العطاء والمنع

العطاء والمنع

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن إدارة الله تعالى لشؤون العطاء والمنع، والقبض والبسط، والكرم والتقدير، وأسرارها، ومعارفها، وأثرها في النفس المطمئنة، وسر علاقتها برضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن انفراد الله تعالى بكل شؤون العطاء والمنع، والقبض والبسط من الأسس التي تقوم عليها وحدانية الله تعالى في تدبيره لملكه، وتنظيمه له، ولو أن الشركاء تنازعوا في هذا التدبير لاختل نظام الكون.

ولذلك كان من أسماء الله تعالى الحسنى الدالة على ما يتعلق بشؤون العطاء والمنع اسمه المركب (المعطي المانع)([1])، وهو يفيد أن كل ما يحصل في الكون من عطاء وأرزاق وهبات هي فضل من الله تعالى، وكل ما فيه من منع فهو من مقتضيات حكمته تعالى.

ومن أسمائه تعالى الدالة عليه أيضا اسمه المركب (القابض الباسط)، وهو يعني أن كل ما في الكون من قبض أو بسط هو من نتائج مشيئة الله وإرادته وحكمته.

ولهذه المعرفة آثارها الكبيرة على النفوس، بل يستحيل أن تطمئن من دونها، ذلك أنه لو وكل إلى الله العطاء، ووكل لغيره المنع، لتشتت النفوس، وانقسمت على نفسها، واحتارت من ترضي هل ذلك الذي يعطيها، أم ذلك الذي يمنعها.

ولذلك كان تفرد الله تعالى بهذه الشؤون جميعا، تنظيما لها، حتى يكون العطاء في محله المناسب، والمنع في محله المناسب.

ولهذا اعتبر الحكماء المعرفة بحقائق العطاء والمنع من المعارف الضرورية للسالكين، حتى يتأدبوا مع ربهم، ويزدادوا معرفة به، وقد قال بعضهم في ذلك: (متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره.. فهو في كل ذلك متعرف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك)

وقال: (إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه)

وقال: (ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.. متى فتح لك باب الفهم في المنع، عاد المنع هو عين العطاء)

وقال آخر: (إذا منعت فذاك عطاؤه، وإذا أعطيت فذاك منعه، فاختر الترك على الأخذ)

وقال آخر: (ميز بين ما تُعطي وتُعطى: إن كان من يعطيك أحب إليك فإنك محب الدنيا.. وإن كان من تعطيه أحب إليك فإنك محب للآخرة) ([2])

وعرف آخر اسم الله [المانع] بأنه (في وصفه سبحانه بمعنى: منع البلاء عن أوليائه، أو منع العطاء عمن شاء مطلقا. فإذا منع البلاء عن أوليائه، كان ذلك لطفا جميلا، وإذا منع العطاء عنهم، كان ذلك فضلا جزيلا) ([3]

وقال آخر: (المانع، جل جلاله: هو الذي يمنع من شاء، وقد يكون باطن المنع عطاء، قد يمنع العبد من كثرة الأموال، ويعطيه الكمال والجمال، وقد يمنع العبد من صحة الأجسام، ويعطيه الرضا عن الأحكام.. فالمانع: هو المعطي، ففي باطن المنع عطاء، وفي ظاهر العطاء بلاء) ([4]

وكل هذه الأقوال تدل على أن من ضروريات المعرفة بالله، والتي لها آثارها السلوكية الكبرى، معرفة فضل الله تعالى في عطائه ومنعه، بل شهود العطاء في منعه، لأنه لا يمنع إلا ما فيه مصلحة لعباده، وحفظا لهم.

وإن شئت ـ أيها المريد الصادق ـ مثالا يقرب لك ذلك؛ فتصور أن هناك رجلا كريما لا يعرف إلا العطاء، فهو لا يرد من سأله، مهما كانت مسألته.. وقد جعل ذلك بعضهم يسأله أن يوفر له من المخدرات والمسكرات ما يريحه من بعض الآلام التي تعرض لها.. وبما أنه لا يعرف كلمة [لا]، أبدا، فقد استجاب له، وأعطاه ما جعله يقع في الإدمان، ويتحول إلى زمرة المدمنين والمنحرفين، وكل ذلك بسبب ذلك الكرم الذي أُغدق عليه من طرف الذي يعطي ولا يمنع.

وهذا المثال ينطبق على غير العارفين بسنة الله تعالى في العطاء والمنع، حيث أنهم يتهمون الله تعالى بالبخل، لأنه يمنعهم من المخدرات التي يطلبونها، والتي تشغلهم عن حقيقتهم ومصيرهم، كما ذكر الله تعالى ذلك عن اليهود، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]

ومثل ذلك اتهامهم الله تعالى بالفقر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]

ولهذا ترد الإشارات الكثيرة في القرآن الكريم إلى ما يملأ النفس قناعة بفضل الله تعالى في الجميع؛ فهو الغني الكريم الذي يفيض أرزاقه على خلقه بحسب مصالحهم وحاجاتهم، لا بحسب أهوائهم وأمزجتهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ (الاسراء:30)، وقال:﴿ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت:62)

ويخبر أن من مظاهر لطف الله بعباده تقدير الأرزاق عليهم، قال تعالى:﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى:27)

ويخبر بأن أكثر الناس لا يدركون هذه الحقيقة، بسبب جهلهم واستعجالهم وعدم تأملهم، قال تعالى: ﴿قلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سـبأ:36)

ويصرح في آيات أخرى بأن هذه الحقيقة لا يذعن لها إلا المؤمنون الواثقون بربهم، المسلمون له شؤون تدبير مملكته، قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الروم:37)، وقال:﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (الزمر:52)، وقال: ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ الله وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ (الحديد:29)

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن لهذه المعرفة آثارها الكبيرة في النفس، بل يستحيل أن تتحقق بالرضا والطمأنينة من دونها، وأول تلك الآثار حمايتها من اتهام الله تعالى بالبخل، أو عدم إجابة من سأله، لأنها تعلم أنه ما حرمها إلا لكون ذلك مصلحة لها، فتسلم له في كل شيء، ثقة ورضا.

وذلك ما يجعلها تعيش في سكينة وطمأنينة ورضا، تحميها من أن تقع فيما يقع للغافلين من ندب حظهم المتعثر الذي أوقعهم في الفقر بينما يتنعم الجاحدون بما شاءوا من النعم.. فالمؤمن يعتقد أن كل ذلك متاع أدنى لا يستحق زفرة حزن واحدة، قال تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ (الرعد:26)

ويقص علينا القرآن الكريم مقالة الذين تمنوا مكانة قارون بعد أن رأوا مصيره، قال تعالى:﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ (القصص:82)

ولذلك، فإن المؤمن يترفع عن نظرة الغافل، ويطلب من يد الله المبسوطة نحوه الأرزاق الشريفة التي لا تنقطع، قال تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة:261)، وقال:﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالله يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (النور:38)

ومن آثار تلك المعرفة ألا يحول الخوف على الرزق بين المؤمن وتنفيذ أوامر الله تعالى، ولهذا ينهى الله تعالى المؤمنين أن يجعلوا من خوف العيلة علة لترك المشركين يزورون المسجد الحرام، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:28)

ومن آثارها أن يلجأ إلى الله في طلب رزقه معتقدا أنه يرزق بغير حساب، قال تعالى عن مريم عليها السلام:﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران:37)

ومن آثارها أن يفيض يده بالنفقة في وجوه الخير عالما بأن الخير من الله، قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سـبأ:39)

ومن آثارها أن يشهد العطاء في كل شيء، وأولها وأعظمها نعمة الإيمان والهداية، والتي لا تعدلها جميع كنور الدنيا، ولهذا رد الله تعالى على أولئك الأعراب الذين راحوا يمنون على الله تعالى إسلامهم بقوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ﴾ [الحجرات: 17]

وذكر منته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه النعمة، فقال: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [الضحى: 7]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]

وذكر مقولة المؤمنين الفرحين بفضل الله عليهم بالهداية، فقال: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ الله يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 11، 12]

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما مجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى، ونحمده لما هدانا للإسلام، ومن علينا به، فقال: (أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة) ([5])

وقال الإمام الصادق: (العطاء من الله على وجهين: في الابتداء: الإسلام والإيمان، وفي الانتهاء: التجاوز عن الزلات ودخول الجنان) ([6])

ويروى أن المسيح عليه السلام مر برجل أعمى، أبرص، مقعد مضروب الجبين بفالج، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه. فقال له المسيح: يا هذا، أي شي ء من البلاء أراه مصروفا عنك فقال: يا روح الله، أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته. فقال له: صدقت، هات يدك. فأوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها، وأفضلهم هيئة. وقد أذهب الله عنه ما كان به. فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه([7])

ويروى أن بعض الصالحين قطعت رجله من ركبته من أكلة خرجت بها، فقال: الحمد لله الذي أخذ منى واحدة، ولئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت، ثم لم يدع ورده تلك الليلة.

ومن النعم التي يراها العارفون بمنع الله وعطائه تلك الحقائق الحكمية التي يرزقها الله تعالى للمؤمن بسبب تسليمه لربه، والتي يحرم منها الغافلون، كما قال تعالى:﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:269)

ومنها تحققهم بالشكر لله تعالى على كل نعمه التي يغفل عنها من لا يعرف هذه الحقيقة، كما عبر عن ذلك بعض الحكماء فقال: (الشاكرون على ثلاث طبقات، منهم: من يكون شكره لغذاء النفس، ومنهم: من يكون شكره لغذاء الروح، ومنهم: من يكون شكره لغذاء القلب؛ فأما الشكر على غذاء النفس: فالمطعم والملبس والعافية، وأما غذاء الروح: فالعلم والمعرفة والطاعة فعليه الشكر، وأما غذاء القلب: فالمعرفة والرضا؛ فأبناء الدنيا، شكرهم لغذاء أنفسهم، وأبناء الآخرة، شكرهم لغذاء أرواحهم، وأصحاب القلوب، شكرهم لغذاء قلوبهم)([8])

ومنها ذلك الرضا بكل ما يحصل لهم، لاعتقادهم أن الله تعالى لا يقدر لهم إلا ما فيه مصلحتهم، وإن بدا في الظاهر ضررا، مثلما أخبر الله تعالى عن ذلك في قصة أصحاب السفينة التي خرقها الخضر عليه السلام، وعاتبه موسى عليه السلام، إلى أن علم بعد ذلك المصلحة المرتبطة بذلك الخرق.

ويروى في هذا أن رجلا كان يسكن البادية، وكان له كلب وحمار وديك؛ فالديك يوقظهم للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء، ويحمل لهم خباءهم، والكلب يحرسهم؛ فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا له، وكان الرجل صالحا فقال: عسى أن يكون خيرا، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله، فحزنوا عليه فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا، ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال: عسى أن يكون خيرا، ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم وبقوا هم، وإنما أخذ أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب، والحمير. والديكة.

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بهذه المعرفة الجليلة لتنال الطمأنينة والرضا، وتسعد بربك الكريم الجواد الذي أفاض عليك كل أنواع النعم، ولم يحرمك من بعضها بسبب رعايته لمصلحتك، ولكون ما أعد لك في دار القرار أعظم من أن تتخيله أو تتصوره أو تتوهمه..


([1]) وقد فسر المانع بمعنى الحافظ، أي أن الله تعالى برحمته يمنع عبده من أسباب هلاكه، وليس مرادنا منه هنا هذا المعنى، وإن كانت غايته هذا المعنى.

([2]) أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، ص 64.

([3]) التحبير في التذكير، ص 89.

([4]) أحمد سعد العقاد، الأنوار القدسية في شرح أسماء الله الحسنى وأسرارها الخفية، ص 230.

([5]) رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.

([6]) أبو عبد الرحمن السلمي، زيادات حقائق التفسير، ص 214.

([7]) إحياء علوم الدين، 5/ 132.

([8]) أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، ص 1122.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *