الثبوت والإثبات

الثبوت والإثبات

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تستغرب ما ذكرته لك في رسالتي السابقة، وتذكر لي أنه يخالف ما تعارف عليه أهل السلوك من الثقة في أولياء الله والعارفين به في كل ما يذكرونه من معارف وحقائق، والتسليم لهم، واعتبار ذلك نفسه ولاية لله تعالى، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (التصديق بعلمنا هذا ولاية، وإذا فاتتك المنّة في نفسك فلا تفتك أن تصدّق بها في غيرك) ([1])

وقال آخر: (من آداب مجالسة الصديقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون)

وقال آخر: (إن أردت أن تظفر بما عند الصالحين من السر المكنون فأسقط عنهم الميزان في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وأما ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرهم)([2])

وقال آخر: (طريقتنا لا ينال منها شيئا إلا من يصدق بالمحال؛ فإن أردت أن يهب عليك نسيم أسرارهم ونفحات مواهبهم فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف، واغتسل من علمك وعملك حتى تبقى فقيرا إلى ما عندهم) ([3])

وقال آخر: (الناس على أربعة أقسام: القسم الأول: حصل لهم التصديق بعلمهم، والعلم بطريقهم، والذوق لمشروبهم وأحوالهم، والقسم الثانى: حصل لهم التصديق والعلم المذكوران دون الذوق. والقسم الثالث: حصل لهم التصديق دونهما، والقسم الرابع: لم يحصل لهم من الثلاثة شىء، ونعوذ بالله من الحرمان، ونسأله التوفيق والغفران) ([4])

وذكرت لي أنك خائف من أن تصير من أهل القسم الرابع أولئك المحرومين من التحلي بالحقائق بسبب إنكارهم على الأولياء والصالحين، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تسلم لهم كل ما ذكروه.. ولذلك صرت في حيرة بين الأمرين.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن ما روي عن الصالحين من معان نوعان:

أولهما: ما لا يصح إنكاره، ولا رده، ولا التشنيع عليه مثلما يفعل الجهلة، وهو ذلك الميراث العظيم الذي تحدثوا فيه عن مراتب التزكية ومعانيها والحقائق المرتبطة بها، مما تؤيده المصادر المقدسة وتدعو إليه.

ومثل ذلك حديثهم عن الأذواق الإيمانية اللذيذة التي يجدها السالكون، مما يرغب في السير إلى الله، ويعطي النماذج الحسنة عنه.

ومثل ذلك حديثهم في المعارف الإلهية التي لا تتناقض مع المصادر المقدسة، بل قد تساهم في فهمها، وتعميق معانيها في النفس.

ومثل ذلك تعظيمهم للنبوة والإمامة والولاية وتبيين دورها في التزكية والترقية، مما يرغب السالكين في التعلق بالصالحين، وتعميق صلتهم بهم.

وغير ذلك من الحقائق والقيم الموروثة عنهم، والتي تعين السالك إلى الله على اجتياز عقبات نفسه والتخلص من مثالبه من خلال استفادته من تجارب السالكين قبله.

وأما النوع الثاني: فهو الذي يحتاج من السالك إلى التوقف فيه، أو رده، أو الإعراض عنه، وهو ذلك التراث الكثير الذي بثوه في كتبهم، والذي حاولوا من خلاله أن يضعوا الحقائق التي كشفت لهم من خلال ممارساتهم الروحية، ولا علاقة لها أصلا بالسلوك، ولا بالتزكية.

ذلك أن كتب السلوك والتزكية اختلطت في العصور المتأخرة بأمثال تلك المعاني التي لا تكتفي برسم الطريق للسالك، وإنما تصف له المعارف التي يمكن أن يصل إليها.. وأكثرها مما يحتاج إلى المصادر المعصومة، لأنها تدخل في أبواب العقائد والغيبيات، ولا يمكن لأحد أن يصف شيئا من عالم الغيب، ما لم يكن مؤيدا بالوحي الإلهي.

وقد أشار بعضهم إلى هذه الوجهة التي توجهها هؤلاء، فقال: (وربّما قصد بعض المصنّفين ذلك في كشف الموجودات وترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى بالأغمض فالأغمض بالنّسبة إلى أهل النّظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغانيّ شارح قصيدة ابن الفارض في الدّيباجة الّتي كتبها في صدر ذلك الشّرح، فإنّه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أنّ الوجود كلّه صادر عن صفة الوحدانيّة الّتي هي مظهر الأحديّة وهما معا صادران عن الذّات الكريمة الّتي هي عين الوحدة لا غير. ويسمّون هذا الصّدور بالتّجلّي. وأوّل مراتب التّجليّات عندهم تجلّي الذّات على نفسه وهو يتضمّن الكمال بإفاضة الإيجاد والظّهور.. وهذا الكمال في الإيجاد المتنزّل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكماليّة والحقيقة المحمّديّة وفيها حقائق الصّفات واللّوح والقلم وحقائق الأنبياء والرّسل أجمعين والكمّل من أهل الملّة المحمّديّة. وهذا كلّه تفصيل الحقيقة المحمّديّة. ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائيّة وهي مرتبة المثال ثمّ عنها العرش ثمّ الكرسيّ ثمّ الأفلاك، ثمّ عالم العناصر، ثمّ عالم التّركيب. هذا في عالم الرّتق فإذا تجلّت فهي في عالم الفتق. ويسمّى هذا المذهب مذهب أهل التّجلّي والمظاهر والحضرات وهو كلام لا يقتدر أهل النّظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه)([5]

وهذا لا يعني ـ أيها المريد الصادق ـ أن هؤلاء كاذبون في دعاواهم، ولا أنهم ملفقون لتلك الأحاديث، بل هم صادقون في الحديث عن أنفسهم، وما كشف لهم، ويجب حسن الظن بهم مثلما يحسن الظن بسائر الناس.

لكن هناك فرقا بين أن تحسن الظن بشخص، وأن تقبل كل ما يقوله.. فالثبوت يختلف عن الإثبات.. ذلك أن الثبوت أمر شخصي، ولا علاقة له بسائر الناس، وأما الإثبات فيحتاج إلى البراهين والأدلة، وهؤلاء لا براهين لهم سوى ذلك الكشف الذي حصل لهم، والذي قد يختلط فيه الحق بالباطل، والإلهام بالوسوسة.

ذلك لأن المتعرض للكشف أو الإلهام غير معصوم، وبالتالي يمكن أن تصبح للأهواء والمعارف السابقة تأثيرها فيما قد يعتقده كشفا صحيحا.

ولهذا اتفق المشايخ والحكماء سلفهم وخلفهم على عرض ما يكشف لهم على المصادر المعصومة، فإن وافقت فبها، وإلا رمي بها، كما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: (إن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف فلا أقبلها إلا بشاهدى عدل من الكتاب والسنة)

وقال آخر: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.. طِرْ إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)([6]

وقال آخر: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام)([7]

ولهذا يخطئ بعضهم بعضا في تلك المعارف التي وصلوا إليها، ومن ذلك قول بعضهم في الكشف الذي لا يمكن اعتباره: (الكشف الذي يؤدي إلى فضل الإنسان على الملائكة أو فضل الملائكة على الإنسان مطلقاً من الجهتين لا يعول عليه) ([8]

ويقول: (كل كشف يريك ذهاب الأشياء بعد وجودها لا يعول عليه) ([9])

ويقول: (كل كشف لا يكون صرفاً لا يخالطه شيء من المزاج لا يعول عليه، إلا أن يكون صاحب علم بالمصور) ([10]

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فإياك أن تسلم دينك لغير المعصوم، وقل لكل شخص يريد أن يدعوك إلى أي عقيدة من العقائد أو معرفة من المعارف: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

فإن قال لك: برهاني هو الكشف الذي كشف لي، أو كشف لغيري.. وأن السالك لا يحتاج إلى البرهان، بل يحتاج إلى التسليم.. فقل له حينها: هل هذه المعارف ضرورية للتزكية والترقية أم أنها ليست كذلك؟.. فإن ذكر لك ضرورتها، فأخبره أن هذا اتهام للنبوة بالتقصير في عرض المعارف التي يحتاجها المؤمنون لتزكية أنفسهم وترقيتها.. فإن ذكر لك عدم ضرورتها، فأخبره بأن العاقل هو الذي يترك ما لا ضرورة له، خاصة إن اشتبه أمره، ولم يميز صدقه من كذبه، وخطؤه من صوابه.

وكمثال يقرب لك هذا تلك المعارف الكثيرة التي تتحدث عن عما يسمونه [علم الأفلاك العلوية]، والذي عرفه بعضهم بأنه (من علوم القوم الكشفية، ومنه يعلم أهل السماء أكرة في خيمة، أو خيمة في كرة أو بشبه ذلك؟ وهل تدور الأرض بدورانها أم لا؟ وهل النجوم سائرة تسري في السماء أم ساكنة والسماوات دائرة بما فيها؟ وقليل من يكاشف بما الأمر عليه في نفسه)([11])

فهذا العلم اكتفى القرآن الكريم بالإشارة إلى بعض الحقائق المرتبطة به، كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]، ثم ترك الأمر بعد ذلك للعلماء باستعمال وسائلهم للبحث فيه.. مع العلم أن تفاصيله لا علاقه لها بالتزكية ولا بالترقية، ولا بالمعرفة الإلهية، ذلك أنها كلها تنبع من قدرة الله المطلقة التي لا حدود لها.

ولكن مع ذلك نجد للأسف من ذكر الكثير من المعارف المرتبطة بهذا الجانب، والتي يذكر أنه تلقاها عن طريق الكشف، وكان في إمكانه أن يكتفي بالاحتفاظ بها لنفسه لعدم قدرته على إثباتها لغيره، لكنه لم يفعل، وراح يشغل أوقات السالكين بعلوم لا دليل عليها من النقل ولا من العقل ولا من العلم.

ومن الأمثلة على ذلك خوض بعضهم في تاريخ الأفلاك ونشأتها، مع أن الله تعالى قال: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الكهف: 51]

لكن هؤلاء أبوا إلا أن يفصلوا في تلك التواريخ، وكأنهم رأوها رأي العين، وقد قال بعضهم في ذلك: (لما كمل الكرسي واستقر فيه الملأ الأمري، أحال أنوار السبعة الأعلام فكان عنها السبع الطرائق متماسة الأجرام جعلها سقفاً مرفوعاً لمهاد سيكون إذا توجه عليه الأمر بقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82] وكواكبها منتهى الأشعة في الخلا على الاستيفاء فسقطت الأنوار، وتجارت وانتشأت الأفلاك)([12]

وقال في حركات الأفلاك الروحانية: (لهذه الأفلاك الروحانية حركات.. حركة معرفة عيوب النفس المسارعة إلى الخيرات.. وحركة فلك اتقاء الآفات المسابقة إلى مجالس العلماء.. وحركة فلك ترتيب المعاملات المبادرة إلى معرفة الأوقات.. وحركة فلك محافظة الحدود المجاراة إلى الوفاء بالعهود.. وحركة فلك موازين الأعمال الإنهاض إلى محاسبة النفس.. وحركة فلك التدبير الاستعداد إلى التلاوة بتفريغ الخواطر.. وحركة فلك المعرفة دوام الإخلاص)([13])

وقال في الفلك الذي يسمونه [الفلك الأطلس]: (الفلك الأطلس: وهو فلك البروج.. ولا كوكب فيه متماثل الأجزاء مستدير الشكل لا تعرف لحركته بداية ولا نهاية وماله طرف بوجوده حدثت الأيام السبعة والشهور والسنون ولكن ما تعينت هذه الأزمنة فيه إلا بعد ما خلق الله في جوفه من العلامات التي ميزت هذه الأزمنة وما عين منها هذا الفلك سوى يوم واحد وهي دورة واحدة عينها مكان القدم من الكرسي فتعينت من أعلى فذلك القدر يسمى يوماً)([14]

وقال آخر في الفلك الذي يسمونه [فلك الثوابت]: (هو آخر الأفلاك التي خلقها الله تعالى للبقاء، فلا تفنى ولا تهلك صورها، سطحه أرض الجنة، ومقعره سقف النار جهنم، وفيه الكواكب الثابتة، وهو بما احتوى عليه من السماوات والأرضين في الفلك الأطلس، كحلقة ملقاة في أرض فيحاء، وفيه قوة ما فوقه الأطلس والكرسي والعرش، لأنه مولد عنهم.. وهكذا كل مولد فإنه يجمع حقائق ما فوقه، حتى ينتهي إلى الإنسان، فيجتمع فيه قوة جميع العالم. فإن كان إنساناً كاملاً جمع مع ذلك الأسماء الإلهية، بكمالها، ويسمى هذا الفلك بالمكوكِب وبفلك المنازل)([15])

وهكذا تجد أحاديث مفصلة عن العقائد التي وردت في المصادر المقدسة مما لم يرد فيها أمثال تلك التفاصيل، مثل قول بعضهم في جهنم: (وأوجدها الله [أي جهنم] بطالع الثور، ولذلك كان خلقها، في الصورة، صورة الجاموس سواء. هذا الذي يعول عليه عندنا. وبهذه الصورة رآها أبو الحكم بين برجان في كشفه. وقد تمثل لبعض الناس، من أهل الكشف، في صورة حية. فيتخيل أن تلك الصورة هي التي خلقها الله عليها، كأبي القاسم بن قسى وأمثاله، ولما خلقها الله تعالى، كان زحل في الثور، وكانت الشمس والأحمر في القوس، وكان سائر الدراري في الجدي. وخلقها الله تعالى من تجلى قوله، في حديث مسلم: (جعت فلم تطعمني! وظمئت‏ فلم تسقني! ومرضت فلم تعدني! وهذا أعظم نزول نزله الحق إلى عباده في اللطف بهم، فمن هذه الحقيقة خلقت جهنم. أعاذنا الله، وإياكم، منها! فلذلك تجبرت على الجبابرة، وقصمت المتكبرين)([16]

ويتحدث عن المأدبة المعدة لأهل الجنة، والمندبة المعدة لأهل النار، فيقول: (في ذلك الوقت يجتمع أهل النار في مندبة. فأهل الجنة في المآدب. وأهل النار في المنادب. وطعامهم في تلك المأدبة زيادة كبد النون. وأرض الميدان درمكة بيضاء، مثل القرصة. ويخرج من الثور الطحال لأهل النار. فيأكل أهل الجنة من زيادة كبد النون. وهو حيوان بحرى مائي. فهو عنصر الحياة المناسبة للجنة. والكبد بيت الدم. وهو بيت الحياة. والحياة حارة رطبة. وبخار ذلك الدم هو النفس، المعبر عنه بالروح الحيواني، الذي به حياة البدن. فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم. وأما الطحال في جسم الحيوان، فهو بيت الأوساخ، فان فيه تجتمع أوساخ البدن، وهو ما يعطيه الكبد من الدم الفاسد. فيعطى لأهل النار يأكلونه. وهو من الثور. والثور حيوان ترابي، طبعه البرد واليبس. وجهنم على صورة الجاموس. والطحال من الثور، لغذاء أهل النار، أشد مناسبة: فبما في الطحال من الدمية، لا يموت أهل النار، وبما فيه من أوساخ البدن ومن الدم الفاسد المؤلم، لا يحيون ولا ينعمون. فيورثهم أكله سقما ومرضا)([17]

ويتحدث عن عدد درجات الجنة، فيقول: (فتحوى درجات الجنة من الدرج فيها على خمسة آلاف درج ومائة درج وخمسة أدراج لا غير. وقد تزيد على هذا العدد بلا شك. ولكن ذكرنا منها ما اتفق عليه أهل الكشف، مما يجرى مجرى الأنواع من الأجناس. والذي اختصت به هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم، من هذه الأدراج، اثنا عشر درجا لا غير، لا يشاركها فيها أحد من الأمم. كما فضل صلى الله عليه وآله وسلم غيره من الرسل، في الآخرة، بالوسيلة وفتح باب الشفاعة، وفي الدنيا بست لم يعطها نبي قبله كما ورد في الحديث الصحيح، من حديث مسلم بن الحجاج. فذكر منها: عموم رسالته، وتحليل‏ الغنائم، والنصر بالرعب، وجعلت له الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها له طهورا، وأعطى مفاتيح خزائن الأرض)([18]

وكل هذه المعارف ـ أيها المريد الصادق ـ ليس لها من دليل سوى الكشف الذي يذكرون أن الله تعالى منّ به عليهم، وكان في إمكانهم أن يقتصروا به على أنفسهم، لكونه حصل لهم، ولم يحصل لغيرهم، ولكونهم لا يطيقون إثباته، ولكونه قد يكون من الوساوس أو أحاديث النفوس التي لا علاقة لها بالواقع.

لكن الأمر للأسف خرج إلى الكتب والمصنفات، وألفت الشروح حول ذلك، وصار كل من هب ودب يضيف مما يزعم أنه كشف له.. وأصبح بذلك علم التزكية علما مختلطا بمعارف لا دليل يدل عليها، لا من العقل، ولا من النقل..

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل دب التنافس في هذا بين أصحاب هذه العلوم، فصار كل شخص يزعم أن معارفه بالعالم العلوي والسفلي أدق، وأنه بذلك الجدير بالولاية أو بختمها أو بمراتبها الرفيعة.. وكل ذلك ما حول علم السلوك إلى الله إلى علوم كثيرة قد ترتبط بكل شيء، لكنها لا علاقة لها لا بالسلوك إلى الله، ولا بالتزكية والترقية.


([1]) الكواكب الدرية (1/ 573)

([2]) إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 435.

([3]) إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 435.

([4]) روض الرياحين فى حكايات الصالحين، ص: 10.

([5]) مقدمة ابن خلدون (1/ 617)

([6]) الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص29.

([7]) انظر: إِيقاظ الهمم، (2/302)

([8]) ابن عربي، رسالة لا يعول عليه، ص 3.

([9]) رسالة لا يعول عليه، ص 14

([10]) رسالة لا يعول عليه، ص 18.

([11]) عبد الوهاب الشعراني، الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية، ص 14 (بتصرف)

([12]) ابن عربي، عنقاء مغرب، ص 43.

([13]) ابن عربي، مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم، ص 40.

([14]) الفتوحات المكية، ج 2 ص 437.

([15]) الفتوحات المكية، ج 2 ص 669.

([16]) الفتوحات المكية، ج‏4، ص: 370

([17]) الفتوحات المكية، ج‏4، ص: 479.

([18]) الفتوحات المكية، ج‏5، ص: 73.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *