القدرة المطلقة

القدرة المطلقة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن قدرة الله، وحقيقتها، ومجالاتها، وعلاقتها بالإنسان وحريته، وعلاقتها بعد ذلك كله وقبله برضى النفس وطمأنينتها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن الإيمان بقدرة الله المطلقة التي لا تحدها الحدود، ولا تعترضها العوارض، ولا يحول دونها شيء من أعظم أسباب الطمأنينة والاستقرار النفسي الذي يتحلى به المؤمن، ويواجه به كل التحديات التي تعرض له.

وكلما كان ذلك الإيمان أعظم وأعمق، كلما كانت النفس أكثر طمأنينة، بل أكثر قوة على مواجهة كل الصعاب، وكيف لا تواجهها، وهي لا تعتمد على حولها وقوتها وطاقتها المحدودة، وقدرتها العاجزة، وإنما تعتمد على ربها.

وفوق ذلك؛ فإن الإيمان بقدرة الله المطلقة هو الذي يجعل المؤمن يؤمن بسهولة ويسر بكل ما يعجز الجاهلون عن الإيمان به، نتيجة عدم إيمانهم بقدرة الله تعالى.

فالمؤمن يؤمن بالبعث واليوم الآخر، وما أعد الله لأوليائه من أصناف النعيم التي لا يمكن تخيلها.. وهو الإيمان الذي عجزت بعض العقول عن التسليم والإذعان له، نتيجة جهلها لقدرة الله تعالى، ولو أنها آمنت بقدرته المطلقة، والتي تتجلى في كل شيء، لسهل عليها الإيمان بذلك وغيره.

ولذلك يخبر الله تعالى أن الخلق ما قدروه حق قدره حين نسبوا العجز له في أي محل من المحال، قال تعالى:﴿ مَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:74)، وقال:﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ الله عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ﴾ (الأنعام:91)

فلذلك يذكرهم بقدرته التي لا تحد، قال تعالى:﴿ وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر:67)

بل يقسم الله تعالى على قدرته التي لا تحد، ليؤكد هذا المعنى في الضمير المؤمن، قال تعالى:﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾(المعارج:40)

وعندما تعجب الغافلون من إمكانية إحياء الموتى بعد أن يصبحوا رمما بالية، رد عليهم الله تعالى بقوله:﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:27)

ويبين أن سبب ما وقع فيه أولئك الغافلون هو مقارنتهم لقدرتهم بقدرة الله تعالى، ونسوا أن ينظروا إلى أنفسهم ليروا الآيات العظيمة التي ينطوي عليها وجودهم، قال تعالى:﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يّـس:78)

ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالرد عليهم بدعوتهم إلى النظر إلى منشئها الأول، فقال:﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يّـس:79)

وهكذا يدعوهم إلى النظر في الآفاق، وتقليب أطرافهم في السماء والأرض ليدركوا بعض مظاهر قدرة الله، قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الاحقاف:33)

والقرآن الكريم لا يسوق هذه التنبيهات لهؤلاء الغافلين من المنكرين للبعث، بل يسوقها لكل ضمير قد توسوس له خواطر السوء أن هناك شيئا ما من شئون الحياة قد يعجز الله، أو قد يستحيل على الله.

ولذلك، كان أعرف الخلق بالله، أعظمهم معرفة بقدرته، وكان أجهل الخلق بالله أعظمهم جهلا بقدرته..

وهكذا، فإن أسعد الخلق بالله، وأفرحهم به، وأعظمهم أملا فيه هو من عرف قدرته التي لا تحدها الحدود، ولا يقف في وجهها شيء.. وكان أشقى الخلق، وأكثرهم حزنا، وأضيقهم صدرا، وأجزعهم عند كل مصيبة من حجبت عينا بصيرته عن قدرة الله.

والأمر في ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ يشبه رجلين:

أما أحدهما؛ فكان يلتجئ إلى قوي قادر حكيم طبيب كريم شجاع.. يشفيه من كل داء، ويخلصه من كل عدو، ويغنيه من كل فاقة، ويسد له كل حاجة.

وأما الثاني؛ فلم يكن له من يلتجئ إليه، فكان يقف أمام كل عقبة، حزينا يائسا محبطا ممتلئا هما وغما.

فأما الأول.. فذلك الذي يعرف الله.. ويعرف قدرته التي لا تحدها الحدود، ولا تقف في وجهها العقبات.. وأما الثاني.. فذلك الذي لا يعرف الله.. أو يعرفه، ولكنه يعرفه إلها عاجزا ممتلئا ضعفا؛ فلا يحل له معضلة، ولا يعينه في مصيبة.

وقد اعتبر القرآن الكريم الثاني مشركا بالله.. لأن الشرك هو اعتقاد ند لله، وأي ند أعظم من ذلك الذي يحول بين الله وبين تنفيذ قدرته.

ولهذا يمن الله تعالى على المؤمنين بإلههم القادر على كل شيء في مقابل الذين تعلقوا بآلهة من القش، تفر منهم أحوج ما يكونون إليها.

قال تعالى في وصف الآلهة التي تعلق بها هؤلاء المشركون:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:41)

وذكر العجز الذي تمتلئ به آلهتهم، فقال:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج:73)

فهذه الآلهة العاجزة تعجز حتى عن خلق ذبابة، بل أبلغ من ذلك أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب والانتصار منه لو سلبها شيئًا من الذي لها، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، مع أن الذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال تعالى:﴿ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾، فسوى بين الطالب والمطلوب، أو بين البشر الذين يؤمن بقدرة الله والذباب.

ولهذا، فإن إبراهيم u في محاجته للنمروذ، تحداه ببرهان القدرة الإلهية، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:258)

وما ذكره القرآن الكريم من التحديات الإلهية للمنكرين لقدرة الله تعالى، لا يزال قائما، وفي كل العصور، حتى في هذا العصر الذي توهم فيه الإنسان أنه ـ بسبب تلك الاكتشافات التي وصل إليها ـ قد بلغ من القوة بحيث لا يحتاج لإله.

فتحدي القرآن بالذبابة لا زال قائما.. ولذلك يقال لأولئك الذين استعبدتهم الحضارة الحديثة وعلومها، فنسوا ربهم، أو توهموا أنهم قد تخلصوا منه: اخلقوا ذبابة واحدة كما ذكر القرآن.. فإن عجزتم، فلا ينبغي إلا أن تخضعوا للذي خلق ملايير ملايير من الذباب.. بل الذي خلق هذا الكون الواسع الذي يمتلئ بكل أنواع القدرة، والذي لا يشكل الذباب إلا عنصرا ثانويا، بل مرفوضا فيه.

والعلماء ـ أيها المريد الصادق ـ يدركون هذا، بخلاف أولئك البسطاء الذين انبهروا بمنجزات هذه الحضارة، مع الغفلة عن أسرار المكتشفات القائمة عليها، والتي هي فيض من قدرة الله تعالى.

إنهم يدركون أن الإنسان لو تمكن من خلق ذبابة واحدة، فإنه بذلك يكون قد أنجز أعظم إنجاز في تاريخ البشرية جميعا.. فلا نستطيع بحال من الأحوال أن نقيس السفينة الفضائية أو العقل الالكتروني أو أي منجز من منجزات هذه الحضارة بخلق ذبابة ([1])

فليس في هذه المنجزات ـ مع احترامنا لها، بل اعتقادنا أنها من فضل الله على عباده ـ أي نمو أو رشد، ويستحيل أن تنجب مثيلا لها، ولا يمكنها من داخل نفسها ترميم ما يطرأ عليها من الأضرار، فهي لا تصلح قطعها التالفة أبداً، وهي فوق ذلك تحتاج إلى الهداية والقيادة من الخارج.

أما الذبابة، فلها من هذه الجهات أفضلية واضحة على تلك السفينة الفضائية أو جهاز الكومبيوتر، ولكن كثرة الذباب أدى إلى تصوره من قبلنا كموجود حقير، ولو كانت هنالك ذبابة واحدة فقط في العالم لاتضح آنذاك مدى ما سيوليه العلماء لها من الاهتمام.

وهذا الكلام لا نقوله نحن.. ولا يقوله فقط علماء المسلمين.. ولا يقوله قبل ذلك القرآن.. بل هو من العلم لا يصير العالم عالما إلا إذا علمه.. وقد قال بعض العلماء في ذلك: (سوف يصل الانسان بعد ألف سنة إلى سر الحياة، ولكن هذا لا يعني أنه سيستطيع صناعة ذبابة أو حشرة أخرى أو حتى خلية حية)

ويرد آخر على بعض الملاحدة، فيقول: (قال هيغل: أعطوني الهواء والماء والمواد الكيمياوية والزمان وسوف أخلق بها إنساناً، لكن هيغل نسي أنه بحاجة إلى نطفة وجرثومة الحياة من أجل هذا المشروع أيضاً، إنه بعد أن يجمع الذرات اللامرئية ويرتبها إلى جانب بعضها ضمن نظام وترتيب خاص بخلقة الإنسان، عليه أن يمنح الروح لهذا القالب! وعلى فرض أنه وُفّق للقيام بكل هذه الاُمور الخارقة للعادة، هنالك احتمال واحد فقط من بين ملايين الاحتمالات لظهور حيوان لم تشاهد عين الدهور شيئاً أغرب منه، والأعجب هو أن هيغل لن يقول بعد الموفقية في هذا الأمر أن هذا الموجود العجيب ظهر بحسب التصادف والاتفاق، بل يقول:(إن ذكائي ونبوغي هو الذي خلقه)([2]

ويقول آخر: (من أجل تشكيل البروتين يجب التحام مئات أو آلاف الجزئيات (أحماض أمينية) بنِسب مختلفة وبأشكال متنوعة على شكل سلسلة، وإن عدد أنواع البروتينات لا محدود حقاً، لأنه لايمكن العثور على نوعين من الحيوانات يكون لهما نوع واحد من البروتينات، إذن فجزيئات المواد العضوية تشكل مجموعة عظيمة لا حدود لتنوعها وتعقيدها يبعث على الحيرة، ومن أجل صنع موجود حي واحد لا نحتاج إلى مقدار كاف ونسب معينة من انواع البروتينات اللامتناهية فحسب، بل يجب ترتيبها ترتيباً صحيحاً أيضاً، أي ان بناءها له من الأهمية ما لتركيبها الكيمياوي من الأهمية.. إن بناء البروتينات معقد حقاً، وإن أعقد الأجهزة التي صنعها الانسان (كالعقل الألكتروني) هي بحكم الألعوبة مقابل أبسط الكائنات الحية! يكفي الانسان أن يفكر في هذه العظمة لتتضح له استحالة الخلقة الذاتية أو التصادفية)

وغيرها من التصريحات التي تثبت عجز العلم، بل عجز كل العلماء، عن تقليد جزء بسيط من القدرة الإلهية التي لا يمكن تحديدها ولا تصور عظمتها.

فلذلك كان المؤمن بالقدرة الإلهية، والمذعن لها صاحب عقل علمي، لا صاحب عقل خرافي كما يزعم الجهلة.. فالعالم هو الذي يقيس ما يشاهده على غيره.. فمن رأى هذه المظاهر العجيبة للقدرة الإلهية في النفس والآفاق لن يستغرب أي شيء تبرزه هذه القدرة.

ولهذا كان الدهريون الذين أنكروا قدرة الله على البعث أجهل الخلق بالله، وأبعد الناس عن مقتضيات عقولهم، وقد ذكر الله تعالى المنطق الذي يفكرون به، فقال:﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَافْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8)﴾ (سبأ)، فالضلال البعيد ـ هنا ـ هو ذلك الضلال عن مستلزمات العقول السليمة.

ولهذا يوجههم إلى النظر في دلائل القدرة التي تنطق بكل لسان، قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ (الاسراء:99)، وقال:﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (يّـس:81)

وهو يوجههم إلى النظر في أصل الخلق.. فمن قدر على أن يخلق لن يعجز على أن يعيد، قال تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:27)، وقال:﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (99)﴾ (الإسراء)، وقال:﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾ (الروم)

وهكذا؛ فإن الإيمان بقدرة الله يبعث في صاحبه كل ألوان العزيمة والشجاعة؛ فالمؤمن الذي يرى نفسه مستندا للقدرة التي لا يعجزها شيء، لا يخاف من أي شيء، وكيف يخاف، والله ربه.

ولهذا اعتبر الله تعالى من أسباب الرعب الذي يملأ النفوس الشرك، فقال:﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:151)، فقد اعتبر الله تعالى في هذه الآية شركهم مصدر رعبهم.

وقد ذكر الله تعالى في مقابل هذا مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة، ومنهم إبراهيم عليه السلام الذي هدده قومه بكل أصناف التهديدات، لكنه لم يذعن لهم، بل قال متعجبا: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنعام:81)

وقد كان في ذلك الموقف يقارن بين القوة الوهمية التي يستند إليها قومه، والقوة الوهمية التي كانوا يتصورون أنهم يملكونها، وبين قوة الله تعالى، فأخبر أن قومه أولى بالخوف منه.

وقد عقب الله تعالى على قول إبراهيم عليه السلام مقررا هذه الحقيقة المطلقة، ومقننا هذه السنة الإلهية التي لا تتخلف، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ (الأنعام:82)

وهكذا، فإن الإيمان بقدرة الله تعالى هو الذي يحفظ صاحبه من الإحباط واليأس، ذلك أن سبب اليأس هو اعتقاد العجز.. فمن عرف أن في قدرة الله أن يحقق له كل أمنية، فإنه سيعيش ممتلئا بالأمل السعيد الذي تنهض به الحياة، وتستقر به النفس.

ولهذا ربط الله تعالى بين الأمل والقدرة وتحقيق المطالب في قصة زكريا عليه السلام، فقد كان زكريا عليه السلام محبا للولد، وكان يود لو سأل الله ذلك، ولكنه كان يتوقف كل حين إلى أن رأى ما دعاه لأن يسأل ذلك السؤال الذي كان يملأ عليه نفسه.

قال تعالى يربط بين الإيمان بالقدرة المعجزة، وبين الأمل:﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)﴾ (آل عمران)

هذه ـ أيها المريد الصادق ـ بعض آثار الإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة على النفس المطمئنة، وكونها سبب رضاها وطمأنينتها وسعادتها وقوتها.. فاسع لأن تعمر نفسك بهذه المعاني، ودعك من أولئك المجادلين الذين يخوضون فيما لا طاقة لهم به.. فيتساءلون عن سر القدرة الإلهية وكيفية تحققها.. فذلك مما لا تطيقه عقولهم.. ورحم الله امرؤا عرف قدر نفسه وعقله، فلم يتجاوزهما.

ومثل ذلك السؤال عن علاقة القدرة الإلهية بقدرة الإنسان.. وعلاقتها بالجبر.. فمن يقول ذلك يكذب على نفسه، فهو يفرق بين حركاته الاختيارية وحركاته الضرورية، ويشعر بأن له الحرية المطلقة في أن يفعل في جانبه الاختياري ما يشاء، ويتلفظ بما يريد من دون أن يمنعه مانع.. ولذلك كان إسناده لجهله وجرائمه لقدرة الله تعالى فرارا عن الحقيقة، وكذبا على النفس.


([1]) انظر: الأمثل للشيرازي.

([2]) سر الخلق، ص 139 إلى 141.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *