المنازل والمراتب

المنازل والمراتب

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن مراتب المصطفين الذين اجتباهم الله تعالى، وكيفية التعرف عليها، وعن تأثيرها في طمأنينة النفس ورضاها.

وقد ذكرت لي في عقب الرسالة بعض ما ورد في كتب التزكية من تلك المراتب، ومنها ما ذكروه من تفاصيل عن طبقات الأولياء ووظائفهم في الأرض، وأن ترتيب بعض تلك الطبقات يشبه ترتيب السماوات السبع، حيث يحكم البدل الأول: الإقليم الأول للسماء السابعة، وهو على قلب الخليل عليه السلام.. ويحكم البدل الثاني الإقليم الثاني للسماء السادسة وهو على قلب موسى عليه السلام.. ويحكم البدل الثالث الإقليم الثالث للسماء الخامسة وهو على قلب هارون عليه السلام.. ويحكم البدل الرابع الإقليم الرابع للسماء الرابعة وهو على قلب إدريس عليه السلام.. ويحكم البدل الخامس الإقليم الخامس للسماء الثالثة وهو على قلب يوسف عليه السلام.. ويحكم البدل السادس الإقليم السادس للسماء الثانية وهو على قلب عيسى عليه السلام.. ويحكم الإقليم السابع للسماء الأولى وهو على قلب آدم عليه السلام([1])

وذكرت لي قول بعضهم: (إنه تنـزل عليهم العلوم لكل يوم علم من رقائق على قلب من هؤلاء، ويلي هؤلاء في المقام النجباء والرجباء والنقباء وأهل الغيب وأهل النجدة، وغيرهم، وكل منهم ينظم عملاً في الحكومة الباطنية ويستهدف رسالة فيها) ([2])

وعن آخر قوله: (ثلاثمائة من الأولياء، سبعون هم النجباء، وأربعون هم أوتاد الأرض، وعشرة هم النقباء، وسبعة هم العرفاء، وثلاثة هم المختارون، وواحد منهم هو القطب الغوث الفرد)([3]).

وعن آخر أن (الأبدال في الطبقة الخامسة من طبقات الأولياء التي تنحدر من القطب الأعظم، ويتقدم عليهم بعد القطب الذي يأتي في المرتبة الأولى الإمامان ثم الأوتاد، ثم الأفراد السبعة، ويأتي بعد الأبدال الذين هم في الطبقة الخامسة النجباء، ثم النقباء، ثم العصائب، فالحكماء أو المفردون، ثم الرجبيون)([4])

وأن (كل طبقة من الطبقات العشر لها إقليم خاص ومجال عمل خاص، فإذا خلا مكان في طبقة ملئ بعضو من أعضاء الطبقة التي هي دونها مباشرة)([5]

ثم ذكرت لي عقب ذلك ما ذكروه حول ختم الأولياء، وأنه (واحد لا في كل زمان، بل واحد في العالم، يختم الله به الولاية المحمدية، فلا يكون في الأولياء المحمديين أكبر منه)([6])

وأنه سمي كذلك (لأنه يأتي يوم القيامة وفي يده اليمنى محل الملك الأسنى خاتم مثالي جسماني، وفي يده اليسرى محل الإمام الأسرى بخاتم نزالي روحاني، وقد انتشر باليمين في زمرة أهل التعيين، وقد انتشر باليسار مع أهل التمكين. خصص بعلمين، وخوطب باسمين)([7])

وأن بعضهم قال عنه: (وأما ختم الولاية المحمدية فهي لرجل من العرب، من أكرمها أصلا ويدا. وهو، في زماننا اليوم، موجود عرفت به سنة خمس وتسعين وخمس مائة، ورأيت العلامة التي له قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده، وكشفها لي بمدينة فاس حتى رأيت خاتم الولاية منه، وهو خاتم النبوة المطلقة، لا يعلمه كثير من الناس، وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به. وكما أن الله ختم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوة الشرائع، كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي، لا التي تحصل من سائر الأنبياء، فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى وعيسى، فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي، وبعده فلا يوجد ولى على قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا معنى خاتم الولاية المحمدية، وأما ختم الولاية العامة الذي لا يوجد بعده ولى، فهو عيسى عليه السلام ولقينا جماعة ممن هو على قلب عيسى عليه السلام وغيره من الرسل عليهم السلام وقد جمعت بين صاحبى عبد الله (بدر الحبشي) وإسماعيل بن سودكين وبين هذا الختم، ودعا لهما وانتفعا به) ([8])

ثم ذكرت لي بعد ذلك ما أوردوه حول التفاضل بين الملائكة والبشر، وأن بعض مفضلة البشر على الملائكة قال: (ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء! فإن كان التفضيل بالصور، فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة، وإن تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها، فالصورة ليست الآدمي، إنما هي قالب، ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة، مثل: خلوف فم الصائم، ودم الشهداء، والنوم في الصلاة، فبقيت صورة معمورة، وصار الحكم للمعنى. ألهم مرتبة يحبهم أو فضيلة يباهي بهم.. وكيف دار الأمر، فقد سجدوا لنا، وهو صريح في تفضيلنا عليهم.. فإن كانت الفضيلة بالعلم، فقد علمت القصة يوم: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: 32] ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة:33]، وإن فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم، فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس، وعلينا أثقال أعباء الجسم.. واعجبًا، أتفضل الملائكة بكثرة التعبد.. أو يتعجب من الماء إذا جرى، أو من منحدر يسرع؟! إنما العجب من مصاعد يشق الطريق، ويغالب العقبات.. بلى، قد يتصور منهم الخلاف، ودعوى الإلهية؛ لقدرتهم على دك الصخور وشق الأرض، لذلك تواعدوا: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 29]، لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه) ([9])

ثم قال: (ثم أكثرهم في خدمتنا، بين كتبة علينا، ودافعين عنا، ومسخرين لإرسال الريح والمطر، وأكثر وظائفهم الاستغفار لنا، فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة.. وأما إذا ما حكت على محك التجارب طائفة منهم مثل ما روي عن هاروت وماروت، خرجوا أقبح من بهرج، ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير؛ لأنهم شديدو الإشفاق والخوف، لعلمهم بعظمة الخالق، لكن طمأنينة من لم يخطئ تقوى نفسه، وانزعاج الغائص في الزلل يرقي روحه إلى التراقي) ([10])

وجوابا على سؤالك الوجيه، وما ذكرته لي بعده من تعقيبات ونصوص، أذكر لك أن كل ذلك الذي ذكروه مما لا علاقة له بالتزكية والترقية، ولا بالسلوك التحققي ولا التخلقي، ولا بالنفس المطمئنة ولا الراضية، فالنفس المطمئنة والراضية تنظر إلى أن كل شيء في محله الصحيح الذي يناسبه، لذلك لا تتجرأ على التقديم ولا التأخير، ولا الرفع ولا الخفض من دون إذن إلهي صريح، وبطريقته السليمة الصحيحة.

ولذلك حز في نفسي كثيرا ما ذكرته من تلك الأقوال التي تفضل البشر على الملائكة؛ أو عكسها تلك التي تفضل الملائكة على البشر.. فهي لم تزد إلا أن رفعت البشر بالتقليل من شأن الملائكة، أو خفضت من شأن الصالحين لترفع من شأن الملائكة.. وكل ذلك إساءة للجميع.

والنفس المطمئنة هي التي تنظر إلى الصالحين نظرة واحدة؛ فتحبهم جميعا، وتكرمهم جميعا، ولا تفرق بينهم في ذلك، ثم تكل أمر التفاضل بينهم لله تعالى، إلا إذا ورد التصريح بشيء من ذلك، فهي تسلم له من دون أن تبحث في دواعيه، لأن ذلك قد يسيء إلى المفضل عليهم.

ولهذا يذكر الله تعالى من شروط الإيمان الصحيح بالرسل عليهم السلام عدم التفريق بينهم، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:136)، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:285)، وقال: ﴿قُلْ آمَنَّا بِالله وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:84)

وهكذا الأمر في المفاضلة بينهم وبين الملائكة عليهم السلام، والتي أدت إلى التهوين من أحد الطرفين، وهو خلاف ما أمرنا به من تقديس واحترام وتكريم الجميع.

ولذلك فإن النفس المطمئنة تتجاوز كل هذه الشؤون، لأنها شؤون إلهية، ولا علاقة لها بها، بل هي تحترم الجميع، وتقدس الجميع، ولا تتجاوز قدرها في البحث عن أشياء لا طاقة لها بها، ولا دور لها فيها.

بالإضافة إلى أن عالم الحكمة الإلهية يقتضي عدم الاهتمام بذلك، لأن كل شيء في الكون موضوع في محله الصحيح، ولذلك لا فاضل ولا مفضول، ولا مميز ولا محتقر بهذا الاعتبار؛ فالقلادة الذهبية في جيد الحسناء أفضل من طوق الحديد الثقيل، ولكن طوق الحديد في الخرسانة المسلحة أفضل بكثير من تلك القلادة الذهبية، بل إن القلادة لا تصلح أصلا للخرسانة ولا تنفعها بل تضرها.

وهكذا يقال في عوالم الخلق، فكل شيء في محله الصحيح بادئ الرأي، ولكن الاختلاف يحدث بالخروج من عالم الحكمة.. وهكذا يقال في الإنسان، فالله خلق﴿الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4]، وأعطاه من المواهب في التعرف على حقائق الأسماء ما لم تحر الملائكة عنه جوابا، وهو بتلك الحقيقة كالملائكة لا يختلف عنها، إن لم يكن يفضلها في بعض تلك المواهب التي ليست لها، كما أنها تفضله في بعض المواهب التي ليست له.

لكن الإنسان ـ بما وهبه الله تعالى من طاقات الاختيار ـ قد يتردى فينزل عن أفق إنسانيته السامي إلى درك دون درك الحيوان والجماد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]، وهو في تلك الحالة لا يجوز مفاضلته بالحيوان، بل بالجماد، فكيف تجوز مفاضلته بالملائكة الكرام؟

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن تقع فيما وقع فيه أولئك الذين فضلوا البشر على الملائكة، وتوهموا أن الله تعالى ما عرض تلك الأسماء على الملائكة، إلا ليبين فضل آدم عليها؛ فالأمر ليس كذلك، لأن فيه إساءة للملائكة، وأنهم اعترضوا على الله، ولم يقتنعوا إلا بعد أن فشلوا في المسابقة.

والفهم الصحيح لذلك هو أن الله تعالى لم يعرض الأسماء على الملائكة عليهم السلام ليتحداهم، بل عرضها لهم ليبين لهم أن آدم عليه السلام قد زُود من العلوم ما يؤهله للخلافة في الأرض.

وهم لم يعرفوا تلك الأسماء التي عرضت عليهم قصورا أو نقصا، وإنما لأنه لا حاجة لهم لأن يعرفوها، ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

وهو يشير إلى أنهم وهبوا من العلوم ما يناسب وظائفهم، كما وُهب آدم عليه السلام من العلوم ما يناسب وظيفته، فلا تفاضل في هذا ولا تزاحم.

ومثال ذلك مثال شخص أراد أن يدرس الطب؛ فهل يمتحن في العلوم المرتبطة به، أم يمتحن في الفلك والجغرافيا؟

فكذلك الأمر مع آدم عليه السلام والملائكة، فلها من العلم ما ليس لآدم، وله من العلم ما ليس لها، ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الملائكة الموكلة بالجنين لها من العلم بالإنسان ما ليس للإنسان نفسه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يدخُلُ الْمَلَكُ على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأَربعين أَو خمس وأَربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقى أَم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أَذكر أَم أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأَثره ورزقه، ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيها ولا ينقص) ([11]

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50)، وهو يدل على أن الله تعالى إذا خلق خلقا أعطاه من العلوم ما يوفر له أسباب الهداية الخاصة به، والتي قد يجهلها غيره لعدم حاجته إليها.

وذلك ليس خاصا بالإنسان والملائكة، بل بكل شيء، كما قال تعالى عن عالم النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 68، 69]، وهو يدل على أن علم النحل بكيفية صنعة العسل، والثمار المرتبطة بها، من العلوم التي خص بها النحل، ويجهلها غيره.

وهكذا قال عن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ [النمل: 22]، ولم يعاتبه سليمان عليه السلام على قوله هذا، لعلمه أن لكل شيء قدراته الخاصة به.

وهكذا يقال عن تعلم موسى على يدي الخضر عليهما السلام، لا يدل على فضل الخضر عليه.. ذلك أن لكل منهما علومه الخاصة به.

ولذلك؛ فإن الأدب مع الله تعالى ترك ما لا طاقة لنا به إلا إذا ورد النص بذلك؛ فيذكر من غير تفصيل في الأسباب، لأنها قد تؤدي إلى استنقاص أي طرف بغية رفع الطرف الآخر.

وقد رأيت ذلك في كتب العقائد والتزكية وغيرها؛ فهم عندما يفضلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأنبياء يأتون بالأمثلة المختلفة على ذلك، والتي تهون من شأن الأنبياء وتنقص من قدرهم.. وهو سوء أدب معهم.. ولو أنهم اكتفوا بأفضلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون تفصيل لكان ذلك أجدى لهم.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن كل ما ذكروه مما لم يرد في النصوص المقدسة من مراتب الأولياء، وفضل بعضهم على بعض، من العلوم التي لا تنفع، والجهل بها لا يضر.

بل إن العلم بها، وانتشارها بين العوام مما يضرهم، ويجعلهم عرضة للمبتزين والمتاجرين والمتلاعبين.. حيث يدعي من شاء من لصوص الدين أنه البدل، أو أنه الغوث، أو أنه القطب، ليتلاعب بعد ذلك بأولئك الذين سلموا أنفسهم له.

والأمر لا يقتصر على المبتزين والمتاجرين، بل إن بعض الصالحين أو كثير منهم، قد يرى في الرؤى والأحلام التي يختلط فيها الصدق بالكذب، وإلهامات الملائكة بوساوس الشياطين من يذكر له أنه القطب أو البدل أو الغوث؛ فيذهب بتلك البشارات، وينشرها بين الناس ليستعبده الجاه المرتبط بالدين، والذي هو أخطر من الجاه المرتبط بالدنيا.

لذلك أنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ بأن تغض طرفك عن كل ذلك.. فإن شئت أن تعرف منازل الأولياء ومراتبهم؛ فاقرأ تلك الآيات الكريمة التي تصف المخبتين وعباد الرحمن وغيرهم، فهي أجدى لك وأنفع.

واعلم أن تلك المراتب التي ذكروها، وغيرها كثير، تصرفك عن نبيك صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة الهدى الذين أوصى بهم، والذين هم أولى بعنايتك.. فهم لم يدعوا لأنفسهم شيئا، بل اكتفوا بأن يعرضوا الهدي الذي كلفوا به نقيا صافيا خالصا من كل الشوائب؛ فاقبل هديهم، واحرص على القيم التي مثلوها أحسن تمثيل، ولا تخلط دينك بالخرافة والأساطير؛ فهي مما يبعدك عن ربك، وعن الدين القيم الذي دعا إليه، وأمر به.


([1]) الفتوحات المكية، ص 370، 376.

([2]) عبد الوهاب الشعراني، اليواقيت والجواهر، ج2 ص 82.

([3]) روض الرياحين في حكايات الصالحين، ص 172.

([4]) دائرة المعارف الإسلامية، العدد 2 ص 142.

([5]) د. حسن الشرقاوي، معجم ألفاظ الصوفية، ص 22، 25.

([6]) الفتوحات المكية، ج 2ص 9.

([7]) ابن عربي، عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب، ص 19.

([8]) الفتوحات المكية، ج 12، ص: 121.

([9]) صيد الخاطر (ص: 88)

([10]) صيد الخاطر (ص: 89)

([11]) رواه مسلم..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *