الملك والملكوت

الملك والملكوت

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الملك والملكوت وحقيقتهما، والفرق بينهما، وعلاقتها بالنفس المطمئنة ورضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن كلا اللفظين وردا في القرآن الكريم، وفي مواضع تكاد تكون متشابهة، فقد قال الله تعالى عن الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ ﴾ [الأنعام: 73]، وقال: ﴿يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التغابن: 1]

وهذه الآيات الكريمة تدل على ملكية الله تعالى لكل شيء، سواء كانت ملكية امتلاك، أم ملكية حكم وتدبير.

ومثل ذلك قال عن الملكوت: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83]، وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، وقال: ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لله قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 88، 89]، وهي أيضا تدل على ملكية الله تعالى لكل شيء.

وهما في هذا مثل لفظي الإسلام والإيمان؛ فهما قد يعنيان معنى واحدا، كما قال تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35، 36]، وقد يفترقان، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: 14]

وبناء على القاعدة التي تذكر أن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى؛ فإن هذا يدل على أن لفظ [الملكوت]، وإن كانت لها نفس دلالة لفظة [الملك] في الغالب إلا أن لها دلالة خاصة في حال كونهما في محل واحد، فهما كما يقال: (إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا)

ولذلك؛ فإن الحكماء ذكروا لكلا اللفظين مواضعهما الخاصة بهما، وتعارفوا على ذلك، بناء على اصطلاح اصطلحوه، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ فلذلك اعتبروا [عالم الملك] قاصرا على العالم المشاهد المحسوس الملموس، والذي يمكن إدراكه بحواسنا، أو بما نصل إليه من الوسائط، وأما [عالم الملكوت]؛ فيقصدون به العوالم الخفية والغيبية التي لا يمكن للحواس أن تدركها.

وتبدأ تلك العوالم الغيبية بصلة الملك بالله تعالى، أي أن من تمكن من رؤية الملكوت عرف ارتباط الخلق بالخالق، وأنه لا يمكن أن يقوم الخلق من دون خالق.. ولذلك تصبح رؤيته للأشياء الحسية رؤية ملكوتية، كما عبر عن ذلك بعض الحكماء، فقال: (ملكوت الشيء: ما هو الشيء به قائم)([1]

وقال آخر: (الملكوت: باطن من الكون، لا تدركه الحواس الخمس، ولا يقبل القسمة والتجزؤ، لأنه ليس بجسم ولا عرض، بل جوهر قائم بقيّوميّة الحق تعالى)([2])

وقال آخر(الملكوت ما يدرك بالبصيرة والعلم، كما أن الملك ما يدرك بالبصر والوهم.. أو تقول: الملكوت مدرك أهل الجمع، والملك مدرك أهل الفرق.. أو تقول: الملك ما ظهر، والملكوت ما بطن.. فالملكوت مدرك أهل الشهود والعيان، والملك مدرك أهل الدليل والبرهان)([3]

وقال: (الملك: ما ظهر من حس الكائنات، والملكوت: ما بطن فيها من أسرار المعاني، والجبروت: البحر المحيط الذي تدفق منه الحس والمعنى)([4])

وقال: (عالم الملكوت: هو محل استقرار الصفات، كالقدرة والإرادة والعلم والحياة.. فهو أشبه بالأم في تربية الولد قبل الظهور)([5])

وقال آخر: (عالم الملكوت: عالم المعاني والغيب، والارتقاء إليه من عالم الملك)([6])

وقال آخر: (الملكوت: هو حضرة الأرواح، التي هي مظهر صفات الجمال والجلال، فكل ما يدرك بالعقل النوراني والفهم فهو من هذه الحضرة)([7])

وقال آخر: (الملكوت هو عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس، ويقال له: عالم الأنوار القدسية، والأسرار الأنسية، وعالم الأمر، وحضرة القدس)([8]

ويشمل هذا العالم كل ما لا يمكن إدراكه بالحواس كالملائكة وغيرها من المخلوقات التي تعيش معنا، ولكنا مع ذلك لا نراها لافتقادنا للمدارك الخاصة بها.

وهو ليس خاصا فقط بتلك الغيبيات فقط، بل بكل شيء، فالصلاة مثلا لها صورة ملكية، هي تلك الحركات التي نقوم بها، أو الآيات التي نقرؤها، ولها صورة ملكوتية، وهي حقيقتها، والتي تكون خفية عنا، لكنها ظاهرة للملائكة عليهم السلام، أو من شفّت أرواحهم، وكانت لهم الفراسة والتوسم، التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله) ([9]

ولذلك ورد في القرآن الكريم الدلالة على إمكانية رؤية هذا النوع من العوالم إذا ما توفر الاستعداد لذلك، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75]

بل إن القرآن الكريم يشير إلى أن ذلك ليس خاصا بالرسل عليهم السلام، وإنما هو عام لكل من طهر نفسه وزكاها، وتخلى عن الغفلة التي تحجبها عن رؤية هذا النوع من العوالم، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]، فهذه الآية الكريمة تبين أن الإنسان بعد موته، أو حين موته تنكشف له الحقائق، ويتجلى له ما كان غافلا عنه، ذلك أنه لم يكن يرى سوى عالم الملك، وغافلا عن عالم الملكوت، وبعد الموت يظهر له ما كان خافيا عنه من هذا العالم.

ولهذا؛ فإن رؤية عالم الملكوت لا تستدعي سوى رفع التعلق عن عالم الملك، لأنه لا يمكن أن تجتمع الرؤيتان معا، مثلما لا تجتمع الرؤى التي يراها النائم في أحلامه مع اليقظة، ولهذا كانت بعض أنواع الأحلام نوعا من التطلع إلى عالم الملكوت، ولهذا قد نرى المستقبل، أو ما خفي من الأمور.

ولهذا اعتبر القرآن الكريم النوم نوعا من الموت، فقال: ﴿ الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 42]

وهكذا يقر أكثر الفلاسفة والحكماء على أن هناك من يستطيع أن يدخل في نوع من الموت الاختياري، والذي يستطيع من خلاله أن يرى من الأشياء ما لا يراه غيره، وهو ما يعبر عنه بالكشف والمشاهدة، أو كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]

فالآية الكريمة تشير إلى أن الحجاب بين عالم الملك والملكوت ليس الجسد، وإنما الغفلة، ولذلك يمكن لمن رفع الغفلة عن قلبه أن يرى الحقائق في الدنيا قبل الآخرة، كما أشار إلى ذلك ما ورد في الحديث عن الحارث بن مالك الانصاري، قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (كيف أصبحت يا حارث؟) قال: أصبحت مؤمنا حقا. فقال: (انظر ما تقول؟ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟) فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: (يا حارث عرفت فالزم) ([10]

وكل هذا يدل على ما أشارت إليه النصوص المقدسة من اختلاط الدنيا بالآخرة، أو الملك بالملكوت، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 83 – 87]

فالآيات الكريمة تشير إلى تلك اللحظة المفصلية التي يكتشف فيها الإنسان الحقائق التي كان غافلا عنها، وهو ما يدل على أن عالم الآخر مختلط بعالم الدنيا، وأنه ليس من فرق بينهما سوى في أدوات الإدراك التي يقتضيها التكليف.

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 6، 7]، فالآية الكريمة تشير إلى أن الغفلة هي الحجاب الذي حال بين الإنسان وبين رؤية عالم الآخرة، وهي التي جعلته يكتفي بظاهر الحياة الدنيا، دون البحث عن باطنها، والذي تتشكل منه الآخرة.

وقد قال بعض الحكماء مبينا دلالة الآية الكريمة على هذا المعنى: (يمكن الاستنتاج من جعل ظاهر الحياة الدنيا في الآية الاولى في مقابل الآخرة أنّ الآخرة هي باطن الدنيا وحقيقتها، وأنّ الحياة الدنيا لها ظاهر وباطن، وذلك بقرينة تقابلهما وكون أحدهما قسيماً للآخر)([11]

وهكذا استنتج هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، ذلك أنه (من الممكن أن تكون عبارة [وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوَانٌ] الواردة في الآية معطوفة على لفظ لعب؛ أي أنّ الحياة الدنيا هي في الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان؛ فالحياة الدنيا ظاهرها تلكم المراتب الخمس: لهو، ولعب، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، وباطنها ـ أي الآخرة ـ عذاب شديد وغفران الربّ‏ الودود ورضوانه)([12]

ومثله قال آخر مستدلا بقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 54]: (إنّ الحيّات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمَّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية، وتزيّى في كلّ نشأة بزيّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 54] ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها ستحيط بهم في النشأة الأُخرى)([13]

وهكذا اتفق أكثر الحكماء على إمكانية أن يفتح الله بصائر الأولياء ليريهم حقائق ذلك العالم الذي لا تراه أبصارهم الحسية، وقد عبر بعضهم عن ذلك بقوله: (وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر.. والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد ذلك من نفسه، ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحده أمران: أحدهما عجائب الرؤيا الصادقة، فإنه ينكشف بها الغيب، وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضا في اليقظة، فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس، وعدم اشتغالها بالمحسوسات؛ فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه، والثاني إخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق وهذا لا يسمى نبيا بل يسمى وليا)([14]

وبناء على هذا ذكر إمكانية الاطلاع على كلا العالمين الظاهر والباطن، فقال: (فمن آمن بالأنبياء وصدق بالرؤيا الصحيحة لزمه لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان: باب إلى خارج وهو الحواس، وباب إلى الملكوت من داخل القلب وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي، فإذا أقربهما جميعا لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة، بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيل إليه فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه من عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت) ([15])

ولعل ما ذكره كل هؤلاء يفسر بدقة ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارتفعت ريح منتنة، فقال: (أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)([16]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن ترحل من الملك إلى الملكوت، لتزداد إيمانا ويقينا، وترى من صنع الله وكماله وجماله ما لا يمكن لهذا العالم المحدود الذي تراه أن يعوضه، وكيف يعوضه، وهو لا يساوي أمامه شيئا.

 ذلك أن الرؤية الملكوتية مقارنة بالرؤية الملكية تشبه رؤية الخبراء العلماء في المجالات المختلفة للكون مقارنة برؤية العوام البسطاء..

فهل يمكن للعامي البسيط أن يدرك ضخامة الكون التي يدركها الفلكي.. أو يدرك أسرار الذرة التي يدركها الكيميائي أو الفيزيائي.. فهكذا الأمر في التطلع إلى عوالم الملكوت؛ فهي رؤية أوسع بكثير من رؤى كل أصحاب العلوم الظاهرة.


([1]) إسماعيل حقي البروسوي، تفسير روح البيان، ج 7 ص 442.

([2]) نجم الدين داية الرازي، منار السائرين ومطار الطائرين، ص 8.

([3]) أحمد بن عجيبة، شرح تصلية القطب ابن مشيش، ص 31.

([4]) أحمد بن عجيبة، معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص 33.

([5]) أحمد بن عجيبة، الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ج 1 ص 110.

([6]) الفتوحات المكية، ج 2 ص 129.

([7]) محمود أبو الشامات اليشرطي، الإلهامات الإلهية على الوظيفة الشاذلية اليشرطية، ص 17.

([8]) قطب الدين البكري الدمشقي، شرح ورد السَّحَر الكبير، ص 529، 530.

([9]) رواه الترمذي (3127)

([10]) مصنف ابن أبي شيبة 6/170 ح(30425) المعجم الكبير للطبراني 3/266 ح(3367)

([11]) معرفة المعاد، ج‏1، ص: 40.

([12]) المرجع السابق، ج‏1، ص: 40.

([13]) نقلا عن: بحار الأنوار: 7 / 229.

([14]) إحياء علوم الدين (3/ 25)

([15]) المرجع السابق، (3/ 25)

([16]) مسند أحمد 23/97 ح(14784 البخاري في الأدب المفرد (732) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (189)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *