المقدمة

المقدمة

يحاول هذا الكتاب البحث عن المعارف الكبرى للنفس المطمئنة، والتي تجعلها موصوفة بالرضى، كما قال تعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾ [الفجر: 28]

وبما أن الرضا مرتبط بالحقائق والمعارف، لا بالسلوك والقيم، فقد اهتممنا في هذا الجزء بتلك المعارف التي تملأ النفس بالرضا، كما اهتممنا في الأجزاء السابقة بالقيم والأخلاق التي تقوم عليها النفس المؤمنة الطيبة المطمئنة.

والمعارف التي تحقق الرضا هي المعارف المرتبطة بحقائق الوجود الكبرى، والتي نصت عليها النصوص المقدسة، وتذوقها السالكون إلى الله خير تذوق بعد تطهير أنفسهم من كل المثالب التي كانت تحول بينهم وبينها.

وقد ركزنا في هذا الجزء خصوصا على أمرين:

أولهما ـ تطهير تلك المعارف مما علق بها من الدخن الذي أصاب كتب التزكية والسلوك، بحيث اختلطت معارفها المستنبطة من المصادر المقدسة بغيرها من المصادر الأجنبية: إما ذات التوجه العقلي، كالفلسفة بمدارسها المختلفة، أو ذات التوجه الإشراقي والغنوصي، والذي قد يظهر في صورة كشف أو شهود أو إلهام.

وهذا لا يعني رفضنا كل ما ذكره الفلاسفة والحكماء والإشراقيون وأصحاب الكشف والشهود، وإنما عرضنا ما ذكروه على النصوص المقدسة، فما قبل منها قبلناه، وما رأيناه دخيلا رفضناه.

وهذا لا يعني كذلك اتخاذنا موقفا سلبيا ممن ابتدع في تلك المعارف ما لم ترد به النصوص المقدسة؛ فنحن لا يهمنا في هذه السلسلة وغيرها الحكم على أحد من الناس؛ فالله تعالى أدرى بالسرائر وأعلم بخلقه.

ثانيهما ـ بيان علاقة تلك المعارف بالرضا والسكينة والطمأنينة، وهو مما يدخل في أبواب المقاصد العقدية، والتي لا تكتفي فقط بتقرير الحقائق الإيمانية، ولا البرهنة عليها مثلما يفعل المتكلمون، وإنما تضيف إليها أبعادها وآثارها النفسية، وعلاقتها بالسلوك والتزكية والتربية.

ذلك أن المعارف الإيمانية لا يقتصر أثرها على تعريف المؤمن بحقائق الوجود، وإنما يتعداه إلى تأثيره في السلوك، ولذلك كان من علامات صدق الإيمان رقي السلوك.

وإنما قصدنا هذا في هذا الكتاب وغيره، حتى نرد على تلك الطريقة الجدلية التي طُرحت بها العقائد الإسلامية، والتي حولتها إلى ساحة للصراع بين المتكلمين والطوائف، لا إلى ساحة لتعميق الإيمان، وتحبيب الله تعالى إلى خلقه.

ومثل ذلك تحولت كتب العرفان النظري إلى ساحة لكل الخرافات والأساطير والدجل، حتى أصبح علم السحر والأوفاق والطلاسم من علوم العرفان.. وأصبح أي شخص يدعي الكشف مخولا بأن يصف العالم الآخر، وكأن الوحي يوحى إليه، وكأن ما ورد في العقائد التي وردت بها النصوص المقدسة غير كافية؛ فلذلك احتاجت إلى ألسنة العارفين ليكملوها.

ولذلك فإن هذا الكتاب مع اشتماله على المباحث الأساسية التي تبحث عادة في كتب الفلسفة والكلام والعرفان إلا أنه خلا من كل التفاصيل التي يوردونها، والتي لا دليل عليها، لا من العقل المجرد، أو من الوحي المسدد.. بالإضافة إلى اختلافهم فيها، وهو ما يدل على أنها ليست من بديهيات العقول، ولا من بديهيات الكشف والشهود.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *