده ألا ينزل البلاء على الأفراد فقط، بل هو يعدوها إلى المجتمعات لينبهها حتى تعود إلى ربها وتتأدب بين يديه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلهمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)، وهذا يدل على كون هذا سنة اجتماعية.

وفي قوله تعالى:﴿ لَعَلهمْ يَرْجِعُونَ ﴾ تنبيه إلى أن العلة في ذلك ليس الانتقام وإنما التأديب، فـ ﴿ مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء:147)

ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:53)، وقوله:﴿ إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (الرعد:11)

وقد عبر عن هذا بعض الحكماء، فقال: (المحن آداب الله عز وجل لخلقه، وتأديب الله بفتح القلوب، والأسماع، والأبصار)

وكتب آخر إلى صديق له في محنة لحقته: (إن الله تعالى ليمتحن العبد، ليكثر التواضع له، والاستعانة به، ويجدد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدته، لأن دوام النعم والعافية، يبطران الإنسان، حتى يعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه)

وقد قال الشاعر معبرا عن ذلك:

لا يترك اللّه عبداً ليس يذكره

   ممن يؤدّبه أو من يؤنّبه

أو نعمة تقتضي شكراً يدوم له

   أو نقمة حين ينسى الشكر تنكبه

ومن تلك النعم التي يراها أصحاب النفوس المطمئنة، ويحجب عنها أصحاب النفوس الأمارة، [نعمة التذكير]، وهي التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (فاطر:37)، فمن الأقوال في تفسيرها أن المراد بالنذر الأمراض.

وقد ورد في بعض الآثار: (الحمى رائد الموت، وسجن الله في الأرض)([7])

وروي أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لملك الموت عليه السلام: أمالك رسول تقدمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: (نعم، لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدم إليك رسولاً بعد رسول ونذيراً بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير، فما من يوم تطلع فيه شمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي: يا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد. يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد، با أبناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير:﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (فاطر:37))([8])

وكل هذه المعاني تجعل المؤمن الكيّس الفطن الحذر على دينه ومستقبله الحقيقي يسارع إلى المبادرة بالأعمال الصالحة، قبل أن يفوت الأوان..

وليس ذلك فقط، بل إن البلاء في صوره المؤلمة يجعل صاحبه يقلع عما هو فيه من الغي، فلا يلقى الله وهو في سكرات غيه، وقد قال بعض الحكماء معبرا عن ذلك: (إن الشيخوخة والمرض والبلاء، وما يحدث من وفيات هنا وهناك، تقطّر ذلك الألم المرير إلى نفس كل إنسان، وتُنذره دوماً بمصيره المحتوم، فلا جرم أن أولئك الضالين وأرباب السفاهة والمجون سيتأجج في قلوبهم جحيمٌ معنوي، يعذبهم بلظاه حتى لو تمتعوا بمباهج الدنيا ولذائذها، بيد أن الغفلة وحدها هي التي تحول دون استشعارهم ذلك العذاب الأليم)([9]

وقال ـ يخاطب مريضا متألما يذكره بالكنوز المخبأة في طيات المرض ـ: (أيها المسكين الشاكي من المرض! إن المرض يغدو كنزاً عظيماً لبعض الناس، وهدية إلهية ثمينة لهم.. وباستطاعة كل مريض أن يتصور مرضه من هذا النوع، حيث أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الأجلُ مجهولاً وقته، إنقاذاً للإنسان من اليأس المطلق أو من الغفلة المطلقة، وإبقاءاً له بين الخوف والرجاء، حفظاً لدنياه وآخرته من السقوط في هاوية الخسران.. أي أن الأجل متوقع مجيئه كل حين، فإن تمكّن من الإنسان وهو سادر في غفلته يكّبده خسائر فادحة في حياته الأخروية الأبدية. فالمرض يبدد تلك الغفلة ويشتتها، وبالتالي يذكّر بالآخرة ويستحضر الموت في الذهن فيتأهب له. بل يحدث أن يربّحه ربحاً عظيماً، فيفوز خلال عشرين يوماً بما قد يستعصي استحصاله خلال عشرين سنة كاملة([10])

ومن تلك النعم التي يراها أصحاب النفوس المطمئنة، ويحجب عنها أصحاب النفوس الأمارة، [نعمة الافتقار]، وهي التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق:6 ـ 7)، فقد أخبر تعالى بأن رؤية الإنسان لغناه، تجعله طاغية ظالما متعديا لحدوده.

ولذلك يكون الافتقار، وكل ما يؤدي إليه نعمة من النعم تخلص الإنسان من الطغيان، وتعيده إلى وضعه الطبيعي.

وهذا ما تشير إليه آيات كثيرة في القرآن الكريم، فالله تعالى يقول، وهو يبين سنة اجتماعية لا تكاد تتخلف: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى:27)

وهذا ما يدل عليه الواقع.. فهم إن عاشوا الترف نسوا الخالق والمخلوق.. وظلموا وبغوا، كما عبر عن ذلك بعض الحكماء، فقال: (الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع)([11]

وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على أن من العقوبة التي تنزل على عباد الله الغافلين أن تفتح عليهم زهرة الدنيا، ويفاض عليهم نعيمها، قال تعالى:﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام:44)

ويروى في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم)، ثم تلا قوله تعالى:﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام:44))([12]

ولهذا، فإن المتوسمين من عباد الله يستدلون بوجود الفاقات على قرب الصدقات، لأن الفاقة تحقق صاحبها بالافتقار، والافتقار يؤهل صاحبه للفضل، وقد أشار بعض الحكماء إلى هذا فقال: (خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وترد فيه إلى وجود ذِلتك)

وقال: (فاقتك لك ذاتية، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها، والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض)

ولهذه الآثار الجميلة التي يحدثها البلاء في النفس، ومع الله، ومع المجتمع، كان الحمد لله والشكر له يخرج من أفواه الصالحين غضا طريا مشفوعا بالشعور بالمنة لاعتقادهم أن الله ما ابتلاهم ليعذبهم، وإنما ابتلاهم ليخلصهم من أوزار نفوسهم، وليجعلهم أهلا له، وقد روي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: (إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغني مقبلا إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته)([13])

وكان بعضهم إذا اشتد مرضه وجوعه يقول: (إلهي ابتليتني بالمرض والجوع، وكذلك تفعل بأوليائك، فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي)

وكان آخر يقول: (إلهي أجعتني، وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح، وإنما تفعل ذلك بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك؟)

وسر ذلك هو خوف الصالحين من الاستدراج بالنعيم، كما قال قائلهم: (والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه)

بل هذا ما صرح به صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)([14])

هذه بعض نعم الله المختزنة في طي بلائه.. والتي يراها المؤمنون نعما يفرحون بها، ولا يحزنون لها، بينما يراها الغافلون شرا محضا، ويتهمون الله بسببها، أو قد يشركون به، فيتوهمون أنها من غيره، وكأن للكون إلهين: إله يدير خيره، وآخر يدير شره.

هذا جوابي على رسالتك ـ أيها المريد الصادق ـ فأحسن ظنك بربك، واعلم أنه لا يريد لك إلا الخير والصلاح، واعلم أن هناك عالما آخر غير هذا العالم لن ترى فيه إلا الخير المحض، والنفع الخالص، ولكن بشرط أن تتحقق بالأهلية التي تجعلك مستحقا لذلك الجزاء العظيم.

وأول ذلك أن تصفي نفسك، وتسلم قلبك لربك، ولا تدع فيه محلا للشر، ولا للضر؛ فإن الخير المحض، والنفع الخالص، لا تناله إلا القلوب السليمة الصافية الخالصة الخالية من كل كدر.


([1]) رواه الترمذي والحاكم.

([2]) المقصد الأسنى: 145.

([3]) الترمذي رقم (2403)

([4]) الفوائد:35.

([5]) ابن عساكر.

([6]) أخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً، ورواه مرفوعاً من وجه آخر.

([7]) ابن السني وأبو نعيم في الطب.

([8]) ذكره ابن الجوزي في كتاب:(روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق)

([9]) الكلمات، النورسي، ص: 158.

([10]) اللمعات، النورسي، 326، بتصرف.

([11]) التفسير الكبير.

([12]) ابن أبي حاتم.

([13]) وهذا ـ طبعا ـ ليس على عمومه، بل له محله الخاص، وقد ذكرنا المعنى الصحيح لهذا الخبر في رسالة (كنوز الفقراء)

([14]) أحمد والترمذي وابن ماجة عن عمرو بن عوف.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *