السلام والصراع

السلام والصراع

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الصراع الذي نراه بين الكائنات المختلفة، وهل هو أصل من أصول الكون، أم أنه طارئ عليه، وعن علاقة ذلك بالنفس المطمئنة ورضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن الكون في ذاته باعتباره ذا مصدر واحد، وهو الله تعالى الذي خلقه وبرأه وصوره وأبدعه وبث فيه كل شيء، لا محل فيه للصراع، ولا لمقتضياته، بل هو مملوء بالسلام، وكيف لا يكون كذلك ومن أسماء خالقه السلام المؤمن الحافظ، وكلها أسماء تنبئ عن كون السلام هو أصل الكون، وهو نهايته؟

ولذلك؛ فإن أول علامات النفس المطمئنة، هو كونها نفسا مسالمة، لا بسبب المنازل التي نزلتها، ولا الأخلاق التي تحلت بها، وإنما بسبب تلك المعارف الإيمانية التي تنزلت عليها؛ فجعلتها ترى أسماء الله تعالى الحسنى مهيمنة على كل شيء، ولذلك يغمر السلام كل شيء.

فلو تأملت ـ أيها المريد الصادق ـ أسماء الله الحسنى، والتي وصفها الله تعالى بالسعة، وكونها المهيمنة على الكون، لوجدتها جميعا مرتبطة بالسلام، بل بأعظم مراتب السلام، وهو الرحمة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:5)، والتي تشير إلى أن مملكة هذا الكون الواسعة مبنية على أساس الرحمة الإلهية، ومنتهية إليها.

ولذلك اختار الله تعالى ذلك الاسم الجليل الذي يجمع بين الدلالة على منتهى الرحمة وكمالها، والعلمية على الذات، ليدل على هذا المعنى، فإنه إذا قيل: (حكم الملك الشجاع) دل ذلك على ان أكبر منجزات هذا الملك مؤسسة على شجاعته، وإن قيل: (حكم الملك العادل) دل ذلك على أن أبرز ما يظهر في مملكته هو عدله، وهكذا.

وهذا ما نفهمه من الآية الكريمة، فهي لم تقرر معنى الاستواء بقدر ما قررت معنى الرحمة التي على أساسها يحكم الكون، وبناء على هذا نرى القرآن الكريم يقرن كل شيء باسمه الرحمن، ولهذا ورد في البسملة التي هي آية من كل سورة اسم [الرحمن الرحيم]، واعتبار كل شيء بدئ منطلقا من رحمة الله تعالى ورحيميته.

ومثل ذلك سورة الفاتحة التي جاء فيها ذانك الاسمان بين ربوبية الله تعالى للعالمين، ومالكيته ليوم الدين، وهي تعني أن الرحمة الإلهية هي المهيمنة على المجالات جميعا مكانها وزمانها وأنواعها.

ولهذا توصف الرحمة الإلهية بالسعة، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: من: 156)، وقال: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:147)

أما الصراع الموجود بين الكائنات، فهو صراع دخيل عليها، وناشئ عن التكاليف التي أنيطت بها، وليس ناشئا عن حقيقة الكون، أو مصدره، أو تدبيره.

ولذلك عندما أخبر الله تعالى الملائكة عن استخلاف الإنسان، ذكروا الصراع المحتمل لذلك الاستخلاف، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]

وقد ذكر الملائكة عليهم السلام ذلك بناء على معرفتهم أن الاستخلاف يعني تمكين الإنسان من خيارات مختلفة متناقضة، ليختار ما يتناسب مع طبيعته، كما قال تعالى عن الإنسان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 8 – 10]

ولهذا حصل الصراع بين تلك الكائنات المكلفة المستخلفة، نتيجة بعدها عن ربها، لا نتيجة معرفتها به، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]

وإن شئت مثالا يقرب لك هذا المعنى ـ أيها المريد الصادق ـ فتخيل لو أن هناك مدرسة من المدارس أراد القائمون عليها تدريب الطلبة على الاستقلالية في اتخاذ القرارات، فلذلك تركوا للتلاميذ الحرية في عمل أي شيء فيها من دون أن يخبروهم أنهم تحت الاختبار.

وقد جعل هذا بعضهم أو أكثرهم يتوهمون أن الأمر صار لهم صيرورة كاملة، فراحوا يتصرفون بحسب ما تقتضيه أهواؤهم، وهو ما أوقعهم في الصراع، لأن الأهواء تقع على محال واحد، كإدارة المدرسة مثلا، والكل يريدها لنفسه، ولذلك يتصارعون من أجل الحصول عليها.

أما غيرهم من الذين يعلمون أنهم في مرحلة تدريبية، وأن الإدارة الحقيقية للمدرسة باقية، وأنها تهيمن على كل شيء، وأنها ما تركت لهم الفرصة ليتخذوا ما شاءوا من القرارات إلا لتبلو سرائرهم، وتعرف حقائقهم؛ فلن يتحركوا حركة إلا وفق ما يقتضيه السلام والأدب والأخلاق.

وهكذا هو واقع الكون ـ أيها المريد الصادق ـ فالذين يؤمنون بهيمنة الله تعالى على كل شيء، ممتلئون بالسلام، ويشعرون بأنهم في ضيافة رب رحيم كريم لطيف، وأنهم ما خلقوا إلا ليعرفوه ويتقربوا منه، بخلاف غيرهم الذين انشغلوا بالتنافس على نيل ما استطاعوا؛ فلذلك يتوهمون أنهم يصارعون كل شيء حتى يحصلوا على مبتغاهم.

ولهذا كان أكثر الناس صراعا، أكثرهم بعدا عن الدين والإيمان، أو أكثرهم جهلا بوحدانية الله تعالى، وكونه مدبر كل شيء، والمهيمن على كل شيء، ولهذا يتوهم أنه يمكنه أن يكون هو الإله الذي يفرض سلطته على غيره، كما قال تعالى عن فرعون: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾ [النازعات: 21 – 24]، وقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38]

وأخبر عن قارون، واستكباره بماله، وتوهمه أنه صاحبه الحقيقي، وليس هبة إلهية له، لأجل اختباره، قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾ [القصص: 76-79]

وأخبر عن صاحب الجنتين الذي توهم أنه المالك الحقيقي لهما، فقال: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 35، 36]

وأخبر عن غلبة هذا الصنف من البشر، والذين عزلوا الله تعالى عن كونهم، وتوهموا أن الكون أصبح ملكهم، يتصرفون فيه كما شاءوا، فقال: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: 49 – 51]

ونتيجة لكل هذه المواقف السلبية من الكون وخالقه، ظهر الصراع، وظهر معه كل أنواع الفساد، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلهمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]

والآية الكريمة تخبر أن العقوبات الإلهية التي تعرض لهؤلاء ليس القصد منها الصراع، وإنما القصد منها التنبيه والتأديب، لتبين أن السلام هو المهيمن على كل شيء، حتى ما يبدو صراعا.

وإن شئت ـ أيها المريد الصادق ـ أن تطمئن نفسك إلى هذه المعاني القرآنية، فاذهب إلى الفلسفات المادية البعيدة عن الله، وسترى سر صراعها، وهو ذلك البعد والحجاب عن الله، أو تلك التصورات الخاطئة حوله.

ومن الأمثلة على ذلك تلك النظريات التي أتى بها ذلك المدعو [توماس روبرت مالتوس]([1])، والذي دعا إلى عدم الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب، وإلى قتل المواليد الجدد بسبب الأمراض، والمجاعات، والحروب.. وراح ينصح الحكومات بنصائح كثيرة ممتلئة بالإجرام، منها عدم زيادة أجور العمال، لأن هذا إن حصل فإنه سيدفعهم إلى الزواج المبكّر أو إنجاب عدد أكبر من الأطفال، كما أوصى بعدم الإنفاق على العاطلين عن العمل لأن هذا سيحولهم إلى كسالى.. وغيرها من التعليمات الممتلئة بالإجرام.

وهو نفس ما ذكره الله تعالى عن المشركين، وقتلهم أولادهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 137]

وقد أخبر أن من أسباب ذلك الجهل بكون الله تعالى هو الرزاق، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151]

وهكذا حصل الصراع بين البشر بسبب توهمهم أن الرزق محدود، وأن عليهم أن يصارع بعضهم بعضا من أجل الظفر به، حتى أن الأمر وصل ببعضهم إلى الفرح لكل زلزال أو طاعون أو حرب تقضي على المستضعفين، بل إنهم راحوا يستعملون كل الوسائل لتحقيق ذلك.

ففي القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي طغا عليه النفور من الدين، وانتشار الإلحاد، اجتمع أعضاء الطّبقات الحاكمة في أوروبّا لمناقشة مشكلة السّكّان المكتشفة حديثًا، ولابتكار طرق تنفيذ التّفويض المالتوسي، لزيادة معدّل الوفيات للفقراء، وقد كان من التوصيات التي خرجوا بها أنه (بدلاً من توصية إزالة الفقر، ينبغي أن نشجّع العادات المتناقضة.. فعلينا عمل الطرق الضيقة، وحشد أكثر الناس في البيوت، وبطريقة ما يُعاد وباء الطّاعون.. وينبغي على الدولة أن تبني القرى قرب البرك الرّاكدة، وتشجع بشدة المستوطنات في كلّ المستنقعات والأوضاع الضّارّة)

وكنتيجة لهذه السّياسة القاسية، تحول الصراع من أجل البقاء إلى سياسات تمارسها الحكومات حتى تخفف الزّيادة السّريعة في السكّان..

ومن تلك السياسات ما يسمى بسياسة [اضطهاد الفقر].. وهو ليس اضطهادا للفقر، وحربا له، وإنما اضطهاد للفقراء ومحاربة لهم.. وقد نُفذ فعلياً في القرن التاسع عشر في بريطانيا، فأنشئ النظام الصناعيّ الّذي جعل أطفال الثّمانية والتاسعة يعملون 16 ساعة في اليوم، وفي مناجم الفحم، والآلاف منهم ماتوا في ظّروف قاسية.

ولم يقتصر الأمر على السياسيين والاقتصاديين، بل تعداه إلى العلماء والفلاسفة، حيث انتشرت النظريات العلمية التي تجعل الصراع أصلا من أصول الكون.

ولعلك تعرف أن [نظرية التطور] التي هيمنت على الفكر البشري مدة طويلة، نظرية مبنية على أساس الصراع بين الكائنات، كما عبر عن ذلك صاحبها في إحدى مقدماته الأساسية عند تطوير نظريّته، فقد قال: (إن تطور الكائنات الحيّة يعتمد على الصراع من أجل البقاء، والأقوى ينتصر في الصّراع، والأضعف يُحْكَم عليه بالهزيمة والاندثار.. ووفقاً لذلك، كان هناك صراع قاس، ونزاع أبديّ في الطّبيعة من أجل البقاء.. ودائمًا القوي ينتصر على الضّعيف، حتى يتم التطور)

وهكذا اعتبر رواد هذه النظرية الصراع من أجل البقاء منطبقا على البشر، ولهذا ادعوا أن [السلالات المفضلة] هي المنتصرةً في الصّراع، وهم طبعا يقصدون الإنسان الأبيض الأوروبي والأمريكي على وجه الخصوص.. أما السلالات الإفريقيّة أو الآسيويّة فيعتبرونها متخلفة في الصّراع، وأنها ستفقد قريبًا أثناء عملية الصّراع من أجل البقاء، وبالتالي سيختفون.

ولم يكتف المصارعون بكل ذلك، بل راحوا ينشرون النظريات والأفكار الشيطانية التي تدعو إلى ممارسة كل الوسائل التي تزيل المستضعفين من الوجود حتى لا يبقى في العالم إلا الأقوياء.. فالبقاء لهم وحدهم.. ولذلك لهم أن ينتهبوا ثروات الفقراء المستضعفين.. ولهم أن يبيدوهم.. حتى لا يبقى في الأرض إلا الأصلح والأقوى.

وهكذا، وفي ظل هذه التصورات، كتبت المعارف المختلفة على أساس الصراع لا على أساس السلام، وكأن الكون كله شياطين يصارع بعضها بعضا، وليست كائنات لإله واحد، يخدم بعضها بعضا، لتحقيق غايات سامية، قد يكشف لهم على بعضها في هذا العالم، وقد يؤجل الباقي إلى وقته المناسب.

ولهذا ينظر المؤمن إلى الكون كله كما ينظر إلى تلك المائدة التي يقدمها له من يستضيفه، والتي يدعوه كل طبق منها إلى تناوله باحترام ولطف وأدب.. ولهذا نجد القرآن الكريم يصور النعم التي أفاضها الله تعالى على عباده بصورة الهدايا المقدمة على أطباق، ومعها ختم المهدي، فهو يصور ـ مثلا ـ الأرض بصورة المركب الذلول، المحتوية على كل المنافع، فيقول:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15)

فالآية تصف الأرض بكونها ذلولا، وهذا الوصف يطلق عادة على الدابة، ليصور في الأذهان ويغرس في العقول والقلوب (أن هذه الأرض التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، هي دابة متحركة.. بل رامحة راكضة مهطعة، وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها على ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير الذلول، ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول!)([2]

بينما يصورها الجاحدون في صورة الدابة الرامحة الراكضة التي تحتاج فارسا قويا مثل فرسان رعاة البقر ليقوم بترويض جماحها على نغمات تصفيق المعجبين.

ولهذا نجد في القرآن الكريم روعة التعبير عن الكون المسخر، بخلاف تعبير العلوم الحديثة، والتي كان تقهقرها في فلسفة ما اكتشفته من معارف مساويا لتقدمها في اكتشافاتها واختراعاتها.

وقد عقد بعض الحكماء هذه المقارنة بين التعبير القرآني في وصف الشمس في قوله تعالى:﴿ وَجَعَلَ الشمسَ سراجاً ﴾ (نوح:16)، وبين التعبير العلمي الحديث الجاف، فقال عن التعبير القرآني:(في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته، ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، واحساسٌ أنه قد أحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم، وما الشمسُ إلاّ مأمور مسخَّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج تنبيه إلى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وافهامُ إحسانه في سعة رحمته، واحساسُ كرمه في عظمة سلطنته)([3]

أما العلم الحديث فيعرف الشمس بأنها (كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى فتدور هذه الاجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا..)

وعقب على هذه المقارنة بقوله:(فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً ولا ذوقاً روحياً ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية)

وعلى هذا تقاس جميع التعبيرات القرآنية المتعلقة بالكون المسالم، ولذلك من الجهل العظيم ما أنكره بعضهم من أن القرآن الكريم لا يتكلم عن الكائنات من الزاوية التي يسمونها علما، ويقصرون العلم عليها.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أنك لن تشعر بالسلام الحقيقي إلا بعد أن تتخلص من كل تلك الأوهام التي أفرزها الشيطان، ووكلاؤه الذين حولوا من وساوسه إلى نظريات علمية وفلسفية وسياسية واقتصادية.. واعتبروا العلم قاصرا عليها.

فاحذر منها، واملأ قلبك بتوحيد ربك؛ فهو وحده من يحميك من الصراع، وبملؤك بالسلام والأمان، وقد قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:82)، وفي ذلك إشارة إلى أن مصدر المخاوف هو الشرك، واشتغال القلب بغير الله.

وكلما اشتد الشرك وعظم عظمت المخاوف، وكلما نقص الشرك أو تلاشى نقصت المخاوف أو تلاشت، فمعرفة الله والتوجه إليه هي بر الأمان، وهي سفينة نوح التي من ركبها لم تغرقه الأمواج، وهي ظل الله الذي يحتمي به من أحرقته شموس الرعب.

ولهذا أخبر الله تعالى أن الشرك هو مصدر الرعب، وأنه عقوبة إلهية تقتضيها طبيعة الكفر، فقال: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:151)، فقد أخبر تعالى أن مصدر خوفهم هو شركهم بالله.

وفي مقابل ذلك ذكر الله تعالى مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة، ومنهم إبراهيم عليه السلام الذي قال مجيبا قومه عندما خوفوه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام:81)

وقد عقب الله تعالى على قول إبراهيم عليه السلام مقررا هذه الحقيقة المطلقة، ومقننا هذه السنة الإلهية التي لا تتخلف، فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:82)

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فانظر إلى الكون باعتباره مربوبا لا ربا، وأنه سخر لك بتكليف من الله تعالى حتى تتعامل معه وفق ما تقتضيه الخلافة من سلام وعدل ورحمة.. وإياك أن تتوهم أفضليتك أو خيريتك على أي شيء من الأشياء، فتقع فيما وقع فيه الشيطان من صراع.

بل تعامل مع كل شيء باعتباره زميلا لك في العبودية، وصديقا لك في التوجه إلى الله، والرحلة إليه، حتى يصبح كل شيء أمامك مطية للترقي إلى الملأ الأعلى.. وحتى لا تحجب بنفسك وصراعك عن ربك والسلام الذي بثه في كونه.


([1]) انظر: توماس روبرت مالتوس من نظرية السكان إلى لعنة الإبادة، علي سفر، نُشر في 2015/05/09، العدد: 9912، ص(15)

([2]) في ظلال القرآن (6/ 3637)

([3]) انظر: المكتوب التاسع عشر، النورسي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *