الفناء والبقاء

الفناء والبقاء

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما يرد في كتب التزكية حول تلك المراحل التي يمر بها السالك، والتي يعبرون عنها بالفناء والبقاء، وهل هي مراتب ترتبط بأحوال السالك، أم بالمعارف التي يطلع عليها، ويكتشفها بعد أن كان جاهلا بها..

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن الحقائق واحدة وثابتة ومصدرها الوحي الإلهي المعصوم، وتدرج السالك في المقامات المختلفة، لا يعني نسخها، وإنما يعني تعمقه في فهمها، وتذوقها، والتعايش مع معانيها.

فلذلك كان ما يرد من التعبيرات عن الفناء والبقاء وغيرها من الأحوال نوعا من التعبير عن الحالة النفسية التي يمر بها السالك، وليس تعبيرا عن حقائق جديدة لم ترد بها النصوص المقدسة.

وإن أردت توضيحا يبسط لك ذلك؛ فاعلم أن حال السالك في كل سيره إلى الله سعي إلى التحلي بالمكارم المرتبطة بالأخلاق، أو المرتبطة بتعرفه على الله وحقائق الوجود، وتواصله معها..

وهو لذلك قد يصادف أهواء تعترضه، أو جهلا كان مسيطرا عليه، ولا يمكنه أن يستمر في سيره ما لم يقض على تلك الأهواء، وذلك الجهل.. وهذا ما يسمى إفناء، لأنه لا يمكن أن تستبدل المثالب بالمكارم، ما لم تفن المثالب.. ويبقى صاحبها متحليا بالمكارم.

ويستمر هذا حاله إلى أن يمر بمرحلة يشعر فيها بعظمة الحقائق، فيصيبه الدهش والبهت والتعظيم إلى الدرجة التي يفنى فيها عن نفسه وعن رؤيته؛ فلا يشعر بوجوده، لعظمة سيطرة الوجود الحق عليه، وهذا ما يعبرون عنه بالفناء.. وهم لا يعنون فناء العين والذات، وإنما يعنون فناء الشعور والمشاهدة.

لكن ذلك لا يستمر طويلا؛ فالسالك يعود إلى رؤية نفسه، لكن لا باعتبارها قائمة به، وإنما باعتبارها قائمة بربها، وهذا ما يطلقون عليه لقب البقاء.. فالباقي بالله هو ذلك الذي يرى الكون كله مستندا إلى الله في وجوده.. ولذلك يجمع بين الرؤيتين، بخلاف الفاني الذي يكتفي برؤية واحدة.

وقد عبر عن هذه المعاني كل الحكماء، ونبهوا المريدين أو المنكرين عليهم بأنهم لا يقصدون بالفناء فناء الأعيان، وإنما فناء المشاهدة والاستغراق، وقد قال بعضهم معبرا عن ذلك: (علم الفناء والبقاء هو ما يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهي المغاليط والزندقة)([1])

وذكر آخر سر التسمية بذلك، فقال: (الفناء والبقاء يعنيان المغلوبية والغلبة؛ فإذا غلب على الإنسان شيء من تلك اللطائف، وصار مغلوباً لها وظهر عليه أحكامها قالوا: فنى الرجل في كذا، وبقى في كذا)([2])

وذكر آخر علاقة ذلك بالسلوك والسير، فقال: (الفناء والبقاء اسمان وهما نعتان لعبد موحد يتعرض الارتقاء في توحيده من درجة العموم إلى درجة الخصوص، ومعنى الفناء والبقاء في أوائله: فناء الجهل ببقاء العلم، وفناء المعصية ببقاء الطاعة، وفناء الغفلة ببقاء الذكر، وفناء رؤيا حركات العبد لبقاء رؤيا عناية الله تعالى في سابق العلم)([3]) 

وقال آخر: (أشار القوم بالفناء: إلى سقوط الأوصاف المذمومة، وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به، وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين، فمن المعلوم أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة؛ فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة)([4]) 

وذكر آخر الفرق بين العارف الذي هو الباقي، والفاني، فقال: (الفرق بين العارف والفاني أن العارف يثبت الأشياء بالله، والفاني لا يثبت شيئاً سوى الله.. والعارف يقرر القدرة والحكمة، والفاني لا يرى إلا القدرة.. والعارف يرى الحق في الخلق كقول بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه، والفاني لا يرى إلا الحق يقول: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله.. والعارف في مقام البقاء، والفاني مجذوب في مقام الفناء.. والفاني سائر، والعارف واصل)([5])

وبناء على هذا عرف بعضهم الفناء، فقال: (الفناء: هو أن تبدو العظمة، والإجلال على العبد فتنسيه الدنيا والآخرة والأحوال والدرجات والمقامات والأذكار، يفنيه عن كل شيء وعن عقله وعن نفسه وفنائه عن الأشياء وعن فنائه عن الفناء، لأنه يغرق في التعظيم)([6])

وقال آخر: (الفناء أن تتجلى للسالك عظمة الذات، فتفنيه عن رؤية الأشياء ومن جملتها نفسه فيصير عين العين ويغرق في بحر الأحدية، وقد يطلق الفناء على الفناء في الأفعال، فلا يرى فاعلا إلا الله، وعلى الفناء في الصفات فلا قدير ولا سميع ولا بصير إلا الله يعني أنه يرى الخلق موتى لا قدرة لهم ولا سمع لهم ولا بصر إلا بالله وبعد هذا يقع الفناء في الذات)([7])

واختصر آخر ذلك، فقال: (الفناء هو غياب النفس عن شعورها بذاتها وشعورها بلذاتها) ([8])

وقال آخر: (الفناء: هو انجذاب قلوب المؤمنين إلى الحق وعبادته ومحبته إلى درجة لا يشعرون معها بغير ما يعبدون ولا يشهدون غير ما يقصدون)([9])

وقال آخر: (الفناء: هو درجة كمال يبلغها العارفون الذين تحرروا من آلام المجاهدة، وخلصوا من سجن المقامات والأحوال والذين انتهى بهم الطلب إلى الكشف فرأوا كل مرئي، وسمعوا كل مسموع، وأدركوا كل أسرار القلب، والذين اعترفوا بنقص كشفهم فأعرضوا عن كل شيء وفنوا في مقصدهم وفنيت في هذا المقصد كل مقاصدهم)([10])

وقال آخر: (الفناء أن يفنى الإنسان عن نفسه فلا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا الأشياء الخارجية عنه، ولا العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك، ويغيب عنه جميع ذلك ذاهباً إلى ربه أولاً، ثم ذاهباً اليه أخرى، فإن خطر له في أثناء ذلك أنه فني عن نفسه بالكلية فذلك شوب وكدورة والكمال أن يفني عن نفسه وعن الفناء، والفناء عن الفناء غاية الفناء والفناء أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله تعالى وإنما الهدى بعد وأعني بالهدى هدى الله.. وهذا الاستغراق ما يثبت ويدوم، فإن دام صارت عادة راسخة وهيئة ثابتة عرج به إلى العالم الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع له نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت)([11]

وقال آخر: (ليس المراد بـ الفناء انعدام عين العبد مطلقا، بل المراد منه فناء جهته البشرية في الجهة الربانية)([12])

وقال آخر: (الفناء: عبارة عن الفناء في العرفان لا في الأعيان فإن ذلك غير ممكن)([13])

وقال آخر: (الفناء: هو أن يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك ذاهباً إلى ربه أولاً ثم ذاهباً فيه آخراً)([14])

وقال آخر: (الفناء: هي شهود الحق بلا خلق، لاندراج حكم الفعل في الصفة من حيث أنه أثرها، وبذلك لا يبقى خبر عن الفعل من حيث هو. والصفة مضافة لموصوفها، فليس إلا هو وحده. وذلك عين الغيبة عن كل شيء به، لرجوع كل شيء إليه)([15]

وقال آخر: (الفناء هو الحال التي تتوارى فيها آثار الإرادة والشخصية والشعور بالذات وكل ما سوى الحق، فيصبح الصوفي وهو لا يرى في الوجود غير الحق، لا يشعر بشيء في الوجود سوى الحق وفعله وإرادته. فالفناء عن المعاصي يقتضي البقاء بالطاعات، والفناء عن الصفات البشرية يقتضي البقاء بصفات الألوهية، والفناء عما سوى الله يقتضي البقاء بالله. وليس المقصود بالفناء ذلك المعنى الشائع وهو الفناء بالموت، بل المقصود أن يفنى الصوفي عن الأخلاق الذميمة ويبقى بالأخلاق الحميدة، ويفنى عن صفاته من علم وقدرة وإرادة، وأخيرا يفنى عن نفسه وعن العالم حوله ويبقى بالله بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله)([16])

وقد اتفق هؤلاء جميعا على أن حال البقاء أفضل، وأنه هو الحال الدائم، بخلاف الفناء الذي هو حالة مؤقتة سرعان ما تزول، ويعود العبد إلى نفسه وإلى الكون، ولكن بتلك الرؤية الإيمانية الجديدة، وقد قال بعضهم في ذلك: (وقوف العبد في مقام البقاء أفضل، لأن الله تعالى ما أبقى العبد إلا ليفيض عليه من رحمته ونعمته ويشعر العبد بذلك فيحمده ويشكره، ولا هكذا مقام الفناء، فإنه أشبه شيء بالعدم)([17])

وقال آخر: (أهل البقاء: هم الكمل، يشهدون الذات في الصفات، والجمع في الفرق. لا يحجبهم جمعهم عن فرقهم، ولا فرقهم عن جمعهم. يعطون كل ذي حق حقه، ويوفون كل ذي قسط قسطه)([18]

وقال آخر: (صاحب الفناء له التلقي من الله، وصاحب البقاء له الإلقاء عنه.. وصاحب الفناء قد طمست دائرة حسه وانفتحت حضرة قدسه، وصاحب البقاء باق بربه في حضرة قدسه وحسه.. وصاحب الفناء مدعو إلى الله، وصاحب البقاء داع إلى الله، وهو محل الخلافة والنيابة مع الإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، داع إلى الله على بصيرة من الله)([19]

وعلل بعضهم سر ذلك، فقال: (مقام البقاء: هو مقام الملك بالله، وهو مقام خاصة الخاصة. وهو مقام الراحة بعد الشقاء، والربح بعد الخسران. وهو مقام العبودية لله بلا علة، والنظر إليه بلا واسطة. وهو مقام التفريق بعد الاجتماع، والتواضع بعد الارتفاع، والعجز بعد القدرة والأدب لله بالله بعد التمكين في الحضرة الإلهية. صاحب هذا المقام راسخ في العلم والعمل، راتع في شهود الحق في الجلال والجمال لتحقيق المقامات والأحوال)([20]

وقال آخر: (مقام البقاء: هو شهود الحق بالخلق، وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب أحدهما عن الآخر، وهو مقام جمع الجمع. والبقاء، وذلك لا يحصل إلا بالتجلي العيني بعد العلمي)([21]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بهذه الأحوال السنية، والتي تخرجك من عبودية الأكوان إلى عبودية الله؛ فلا يمكن أن تتجلى على قلبك حروف الحقائق المقدسة، ما لم تفن عنه كل الأوهام المدنسة.. فالحق والباطل، أو النور والظلمة لا يمكن أن يجتمعا في محل واحد.


([1]) أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، ص 1159.

([2]) ولي الله الدهلوي، التفهيمات الإلهية، ج1 ص241.

([3]) السراج الطوسي، اللمع في التصوف، ص 213.

([4]) الرسالة القشيرية، ص 61.

([5]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ج 2 ص 236.

([6]) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص 30، 31.

([7]) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص 31.

([8]) يوسف ايبش، السهروردي المقتول،ص 24 (بتصرف)

([9]) سليمان سليم علم الدين، التصوف الإسلامي، ص 183.

([10]) د. عبد الوهاب عزام، التصوف وفريد الدين العطار، ص 112، 113.

([11]) ابن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح، ص 7، 8.

([12]) الحكيم الترمذي، ختم الأولياء، ص 491.

([13]) الحكيم الترمذي، ختم الأولياء، ص 503.

([14]) محمد بن أحمد البسطامي، تذكرة المريد الطالب المزيد، ص 80.

([15]) أحمد زروق، شرح الحكم العطائية، ص 254 0

([16]) سليمان سليم علم الدين، التصوف الإسلامي، ص 182.

([17]) عبد الوهاب الشعراني، كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان، ص 43، 44.

([18]) شرح تصلية القطب ابن مشيش، ص 19.

([19]) لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي (بهامش لطائف المنن والأخلاق للشعراني) ج2 ص 78، 79

([20]) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ج 2 ص 350.

([21]) إسماعيل حقي البروسوي، تفسير روح البيان، ج 1 ص 212.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *