الجبر والاختيار

الجبر والاختيار

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن المعارف المرتبطة بحرية الإنسان في أداء تكاليفه، ومجازاته عليها، وعن علاقة ذلك بالعلم الإلهي المستوعب لكل شيء، وعلاقته بعدالة الله ورحمته التي وسعت كل شيء، وعن أثر تلك المعارف في النفس المطمئنة، وسر علاقتها برضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن أسئلتك هذه تندرج ضمن ذلك السؤال المعروف المكرر، وهو عن علاقة القدر الإلهي بالجبر والاختيار، وبما أن النفس المطمئنة هي النفس التي سلمت لربها، وصفت عن كل الكدورات التي تعتري أمثالها من النفوس، حتى لا يبقى فيها أدنى ريب، ولا أقل شبهة؛ فإن الجواب عن هذه الشبهة أو حل الإشكالات المرتبطة بها من العلوم الضرورية لها.

وهي لا تجيب عليها بمثل ما يفعل بعضهم من التسرع؛ فيعتبر الجبر هو الحاكم في هذا الكون تغليبا لتوحيد الله، وهيمنته على شؤون كونه، ولإثبات علمه الواسع، وإرادته المطلقة.

أو يعتبر الاختيار هو الحاكم لهذا الكون؛ فيضطر لأجل ذلك أن ينفي علم الله تعالى بالأشياء قبل حدوثها، وينفي معه إرادته المطلقة، ومشيئته النافذة، وينفي بعد ذلك جميعا كل ما سجل في أم الكتاب من حقائق الأقدار التي لا تغير ولا تبدل.

والحل الذي تصل إليه النفوس المطمئنة بسيط جدا، وليس فيه أدنى تعقيد، ذلك أنها تنطلق في تعاملها مع الحقائق من تواضعها وتسليمها وعجزها.. فلذلك لا تقيس عالم الألوهية على عالم البشرية، ولا تسأل عن الكيف، ولا عن التصورات المرتبطة به.. بل هي توقن أنه ما دام علم الله تعالى وإرادته وقدرته ورحمته وكل صفاته تابعة لذاته.. وذاته مجهولة لا يمكن تصورها أو تخيلها أو حدها.. فإن كل ما يرتبط بها يبقى مجهولا.. ويبقى التعامل السليم معه هو التعقل لا التصور.

وهذا هو العقل السليم.. والذي على أساسه قامت العلوم.. بل لولاه لم يتقدم البشر في علومهم شبرا واحدا.. ذلك أن البشر الآن يتعاملون مع قانون الجاذبية، ويبنون عليه الكثير من مشاريعهم العلمية النظرية والتطبيقية.. وهم إلى الآن لا يعرفون حقيقة الجاذبية، ولم يروها، وإنما رأوا آثارها.

وهكذا كان الطب القديم يعالج المرضى، ويفلح مع الكثير من الأمراض، وقد أثبت الطب الحديث نجاعة الكثير من الأدوية التي كان يستعملها.. ومع ذلك لم يكن للطب القديم أي بحوث علمية تفصيلية حول جسد الإنسان، ولا عن الأدوية التي كان يصفها له.

وهكذا هذه العقول المؤمنة المسلمة لربها.. فهي تؤمن بأن ربها أعظم من أن يعتريه الجهل، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل، ولذلك فإن كل علومه صحيحة سيثبتها الواقع لا محالة، لأنه لو لم يثبتها لتحول علمه جهلا، وذلك يستحيل مع الألوهية.

وفي نفس الوقت يؤمن بما ورد في النصوص المقدسة من الحرية التي وهبها الله تعالى للإنسان، والتي يجازيه على أساسها، وهو عدل في جزائه، كما أنه عدل في تكليفه.

وهو لا يحتاج لإثبات حريته لأي نصوص، ذلك أنه يشعر بها، ويفرق بينها وبين الحركات الجبرية التي تعتري بعض المرضى، أو هي من أوصاف بعض أعضائه.. فلا أحد في الدنيا لا يستطيع أن يفرق بين دقات القلب الجبرية، أو حركة المعدة في هضم الغذاء، وبين الحركات الاختيارية التي يمارسها أثناء رياضته، أو أثناء كلامه، والذي يوجهه حيث يشاء.

إذا علمت ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ فاحذر من أن تترك كلمات ربك المقدسة، وما هداك إليه عقلك الرشيد؛ فتقع بين أولئك الذين يعتقدون أن الأمر جبر لا خيار فيه، فتتهم ربك في عدالته ورحمته.. أو تعتقد أن الخيار المتاح للخلق يجعل الله تعالى جاهلا بأفعالهم ومصيرهم وحقيقتهم.. فتتهم الله تعالى في علمه المحيط بكل شيء تشبيها لعلمه بعلمك، ولإرادته بإرادتك.

ولهذا نادى أئمة الهدى عندما ظهرت بدع الجبر والاختيار إلى هذا الذي ذكرته لك، فقد روي أن الإمام الرضا سئل: يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال: (الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم)، قيل: فمطلقون؟ قال: (الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه) ([1])

وروي أنه سئل عن قوله عز وجل: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17]، فقال: (إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلى بينهم وبين اختيارهم)، فسئل عن قوله عز وجل: ﴿ خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 7]، فقال: (الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم كما قال تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 155]، وسئل: (هل يجبر الله عباده على المعاصي؟) فقال: (بل يخيرهم ويمهلهم حتى يتوبوا)، فقيل: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون؟ فقال: (كيف يفعل ذلك وهو يقول: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ؟)([2])

وعندما شكا إليه بعضهم اتهامه واتهام أئمة الهدى بالجبر والتشبيه، وروايتهم الروايات في ذلك، قال لمن شكا إليه: (من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر ومشرك ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، يابن خالد إنما وضع الاخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا.. يا بن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا نصيرا) ([3])

وقبله قال الإمام الصادق: (الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد) ([4])

وقال لمن سأله عن القضاء والقدر: (ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله، يقول الله تعالى للعبد: لم عصيت؟ لم فسقت؟ لم شربت الخمر؟ لم زنيت؟ فهذا فعل العبد؛ ولا يقول له: لم مرضت؟ لم قصرت؟ لم ابيضضت؟ لم اسوددت؟ لانه من فعل الله تعالى)

وقال لزرارة بن أعين: (يا زرارة أعطيك جملة في القضاء والقدر؟) قال: (نعم جعلت فداك)، قال: (إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم، ولم يسألهم عما قضى عليهم) ([5])

وروي أنه قال يوما لبعض من يقولون بالجبر: هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من الله؟ فقال: لا، فقال: فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا يقدر؟ أيكون معذورا أم لا؟ فقال المجبر: يكون معذورا، قال له: فإذا كان الله يعلم من عباده أنهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم يوم القيامة: يارب ما قدرنا على طاعتك لانك منعتنا منها أما يكون قولهم وعذرهم صحيحا على قول المجبرة؟ فقال: بلى والله فقال: فيجب على قولك أن الله يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحدا أبدا وهذا خلاف قول أهل الملل كلهم. فتاب المجبر من قوله بالجبر في الحال([6])

وروي أن طاووس اليماني دخل عليه، وكان يعلم أنه يقول بالقدر، فقال له: يا طاووس من أقبل للعذر من الله ممن اعتذر وهو صادق في اعتذاره؟ فقال له: لا أحد أقبل للعذر منه، فقال له: من أصدق ممن قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ فقال طاووس: لا أحد أصدق منه، فقال الإمام الصادق له: يا طاووس فما بال من هو أقبل للعذر لا يقبل عذر من قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟ فقام طاووس وهو يقول: لس بيني وبين الحق عداوة، الله أعلم حيث يجعل رسالته، فقد قبلت نصيحتك([7])

وروي أنه قال لهشام بن الحكم: ألا أعطيك جملة في العدل والتوحيد؟ قال: بلى جعلت فداك، قال: (من العدل أن لا تتهمه، ومن التوحيد أن لا تتوهمه) ([8])

وقبل ذلك رويت الروايات الكثيرة عن الإمام علي، فمن أقواله في ذلك: (أتظن أن الذي نهاك دهاك؟ وإنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله برئ من ذاك)، وقوله: (لو كان الزور في الاصل محتوما كان المزور في القصاص مظلوما)، وقوله: (أيدلك على الطريق ويأخذ عليك المضيق؟)، وقوله: (كل ما استغفرت الله منه فهو منك، وكل ما حمدت الله عليه فهو منه) ([9])

وكل هذه المعاني اقتبسوها من منبعي النور: القرآن الكريم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خمسة لا تطفأ نيرانهم، ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك، ورجل عق والديه، ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله، ورجل قتل نفسا بغير نفس، ورجل أذنب وحمل ذنبه على الله عزوجل)([10]

وقال: (من زعم أن الله تعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله ومن كذب على الله أدخله الله النار) ([11])

والله تعالى ذكر في القرآن الكريم كلا الحقيقتين: حقيقة الحرية الإنسانية، وفي مجالاتها المختلفة، وحقيقة الهيمنة الإلهية على كل مقاليد الكون.

أما الحقيقة الأولى، فهي التي صرح بها ما ورد في القرآن الكريم من النصوص الكثيرة الدالة على حرية إرادة الاِنسان ومسؤوليته عن أعماله، كقوله تعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الاسراء:15)

ومثلها تلك الآيات التي تخبر عن السبل التي وضحها الله تعالى للإنسان، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 7 – 10]

ومثلها إخباره عن استحالة ظلمه لعباده، وأنهم هم الذين يظلمون أنفسهم بسبب اختياراتهم المنحرفة، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (آل عمران:182)، وقال:﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31)، وقال:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت:46)، وقال:﴿ إِنَّ الله لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس:44)، وقال:﴿ إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:40)، وقال:﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ (طـه:112)

وأما الحقيقة الثانية، وهي هيمنة الله تعالى على كونه جميعا، وتفرده بالحكم والتحكم فيه، فتدل عليه نصوص مقدسة كثيرة، منها تلك التي تخبر أن المشيئة الأولى والأخيرة لله تعالى، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام محاجته لقومه: ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80]

وفي أكثر المواضع القرآنية يجمع الله تعالى بين الحقيقتين، وهي نفسها [الأمر بين الأمرين]؛ فلذلك يعقب على أفعال العباد المكتسبة بأنها لم تحصل خارجة عن مشيئة الله، بل هي في إطار مشيئته، ليجمع القلب على التوحيد بعد تذكيرهم بمسؤوليتهم في عالم الأسباب.

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات ضرر السحر الذي هو فعل المكلف:﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (البقرة: 102)، ثم تعقيبه بعدها بأن هذا الضرر لا يحصل إلا بإذن الله:﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله ﴾ (البقرة: 102)

ومن ذلك قوله تعالى إثبات كسب المخالفين والمعادين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ (الأنعام: 112)، ثم قوله بعدها في إثبات التوحيد:﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ (الأنعام: 112))

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب المشركين من قتل أولادهم التشنيع عليهم بذلك:﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُم﴾ (الأنعام: 137)، ثم التعقيب على ذلك بالرد إلى التوحيد:﴿ وَلَوْ شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ ﴾ (الأنعام: 137﴾ (الاَنعام 6: 137)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات وقوع الشرك من المشركين بنسبتهم إلى الشرك:﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 106)، ثم قوله بعدها في إثبات أن شركهم لا يخرج عن مشيئة الله:﴿ وَلَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكُوا﴾ (الأنعام: 107)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العبد لمشيئة الاستقامة:﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير:28)، ثم تعقيبه بعدها بما يقتضيه التوحيد من إرجاع مشيئة العبد إلى مشيئة الله:﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:29)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العبد ومشيئته في السلوك إلى الله:﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (الانسان:29)، ثم تعقيب ذلك بإرجاع المشيئة إلى الله:﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الانسان:30)

ومن ذلك قوله تعالى في إثبات كسب العباد في التذكر بالقرآن الكريم:﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)﴾ (المدثر)، ثم تعقيبه على ذلك بإرجاع المشيئة إلى الله إثباتا للتوحيد:﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ (المدثر:56)

وغيرها من الآيات الكريمة التي يكفيك ـ أيها المريد الصادق ـ تأملها لتملأ نفسك بحقائق القضاء والقدر الجميلة، الممتلئة بالتوحيد والحرية والعدالة والرحمة، وهي وحدها من يحميك من جدل المجادلين وشغب المشاغبين.. وهي وحدها من يملأ نفسك بالطمأنينة والرضا على ربك العظيم العليم العدل الرحيم.


([1]) بحار الأنوار (5/ 59)

([2]) بحار الأنوار (5/ 11)

([3]) بحار الأنوار (5/ 53)

([4]) بحار الأنوار (5/ 52)

([5]) كنز الفوائد، (ص 171)

([6]) بحار الأنوار (5/ 58)

([7]) بحار الأنوار (5/ 58)

([8]) بحار الأنوار (5/ 58)

([9]) كنز الفوائد، (ص 170)

([10]) كنز الفوائد، (ص 202)

([11]) بحار الأنوار (5/ 51)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *