الخلق والأمر

الخلق والأمر

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الخلق والأمر اللذين ورد ذكرهما في قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، وقوله في حقيقة الروح: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]، وما ورد من تأييد الله تعالى لأنبيائه وأوليائه بروح القدس.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن في كل المخلوقات التي تراها جانبين: جانب مادي محسوس ملموس تتوفر فيه كل خصائص الأجسام والمواد.. وجانب غير مرئي ولا محسوس ولا ملموس، ولا يمكن تقييده بالقيود، ولا حده بالحدود.

أما الجانب الأول؛ فهو الذي يطلق عليه عالم الخلق، وأما الثاني فهو من عالم الأمر.. وكلاهما يمكن أن يطلق عليه خلقا، باعتبار الله تعالى هو الخالق لكل شيء.

وذلك مثل الأجهزة الكثيرة التي نستعملها، والتي تتكون من مكونات مادية محسوسة وملموسة، وتتكون في نفس الوقت من برامج ونظم تتيح لها أداء الوظائف التي كلفت بها، والتي يمكن اعتبارها ـ مجازا ـ أرواحا لها.

ونحن في العادة لا نركز اهتمامنا بالماديات المرتبطة بالأجهزة، بقدر اهتمامنا بالنظم والبرامج والأعمال التي يمكن أن تؤديها، فبقدر الأدوار المتاحة للأجهزة، وبقدر الأوامر التي يمكنها تنفيذها، يكون اهتمامنا بها.

وهكذا عالم الخلق والأمر.. فالعبرة في المخلوقات ليس بضخامة حجمها، ولا بكثافتها أو كتلتها أو لمعانها وبريقها أو ألوانها الزاهية الباهية، وإنما بما تختزنه من قدرات تتيح لها أداء الوظائف المختلفة.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أنه لا يوجد مخلوق في الكون إلا وهو مزود بقدرات روحية تمكنه من أداء الوظائف التي كلف بها.. حتى تلك المخلوقات التي نراها جمادا مجردا من كل أشكال الحياة، فيها من الروح والحياة ما تتمكن به من أداء وظائفها.

وعدم إدراكنا لتلك الأدوار، أو لتلك النظم التي تعمل بها، لا يدل على عدم وجودها، وإنما يدل على عدم قدرتنا على فك الشيفرة التي تعمل بها.. ولهذا قد يضع بعض الجواسيس أجهزة تنصت خاصة لا يُلتفت لها، ومع ذلك تؤدي أدوارها في التنصت والتجسس.

وهو نفس ما يشير إليه قوله تعالى عن أعضاء الإنسان، وشهادتها عليه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:24)

وأخبر عن الأرض، وشهادتها على الإنسان، فقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 1 – 5]

وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث الأرض في ذلك اليوم العظيم بقوله بعد أن تلا قوله تعالى:﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة:4):(أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها)([1]

ولهذا ورد في الحديث الأمر بمراعاة الأرض والتحفظ منها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة)([2]

والنصوص المقدسة تخبر أن الروح المرتبطة بالمخلوقات المختلفة ليست خاصة بتلك القدرات المرتبطة بالتنصت والشهادة، وإنما هي أعظم من ذلك بكثير.

فهي تذكر أن لكل المخلوقات جامدة كانت أو حية قدرات خاصة بالإدراك؛ فهي تدرك نفسها، وتعرف ربها، وتعرف الكثير من الأشياء المرتبطة بوظيفتها، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72)

فالآية الكريمة تشير إلى أن الحياة العاقلة المدركة للعواقب هي التي منعت هذا الكون من قبول أمانة التكليف، ولولا ما في الكون من طاقة الإدراك والاختيار ما عرض عليه هذا العرض الخطير، ولولاها ما أجاب هذه الإجابة الواعية.

وهي تذكر أن لكل المخلوقات القدرة على الإحساس والشعور، كما قال تعالى في وصف تأثير نزول القرآن على الجبل:﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلهمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الحشر:21)، والخشوع مجموعة مشاعر سامية يختلط فيها الحب بالهيبة والخشية والرجاء.

وكلها قدرات متاحة للجبال كما ذكر القرآن الكريم، وعدم إدراكنا لها لا يعني عدم وجودها، لأنا ندرك عالم الخلق، ولا ندرك عالم الأمر، ولهذا قد نرى شخصا أمامنا كالميت، فنتوهم أنه مجرد جسد ملقى، لكنا بعد ذلك نكتشف حياته، ثم يحكي لنا ما شاهده من رؤى في تلك اللحظات التي كنا نتوهم فيه أنه لا يختلف عن الجماد، وقد تكون تلك اللحظات التي شاهدها أسعد أيام حياته.

ويذكر القرآن الكريم أن الجبال التي يقتصر نظرنا إلى خلقها، ليست بتلك القسوة، وإنما هي مزودة بروح عظيمة تتيح لها كل المشاعر النبيلة، قال تعالى مخبرا عن مشاعر الجبال تجاه شرك المشركين: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم: 88 – 92]

وهكذا تذكر النصوص المقدسة قدرات التعبير المرتبطة بتلك الكائنات، فهي تعبر عن معارفها ومشاعرها ومواقفها، ولا تكتفي فقط بإدراكها أو استشعارها، فقد قال تعالى عن الكون المتشكل من السموات والأرض:﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ (فصلت:11)

وأخبر أن الكافرين يكتشفون يوم القيامة هذه القدرة التي تتمتع بها الكائنات التي كانوا يحسبونها جامدة، قال تعالى حكاية عن كلام الجلود بعد تعجب الكفار من كلامها: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (فصلت: 21)

وفوق ذلك كله تذكر النصوص المقدسة عبودية الكائنات جميعا لربها، وهو يدل على قدرات كثيرة أتيحت لها لتتمكن من تلك العبودية الاختيارية، وأولها معرفة الله، والتي تجعلها تسبحه وتنزهه وتحمده بالألسنة الخاصة بها.

ولذلك نفى الله تعالى عن أكثر الخلق إمكانية فقه هذه التسابيح التي يعج بها الكون، قال تعالى:﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (الاسراء:44)

وعدم الفقه والتصور لا يعني في المنهج العلمي السليم إنكار ما لم يتمكن من فقهه أو تصوره، كما قال تعالى:﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الاسراء:36)، فمن أنكر ما لم يقف على سره وحقيقته كان مقتفيا ما ليس له به علم.

بل إن الله تعالى يذكر أن لهذه الكائنات جميعا سجودها الخاص بها، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج:18)

والسجود كما يعبر القرآن الكريم سجود شامل يشمل الشخوص والظلال، أو الجواهر والأعراض، كما قال تعالى:﴿ وَلله يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد:15)

وكل هذه المعاني وغيرها، تشير إلى أن عالم الخلق مصحوب بعالم الأمر؛ فليس هناك مخلوق إلا وقد زود بالروح الخاصة به، والتي تتيح له كل تلك الوظائف وغيرها.

وقد عبر عن ذلك بعض الحكماء، فقال: (الكونُ بجميع عوالمه حيّ ومشع مضئ بذلك التجلي، وِالاّ لأصبح كل من العوالم – كما تراه عين الضلالة – جنازة هائلة مخيفة تحت هذه الدنيا المؤقتة الظاهرة، وعالماً خرباً مظلماً)([3]

وقد أخبر القرآن الكريم أن هذه الحقيقة التي لا يعرفها إلا المؤمنون في الدنيا، والتي ينكرها الجاحدون، ستصبح معلومة ضرورية يعرفها الجميع في العالم الآخر، كما قال تعالى مخبرا عن الطاقات التي يزود بها الإنسان بعد موته، والتي تتيح له مشاهدة ما لم يكن قادرا على مشاهدته، قال تعالى:﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (قّ:22)، فمن معاني الغفلة في الآية تعطل الطاقات عن أداء وظيفتها بسبب إهمالها وعدم استعمالها.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن الكائنات جميعا، وإن كانت مزودة بالأرواح الخاصة بها، والتي تتيح لها أداء وظائفها، إلا أنها تختلف في القدرات المتاحة لتلك الأرواح، مثلما نراه في الدنيا من الأجهزة المختلفة، والتي تختلف قيمتها بحسب الأوامر التي يتاح لها تنفيذها.

ولهذا أخبر الله تعالى عن القيمة الخاصة للإنسان، باعتباره زود بروح لها طاقات كثيرة لا تتوفر لدى الكثير من الكائنات، وذلك لضرورة الوظيفة المناطة به، وهي وظيفة الخلافة.

ولهذا أمر الملائكة بالسجود له.. لا لجسده، وإنما لتلك الروح التي زود بها، والتي هي من عالم الأمر الإلهي، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28، 29]

ومع اشتراك البشر في أصل وجود الروح إلا أنهم يختلفون في القدرات المتاحة لكل روح، ذلك أن منهم من يقوم بما يقوم به الخلق في الدنيا عند التعامل مع أجهزتهم من مسح كل برنامج لا يحتاجون إليه، أو يرون أنه قد يحول بينهم وبين ما يرغبون فيه من برامج.

ولذلك لا يستفيدون من القدرات المتاحة للأوامر الخاصة بتلك البرامج، وكيف يستفيدون منها، وقد عطلوها، ولذلك من يعطل قدرات عقله على التعرف على عوالم الغيب لن يصل إليها أبدا إلا بعد وفاته، وتنصيب برامج خاصة جديدة لذلك.

وفوق ذلك فإن الله تعالى يزود الصالحين الذين استعملوا كل البرامج الخيرة في نفوسهم بما يفيدهم في الترقي.. فالترقي ليس سوى تلك الطاقات التي توهب للإنسان، والتي تتيح له إدراك ما لم يكن يدركه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]

أي أن المسيح عليه السلام زود بطاقات خاصة، لضرورة الوظيفة التي كلف بها، وتلك الطاقات هي التي أتاحت له أن ينفخ في الطين، فيتحول طيرا، وغيرها من المعجزات، كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49]

وهذا لا يعني انحصار ذلك التأييد في المسيح عليه السلام، وإنما يوهب الروح القدس، والطاقات المرتبطة به بكل نفس تهذبت وتأدبت وترقت..

ويشير إلى هذا ذلك الاختبار الذي قام به سليمان عليه السلام لحاشيته، والذي أراد من خلاله أن يختبر القدرات المتاحة لهم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾ [النمل: 38 ـ 40]

وهذا يدل على أن ذلك العلم المرتبط بالكتاب، لم يكن ليعلمه لولا تلك الروح الخاصة التي جعلته يفهم منه ما لا يفهم غيره.

ولهذا كان القرآن الكريم روحا خاصة للصادقين معهم، يتزودون من خلاله بطاقات لم تكن لهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]

وقال عن دوره في تحصيل الحياة الحقيقية بروح القرآن والنبوة: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؛ فالحياة المرادة هنا ليست حياة الأجساد، وإنما هي حياة خاصة بتلك الطاقات الجديدة الموهوبة للإنسان بسبب تفعيله للقرآن الكريم.

ولهذا قد يكون الشخص حيا في جسده، لكن كل الطاقات الموهوبة له ميتة، ولعله هو الذي قام بقتلها.. لتوهمها أنها تقف بينه وبين حياته.. مع أنها هي حياته.

ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122]؛ فالآية الكريمة تشير إلى أن غير المؤمن يكون فاقدا للروح التي يتحقق بها الإيمان، ولذلك يكون ميتا من هذه الجهة؛ فإذا ما آمن عادت إليه الحياة من جديد.

ويشير إلى هذا ما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا زنا الزاني فارقه روح الإيمان ؟)، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]، ثم قال: (ذلك الذي يفارقه) ([4])

وقال الإمام الصادق: (إن للقلب أذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الإيمان لا تفعل وقال له الشيطان افعل وإذا كان على بطنها نزع منه روح الإيمان) ([5])

وقد أشار إلى كل هذه المعاني الإمام الصادق، فقال: (إن الله خلق الناس ثلاثة أصناف.. فالسابقون هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح أيدهم بروح القدس، فبه بعثوا أنبياء، وأيدهم بروح الايمان فبه خافوا الله، وأيدهم بروح القوة فبه قووا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله وكرهوا معصيته، وجهل فيهم روح المدرج الذي يذهب به الناس ويجيئون) ([6])

وهكذا اتفق الحكماء على هذا المعنى، وقد قال بعضهم مشيرا إلى الأرواح المختلفة: (روح بها ضياء أبدانهم: وهو سلطان عقولهم.. وروح بهاء ضياء قلوبهم: وهو شفاء علومهم.. وروح بها ضياء أرواحهم: والذي هو للروح روح، بقاؤهم بالله.. ويقال: روح هو روح إلهام، وروح هو روح إعلام، وروح هو روح إكرام.. ويقال: روح النبوة، وروح الرسالة، وروح الولاية، وروح المعرفة.. ويقال: روح بها بقاء الخلق، وروح بها ضياء الحق)([7])

وقال آخر: (الروح روحان: روح به حياة الخلق، وروح به ضياء القلب، وهو الروح الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52])([8])

وقال آخر: (الأرواح أربعة: روح جسماني، وروح نوراني، وروح سلطاني، وروح قدسي)([9])

وقال آخر: (الأرواح أقسام: أرواح تجول في البرزخ وتبصر أحوال الدنيا والملائكة وتسمع ما تتحدث به في السماء عن أحوال الآدميين، وأرواح تحت العرش، وأرواح طيارة إلى الجنان وإلى حيث شاءت على أقدارها)([10])

وقال آخر: (الله خلق الأرواح على ثلاث مراتب لا رابع لها: أرواح ليس لهم شغل إلا تعظيم جناب الحق، ليس لهم وجه مصروف إلى العالم ولا إلى نفوسهم، قد هيمهم جلال الله واختطفهم عنهم فهم فيه حيارى سكارى. وأرواح مدبرة أجساماً طبيعية أرضية، وهي أرواح الأناسي. وأرواح الحيوانات)([11])

وذكر بعضهم الغذاء المرتبط بكل الروح، أو المجال الذي تعمل فيه، فقال: (غذاء الأرواح في ثلاثة أشياء: أرواح الأجلة الأنبياء: غذاؤها بلطائف خطابها، تجدهم يسأمون بكل ما يفتخر به الخلق من أنواع الطاعات أو التزين بالعبودية.. وأرواح الصديقين والصالحين: غذاؤها بملاحظاته، تزداد على الأوقات نوراً وتبصرة.. وأرواح العامة: تأخذ غذاءها من كل مأكول ومشروب)([12]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاحرص على أن تكمل روحك، وتزودها بالمزيد من الطاقات التي تهيئ لها الترقي إلى العوالم الجميلة التي لا يمكن أن تنال السعادة من دونها.

فالفرق بين روحك وجسدك أن جسدك لا تزيده الأيام إلا تعبا ومرضا وألما.. أما روحك ـ إن زكيتها وهذبتها ـ فإن الأيام لن تزيدها إلا قوة وصلابة وانفتاحا ولذة، وقد قال الشاعر معبرا عن ذلك:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

  لتطلب الربح في ما فيه خسران

أقبل على النفس فاستكمل فضائلها

  فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

وفي النشأة الأخرى، والتي تبدأ لحظة الاحتضار لن ترى إلا ذلك العالم الذي كانت تعيشه روحك؛ كما قال تعالى يصف احتضار المقربين: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ [الواقعة: 88، 89]، أي أنهم في تلك اللحظة التي تفصلهم عن الحياة الدنيا، يشمون الروح والريحان، ويرون الجنان.

فلذلك لا عجب أن يخرجوا من الدنيا بكل نشاط.. وكيف لا يكون ذلك كذلك، وأنفسهم قد صارت مليئة بالطمأنينة والراحة والسعادة، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في خطاب هذا النوع من النفوس الممتلئة بسكينة الإيمان: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾ [الفجر: 27 – 30]


([1]) رواه ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.

([2]) الطبراني في المعجم الكبير.

([3]) الكلمة العاشرة، ص: 120.

([4]) الكافى ج 2 ص 284.

([5]) أصول الكافي 2: 267.

([6]) بصائر الدرجات: 132.

([7]) تفسير لطائف الاشارات، ج 5 ص 300، 301.

([8]) السراج الطوسي، اللمع في التصوف، ص 222.

([9]) عبد القادر الكيلاني، سر الأسرار ومظهر الأنوار، ص 56.

([10]) عمر السهروردي، عوارف المعارف (بهامش إحياء علوم الدين للغزالي) ج 5، ص 216.

([11]) الفتوحات المكية، ج 3 ص 38.

([12]) أبو عبد الرحمن السلمي، حقائق التفسير، ص 742.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *