المبدأ والمعاد

المبدأ والمعاد

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن المبدأ والمعاد، والأسرار المرتبطة بهما، وعلاقتها بالنفس المطمئنة وسر رضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن حقائق المبدأ والمعاد، والتي تعود إلى اسم الله [المبدئ المعيد] من أعظم الحقائق جمالا، ولذلك تملأ العارفين بها بسطا وفرحا وسرورا، لأنهم يعلمون أن كل ما فاتهم في المبدأ قد يعوضونه في المعاد.

ومثال ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ مثال شخص قدر له في مرحلة معينة من عمره أن يسكن مضطرا مكرها بلدا من البلدان، بحكم الوظيفة التي وكلت له، والتي قد يكون تولاها غصبا عنه لضرورة الظروف التي يعيشها، وحاجاته المختلفة.

لكنه ـ وفي ظل تلك الأحوال الحزينة التي يمر بها ـ يقال له: نحن نقدر المرارات التي تعانيها في عملك، وفي هذا البلد، وفي الظروف الجديدة التي لا تتناسب مع طبيعتك.. لكننا نعدك إن استطعت أن تنجز ما كلفت به من أعمال بطريقة صحيحة؛ فإننا سننقلك إلى عمل آخر أفضل بكثير، وإلى مكان تكون أنت الذي تختاره، وبأجرة أنت الذي يحددها.

ثم يقال له بعد ذلك: فإن شئت أن تضيف إلى ما كلفت به من أعمال، وفي ظل الفترة الممنوحة لك، ما يزيد في قيمة الإنتاج ومردوديته؛ فإنك حينها ستتحول إلى رئيس أو مدير أو مسؤول في تلك الشركة التي تعمل فيها.. وحينها ستتجول في البلاد كما تشاء، ولن يكون لك مرتب فقط، وإنما ستخصص لك ميزانية تخدم كل مصالحك.

ثم يقال له بعد ذلك كله: فإن رفضت هذا العمل، أو قصرت فيه، أو سببت أي تلف في المعمل الذي تعمل فيه؛ فستحال إلى السجون والزنازن، وستقضي هناك ما بقي من عمرك.

فكيف تتخيل حال هذا الشخص قبل أن تُعرض عليه هذه العروض؟

لا شك أنه في الفترة الأولى التي لم تعرض عليه هذه العروض، كان يعمل متثاقلا كئيبا محبطا، لأنه يتوهم أن الظروف التي ألجأته إلى ذلك العمل قد قضت عليه، وأنه سيظل يكدح في تلك الحال إلى أن يقضى عليه، وهو ممتلئ بالآلام.. لكنه بعد أن يتيقن من صدق ما عرض عليه، يتحول إلى إنسان آخر ممتلئا فرحا وجدا ونشاطا، ذلك أنه يعلم أن ما يمر به مرحلة قصيرة من عمره، وأن نتائجها ستكون ذات قيمة كبرى، لا يمكن تصورها.. وهذا ما يدفعه إلى العمل المضاعف، وفي نفس الوقت يدفعه إلى الراحة والسعادة.

وهكذا الأمر بالنسبة للمبدأ والمعاد.. فالله تعالى جعل هذه الدنيا مجرد مبدأ يختلط فيه المدنس مع المقدس، والسعيد مع الشقي، والسعادة مع الكآبة، والأمل مع الإحباط، لكنه وعد عباده بدار أخرى، تتحقق فيها جميع أمنياتهم، ولكن بشرط واحد هو أن يتحققوا بما تتطلبه تلك الدار من صفات.. ذلك أن الدار الآخرة متناسبة مع الطبائع التي ولدت في الدنيا.

وإن شئت تقريبا آخر لهذا المثال، فانظر إلى ذلك الجنين المشوه، والذي كان سبب تشويهه تقصير أمه أثناء حمله به؛ ذلك أنها لم تترك دواء مضرا بجنينها إلا واستعملته مع تحذير الأطباء لها من ذلك.. لكنها لم تبال بهم.. وهكذا فإن الإنسان هو الذي يختار الولادة الجديدة له.. فإن أدمن على المحرمات والمعاصي، ولد في ولادته الجديدة في دار المعاد مشوها ممتلئا بالتحريف عن حقيقته الإنسانية.. وظل كذلك فترات طويلة قد تمتد إلى أبد الآباد.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن حقائق المبدأ والمعاد من أهم حقائق الوجود، وهي من فضل الله العظيم على عباده، ذلك أنه يتيح لهم فرصا جديدة لم يكونوا يحلمون بها.

ولتعرف ذلك.. تصور ذلك المريض المسكين الذي عاش حياته مدمنا على الأدوية، ويتألم لما حل به.. لكن ذلك الألم سرعان ما يزول عندما يشعر أن مرضه سيفارقه في المعاد، وأن جسده سيتحول إلى جسد سليم معافى من كل بلاء، وأن الذين يسخرون منه ومن مرضه قد يتحولون إلى أحوال أشد من الحال الذي كان عليه..

ومثل ذلك المظلوم الذي يتاح له أن يقتص من ظالمه، والمكروب الذي يتخلص من كربه، والمشتاق لمن فقد من أهله إن علم أنه سيلاقيهم.. والشيخ الكبير إن علم أنه سيتحول إلى شبابه، والدميم إن علم أنه سيفاض عليه كل ألوان الجمال..

وهكذا؛ فإن حقائق المعاد تختزن كل أنواع السعادة، ومن لا يعرفها يقع في تلك الأوهام التي وقع فيها من تصوروا أن الله تعالى خالق للشر، وأنه لم يرد بخلقه إلا الضرر والبلاء.. وهم لا يعلمون أن ذلك الضرر يشبه أمطار الشتاء التي لولاها لم تنبت أزهار الربيع، ولا ثماره.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم اسم الله تعالى [المبدئ المعيد]، يعني توفير فرص مختلفة للعبد، تبدأ أولاها بما قد لا يرتضونه، لكن الإعادة تتشكل وفق رغباتهم وأهوائهم والمباني التي بنيت عليها نفوسهم، والتي أسسوها بمحض رغبتهم وحريتهم طيلة الفترة التي أتيحت لهم فيها كل الفرص.

وهذا المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ الله حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: 4]، فالآية الكريمة واضحة في بيان سر الإعادة، وأنه إعطاء كل شيء ما يستحقه مما يتناسب مع طبيعته.

ويشير إليه كذلك ما ورد في سورة البروج، فقد ذكر الله تعالى فيها هذان الاسمان مرتبطان بفعل الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: 13]، وكأنهما تعللان سر تلك الفتنة التي حصلت للمؤمنين، والبطش الشديد الذي حل بهم من طرف أولئك الطغاة المستبدين..

وكأنها تذكر بأن من مقتضيات البداية أن تكون بذلك الشكل لتتميز الأنواع، ويختار كل صنف ما يشتهي، وبعد الإعادة يتحقق التمييز، وينال كل صنف ما أسس عليه شخصيته في حياته الأولى.

ولذلك يمكننا أن نقرأ هذه الآيات الكريمة، لنرى فيها العزاء الإلهي للمؤمنين، والتحذير الإلهي للمستبدين، قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾ [البروج: 10 – 16]

ويشير القرآن الكريم إلى السر الأكبر للمبدأ والمعاد، وعدم الاكتفاء بأحدهما، وهو ضرورة التمييز المبني على العدالة، وعلى إتاحة الفرص للجميع، قال تعالى:﴿ لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأنفال:37)

فالبشر في ذلك مثل الشوائب التي تختلط بالمعادن النفيسة، فإنها بعد عرضها على كير الامتحان يُميز الذهب، فيوضع في أعناق الحسان، ويُرمى بالشوائب إلى القمامات.

وبما أن ذلك التمييز يحتاج إلى أدوات تمييز، وموازين، ومقاييس تميز بها المعادن النفيسة ومراتبها، والمعادن الخسيسة ومراتبها، وخبراء يشرفون على كل ذلك، فقد وضع الله تعالى لدار المعاد كذلك من الموازين ما تقتضيه العدالة الإلهية، ولو أن الله تعالى قادر على التمييز بينهم من دون حاجة لتلك الموازين.. ولكن عدالة الله تأبى إلا أن تتعامل مع العباد وفق السنن، لتقيم الحجج عليهم.

وقد كان من مقتضيات تلك العدالة ذلك التمايز العظيم بين الخلق، والقائم على أساس صورة النفس التي تشكلت في الدنيا، ونوع المعدن الذي تمخضت عنه الأنا، كما عبر عن ذلك بعض الحكماء، فقال: (الناس في الآخرة ينقسمون أصنافاً وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة تفاوتاً لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها ولا تفارق الآخرة في هذا المعنى أصلاً البتة، فإن مدبر الملك والملكوت واحد لا شريك له. وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها) ([1]

وقد أشار إلى هذا التمايز الشديد قوله تعالى:﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ (الاسراء:21) أي (ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من تفاوتهم في الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون)

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن كل الثغرات التي تكون في المبدأ، والتي يتوهم الغافلون أنها ناتجة عن الصنع الإلهي، ليست كذلك، وإنما هي لضرورة الاختبار والابتلاء، حتى يُميز الخبيث عن الطيب.. فالله تعالى قادر على أن يخلق الجسد الذي لا يمرض أبدا، لكنه لم يفعل لضرورة الاختبار..

وهكذا كل ما نراه من نقص أو قصور ليس الهدف منه سوى الاختبار والابتلاء، قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157]

ولهذا سميت دار المبدأ الحياة الدنيا، باعتبارها مملوءة بالثغرات والنقص، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: (أترون هذه هينة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها قطرة أبدا)([2])

بل إن الله تعالى وصف الدنيا بالهوان، وأنها مجرد دار للتمييز، ولذلك يختلط فيها الخبيث بالطيب، كما في قوله تعالى مقارنا بين الحياة الدنيا، أو حياة المبدأ، والحياة الآخرة، أو حياة المعاد: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]

وقال مخاطبا الذين تثاقلوا إلى الحياة الدنيا، جوابا على اعتراضهم الذي عبروا عنه بقولهم: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 77]: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: 77]

وقال مقارنا بين كلا الحياتين: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 32]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]

بل إنه اعتبر الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية، لا هذه الحياة الدنيا، فقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]

ولهذا فإن المعاملة في المعاد، ستكون وفق الخصائص التي اكتسبها الإنسان، أو شكل منها طبيعته في المبدأ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51]

وبناء على هذا، فإن كل المواقف التي ذُكرت في النصوص المقدسة حول المعاد لا يقصد منها سوى تمييز الأصناف بعضها على بعض، بحيث ينزل كل صنف المحل المناسب لطبيعته.

وقد عبر عن هذا المعنى بعض الحكماء بقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]: (إن لجميع الموجودات الطبيعية حركة جوهرية ذاتية، وتحولاً من صورة إلى صورة حتى يقع لها الرجوع إلى الله بعد صيرورتها غير نفسها، بحسب الصورة السابقة، وتحولها إلى نشأة أخرى، ولو كانت هذه الطبائع ثابتة الجوهرية مستمرة الهوية، لم تنتقل هذه الدار إلى دار الآخرة، ولم تتبدل الأرض غير الأرض، ولا السماوات غير السماوات)([3]

وهذا يعني أن الإنسان في مرحلته الأولى أتيح له أن يرى أنماطا مختلفة من الناس، ومظاهر مختلفة من الحياة، ولكنه ـ بمحض رغبته ـ اختار نمطا معينا، وحياة معينة، ولذلك كان من مقتضيات العدالة والرحمة الإلهية، وقوانين المبدأ والمعاد، أن يوفر له عند إعادته كل ما كان يميل إليه، ويرغب فيه.

ولهذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (التكوير:7)، وقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (الصافات: 22)، وقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ (الفرقان:13)

فقد ورد في تفسير هذه الآيات أن المراد منه الجمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنفه([4])، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير الآية:(يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله)

وقال ابن عباس:(ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج – يعني صنفا – وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج)

وعنه أيضا:(قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثله)

وقال ابن مسعود:(لو أن رجلاً قام بـين الركن والمقام يعبد الله سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب)


([1]) إحياء علوم الدين، (4/ 24)

([2]) سنن ابن ماجه 2/1376 ح(4110)

([3]) أسرار الآيات، ص86.

([4]) انظر هذه النصوص في: الدر المنثور:8/429.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *