العلم الواسع

العلم الواسع

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن علم الله تعالى الواسع، والذي يشمل كل شيء دق أو جل، ويستوعب الماضي والحاضر والمستقبل، ويحيط بأصناف الكائنات صغيرها وكبيرها.. وعن أثره في النفس المطمئنة ورضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك بأن يقين النفس المطمئنة بعلم ربها الواسع الشامل المحيط هو الذي يجعلها ممتلئة بالتسليم والإذعان والطمأنينة له.. ذلك أنها تعلم أنه يجمع بين السعتين: الرحمة والعلم.. ومن جمع بينهما لا يصدر منه إلا الخير والفضل والكرم.

ولتعرف ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ عن كثب.. فاسأل من شئت من الناس عن طبيب يجمع كل خبرات الأطباء وعلومهم، وفي نفس الوقت يحمل قلبا حنونا لطيفا على مرضاه، يتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، ويستعمل كل الوسائل لإنقاذهم من عللهم.. فهل تراهم يفرحون به، ويرضون عنه أم لا؟

وإن شئت أن تزداد يقينا فخيرهم بين طبيب كثير الرحمة لكنه قليل العلم.. وبين طبيب كثير العلم لكنه قد يكون أقل من صاحبه رحمة.. فستجدهم يختارون صاحب العلم الكثير، لأن تخصصه في علمه هو الذي يفيدهم، وهو الذي يحتاجون إليه.

ولهذا ترى الأطباء يذكرون مع أسمائهم الشهادات العلمية التي نالوها، والمؤتمرات التي حضروها، والكتب التي ألفوها، وعدد المرضى الذين أجروا لهم عمليات ناجحة، وكل ذلك ليملأوا قلوب زبائنهم من المرضى ثقة في علمهم.

وهكذا غيرهم من أصحاب الوظائف.. فكلمهم يقرون بأفضلية الأعلم على غيره، ذلك أن علمه وخبرته هي التي تتيح له أن يؤدي الوظائف الموكلة إليه أحسن قيام.

ولهذا؛ فإن إيمان المؤمن اليقيني بعلم الله تعالى الواسع الذي يشمل كل شيء يملؤه بالراحة والتسليم، لأنه يثق في ربه، وفي تشريعاته، ومقاديره، فيسلم لها جميعا سواء بسواء.. لأن الذي شرع هو نفسه الذي قدر.. وهو نفسه العليم بكل شيء.. بالحاضر والماضي والمستقبل.

وهذه المعاني هي التي أشارت إليها المصادر المقدسة كثيرا، لتتلقفها النفوس المطمئنة، فتسعد بخالقها العليم، وتفرح بعلمه وخبرته ولطفه.. لأنها الأساس الذي تقوم عليه كل الحركات والسكنات في الكون.. فهي حركات وسكنات مبنية على العلم الشامل الواسع المحيط بكل الجوانب.. وليست حركات اعتباطية، لا تُعلم نتائجها.

ولهذا يبشر الله تعالى المؤمنين فيقول: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 29]

فهذه الآية الكريمة لا تدعو فقط إلى تزكية النفس، والحذر من الخواطر السيئة، واطلاع الله عليها، ولكنها تبشر المؤمنين بأن الله تعالى عالم بما في صدورهم من الأماني والطلبات والرغبات، والتي قد يستحون من ذكرها أو طلبها.. ولذلك يلبيها لهم في الوقت الذي يشاء بناء على مصالحهم.. ولهذا لم يختم الله الآية الكريمة بكونه سريع الحساب، وإنما ختمها ببيان قدرته المطلقة، وأخبر قبلها بعلمه بما في السموات والأرض.

وهكذا يخبر الله تعالى عن تلك الأحاديث التي يتحدث الإنسان بها إلى نفسه، وعلمه بها، فيقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16]، وهي مثل الآية السابقة تدفع إلى الأمرين: تزكية النفس والحذر من الاستجابة لوساوس النفس وخواطر السوء فيها.. وبين البشارة بأن الله تعالى لا يعلم فقط ما في النفس، ولكنه قريب منها أيضا.. وذلك ما يشعرها بالطمأنينة والسكينة والرضا.

وهو لا يشعرها بذلك فقط، وإنما يجعلها تقبل على كل الأعمال الصالحة بعيدا عن الرياء والسمعة والأمراض النفسية، لأن الذي يراها ويصاحبها في ذلك العلم هو ربها سبحانه وتعالى.

وهكذا يخبرنا الله تعالى في آيات كثيرة عن شمولية علمه لعالم الغيب والشهادة، وما بطن وما ظهر، وليس كعلم الخلائق الذين لا تتاح لهم إلا بعض الظواهر البسيطة المحدودة، كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]

ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105]، وقوله: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 8 – 10]، وقوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 3]

وهكذا يبين القرآن الكريم سعة العلم الإلهي، وكونه محيطا بكل شيء، دقيقه وجليله، وأوله وآخره، وعاقبته وفاتحته، لا نهاية لمعلوماته ولا حصر لها، كما قال تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام:﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ (الأعراف: 89)

ولهذا نرى اقتران اسم الله [العليم] باسمه [الواسع] ليدل على أن سعة علم الله مقترنة مع سعة فضله وتصريفه وقيوميته، قال تعالى:﴿ وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:115)

وقال عن هبة الملك:﴿ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247)

وقال عن مضاعفة الأجور:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:261)

وقال عن هبة المغفرة والفضل:﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:268)

وهكذا في كل آي القرآن الكريم، حتى في الآية التي ورد فيها اسم الواسع مضافا قرن بالعلم، قال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم:32)، فقد قرن تعالى في هذه الآية بين سعة مغفرته وبين علمه بخلقه.

فلذلك لا نهاية لمعرفة الله ولا حد لها، لأن (كل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف، فهو أحق باسم السعة، والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق، لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليه متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة)([1]

وانطلاقا من هذا يبث القرآن الكريم في روع المؤمنين الأوصاف الكثيرة الدالة على هذه السعة التي لا حدود تنتهي إليها، ويجعل ذلك في كثير من الفواصل القرآنية لتكون برهانا على ما اشتملت عليه الآية من أمر أو تدبير، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 75) الذي ورد في فاصلة عشرين موضعا في القرآن الكريم.

وغيرها من المواضع القرآنية الكثيرة التي تصف علم الله تعالى، لتملأ المؤمن طمأنينة ورضا عن ربه العليم بكل شيء.. وكيف لا يطمئن له أو يفرح به، وهو يرى الخلق في الدنيا منبهرين بمن يكتشف اكتشافا علميا بسيطا محدودا، ومع ذلك يكيلون له كل أصناف الثناء والمدح.. فكيف بالعليم بكل شيء.. والذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء ولا في غيرهما.

وقد قرب الله تعالى بعض سعة العلم لخلقه، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [لقمان: 27]، وقال:﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (الكهف:109)، فهذه الآيات الكريمة تنص على أنه لو كانت تلك البحار ـ بجميع مياهها ـ مداداً لكلمات الله، والشجر كله أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا أن يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه.

وهذا مجرد مثال تقريبي؛ فعلم الله تعالى تابع لذاته، وبما أن ذات الله لا محدودية لها، ولا إحاطة بها، فعلمه كذلك.

ولهذا كان من الأصول الكبرى للعرفان القرآني والنبوي اليقين التام بعلم الله تعالى بكل الجزئيات والتفاصيل المرتبطة بالأشياء جميعا، فالله تعالى رب كل شيء، والعليم بكل شيء.. فـ ﴿عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]

فاحذر ـ أيها المريد الصادق ـ أن تقع في ذلك الجدال الذي وقعت فيه العقول المحدودة، حين راحت تسقط محدوديتها على ربه، فتتوهم جهله بالتفاصيل والجزئيات، واقتصار علمه على المجامع والكليات، وقد قال الإمام علي في الرد عليهم: (لا يعزب عنه عدد قطر السماء، ولا نجومها ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفي الأحداق)([2]

و قال: (الحمد لله الذي يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات)([3]

و قال: (قد علم السرائر، وخبر الضمائر، له الإحاطة بكل شيء)([4]

وسئل الإمام الصادق عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] فقال: (السرّ ما كتمته في نفسك، وأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته)([5])

وسئل عن قوله عزّ وجلّ: (﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، فقال: (ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه، فذلك خائنة الأعين)([6])

واحذر ـ أيها المريد الصادق ـ أن يجرك الحرص على التعرف على حقائق الأشياء إلى البحث فيما لا قدرة لعقلك على بلوغه، فسلم لربك علمه الشامل لكل شيء، ولا تبحث عن كيفية ذلك.. فأنت لا تزال في مراحل تكوينك الابتدائي.. وعقلك وقلبك وكل لطائفك ليست مستعدة لتلقي كل الحقائق.

لكن يمكنك أن تقرب ذلك للغافلين الذين لا تستطيع عقولهم هضم الحقائق إلا بعد تسويغها وتقريبها بما ييسر عليهم قبولها.. فتقرأ عليهم سورة الإخلاص ليعلموا أن صفات الله تابعة لذات الله، وذات الله لا تحد ولا تقيد، ولا يقال عنها كيف، ومثلها صفاته.

وهذا الجواب يرضي العقل السليم ويغنيه، لأنه إذا قيل له:(إن فلانا الراعي يدرك خفايا النظريات العلمية ودقائقها، بل يستطيع أن يحول منها واقعا ملموسا) تجده يستغرب، ويسأل محتارا:(كيف يكون هذا؟)

لكن إن قيل له:(إن الدكتور الفلاني يعلم كل ذلك) لا يستغرب ولا ينكر ولا يسأل عن كيف ولا أخواتها.

فهو يدرك أن حقيقة الدكتور العلمية تختلف عن حقيقة الراعي.

وذلك نفس ما يقوله العقل السليم عن الله، فلا يستغرب صفاته تعالى ولا يتعجب منها إلا الجاهل بذات الله أو بقدر الله.

ولذلك قال تعالى في الإخبار عن قصة أصحاب الكهف:﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ (الكهف:9)، أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى؛ وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف.

فلذلك أمرنا بتسبيح الله عند رؤية آياته حتى ننزهه من أن نحصر قدرته أو صفاته في حدود معينة، كما قال تعالى عن العارفين:﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:191)

فالتسبيح هو تنبيه العقل إلى عدم حد الله بأي حدود، فالله هو الواسع المحيط بكل شيء.

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ بعد هذا أن تتعجب أو تستغرب من علم الله تعالى بالمستقبل، أو بالأشياء قبل حصولها، وتتوهم أن ذلك يتنافى مع الحرية التي أتاحها الله لعباده، أو أن الله تعالى يعاقب عباده بحسب علمه فيهم، لا بحسب الأعمال التي قاموا بها.

فكل ذلك ناتج عن القياس الفاسد الذي ينشأ من مقارنة علمك أو علم الخلق بعلم الله تعالى.. وهما مختلفان تماما، بل لا مجال للمقارنة بينهما..

ومع ذلك فإنك لو ذهبت إلى هؤلاء الذين يتوهمون أن علم الله تعالى بالأشياء قبل حصولها، لوجدتهم يلجؤون كل حين لمن يسمونهم خبراء، حتى يتعرفوا من خلالهم على المستقبل؛ فتجدهم يرجعون في التحاليل السياسية والعسكرية والطبية وغيرها إليهم، حتى أن أقوالهم التي تحاول استشراف المستقبل بناء على الواقع تصبح هي الواقع الذي يؤثر في كل المجالات.

فلذلك يكفي أن يقول الخبراء الاقتصاديون باحتمال ارتفاع عملة معينة ليحول السوق من قبلة إلى قبلة.. ويكفي أن يوجه الخبراء السياسيون حادثة معينة توجيها خاصا ليتحول العالم إلى عالم آخر..

بل إنا في حياتنا العادية نرجع إلى الخبراء في كل المجالات، لأن علم الخبير مبني على الواقع لا على الخيال، ومؤيد بالخبرة والتجربة والمعايشة التي تحول من تنبؤاته علما محققا.

وانطلاقا من هذه الخبرة الهزيلة التي منحها الإنسان، والتي من خلالها استطاع أن يستشرف كثيرا من خبايا المستقبل، نتساءل عن التعجب من خبرة الله، وعن سؤال: كيف؟ عن خبرة الله.

فالله تعالى الذي خلق الإنسان، ويعلم خصائصه الظاهرة والباطنة، كيف لا يعلم مستقبل الإنسان، قال تعالى:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14)

وذلك، كما أن صانع الآلة ومخترعها هو خبير بإمكانيتها، وبما يحصل لها من عطب، وبما يؤول إليه أمرها، فيتعامل معها، وكأنها جزء منه، بخلاف من يتعامل معها تعامل المستهلك الذي لا يرى منها إلا جانبها المنفعي المحدود.

وللفرق بين علم الخبير وعلم غيره أمر الله تعالى طالب معرفة الله بالرجوع إلى الخبير، وهو العالم بالله العارف به المصاحب له، قال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (الفرقان:59)

ولذلك يخبرنا الله تعالى في معرض الحديث عن أحكامه عن خبرته بأعمال خلقه، لأن العالم بذوات الخلق أعلم بأعمالهم:

ففي معرض ذكر الله تعالى لجواز تزين النساء بعد انتهاء إحدادهن، قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة:234)

وهي تحمل عتابا مبطنا لمن ينكر عليهن، لأن في إنكاره تعديا على الله، فالله هو الخالق الخبير بخلقه، وهو أعلم بما في نفوسهم وبواطنهم، وله وحده الحق في الإنكار أو عدمه.

وفي معرض ذكره للصدقات قال تعالى:﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (البقرة:271)، فالله تعالى عقب على هذا السلوك الذي هو إظهار الصدقات أو إخفائها بكونه خبيرا، وكأنه يخبر من أظهر الصدقات بأن الله خبير يعلم نيته في إخراجه لها علانية.. فالعلانية لا تدل بحد ذاتها على الإخلاص أو على الرياء، ولهذا فهي تحتاج إلى خبير يميز بينهما.

ولهذه الفاصلة المترددة في هذه الآيات وغيرها تأثير سلوكي تربوي عظيم.. فهي تربي المؤمن على مراعاة خبرة الله ببواطن الأشياء.. وذلك ما يجعله يتقن العمل ظاهرا وباطنا، فلا تشغله حروفه عن مقاصده، ولا ظاهره عن باطنه.

وترد خبرة الله تعالى في القرآن الكريم مقرونة بلطفه وعلمه في مواضع كثيرة للتنبيه إلى أن هذه الخبرة مستندة إلى العلم الواسع من جهة، ولا يصدر منها إلا اللطف من جهة أخرى، فهي خبرة علمية عملية:

وقد جمع الله تعالى بينها جميعا في قوله:﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14) والتي جاءت عقب قوله تعالى:﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الملك:13)

وكأنها بذلك تعلل سر علم الله بسر العباد وجهرهم وبذات صدورهم، فالله هو الخالق، وهو اللطيف الذي لطف في خلقهم بتلك الصورة، وهو الخبير بمصالحهم وأحوالهم وتصرفاتهم عند فعلها أو قبل فعلها.

وقال تعالى قارنا اللطف بالخبرة في حكايته عن موعظة لقمان عليه السلام لابنه:﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:16)

فالله تعالى خبير بموضعها لطيف بوضعها الموضع المناسب لها.

وقال تعالى في تعليل إدراكه للأبصار، وعدم إدراكها له:﴿ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام:103)

فعدم إدراك العباد لله معلل بلطف الله وخبرته، فالله لطيف بعباده رفيق بهم خبر ضعفهم عن إدراكه فحرمهم منه في الدنيا لطفا ورفقا لا شحا وبخلا، فهو الكريم الجواد.

وقال تعالى عن لطفه المقترن بخبرته في النظام والإبداع الذي زين به السماء والأرض:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحج:63)

وقال تعالى قارنا بين العلم والخبرة:﴿ إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34) فقد علل تعالى علمه بمستقبل الأشياء بعلمه بها وخبرته.

وقال تعالى مرجعا سر خلق البشر على هذه الصور المختلفة إلى علم الله وخبرته:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)

وغيرها من الآيات الكريمة التي تعمق معاني علم الله الواسع سواء في تفاصيله، أو في مجالاته، أو في التوقيتات المرتبطة به.. وكل ذلك مما يملأ قلوب المؤمنين فرحا بربهم، وحبا له، وسعادة به.


([1]) المقصد الأسنى: 119.

([2]) نهج البلاغة، خطبة 178.

([3]) نهج البلاغة، خطبة 198.

([4]) نهج البلاغة، خطبة 86.

([5]) بحار الأنوار: 4/79، ومعاني الأخبار.

([6]) بحار الأنوار: 4/80، ومعاني الأخبار.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *