العدل والرحمة

العدل والرحمة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما ذكره بعضهم من غلبة الرحمة الإلهية على العدل، وأن الله تعالى في الآخرة سيتجلى لعباده برحمته الشاملة المطلقة، ولذلك يكتفي بتنفيذ وعده دون وعيده، ليشتمل النعيم المحسنين والمسيئين، والمقربين والمبعدين.

وذكرت لي أنه قرب ذلك بأن الله تعالى لو (فوض أمر خلقه إلى بعض عباده وقدّره ومكّنه من التصرف فيهم، وكان خيّراً غنياً، لأزال العذاب عنهم، وهذا الراحم أنا وامثالي، وهو تعالى أرحم الراحمين)([1])

وذكرت لي أنه استدل لذلك بأن الثناء لا يكون إلا بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، (والحضرة الإلهيّة تطلب الثّناء المحمود بالذّات؛ فيثني عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتّجاوز، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: 47]، ولم يقل ووعيده، بل قال: ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 16] مع أنّه توعّد على ذلك) ([2])

وذكرت لي من أشعارهم في هذا قول بعضهم:

فلم يبق إلا صادق الوعد وحده

   وما لوعيد الحقّ عين تعاين

و إن دخلوا دار الشّقاء فإنّهم

   على لذّة فيها نعيم مباين

نعيم جنان الخلد فالأمر واحد

   وبينهما عند التّجلّي تباين

يسمّى عذابا من عذوبة طعمه

   وذاك له كالقشر والقشر صائن

وذكرت لي أن العمدة في كل هذا تعود لتلك المكاشفات التي حصلت للصالحين؛ فجعلتهم يرون الحقائق رأي العين، ولذلك لا يمكن البرهنة على ما ذكروه إلا بسلوك الطريق الذي سلكوه.

وجوابا على سؤالك الوجيه، وذلك بالتسليم الجدلي لما ذكرت، وأنه لا يمكن التعرف على هذه الغيبيات إلا من خلال الكشف والمشاهدة والترقي؛ فهذا يخالف ما ذكروه من جهتين:

أولا ـ كان الأصل تركهم لذكر هذا ومثله؛ فلا يُبث في الكتب، ولا ينشر بين الناس، لأنه ـ كما يذكرون ـ علم الخاصة الذي يصلون إليه عن طريق الكشف؛ فنشره يحوله من مشاهدة وكشف خاص بالثلة القليلة من الصالحين إلى عقيدة جديدة، والعقائد لا تبنى على الكشف، وإنما تبنى على الوحي المعصوم.

ثانيا ـ أنهم بنشرهم مثل هذه المقالات ـ حتى في حال صحتها ـ يخالفون مقصد الشارع، ويحطمون كل تلك الزواجر التي استعملها الله تعالى ليملأ القلوب ورعا وتقوى.. فيكون الخوف من الله أو الخوف من عذابه هو السوط الذي يحميهم من شر أنفسهم، وقد يكون هو الوسيلة التي تقربهم إلى ربهم، وتنقل نفوسهم من عالم الدنس إلى عالم الصفاء.

ذلك أنه من البديهيات التي تتوافق عليها العقول أن القيم السلوكية الرفيعة تحتاج إلى حوافز، تدفع إلى العمل بها، وعقوبات تنفر من الوقوع في أضدادها؛ فإذا ما رفعت العقوبات، ولم تبق إلا الحوافز التي يستوي فيها العاملون والمقصرون، لن تبقى أي قيمة، بل لن يبقى أي دين.

فهل يمكن أن يستقيم أمر دولة تضع القوانين المشددة للجرائم، ثم يأتي أئمتها وخطباؤها ومفكروها ليقولوا لعامة الناس: لا تخافوا؛ فكل تلك العقوبات المسطرة لن تحصل؛ فالحاكم رحيم وصاحب قلب طيب، وقد وسع برحمته كل رعيته صالحهم ومجرمهم، برهم وفاجرهم، ولذلك فسيصدق معكم في كل وعوده، ولا تلوموه إن لم يصدق وعيده؛ فالكرام لا يفون بالوعيد، وإنما يفون بالوعود فقط.. فهل يمكن أن تبقى في هذه المدينة بعد هذا أي قيم رفيعة، أو أخلاق عالية، أو نظام محكم؟

هذا بناء على التسليم الجدلي لما ذكره، وهو كاف لجعلهم يخالفون مقاصد الشارع، سواء في ترغيباته وزواجره الدافعة إلى التنافس على العمل الصالح، أو في تحويلهم العلم اللدني كما يذكرون إلى عقائد يشترك في ادعائها الناس جميعا.

أما المخالفة الثانية؛ فهي أخطر وأشد، ذلك أنهم ـ بتلك الدعاوى التي طرحوها، والتي تستند إلى الكشف والشهود كما يذكرون ـ يقضون على الكثير من النصوص المقدسة، ويحولون منها إلى مجرد ألفاظ لا معاني لها، وهو ما يسقط هيبتها، ويحولها مجالا لكل من يريد التلاعب بها.

وقد وقعوا بذلك ـ من حيث لا يشعرون ـ في ذلك التفكير الرغبوي الذي وقع فيه أهل الكتاب، والذين وصف الله تعالى دعاواهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون﴾ [آل عمران:24].

والآية الكريمة تشير إلى ذلك [التفكير الرغبوي]، الذي عبر عنه قوله تعالى: ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون﴾، والذي قد يكون عمدتهم فيها رؤى منامية، أو إلهامات روحية، أو كشوف ومشاهدات إشراقية.. بعيدا عن الوحي الإلهي.

ذلك أن التفكير الرغبوي ـ أيها المريد الصادق ـ قد يظهر بصور مختلفة.. فيظهر للفيلسوف في صورة ترتيب منطقي ممتلئ بالحجج.. ويظهر للصوفي صورة كشف وشهود.. وهو في الحقيقة لم يشاهد إلا ما في نفسه من رغبات، أو في عقله من معارف ورثها عن بيئته.. وكذلك الفليسوف الذي حول من معارفه حقائق بديهية ألزم بها غيره، مع أنها ليست سوى وليدة عقله.

ولذلك فإن دين البشر ـ المعتمد على مثل تلك المصادر غير المعصومة ـ يتبنى مثل تلك الأفكار، ثم يفرضها على ربه، ويتألى عليه، ويتصور أن الجنة والنار صارت بيده، لا بيد ربه.

وما ذكره القرآن الكريم عن اليهود، هو نفسه ما وقع فيه النصارى، فقد ورد في [رسالة يوحنا الرسول الأولى 2: 1)]: (يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لاتخطئوا وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الأب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً)

وبناء على هذه المقولة وغيرها ذهبت كل تعاليم المسيح والقيم النبيلة التي جاء بها أدراج الرياح، ذلك أن السوط الذي جعله الله لتأديب عباده، وهو جهنم، وعذابها الشديد، صار ملغيا بفعل تلك المفاهيم الإرجائية.

ونفس الشيء حصل للمسلمين في عهدهم الأول، حيث تحول الكثير منهم إلى فرق إطفاء لجهنم، وسعيرها، بل إلغائها أصلا، واعتبار أن كل تلك التهديدات التي وردت في القرآن الكريم، ولأبسط التجاوزات والذنوب مجرد تهديدات لفظية لا قيمة لها..

وانتشر بينهم أن رحمة الله واسعة.. ولطفه بعباده عظيم.. وأنه يكفي أن يتحقق الإيمان بالله ورسوله، لتتنزل بعده السعادة المطلقة، ولا يهم بعد ذلك، هل كان ذلك الإيمان مجرد أقوال تقال، أو حركات تؤدى، أو كانت قيما يعيشها صاحبها، ويضحي بكل شيء من أجلها.

لقد انتشر في ذلك الحين مثل تلك الأحاديث التي لا تعطي أي قيمة للعمل، ولا للسلوك الأخلاقي مثل حديث: (أتانى جبريل فبشرنى أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)([3]

وهكذا انتشرت مثل هذه النصوص الإرجائية، لتحول من الزنا والسرقة وشهادة الزور وكل الجرائم الإنسانية بما فيها القتل نفسه شيئا بسيطا لا أهمية له، مع أن الله تعالى في القرآن الكريم يتوعد بالعذاب الشديد لأجل قضايا بسيطة جدا، لا تساوي أمامها تلك الجرائم شيئا.

ثم جاء بعد ذلك من يدّعون الكشف والشهود، ليقضوا على ما بقي من الزواجر التي وردت بها النصوص المقدسة، ويصبح الحديث عن العذاب أو جهنم دليلا على عدم المعرفة بالله، وكأن الله تعالى الذي تجلى لعباده في كتابه لم يكن هو الإله الذي دلت عليه الحقائق.

مع أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر:49 ـ 50)، ويقول: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف:156)، ويقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (ابراهيم:7)

وغيرها من الآيات الكريمة التي تجمع بين عدل الله ورحمته؛ فالعدل لا يقضي على الرحمة، وإنما يكملها، والرحمة لا تقضي على العدل، وإنما تنتظم معه في سلك واحد.

ذلك أن الرحمة بالمجرم تنافي العدالة، وتسيء إلى المظلوم البريء؛ فلذلك كانت رحمة البريء تقتضي القصاص من المجرم.. بل إن رحمة المجرم نفسه تقتضي تخليصه من ذلك الإجرام الذي وقع فيه بالعقوبة المناسبة له، مثلما يستأصل الداء بالألم والجراحة.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فإني أحذرك من أن تضع كتاب ربك، وكلماته المقدسة وراء ظهرك، وتتوهم أن تلك العقول القاصرة، أو النفوس المدنسة غير المعصومة، يمكنها أن تنسخ حرفا واحدا من كتاب ربك أو سنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم.

ذلك أن العقل أو الكشف أو أي وسيلة من الوسائل التي يحاول بها العقل البشري المحدود الوصول إلى حقائق الوجود بعيدا عن الوحي الإلهي ستوقعه في الضلال والتيه، ذلك أن الله تعالى ضمن العصمة في كلامه، ولم يضمنها في غيره، لاستيلاء الأهواء، وامتزاجها بالوساوس الشيطانية، وقصور العقل الإنساني بمراتبه المختلفة عن إدراك الحقائق بصورتها الصحيحة الكاملة.

ولو أنك ـ أيها المريد الصادق ـ رجعت إلى ذلك التشبيه الذي ذكرته لي لوجدته كافيا لرد هذه المقولة، ذلك أنه قاس الله تعالى على بعض خلقه ممن غلبت عليه الرحمة، وربما قصر في العدل، ولو أنه قاسه على من غلب عليه العدل لذكر غير ذلك، وهذا ما ذكره كل الحكماء الذين توفر لديهم التسليم المطلق لله؛ فلذلك تأدبوا في حضرته، ولم يكن لهم تدبير غير تدبيره، وقد قال بعضهم في ذلك: (أمن الممكن لربّ هذا العالم ومالكه الذي أظهر بآثاره كرما بلا نهاية، ورحمة بلا نهاية، وعزة بلا نهاية، وغيرة بلا نهاية، أن لا يقدّر مثوبةً تليق بكرمه ورحمته للمحسنين، ولا يقرر عقوبةً تناسب عزته وغيرته للمسيئين)([4]

وقال: (أمن الممكن لخالق ذي جـلال أظهر ســـلطان ربــوبـيـتـه بتـدبيـر قـانــون الوجــود ابـتــداء من الذرات وانتهاء بالمجرات، بغاية الحكمة والنـظام وبمنتهى العدالـة والميزان.. أن لا يعامِل بالإحســان من احتـموا بتـلك الربوبيـة، وانقادوا لتلك الحكمة والعدالة، وأن لا يجازي أولئـك الذيــن عصَـوا بكفرهم وطغيانهم تلك الحكمةَ والعدالــة.. بينما الإنسان لا يَلقى ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة إلاّ نادرا، بل يؤخَّر، إذ يرحل أغلبُ أهل الضلالة دون أن يلقوا عقابهم، ويذهب أكثرُ أهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد أن تُناط القضيةُ بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل إلى سعادة عظمى) ([5])

وهذا الذي ذكره هو الذي يتناسب مع النصوص المقدسة، والتي امتلأت بكل صيغ الردع للظالمين والمجرمين وكل من ترك السراط المستقيم ليتبع السبل المنحرفة.

فقارون بين ما ذكرته من أقوال، وقوله تعالى في المتمردين عليه وعلى رسوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14]؛ فالله تعالى وصف عذابه بكونه مهينا، وليس مؤلما فقط.

ومثل ذلك قال في عقوبة البخل وكتمان فضل الله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37]

وقال في الكفر بمختلف أنواعه ومظاهره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 150، 151]

وقال في المكذبين بآيات الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج: 57]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تصف الإهانات العظيمة التي يتعرض لها المعرضون عن الله، أو عن القيم التي جاء بها.

أما ما ذكرت من أن تلك الإهانات، ومثلها العذاب الذي يعانونه، كانت صورته صورة عذاب، لكن حقيقته كانت نعيما، ولذلك لم يكونوا يشعرون به إلا كما يشعرون بالنعيم.. فإن القرآن الكريم يفنده بذكر الكثير من مظاهر السخط والألم النفسي التي يعانيها المسيئون في دار الجزاء نتيجة اختياراتهم التي اختاروها في الدنيا.

ومن أهم تلك المظاهر تلك الحسرات التي لا تنتهي، والتي نجد القرآن الكريم يحذر منها أهل الدنيا كثيرا حتى لا يقعوا فيها، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) ﴾ [الزمر: 55 – 58]

ومن تلك الحسرات ذلك الألم الذي يعتريهم بسبب الخسارة العظيمة التي خسروها، والتي لا يمكن أن تعوض أبدا، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15].

وهكذا يذكر القرآن الكريم مشاهد كثيرة عن تلك الحسرات ومشاعر الندم التي يعبر بها المسيئون عن سوء المصير الذي اختاروه لأنفسهم، وذلك عند تذكرهم لكل موقف من مواقف السوء، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 – 29]

وهكذا يخبر الله تعالى عن خطاب الملائكة لهم، والمملوء بكل أنواع الشدة، جزاء لهم على شدتهم وقسوتهم، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49، 50]

ويخبر القرآن الكريم عن تلك الآلام الشديدة التي يعاني منها المسيئون، والتي تجعلهم يطلبون من الملائكة أن يطلبوا من الله تعالى القضاء عليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ [الزخرف: 74 – 78]

وهكذا يذكر القرآن الكريم تلك الحوارات الكثيرة التي تجري بين المسيئين، والتي يستعيدون فيها جرائمهم التي مارسوها في الدنيا، ويلقي بعضهم على بعض اللوم بسببها.

ومن تلك المشاهد ما عبر عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)﴾ [غافر: 47، 48]

ومنها ما عبر عنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سبأ: 31 – 33]

ومنها ما عبر عنه قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21]

وغيرها من النصوص المقدسة الكثيرة التي ترد كل ما ذكره أولئك المرجئة الذين راحوا يبدلون الكلم عن مواضعه، ويضعون العقائد البديلة عن العقائد التي وردت في الوحي المعصوم المقدس.

وعلى هذا المنهج سار أئمة الهدى، الذين هم الورثة الحقيقيون للنبوة والكتاب؛ فقد وردت عنهم النصوص الكثيرة المحذرة من عذاب الله، بل ورد عنهم ما يدل على خوفهم منه مع ما آتاهم الله من التقوى والصلاح.

وكمثال على ذلك ما قاله الإمام الحسين ـ سيد شباب أهل الجنة ـ في دعاء يوم عرفة، فقد قال: (يا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، صل على محمد وآل محمد، وأسألك اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك فكاك رقبتي من النار) ([6])

فانظر ـ أيها المريد الصادق ـ إلى هذا الذي اجتمعت له الولاية بكل أركانها، وكان فوق ذلك سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقدم كل التضحيات في سبيل الله، ولكنه مع ذلك سأل الله تعالى أن ينجيه من العذاب.. فقارن بين هذا الولي الذي لا شك في ولايته.. وبين أولئك المدعين الذين يسخرون من عقوبات الله، ويستهزئون بوعيده، ويتوهمون أن كشفهم وشهودهم أعظم صدقا من وحي الله، المنزل على خير خلقه.

فإن شككت في الدعاء والرواية التي وردت به، فاقرأ قوله تعالى في وصف خيرة خلقه الذين سماهم [عباد الرحمن]: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)﴾ [الفرقان: 63 – 67]

وقال في وصف مجلس من مجالس أهل الجنة، يذكرون فيه سبب تنعمهم فيها: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (الطور: 25 ـ 28)

ولذلك إن أردت الحزم والكياسة والفطنة، فاتبع السراط المستقيم الذي تمثله النبوة وورثتها، واحذر من كل سبيل يخالفها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه وهواها وتمنى على الله الأماني) ([7])


([1]) الشواهد الربوبية، ص319.

([2]) جواهر النصوص فى شرح الفصوص، ج 1، ص: 331.

([3]) رواه البخارى (6/2721، رقم 7049) ومسلم (1/94، رقم 94)

([4]) الكلمات، ص 67.

([5]) المرجع السابق، ص 70.

([6]) من دعاء الإمام الحسين في عرفة، إقبال الأعمال ص: 52.

([7]) الترمذي 4/ 219 ح (2459)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *