الحكمة والقدرة

الحكمة والقدرة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن القدرة والحكمة والعلاقة بينهما، والمعارف المرتبطة بذلك، وأثرها في رضا النفس المطمئنة.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن للقدرة والحكمة ـ بحسب ما تدل النصوص المقدسة، وبحسب ما تعارف عليه الحكماء ـ نوعين من العلاقة:

أولهما أن القدرة الإلهية مع كونها مطلقة، لا حدود تحدها، ولا شيء يقف أمامها، ولكنها مع ذلك تراعي الحكم والمصالح المختلفة، والتي تقتضيها أسماء الله الحسنى.. لذلك قد تبرز القدرة في مظهر رحمة، أو في مظهر شدة، أو في مظهر جلال، أو في مظهر جمال، بحسب ما تقتضيه الأحوال، والتي تستدعيها الحكمة الإلهية البالغة.

وثانيهما أن القدرة الإلهية مع طلاقتها وعدم محدوديتها إلا أن الله تعالى آثر بفضله ومنته وحكمته في خلقه أن تبرز مقتضياتها ضمن عالم الأسباب والمسببات؛ حتى يعبر الصادقون من السبب إلى المسبب، ومن الحكمة إلى القدرة، وحتى يتيه الغافلون في عالم الأسباب؛ فينشغلوا بها عن مسببها.

أما أول العلاقتين؛ فلعل أحسن تعبير عنها ما ذكره بعض الحكماء في قوله: (ليس في الإمكان أبدع مما كان) ([1])

وعبر عنها آخر، فقال: (لا تحقر أحدا من خلق الله، فإن الله ما احتقره حين خلقه)([2]

وكلا المقولتين تدلان على أن كل شيء في الكون خلق في محله اللائق به، والذي لا يصلح إلا له، أو كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (لا ريب أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة مالا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علما وحكمة وعقلا، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة) ([3])

ثم استدل لهذا بأن كل (ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية فكله عدل محض لا جور فيه وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي بالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلا أحسن منه، ولا أتم ولا أكمل، ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلا يناقض الجود، وظلما يناقض العدل، ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهية) ([4])

وهذا المعنى هو الذي وردت به النصوص المقدسة؛ فكلها تشير إلى أن كل شيء في محله الصحيح الذي هو أليق به من غيره، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (الملك:3)، ولم يكتف بذلك، بل دعا إلى تكرار النظر، للتأكد من سلامة كل شيء، ووضعه في محله الصحيح، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]

ولهذا يدعو الله تعالى إلى تبصر حكمته في كل شيء قدره أو خلقه أو شرعه أو أمر به أو نهى عنه.. ولهذا تأتي الفواصل القرآنية في المواقف المختلفة، لترجع كل شيء لحكمة الله المقترنة بقدرته أو عزته أو علمه..

فتصوير الإنسان في الأرحام، وتوفير كل ما يحتاجه صادر من حكمة الله، قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:6)

وإحياء الموتى كبدء الحياة كلاهما صادران من حكمة الله، قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة:260)

والخلق والإبداع والتصوير وغيرها كلها صادرة ومقترنة بحكمة الله، كما قال تعالى:﴿ هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر:24)

ولهذا أيضا يقترن اسم الله (العزيز) باسم الله (الحكيم)، فالعزة تعني كمال القدرة والتصرف، والحكمة تعني وضع ذلك في موضعه المناسب، ولهذا كان من أدب المسيح عليه السلام قوله في ختم إجابته لربه:﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة:118)، فلم يقل (فإنك أنت الغفور الرحيم) لأن المقام يقتضي عزة الرب وحكمته لا مغفرته ورحمته.

وكل هذه المعاني ـ أيها المريد الصادق ـ تجعل المؤمن يعيش مطمئنا راضيا عن الله في جميع أفعاله؛ فهو يعلم أن كل ما في الكون مؤسس على حكمة الله وقائم بها وقائم عليها، فلا ينكر فعلا من أفعال الله، بل يستدل بأفعال الله على الله.

وبهذا يعيش صاحب النفس المطمئنة الراضية بصحبة الله الحكيم الذي يضع الأمور دقيقها وجليلها في موضعه الذي يليق به، فلا فطور في الكون ولا نشاز، بل كل شيء ينطق بالحكمة، ويخبر عن دقة الصنع وإتقانه.

ولذلك تترقى نفسه ليردد ما قالت الملائكة عندما أخبرها الله بأنه يعلم ما لا تعلم:﴿ سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ (البقرة:32)

ويشمل هذا الشعور كل شيء في الكون، سواء تعلق بعالم الخلق، أم بعالم الأمر..

أما علاقته بعالم الخلق؛ فإن المؤمن يرى التناسب والتناسق في الكون، والمتجلي في كل شيئا، دليلا على حكمة الله الباهرة، ولذلك لا تزيده المعارف العلمية إلا معرفة بربه، وحبا له، وكيف لا يكون كذلك، وهو يرى اللطف الإلهي في كل شيء.

وقد علق بعضهم على قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)﴾ (القصص)، فقال:(ترى لو كان ساقا الإنسان أقصر أو أطول مما هما.. أو كانت قدماه أكثر تقعراً أو استدارة.. كيف كان يستطيع أن يقضي حاجته من سير أو عدو.. وترى لو كانت يداه بلا أصابع، كيف يلتقط ما يأكله؟ وكيف يمسك ما يؤدي به أغراضه؟ أليس ذلك دليل على قصد يوضح قدرة القاصد وحكمته؟)

ثم عقب على ذلك بقوله: (إن دلائل ملاءمة الإنسان لبيئته، لأكثر من أن تعد، فحركات المفاصل والعضلات، وتكوين فقرات العظام.. بل تتغلغل أدلة الرحمة حتى تشمل العين، فوجد لها الجفن الذي يحميها والرمش الذي يقيها.. وإن تلاؤم الكائن مع بيئته، ليظهر أوضح في الحيوانات على اختلافها، ففيها آيات ناطقات، تسبح بحمد الموجود الذي عمت رحمته الأرجاء على أتساعها، والكائنات على اختلافها)

ومثل تجلي حكمة الله في عالم الخلق تتجلى حكمته تعالى في عالم الأمر، ولهذا تقترن بعض تشريعات الله في القرآن الكريم بالأسماء المقتضية لعلم الله وحكمته أو لعزة الله وحكمته:

ومن ذلك قوله تعالى تعقيبا على أحكام قسمة التركات: ﴿ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء: 11)

ومثل ذلك قوله تعقيبا على مقادير الكفارات والديات:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء:92)

ومثل ذلك قوله تعقيبا على العقوبة المرتبطة بجريمة السرقة: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة:38)

ومما يروى في هذا أن بعض الأعراب سمع قارئا يقرؤها بإبدال (غفور رحيم) بدل (عزيز حكيم)، فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن، فقال: لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال عزيز حكيم فقال صدقت.

وعدم فقه هذه الحكمة هو الذي جر بعض المعارضين لله أن يقول:

يد بخمس مئين عسجد وديت

   ما بالها قطعت في ربع دينار؟

تناقض مالنا إلا السكوت له

  وأن نعوذ بمولانا من النار

وقد رد عليه بعض الفقهاء بقوله مبينا بعض أسرار الحكم الإلهية في هذا التشريع:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها

  ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

ومثل تجلي حكمة الله في الخلق والأمر تتجلى في أفضاله المختلفة على عباده، فإن أساسها حكمة الله وعلمه وخبرته بعباده، كما قال تعالى:﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:83)، وقال:﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:269)

ومثل ذلك ما يقبضه الله من علم عن عباده، فإنه لا يقبضه إلا عمن لا يستحقه أو لا يطيقه، كما قال تعالى عن الأعراب:﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:97)؛ فالبداوة بما تبعثه من قسوة وغلظة لا تفهم من العلم إلا بما يتناسب مع طبيعتها.

وهكذا سائر معاملات الله مع عباده بمختلف أصنافهم، قال تعالى عن الذين يعملون السوء بجهالة:﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء:17)

وقال عن المرجون لأمر الله:﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ_ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:106)

وهكذا الأمر في تدبير الله للأحداث والتواريخ، فهي تواريخ منظمة بحكمة الله لا مجال فيها للعشوائية أو الصدفة ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا الله وَإِنَّ الله لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:62)

هذه ـ أيها المريد الصادق ـ هي العلاقة الأولى بين الحكمة والقدرة، أما العلاقة الثانية؛ فيقصد بها الحكماء خصوصا التفريق بين نوعين من القدرة الإلهية:

أولاهما: القدرة المباشرة، والتي لا تلاحظ الأسباب، والتي قد تدخل ضمن الخوارق، ومن أمثلتها المعجزات والكرامات التي تحصل خارج عالم الأسباب.. ويطلقون عليها [القدرة]، أو [عالم القدرة]

والثانية: القدرة المرتبطة بالأسباب والوسائط، والتي أريد من خلالها اختبار الخلق، وهل يعيدون الأسباب لخالقها الحقيقي، أم يعيدونها لبعضها بعضا؛ فينشغلوا بالأسباب عن المسبب.

وإلى هذا الإشارة بالآيات الكثيرة التي تدعو المؤمنين إلى تجاوز النظر إلى الأسباب للوصول إلى المسبب والخالق الحقيقي، كما قال تعالى عن عملية الحرث والزرع والسقي وغيرها من الأمور التي ينسبها كل إنسان إلى نفسه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)﴾ [الواقعة: 63 – 74]، وهي تشير إلى حضور الله تعالى المطلق مع كل شيء، وتصريفه لكل شيء.. بل عن كونه هو الفاعل الوحيد لكل حركة أو سكنة في الوجود.

ومثله قوله تعالى في جهاد المؤمنين ضد الظالمين والمستكبرين: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، فالله تعالى يخبر أنه الذي قتل من قتل منهم.. وهو الذي رماهم بما رماهم من سهام.

وهكذا؛ فإن المؤمنين الصادقين لا تحجبهم الأسباب، ولا الوسائط، بل يعتبرون الوقوف عندها، وإرجاع الأمور إليها شركا بالله تعالى، من غير أن ينكروها؛ فمنكر الأسباب جاحد لمن سببها.

ولهذا كان أكبر القوادح في التوحيد نسبة أحداث الكون للكون، بل نص القرآن الكريم على كونه شركا، قال تعالى:﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:65)

وقد قال بعض الحكماء يبين ما ينكشف لأصحاب النفوس المطمئنة الراضية: (من انكشف له أمر العلم كما هو عليه علم أنّ الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرّك بنفسه ما لم يحرّكه محرّك، وكذلك محرّكه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأوّل الذي لا محرّك له ولا هو متحرك في نفسه عز وجل)([5]

ولهذا يرد في النصوص الدعوة إلى تسمية الله تعالى عند كل شيء، باعتباره صاحبه، ومحركه، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (هود:41) فمجرى السفينة ومرساها من الله تعالى.

ومثل ذلك قوله في الأنعام وركوبها: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف:13)

فالأنعام مسخرة ـ كما تنص الآية ـ وهي لذلك تسير بأمر الله، وتتحرك بتصريف الله، والعاقل هو الذي يلجأ إلى الآمر لا إلى المأمور.

وكل هذه المعاني تملأ النفس الراضية بالكثير من المشاعر السامية، ومنها شعورها بالأنس حين ترى الله تعالى، وهو يجيب الحاجات المختلفة للكائنات، كما قال تعالى:﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن:29)

ومنها التأدب مع الكون، واحترامه، ولهذا وردت النصوص الكثيرة تنهى عن سب الريح أو الناقة أو الدهر لأن كل ذلك من الله.

فقد ورد النهي عن سب الزمان والدهر، الذي يعني تقلبات الحوادث في أحاديث كثيرة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)([6])

وقال:(لا تسموا العنب الكرم ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر)([7])

وقال: (إن الله عز وجل قال استقرضت عبدي فلم يقرضني وسبني عبدي ولا يدري يقول وادهراه وادهراه وأنا الدهر)([8]

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الريح، وأخبر بأنها لا تتحرك حسب رغبتها، وإنما تتحرك بهدي الوحي الإلهي الذي يسير كل شيء، فقد روي أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)([9]

وعلمنا صلى الله عليه وآله وسلم الطريقة الصحيحة في التعامل معها، فقال:(الريح من روح الله، فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها)([10]

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم عقوبة من يسب بعض هذه الكائنات التي لا تملك من أمر نفسها شيئا، وهي عدم جواز الانتفاع بها، فعن عائشة أنها ركبت جملا فلعنته، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تركبيه)([11])، وفي ذلك أبلغ التحذير من التطاول على خلق الله.

بل إن النصوص المقدسة تنهانا عن احتقار البعوض الذي قد يؤذينا بلسعه، قال تعالى:﴿ إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ (البقرة: 26)

بل إن القرآن الكريم ينبه الذين يحتقرون بيت العنكبوت أن بيوتهم أوهن، قال تعالى:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:41)

وينبه الذين يحتقرون الذباب إلى ما يشير إليه من نواحي ضعفهم، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج:73)

ومن نتائج هذه النظرة السامية: الراحة من منازعة الأقدار اكتفاء بتقدير الله؛ وهي نتيجة مهمة، فإن العالم بتصريف الله للكائنات لا يحزن ما يحصل له منها، أو ما يفوته من منافعها، لأن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه، أما ما يعتقد استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه.

فلذلك لا يخاف مالك على ملكه، ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه، فإن أتى فبفضل الله، وإن ذهب فبقدرة الله، ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته، قال تعالى:﴿ قُلِ اللهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:26)

ولا يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى:﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ الله فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:31)

ولا يخاف الضر، ولا يرجو النفع من غيره، قال تعالى:﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ الله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (يونس:49)

وهكذا في جميع شؤون حياته، كما عبر عن ذلك بعض الحكماء فقال مبينا التأثير النفسي لهذه المعارف:(.. أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه، وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرّة من ملكوت السموات والأرض، وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحاً أتم من المشاهدة بالبصر)([12]

وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان الإنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة، لأن مصدر القلق والاضطراب هو الشتات الذي يحصل في الإنسان نتيجة رؤية الأشياء قائمة بذاتها، فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة، وهي متناقضة مختلفة، فيحصل فيه من التناقض بحسبما في الأشياء من تناقض، أما إذا رآها جميعا بيد الله، فإن قلبه يتوحد مع الله.

ومن نتائج هذه النظرة السامية: اللجوء إلى الله لا إلى الكون، وطلب الأشياء من الله لا من الأشياء، فالله هو المتصرف لا الأشياء، ومن الحماقة أن نترك الآمر ونتوجه إلى المأمور.

وقد ضرب بعضهم لذلك مثالا فقال: (التفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته فكتب الملك توقيعاً بالعفو عنه وتخليته، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به كتب التوقيع يقول: لولا القلم لما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل)([13]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بهذه المعارف العميقة، لتنال حظك من تلك المشاعر السامية؛ فتصحب ربك بالأدب والأنس والفرح والسعادة.. ولترى كل شيء بصورته الجميلة التي خلقه عليها.


([1]) الإملاء في إشكالات الإحياء 5/ 35 (ملحق بالإحياء) وكذلك أنظر الإحياء 4/ 258.

([2]) الفتوحات المكية، ج 4، ص 466.

([3]) إحياء علوم الدين: 4/ 258.

([4]) إحياء علوم الدين: 4/ 258.

([5]) إحياء علوم الدين (4/ 247)

([6]) رواه البخاري ومسلم.

([7]) رواه مسلم.

([8]) رواه ابن جرير والحاكم.

([9]) رواه أبو داود والترمذي.

([10]) رواه البخاري في الأدب، وأبو داود والحاكم.

([11]) رواه أحمد وأبو يعلى.

([12]) إحياء علوم الدين (4/ 247)

([13]) إحياء علوم الدين (4/ 247)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *