الجلال والجمال

الجلال والجمال

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما وردت الإشارة إليه في النصوص المقدسة من صفات الجلال والجمال الإلهي، وحقيقتها، وأثر المعارف المرتبطة بها في النفس المطمئنة، وسر علاقتها برضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أنه لا يمكن تأسيس علاقة صحيحة مع الله تعالى من دون التعرف عليه بحسب الواقع الذي وصف نفسه به، لا بحسب ما تشتهيه الأنفس، أو ترغب فيه الأهواء.. فالأهواء لا يمكنها أن تغير الحقائق، ولا أن تبدل الواقع.

وعندما نرجع إلى النصوص المقدسة، ومثلها عندما ننظر إلى عوالم الآفاق والأنفس، نجد ما يسمى [الجلال والجمال] واضحا متجليا في كل شيء، ولهذا تمر نفوسنا بأحوال مختلفة؛ فنحن نفرح للربيع وأزهاره وثماره، فنمتلئ أنسا وراحة وسعادة، وهذا ما يطلق عليه وصف [الجمال].. كما أننا نمتلئ هيبة من الصواعق والزلازل والبراكين، وكل ما نخاف أن يصيبنا بالأذى، وهو ما يطلق عليه [الجلال]

وكلا الأمرين قد يتواردان على نفوسنا في محل واحد؛ فنشعر بالجمال في نفس الوقت الذي نشعر فيه بالجلال، لأن الجمال لا يناقض الجلال، وإنما يكمله.

ولهذا إن رأينا رحيما حنونا لطيفا شعرنا في نفوسنا بجماله، وامتلأنا أنسا به، لكنه إن قُهر وظُلم وأوذي، ولم يستطع أن يدافع عن نفسه، أثر فينا ذلك، وتمنينا لو اختلط جماله ببعض الجلال الذي يحميه، ولذلك كان الكمال في اجتماع كلا الوصفين.

ولذلك كان الذين يكتفون من الله تعالى بأوصاف الجمال دون الجلال واقعين في أوهام كثيرة، أخطرها عدم تعظيمهم لله تعالى، أو توقيره حق توقيره، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13، 14]، فالتوقير ـ كما يستدعي الفرح بالموقر والأنس به ـ يستدعي كذلك تعظيمه والهيبة منه والخشية من ارتكاب أي شيء قد يغضبه.

ومثل ذلك الذين يغلبون الجلال في تعاملهم مع الله تعالى، ذلك أنه يحرمهم من معرفة الحقيقة كما هي، كما يحرمهم من التواصل مع الله تعالى بالحب والأنس والشوق وغيرها، وهي كلها مرتبطة بالجمال الإلهي.

والكمال هو الجمع بين الجمال والجلال.. وهو ما دل عليه الواقع، وما دلت عليه معه النصوص المقدسة التي يختلط فيها ذكر الجمال والجلال.

ولهذا اتفق الحكماء على توارد كلا المعنيين في نفوس السالكين، وقد قال بعضهم في ذلك: (اعلم إنه عز وجل يكاشف القلوب مرة بوصف جلاله، ومرة بوصف جماله، فإذا كاشفها بوصف جلاله، صارت أحوالها دهشاً في دهش، وإذا كاشفها بوصف جماله صارت أحوالها عطشاً في عطش.. فمن كاشفه بجلاله أفناه، ومن كاشفه بجماله أحياه، فكشف الجلال يوجب صحواً وغيبة، وكشف الجمال يوجب صحواً وقربة.. فالعارفون كاشفهم بجلاله فغابوا، والمحبون كاشفهم بجماله فطابوا، فمن غاب فهو مهيم، ومن طاب، فهو متيم)([1]

وهم يذكرون اختلاط الجلال بالجمال، ذلك أن لكل منهما علاقة بالآخر، فالجلال مظهر من مظاهر الجمال، والجمال مظهر من مظاهر الجلال، قال بعضهم معبرا عن ذلك: (كل من هاتين الصفتين [ الجلال والجمال ] فيها من الصفة الأخرى، لأن الموصوف بها واحد، فالجمال باطنه جلال، والجلال باطنه جمال، ولا يزال الأمر هكذا إلى أبد الآبدين)([2]

وذكر آخر ما يدل على هذا من عالم الآفاق، فقال: (يلاحظ المتأمل للوجود ظواهر تعكس معاني الجمال والرحمة والعطاء، كما يلاحظ ظواهر تعكس معاني الجلال والعظمة، ويلاحظ المتأمل للوجود ظواهر تعكس معاني الجمال والرحمة والعطاء، كما يلاحظ ظواهر تعكس معاني الجلال والبطش والمنع والإذلال، والمدهش أن الكثير من هذه المظاهر التي تبدو متناقضة هي إفراز لمنظومات واحدة؛ فنجم الشمس الذي هو مفاعل نووي مهلك يعمل بآلية الاندماج النووي، هو الشمس التي تقوم على طاقتها الحياة في الأرض، ويسحرنا جمالها وقت الشروق والغروب.. إن هذه الملاحظة ما هي إلا مثال للجمع بين صفتي الجمال والجلال، ومثال لكيفية تحول الجلال إلى جمال، وذلك بوجود الغلاف الجوي لكوكب الأرض الذي يحجب عنا الأشعة الكونية المدمرة. إنها مثال للكمال الذي يجمع بين الجمال والجلال، ولا يمكن أن يكون الجمع بين منظومتي الجمال والجلال في الكون إلا إفرازاً لصفات الجمال والجلال لموجد الكون ومدبره) ([3])

وهكذا؛ فإن للأحوال النفسية دورها في التعامل مع هذين الوصفين، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (إذا أردت أن يسهل عليك الجلال، فقابله بضده وهو الجمال، فإنه ينقلب جمالاً في ساعته. وكيفية ذلك: أنه إذا تجلى باسمه القابض في الظاهر، فقابله أنت بالبسط في الباطن، فإنه ينقلب بسطاً. وإذا تجلى لك باسمه القوي، فقابله أنت بالضعف.. وهكذا يقابل الشيء بضده قياماً بالقدرة والحكمة)([4]

وقال آخر: (الجلال والجمال وصفان لله تعالى، والهيبة والأنس وصفان للإنسان، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت، فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم.. فالجلال لله: معنى يرجع منه إليه، وهو الذي منعنا من المعرفة به تعالى.. والجمال: معنى يرجع منه إلينا، وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به) ([5]

لكن السبب الأكبر في تجليات الجمال والجلال هي أسماء الله الحسنى؛ فذكر الرحمن، الرحيم، الحميد، الودود، الرزاق، المغني، المجيب، الفتاح، المحي، المعز، النافع، الباسط، المعطي، الخالق، البارىء، المصور، الشكور، الجواد، الكريم، المنعم، الوهاب، المغيث، النور، الهادي، الشافي، العفو، الغفور، الحليم..وغيرها، يملأ القلب أنسا وشعورا بالجمال.

وذكر المميت، المذل، الخافض، الضار، المانع، القابض، القهار، المنتقم، الجليل، المتكبر، المتعال، وغيرها، يملأ القلب هيبة وتعظيما وشعورا بالجلال.

وقد يكون في الاسم الواحد الدلالتين جميعا، بحسب تفسيره، مثل اسم [الجبار] الذي يعني البطش بالظالمين والمتكبرين، ويعني في نفس الوقت جبر وإصلاح حال الضعفاء والمنكسرين.

ولتعرف ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم لأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العليا الواردة في النصوص المقدسة تقسيمات مختلفة، منها ما يرجع إلى سلب ما لا يليق بالله تعالى وتنزيهه عن كل ما يتنافى مع الألوهية، كاسم الواحد الذي ينفي عنه الشريك، والأحد الذي ينفي عنه التركيب، وهكذا الكثير من أسمائه كالقدوس والسلام والمؤمن والتي تنفي عنه التشبيه والتجسيم وغيرها مما لا يليق بعظمته وكماله.

ومنها أسماء تصف الله تعالى بما تقتضيه الألوهية من صفات، ككونه حيا عليما مريدا قادرا سميعا بصيرا متكلما.. وغير ذلك من الصفات الثبوتية المرتبطة بالذات الإلهية.

ومنها أسماء ترتبط بأفعال الله، والتي تستند إلى الصفات الثبوتية، ومن أمثلتها كونه خالقا بارئا مصورا بديعا.. فكل هذه الصفات تستند للعلم والإرادة والقدرة الإلهية.

وبما أن لهذه الأسماء جميعا تأثيراتها المختلفة في النفوس، فقد قسمت بهذا الاعتبار إلى أسماء جلال، وأسماء جمال، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78]، والتي فسرت تفسيرات مختلفة، يمكن اعتبارها جميعا، ذلك أن الجلال والجمال ـ كما ذكرت لك ـ ليسا من الصفات المتنافرة المتناقضة، بل هما قد يتواردان في محل واحد، فيكون الجمال عين الجلال، والجلال عن الجمال.

ومن تلك التفسيرات ما ذهب إليه بعض الحكماء من اعتبار صفات الجلال مرتبطة بتنزيه الله تعالى، وصفات الجمال مرتبطة بصفات الكمال.. ذلك أن البهاء والرحمة والكمال والثبوت مناسب للجمال، ونفي النقص والحاجة مناسب للجلال والعظمة والكبرياء والعلو والرفعة، (فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير، وصفة الإِكرام ما تكرمت ذاته بها وتجملت) ([6]

ومن أقوالهم في الجلال الإلهي وآثاره في النفس قول بعضهم: (جلال الله: عبارة عن صفات العظمة، والكبرياء، والعز، والاعتلاء، والمجد، والسناء.. والجمال: عبارة عن صفات الرحمة، واللطف، والرأفة، والعطوفة، والجود، وأمثالها.. والحق سبحانه باعتبار جلاله: لا يمكن ظهوره لأحد، وحكمه: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار… فإن العزيز: هو المنيع الحمي، والجليل: هو الذي لا يعرف ولا يوصف، فلو ظهر لأحد لم يكن عزيزاً وجليلاً) ([7]

ولهذا عرفوا (الجليل)، بأنه (الموصوف بنعوت الجلال.. ونعوت الجلال: هي الغنى، والملك، والتقدس، والعلم، والقدرة، وغيرها من الصفات)([8]

وقال آخر:(الجليل هو الذي جل، أي: عظم من قصده، وذل من طرده.. وقيل: هو الذي جل قدره في قلوب العارفين، وعظم خطره في نفوس المحبين.. وقيل: هو الذي أجلّ الأولياء بفضله، وأذل الأعداء بعدله)([9]

وقال آخر:(الجليل هو المنعوت بنعوت العظمة الذي عظم شأنه وظهر أمره، فلا يوازيه غيره، ولا يدانيه في ذات ولا صفة ولا فعل)([10]

وقال آخر:(الجليل هو الكامل في ذاته وجميع صفاته، أو العظيم القدر الذي له الجلال والعظمة والكمال في ذاته وجميع صفاته، أو الذي يستحق أن يعترف بجلاله وكبريائه العاقلون، ولا يجحدوا ألوهيته ولا يكفروا به)([11])

ومن أقوالهم في الجمال الإلهي: (الجمال هو تجلي القلوب بالأنوار، والسرور، الألطاف، والكلام اللذيذ، والحديث الأنيس، والبشارة بالمواهب الجسام، والمنازل العالية، والقرب منه عز وجل)([12]

وقال آخر: (الجمال: هو نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية بإسمه الجميل، وهو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم)([13]

وقال آخر: (الجمال: هو نعت الرحمة، والرقة، والرأفة، والمحبة)([14])

وقال آخر: (الجمال: هو أول التجليات الإلهية الثلاثة، الجمال والجلال والكمال، وفيه يرى الصوفي بعين قلبه، أن كل ما في الوجود هو تبديات للجمال الإلهي، ويشهد في كل المظاهر أثر جمال الله المطلق، وهنا يرتفع حكم القبح، ولا يبقى غير حكم الحسن الشهودي بقوله: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه)([15]

وقال آخر: (جمال الله تعالى: هو عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى هذا على العموم، وأما على الخصوص: فصفة الرحمة وصفة العلم وصفة اللطف والنعم وصفة الجود والرزاقية والخلاقية وصفة النفع وأمثال ذلك كلها صفات جمال. وثم صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال، كاسمه الرب، فإنه باعتبار التربية والإنشاء اسم جمال، وباعتبار الربوبية والقدرة اسم جلال، ومثله اسم الله واسمه الرحمن، بخلاف اسمه الرحيم: فإنه اسم جمال، وقس على ذلك)([16])

وقال آخر:(الجميل محبوب والجميل المطلق هو الواحد الذي لا ندّ له، الفرد الذي لا ضدّ له، الصمد الذي لا منازع له، الغني الذي لا حاجة له، القادر الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السموات والأرض، القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة، الأزلي الذي لا أول لوجوده الأبدي الذي لا آخر لبقائه، الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته، القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به، جبار السموات والأرض، خالق الجماد والحيوان والنبات، المنفرد بالعزة والجبروت، والمتوحد بالملك والملكوت، ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال)

وقال آخر:(والله عز وجل له الكمال المطلق من كل وجه الذي لا نقص فيه بوجه ما، وهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه، بل لو كان جمال الخلق كلهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله، بل كانت النسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جرم الشمس، ولله المثل الأعلى)

ورد بعضهم على من يقصرون الحب على الجمال الحسي، وذلك بسبب عدم إدراكهم لحقيقة الجمال، فلذلك يتوهمون أن العلاقة بالله هي علاقة الطاعة والعبودية، وأن معنى محبة الله طاعته، فقال: (اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون، وكون البـياض مشرباً بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان، فإنّ الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار، وأكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص فيظن أن ما ليس مبصراً ولا متخيلاً ولا متشكلاً ولا متلوناً مقدّر فلا يتصوّر حسنه، وإذا لم يتصوّر حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن محبوباً) ([17]

ثم يذكر أن هذا خطأ واضح؛ فالجمال يمكن أن يكون في أي شيء، فنقول:(هذا خط حسن، وهذا صوت حسن وهذا فرس حسن، وهذا ثوب حسن وهذا إناء حسن)، وهذه الأشياء قد تدرك بالعين وقد لا تدرك بها، وهو يدل على أن الجمال ليس قاصرا على رؤى العين، وليس قاصرا كذلك على شيء بعينه.

ثم بين أن (كل شيء جماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال، وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر) ([18]

فكل شيء حسنه اللائق به، والذي تجتمع فيه جميع كمالاته، فحسن الفرس ـ مثلا ـ هو أن يجمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كرّ وفرّ عليه، وحسن الخط هو أن يجمع كل ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها.

فلكل شيء كماله الذي يتناسب معه، والذي قد لا يتناسب مع غيره، فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس، ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت، ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب، وكذلك سائر الأشياء.

وهذا الحسن الناتج عن الكمال لا يتعلق فقط بالمحسوسات، بل إن الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات، فيقال:(هذا خلق حسن، وهذا علم حسن، وهذه سيرة حسنة وهذه أخلاق جميلة)

وكل هذه المعاني التي يتفق البشر على جمالها محبوبة، والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته، ولهذا جبلت الطباع السليمة على حب الأنبياء عليهم السلام وحب الصالحين والعلماء، مع أنهم لم يروهم.

ويذكر مثلا معاصرا له، وهو ما يفعله المتعصبون للمذاهب من مظاهر تدل على مدى حبهم لأئمتهم، فقال:(حتى أنّ الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب) ([19]

وهذا الحب المفرط البالغ درجة العشق لا يرتبط بحب الصورة، يقول:(وليت شعري من يحب الشافعي مثلاً فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته؟ ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة، فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت تراباً مع التراب، وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة، فأما الحواس فقاصرة عنها) ([20]

ومثل ذلك من يحب غيره ويفضله ويتعصب له، فإن حبهم لا يرجع إلا (لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره)

وقد حاول حصر تلك الصفات الباعثة على المحبة في صفتي العلم والقدرة، فقال:(وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته، فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين، وهما غير مدركين بالحس، ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة. وليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوباً لأجله) ([21]

انطلاقا من هذا فإن جمال العلم والقدرة مرتبط بتوفر الكمال فيهما، يقول:(كلما كان المعلوم أشرف وأتم جمالاً وعظمة كان العلم أشرف وأجمل، وكذا المقدور كلما كان أعظم رتبة وأجل منزلة كانت القدرة عليه أجل رتبة وأشرف قدراً)

ثم طبق هذا على جمال الله تعالى؛ فذكر أن العلم والقدرة لا يكتملان إلا لله عز وجل؛ أما من ناحية العلم، (فأين علم الأوّلين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض؟)

ولهذا، فإن الحب الناشئ من اعتقاد كمال العلم لا يحق إلا لله عز وجل، يقول: (فإن كان جمال العلم وشرفه أمراً محبوباً وكان هو في نفسه زينة وكمالاً للموصوف به فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى. فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه، بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما تتقاضاه معيشته. والتفاوت بـين علم الله وبـين علم الخلائق أكثر من التفاوت بـين علم أعلم الخلائق وأجهلهم، لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية يتصوّر في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية) ([22]

أما الناحية الثانية، وهي صفة القدرة، وهي التي يتفق البشر على كونها كمالا، وأن العجز نقص، ويتفقون على أن (كل كمال وبهاء وعظمة ومجد واستيلاء فإنه محبوب وإدراكه لذيذ، حتى أن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة الشجعان، فيصادف في قلبه اهتزازاً وفرحاً وارتياحاً ضرورياً بمجرّد لذة السماع فضلاً عن المشاهدة ويورث ذلك حباً في القلب ضرورياً للمتصف به فإنه نوع كمال) ([23]

وعند المقايسة بين قدرة الخلق كلهم ـ والتي استحقوا بها الإعجاب والمحبة ـ مع قدرة الله تعالى نجد أن (أعظم الأشخاص قوّة وأوسعهم ملكاً وأقواهم بطشاً وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه، وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا ضراً ولا نفعاً، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس وأذنه من الصمم وبدنه من المرض، ولا يحتاج إلى عدّ ما يعجز عنه في نفسه وغيره مما هو على الجملة متعلق قدرته، فضلاً عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السموات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها، فلا قدرة له على ذرّة منها.. ثم ما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك) ([24])

وفي مقابل ذلك، قدرة الله عز وجل، (فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو الجبار القاهر والعليم القادر، السموات مطويات بـيمينه والأرض وملكها وما عليها في قبضته وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته، إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرّة. وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها، فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة والكبرياء والقهر والاستيلاء) ([25])

وما ذكره هذا الحكيم من هاتين الصفتين، لم يذكرهما من باب الحصر لصفات جمال الله، فإن ذلك مستحيل، وإنما ذكرهما من باب التمثيل والمقايسة، حتى يُعرف أن المستحق الوحيد للمحبة هو الله عز وجل.

فاحرص ـ أيها المريد الصادق ـ على أن تعيش هذه المعاني العظيمة لتنعم بكلا الرؤيتين: رؤية الجمال، ورؤية الجلال.. فكلاهما جمال، وكلاهما جلال، وكلاهما يملأ نفسك ثقة بربك، وتعظيما ومحبة له.


([1]) د. إبراهيم بسيوني، سيرته، آثاره، مذهبه في التصوف، ص 304.

([2]) الشيخ عبد الغني النابلسي، أسرار الشريعة أو الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص 190.

([3]) الوجود رسالة توحيد.

([4]) الشيخ إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ج 1 ص 23.

([5]) عبد الكريم الجيلي، الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار، ص 171، 173.

([6]) الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الأربعة، ج 6، ص 118.

([7]) عبد الحميد التبريزي، البوارق النورية، ص59.

([8]) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص 104.

([9]) عبد العزيز يحيى، الدر المنثور في تفسير أسماء الله الحسنى بالمأثور، ص 58.

([10]) فاتق الرتق على راتق الفتق، ص 252.

([11]) حسنين محمد مخلوف، أسماء الله الحسنى والآيات الكريمة الواردة فيها، ص 58.

([12]) عبد القادر الكيلاني، فتوح الغيب (بهامش قلائد الجواهر للتادفي) ص 17، 18.

([13]) الفتوحات المكية، ج 2 ص 133.

([14]) محمد ماضي ابو العزائم، شراب الأرواح، ص 19.

([15]) د. يوسف زيدان، ديوان عبد القادر الجيلاني، ص 143.

([16]) الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، ج 1ص 53.

([17]) إحياء علوم الدين (4/ 298)

([18]) إحياء علوم الدين (4/ 299)

([19]) إحياء علوم الدين (4/ 299)

([20]) إحياء علوم الدين (4/ 300)

([21]) إحياء علوم الدين (4/ 300)

([22]) إحياء علوم الدين (4/ 301)

([23]) إحياء علوم الدين (4/ 301)

([24]) إحياء علوم الدين (4/ 301)

([25]) إحياء علوم الدين (4/ 301)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *