الملك والتدبير

الملك والتدبير

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن ملك الله وتدبيره لشؤون خلقه، والمعارف المرتبطة بذلك، والآثار التي تحدثها في النفس المطمئنة، وعلاقتها برضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن المعارف المرتبطة بملكية الله تعالى لكل شيء، وعلى كل شيء، وتدبيره له، من المعارف الضرورية للنفس المطمئنة، وهي سر كبير من أسرار رضاها وسعادتها، لأنها تعلم أنها في عالم يديره ربها، ويتحكم في كل شيء فيه، صغيرا كان أو كبيرا؛ فلذلك ترى في كل شيء الحضور الإلهي المباشر؛ فتمتلئ سعادة بذلك، لعلمها أنه لا يصدر من ربها إلا اللطف والخير والرحمة ومقتضيات أسمائه الحسنى الممتلئة بالجمال.

وهي لذلك لا ترى الملك الحقيقي إلا لله، وفي كل الأزمان، وفي كل المحال، أما من عداه، فهم مجرد نواب ووكلاء مستعارين لمدد محدودة، ومحال محدودة؛ أما الله، فهو الملك الحقيقي الذي بسط ملكه على كل شيء، وامتد ملكه لكل زمن، ولم يعزب عن ملكه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال تعالى: P قُلِ اللهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)O (آل عمران)

فالله تعالى يخاطبنا من خلال هذه الآية الكريمة ليذكر لنا أن الملك الحقيقي له.. وله وحده.. وليس من عداه سوى مبتلون ببعض المسؤوليات ليميز الخبيث منهم من الطيب، والصادق منهم من الكاذب، والإنسان منهم من الشيطان.

وذلك ما تدل عليه كل العقول السليمة والفطر النقية؛ فالملك الحقيقي هو الذي له السلطة المطلقة على الأكوان جميعا.. وفي جميع الأوقات.. وليس على ثلة محدودة من الناس.. في بقعة محدودة من الأرض.. في حيز محدود من الزمان.

لقد أشار الله تعالى إلى هذا في الآيات التالية لتلك الآية الكريمة.. فقد ورد فيها: P تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) (آل عمران)

ففي هذه الآية والتي قبلها يخبرنا ربنا بأنه يعز من يشاء، ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه، وبلا مجير عليه، وبلا راد لقضائه، فهو صاحب الأمر كله، وذلك من مقتضيات الألوهية التي لا تتم من دونها.

بل إنه يخبرنا أنه صاحب هذه الحركات الخفية المتداخلة.. حركة إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي.

وتخبرنا الآية الكريمة بأن الله هو الرزاق الذي يتولى جميع الخلائق برزقه، ويمن عليه بفضله وتدبيره.

وفي موضع آخر يخبرنا القرآن الكريم عن قصة إبراهيم عليه السلام مع ملك من ملوك الأرض أغراه ملكه، فتوهم لنفسه الألوهية، فحاجة إبراهيم عليه السلام بالقدرة التي يعجز عن مثلها.. لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال:P أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)O (البقرة)

انظر ـ أيها المريد الصادق ـ كيف حاج إبراهيم عليه السلام هذا الملك.. وهي حجة ينهار لها كل ملك من ملوك الأرض.. فليس هناك من الملوك من له القدرة على صرف الأذى عن نفسه، أو جلب ما يريد لها من نفع.

ومن أول آثار تلك المعرفة الاعتماد والتوكل على الله وحده، باعتباره الملك الحقيقي على الأشياء كلها، والمالك الوحيد لها.. كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك في وصيته لابن عباس، والتي يبين له فيها تجليات الملك الإلهي، والتي تجعله الحصن الوحيد الذي يلجأ إليه المحتاجون.. لقد قال له:(يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)([1])، وفي رواية:(احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاجتهد في التعرف على أسماء الله الحسنى التي تملأ قلبك بهذه المعاني حتى تترقى من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين.. فكل المعارف الإلهية مختزنة في أسماءه الحسنى.

ومن تلك الأسماء اسمه [الكبير المتعال] الوارد في قوله تعالى: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 8 – 10]

فهذه الآية الكريمة تشير إلى هيمنة الله تعالى على كل شيء، وتدبيره المطلق له، ثم تذكر سبب ذلك، وهو كون الله تعالى كبيرا متعاليا.

أما الكبير؛ فهو ذلك الذي اكتمل وجوده؛ فلم يكن به أي نقص أو قصور.. ولا يكمل الوجود إلا بشيئين: أن يكون دائما لا انقطاع له.. وأن يكون ذاتيا لا تبعية له؛ فكل وجود مقطوع بعدم سابق أو لاحق فهو ناقص، ولذلك يقال للإنسان إذا طالت مدة وجوده إنه كبير، أي كبير السن، طويل مدة البقاء.

وهذان المعنيان لا يصدقان إلا على الله؛ فالله هو الكبير الحقيقي، فهو دائم الوجود أزلا وأبدا.. ووجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود؛ فإن كان الذي تم وجوده في نفسه كاملا وكبيرا، فالذي حصل منه الوجود لجميع الموجودات أولى أن يكون كاملا وكبيرا([2])

والمملكة الحقيقية لا يديرها إلا الكبير الحقيقي، ذلك أن كمال العدل وكمال الرحمة لا تتمان إلا من خلال ملك لا تفنيه الأيام، ولا يستبد به الضعف، ولا يتسلل إلى طاقاته القصور.

وأما اسمه (المتعال)، والوارد في قوله تعالى: P اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَل مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)O (الروم)، وغيرها من المواضع، فإنه يدل على ذلك الذي لا رتبة فوق رتبته، بل جميع المراتب منحطة عنه..

فالمتعال مشتق من العلو.. والعلو هو المقابل للسفل.. وهو إما في درجات محسوسة كالدرج والمراقي وجميع الأجسام الموضوعة بعضها فوق بعض.. وإما في الرتب المعقولة للموجودات المرتبة نوعا من الترتيب العقلي.

فكل ما له الفوقية في المكان فله العلو المكاني، وكل ما له الفوقية في الرتبة فله العلو في الرتبة، فالعلو يطلق على التدريجات العقلية كما يطلق على التدريجات الحسية.. فإذا قدرت شيئا سببا لشيء ثان، والثاني سبب لثالث، والثالث لرابع إلى درجات كثيرة.. فالواقع في الرتبة الأخيرة هو الأسفل الأدنى، والأول واقع في الدرجة الأولى من السببية فهو الأعلى، ويكون الأول فوق الثاني فوقية بالمعنى لا بالمكان.. وهكذا في التفاوت الذي بين العلة والمعلول، والفاعل والقابل، والكامل والناقص..

وبما أن الله تعالى منزه عن أن يحده المكان، فلذلك لا يراد بعلوه ما يذكره المجسمة، فذلك يتنافى مع قدوسية الله وغناه عن الجهة والمحل.. بل المراد به ما هو أشرف من ذلك وأعظم، وهو أن الموجودات لا يمكن قسمتها إلى درجات متفاوتة في العقل إلا ويكون الحق سبحانه وتعالى في الدرجة العليا من درجات أقسامها، حتى لا يتصور أن يكون فوقه درجة، وذلك هو العلي المطلق، وكل ما سواه فيكون عليا بالإضافة إلى ما دونه، ويكون دنيا أو سافلا بالإضافة إلى ما فوقه([3]

ومن الأمثلة على ذلك أن العقل يقتضي انقسام الموجودات إلى ما هو سبب وإلى ما هو مسبب، والسبب ـ كما تعلم ـ فوق المسبب فوقية بالرتبة، ومن هذا الباب، فإن الفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب.

ومثل ذلك الموجودات؛ فإنها تنقسم إلى ميت وحي.. والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي، مثل الحيوانات، وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي.. والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوة والغضب، وهو الإنسان، وإلى ما يسلم إدراكه عن معارضة المكدرات.. والذي يسلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به، ولكن رزق السلامة كالملائكة، وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو الله تعالى..

وهكذا ففي أي تقسيم من تقسيمات العقول نجد لله تعالى المرتبة التي ليس فوقها مرتبة.

والمملكة الحقيقية لا تستقيم إلا بملك قد حاز من الرتب أعلاها؛ فلا ينافسه في كماله منافس، ولا يتطلع إلى جلاله متطلع.

وهكذا ـ أيها المريد الصادق ـ يمكنك أن تعمق معرفتك بملكية الله وتدبيره من خلال تأملك في اسمه تعالى [المولى النصير] الوارد في قوله: P وَإِنْ تَوَلوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)O (الأنفال)

ذلك أن من صفات الملك أن يكون مولى يُفزع إليه، ونصيرا يستنجد به، وهاتان صفتان لا يستقيم الملك ولا يكمل إلا بهما؛ فالملك الحقيقي هو من فزعت إليه رعيته، واستنجد به المستضعفون منهم، وهما لا ينطبقان حقيقة إلا على الله.

فالمولى هو الذي كلما افتقرت إليه وجدته أقرب إليك منك.. فهو يرحمك، وينصرك، ويرزقك، ويعطيك ما سألته، وما لم تسأله، وهو أعلم بك منك، فلذلك لا يعطيك إلا ما ينفعك، ولا يهديك إلا إلى ما يرفعك.

وأما (النصير)، فهو من يحتاجه كل من له أعداء، حتى ينصره عليهم.. وليس هناك من ليس له عدو، وليس هناك من يستغني عمن ينصره عليهم، وليس ذلك إلا الله؛ فهو النصير الوحيد الذي ينصرك من كل عدو، ويحفظك من كل بلاء، ويعينك على كل هم.

وهكذا ـ أيها المريد الصادق ـ يمكنك أن تعمق معرفتك بملكية الله وتدبيره من خلال تأملك في اسمه تعالى (المعطي)، والذي وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: P مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)O (الإسراء)

وهو يدل على أنه سبحانه من أعطى كل شيء خلقه، وتولى أمره ورزقه في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام، وهو يصف عطاء ربه: P قَالَ رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى O (طه:50)، وقال عن عطاء الآخرة:P وَأَمَّا الذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاء رَبك عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍO (هود:108)

وعطاء الله قد يكون عاما أو خاصا، فالعطاء العام يكون للخلائق أجمعين، والعطاء الخاص يكون للأنبياء والمرسلين وصالح المؤمنين، فمن العطاء العام ما ورد في قوله تعالى:P كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً O (الإسراء:20)، والمراد به تمكين العبد من الفعل ومنحه القدرة والاستطاعة، كل على حسب رزقه أو قضاء الله وقدره.

ومن العطاء الخاص استجابة الدعاء وتحقيق مطلب الأنبياء والصالحين الأولياء، ومن ذلك الدعاء والعطاء في قول سليمان عليه السلام:P رَبِّ اغفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُل بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَو أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ O (ص:39)، وكذلك في دعاء زكريا عليه السلام حيث قال:P وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً O (مريم:5)، فحقق الله عز وجل مطلبه وأعطاه ما تمناه فقال:P يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً O (مريم:7)، وقال عن عطائه للمؤمنين في الآخرة:P جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً O (النبأ:36)

ومن أسمائه تعالى التي تدل على ملكيته ومالكيته وتدبيره اسمه [المعين]، والذي ورد ذكره في قوله تعالى: P وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَل سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)O (يوسف)، وقوله:P قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)O (الأنبياء)

وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام مخاطبا قومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]

بل إن الله تعالى قرن الاستعانة بالعبادة، فقال:P إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)O (الفاتحة). وهي تعلمنا أن نلجأ إلى الله في كل حالة حتى في عبادتنا له؛ فلا يعبد الله من لم يعنه الله.

وقد دل العقل والنقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله..

ومن وجوه تلك الدلالة([4]) أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية، فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان، وذلك المرجح ليس من العبد، وإلا لعاد في الطلب، فهو من الله تعالى، فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة الله.

ومنها أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا بإعانة معين، وما ذاك المعين إلا الله تعالى، لأن ذلك المعين لو كان بشراً أو ملكاً لعاد الطلب فيه.

ومنها أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة مديدة ولا يأتي به، ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه، ولا يتفق له تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل، فإلقاء تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من الله تعالى، ولا معنى للإعانة إلا ذلك.

ومن أسمائه تعالى التي تدل على ملكيته ومالكيته وتدبيره اسمه[المؤمن] الوارد في قوله تعالى:P هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)O (الحشر)

والمؤمن هو الذي يوفر الأمن والأمان الذي يجعل المستند إليه في مأمن من كل عدو ظاهر أو خفي.. وليس ذلك إلا الله تعالى، كما أشار إلى ذلك في ذكره لنعمته على قريش:P الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)O (قريش)

وقال ضاربا المثل بقرية من القرى الظالمة:P وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)O (النحل)

أما المخاوف التي قد تسلط علينا؛ فالغرض منها أن نبحث عنه، فلا يمكن أن يؤمننا من المخاوف غيره، لقد ذكر الله ذلك، فقال:P وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)O (البقرة)

فإذا ما لجأ العبد إلى الله، استشعر بالأمن الحقيقي الذي لا تستطيع أي جهة في الدنيا أن توفره، لقد ذكر الله ذلك، فقال:P إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)O (البقرة)، وقال:P وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)O (البقرة)،

وهكذا؛ فإن الله تعالى هو الملك الحقيقي الوحيد بهذا الاعتبار، ذلك أن من صفات الملك أن يأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم؛ فلا يظلمون عنده، وإذا ظلموا سرعان ما يقتص من ظالميهم.

ومن أسمائه تعالى التي تدل على ملكيته ومالكيته وتدبيره اسمه [الرقيب] والذي ورد ذكره في قوله تعالى:P يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)O (النساء)

وهو يعني أن الله العليم السميع البصير لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.. بل لا يغيب عنه السر وأخفى.. ومن كان كذلك فهو أولى باسم الرقيب من كل رقيب.

لقد ذكر الله تعالى ذلك، ونبه عباده إليه، فقال:P مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌO (المجادلة،7)، وقال:P وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)O (ق)، وقال:P وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) O (الملك)

وغيرها من الآيات الكريمة التي تجعل المؤمن يشعر برقابة ربه، والتي تغنيه عن الحاجة لأي شرطي أو قوانين تحد من حريته الجامحة.

ومن أسمائه تعالى التي تدل على ملكيته ومالكيته وتدبيره اسمه [الحكم]، والذي ورد ذكره في قوله تعالى:P وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالذِي أُرْسِلتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ (87)O (الأعراف)

ذلك أنّ تنظيم شؤون المجتمعات البشرية بحاجة إلى ثلاث سلطات (السلطة التشريعية). وهي السلطة التي تتكفّل بسنّ القوانين الكفيلة بحفظ النظام في المجتمع والمنع من إضاعة الحقوق، و(السلطة التنفيذية) التي تنفّذ ما صادقت عليه السلطة التشريعية وتتولاّها عادةً الحكومات والوزراء والدوائر الحكومية.. و(السلطة القضائية)، وهي المسؤولة عن معاقبة المتخلّفين عن القانون والمجرمين والمعتدين([5])

فكل الحكومات تحتوي على هذه السلطات الثلاث، وهي تختلف فيما بينها اختلافا شديدا.. لكن الإيمان بملكية الله تعالى ومالكيته وحكمه تجعل من هذه السلطات الثلاثة محصورة في الله؛ فالله هو الذي شرّع القوانين، وهو الذي يجيز تشكيل الحكومات وتنفيذ القوانين، وهو الذي يمنح الشرعية لعمل القضاة، وعليه فانّ هذه السلطات الثلاث لابدّ أن تستمدّ شرعيتها عن طريق الإذن الإلهي طبق الشرائط والأوامر.

لقد ذكر القرآن هذا في مواضع كثيرة، كقوله تعالى:P فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)O (النساء)، وقوله:P قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)O (الأنعام). وغيرها من الآيات الكثيرة.. وكلها تدل على أن الله ـ بحكم كونه ملكا على عباده ـ هو الحاكم عليهم، فلا يحق لعبد أن يتصرف في مملكة ربه مخالفا لأحكامه.

وليست النصوص المقدسة وحدها من دل على هذا.. حتى العقل السليم يدل عليه..

فلا شكّ أنّ كلّ عارف بالله مقرّ بتوحيده يذعن بنفاذ أمر الله في عالم الوجود، وعندما يتقبّل حاكميته على عالم الوجود فإنّه سوف لا يتردّد في ولايته وحكومته التشريعية، لأنّه حينما يكون هو الخالق والمالك والمدير فغيره لا يكون أهلا للتشريع، ولا يتمكّن من وضع قوانين تنسجم مع نظام التكوين والخلق.

وهكذا عندما يكون هو الخالق والمدبّر فإنّه هو الذي يجب أن يحكم على العباد ويقضي في الاختلافات، وبدونه سيكون هناك تدخل في نطاق مالكية الله عزّوجلّ وتدبيره بدون إذنه.

بالإضافة إلى هذا، فإن القانون الصحيح هو القانون الذي ينسجم مع التركيب الجسمي للإنسان وروحه ويلبّي حاجاته الماديّة والمعنوية، ولا يترك آثاراً سلبية في فترة زمنية قصيرة أو طويلة، ويكون ذا ضمان تنفيذي كاف وذا تقبّل وإنشداد في المجتمع الإنساني.. ولا يمكن أن يصدر هذا القانون إلا من خالق الإنسان العالم بحاجاته.

فالمشرِّعُ الحقيقي ينبغي أن يكون عالماً بالإنسان بصورة كاملة من جهة، وعالماً بالكون من جهة أخرى كي يلاحظ بدقّة العلاقات التي تربط الإنسان مع العالم الخارجي والداخلي، ويضع القوانين مضافاً إلى عدم وجود مصالح شخصية من وضع تلك القوانين.

وما نشاهده من اختلال كبير في القوانين البشرية فهو ناشئ من فقدان البشرية لمن يعرف الإنسان بجميع جزئياته الجسمية والروحية، ويعلم جميع القوانين والعلاقات التي تحكم العالم، فلا زالت تؤلّف الكتب الكثيرة من قبل المفكّرين تؤكد أن الإنسان مجهول لا يمكن معرفته معرفة شاملة حقيقية.. فإذا كانت معرفة الإنسان بنفسه إلى هذه الدرجة من الضعف فكيف تكون معرفته بالعالم الواسع؟

إضافة إلى هذا، فإن الإنسان محتاج إلى غيره، ولذلك نجد أنّ كلّ مجموعة تسنّ القوانين في إحدى المجتمعات البشرية تأخذ بنظر الإعتبار منافع تلك المجموعة أو الحزب.

إضافة إلى أن الإنسان غير مصون عن الخطأ والاشتباه، ولذا تكون القوانين البشرية عرضة للتغيّر المستمرّ، وذلك لظهور عيوبها ونقائصها وأخطائها بمرور الزمن.. نعم قد يبادر إلى إصلاحها، ولكن عيوبا أخرى تظهر.. وهكذا، ولهذا أصبحت المجالس التشريعية البشرية مختبرات تختبر فيها القوانين بشكل دائم، اختباراً لا طائل فيه، ولا نهاية له.

هذه مجرد نماذج عن بعض أسماء الله الحسنى التي تعمق في نفسك ـ أيها المريد الصادق ـ المعارف المرتبطة بملكية الله تعالى ومالكيته وتدبيره لكونه؛ فاحرص على تعميقها في نفسك، لترى الكون بصورته الحقيقية، لا بتلك الصورة المزيفة التي تلغي فاعلية الله في كونه، وتجعله كذلك الذي يكتفي بالمشاهدة من دون أن يكون له أي تأثير.


([1]) روا ه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([2]) المقصد الأسنى (ص: 110)

([3]) المقصد الأسنى (ص: 107)

([4]) انظر: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (1/ 216)

([5]) انظر: نفحات القرآن للشيرازي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *