التوفيق والخذلان

التوفيق والخذلان

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عما ورد في النصوص المقدسة من الدلالة على توفيق الله تعالى لعباده الصالحين، وخذلانه لغيرهم من المنحرفين، وعن علاقة ذلك بالعدالة والرحمة الإلهية، وعلاقته بعد ذلك وقبله بالنفس المطمئنة الراضية.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن العلم بالتوفيق والخذلان الإلهي، وحقيقتهما وأسبابهما من المعارف الضرورية للنفس المطمئنة، ذلك أنها لم تصل إلى تلك الدرجة الرفيعة في سلم التزكية والترقية إلا بعد حصولها على التوفيق الإلهي، فهو تأشيرتها وتذكرتها التي مكنتها من الوصول.

ولو أنها تخلت عن شعورها بالتوفيق الإلهي لحظة واحدة، وتوهمت أن كل ما لها من عندها، وليس من عند الله؛ فإن كل شيء لديها ينهار، وتعود من التوفيق إلى الخذلان، ومن التزكية إلى الدنس، ومن الترقي إلى السقوط، ومن النفس المطمئنة إلى النفس الأمارة.

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى عن ذلك الذي ركن إلى نفسه، وتخلى عن ربه، فسقط بعد ارتفاع، وضل بعد هداية، وخُذل بعد توفيق: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلهمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 175، 176]

ولهذا يخبر الله تعالى عن المؤمنين أنهم لا يحمدون أنفسهم على ما حصل لهم من الهداية، وإنما يحمدون ربهم على توفيقه لهم لذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا الله﴾ [الأعراف: 43]، وقد ذكر قبل ذلك توفيقه لهم بنزع المثالب التي كانت تعمر قلوبهم، قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ﴾ [الأعراف: 43]

ومثل ذلك توفيقه لأئمة الهدى، فقال:﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الانبياء:73)، فأخبر أن كونهم أئمة للهدى هو بتوفيق الله تعالى.

وفي مقابل ذلك قال عن أئمة الضلال:﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (القصص:41)

وقال عن تقسية قلوب بني إسرائيل، وتعرضهم للخذلان الإلهي بسبب ما جنت أيديهم:﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: 13)

وقال عن جعل الأكنة في قلوبهم والوقر في آذانهم لئلا يؤمنوا:﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام:25)، وقال:﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾ (الاسراء:46)

فهذه الآيات الكريمة تخبر أن ذلك الخذلان المتمثل في الأكنة والوقر الذي حجبهم عن الاستماع للحق، لم تكن لتصيبهم لولا قابليتهم لذلك، ولو أنهم تواضعوا للحق، وسلموا لهم، لتنزل عليهم بدلها الفتح والنور والبصيرة.

ولهذا يقرن الله تعالى بين ذكر المؤمنين المتواضعين المتعرضين للتوفيق الإلهي، وغيرهم من المستكبرين، فيقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (الكهف:28)

وهكذا ورد في الأحاديث الكثيرة أن الهداية والصلاح والتقوى وغيرها ثمرات للتوفيق الإلهي، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله)، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: (يوفّقه لعمل صالح قبل الموت)([1])

وأجاب صلى الله عليه وآله وسلم من سأله أن يدله على عمل يدخل به الجنة، فقال:(لقد سألتني عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ألا أدلك على أبواب الخير! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ألا أخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه! رأس الامر الاسلام، من أسلم سلم وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، لا أخبرك بملاك ذلك كله! كف عليك هذا وأشار إلى لسانه)([2])

وهذه المعاني تجعل صاحب النفس المطمئنة في رضا تام، وفرح عظيم، وسعادة لا يمكن تصورها، ذلك أنه يشعر أن الله تعالى هو الذي اصطفاه واجتباه ووفقه.. ولذلك يكون فرحه بتوفيق الله تعالى لطاعته أكثر من فرحه بالطاعة نفسها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]

وقد قال بعض الحكماء في ذلك: (لا تفرحك الطّاعة لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك)

وقسّم آخر المؤمنين في فرحهم بالطاعة ـ بحسب درجاتهم ـ إلى ثلاثة أقسام: أولها أولئك الذين (فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم ويدفعون بها من عذابه الأليم، فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم لم يتبرؤوا فيها من حولهم وقوتهم، وهم من أهل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5])([3])

والقسم الثاني، أولئك الذين (فرحوا بها من حيث إنها عنوان الرضا والقبول، وسبب في القرب والوصول، فهي هدايا من الملك الكريم، ومطايا تحملهم إلى حضرة النعيم، لا يرون لأنفسهم تركا ولا فعلا ولا قوة ولا حولا، يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية مصروفون عن المشيئة الأصلية وهم من أهل قوله تعالى: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فأهل القسم الأول: عبادتهم للّه. وأهل القسم الثاني: عبادتهم باللّه وبقدرة اللّه، وبينهما فرق كبير)

والقسم الثالث، أولئك الذين كان (فرحهم باللّه دون شي ء سواه، فانون عن أنفسهم باقون بربهم، فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة للّه، وإن ظهرت منهم معصية اعتذروا للّه أدبا مع اللّه، لا ينقص فرحهم إن ظهرت منهم زلة، ولا يزيد إن ظهرت منهم طاعة أو يقظة؛ لأنهم باللّه وللّه، من أهل لا حول ولا قوة إلا باللّه، وهم العارفون باللّه)

وقال بعض المشايخ مخاطبا مريدا له: (إن ظهرت منك أيها المريد طاعة أو إحسان فلا تفرح بها من حيث إنها برزت منك فتكون مشركا بربك، فإن اللّه تعالى غني عنك وعن طاعتك، وغنى عن أن يحتاج إلى من يطيعه سواه، قال اللّه تعالى: ﴿ومَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه عز وجلّ: (يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئا)([4])، وافرح بها من حيث إنها هدية من اللّه إليك تدل على أنك من مظاهر كرمه وفضله وإحسانه، فالفرح إنما هو بفضل اللّه وبرحمته، ففضل اللّه هو هدايته وتوفيقه، ورحمته هو اجتباؤه وتقريبه)

وهذه المعاني الرفيعة هي التي تحمي المؤمن من كل الوساوس النفسية والشيطانية التي تجعل صاحبها معجبا بعمله، مغترا به، لشعوره أنه منه، وليس من ربه.. فإذا ما علم أنه لم يكن ليعمل أي عمل صالح من دون توفيق إلهي، يكون ذلك تأديبا وتربية له للتخلي عن حوله وقوته، والركون إلى حول الله وقوته.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن التوفيق والخذلان منسجمان مع العدالة والرحمة الإلهية مثلهما مثل كل شيء في الكون؛ فيستحيل على أي شيء أن يخرج عن قوانين العدالة والرحمة.

ولتوضيح ذلك أذكر لك أن التوفيق الإلهي بمثابة الجائزة التي ينالها من توفرت فيه بعض الصفات الكسبية، والتي أخبر الرسل عليهم السلام عنها الخلق جميعا.. ولذلك فإن كل من يرغب في التوفيق الإلهي ليس عليه سوى الاتصاف بها، أو تنقية نفسه مما يعارضها، حتى يصبح أهلا لذلك التوفيق.

وإن شئت توضيحا أقرب وأصح.. أذكر لك أن التوفيق والخذلان مثل عيون منتشرة، بعضها يسيل بالماء العذب الفرات، والآخر يسيل بالملح الأجاج، وقد تُرك للخلق حرية الاستقاء.. فمن شاء أن يستقي من المنابع العذبة نال فضلها وشفاءها وتوفيقها، ومن استقى من غيرها نال الأدواء والبلاء والخذلان وما يرتبط بها.

وهذا ما ينسجم مع العدالة الإلهية، ذلك أنه لو كان التوفيق مخصوصا بجنس معين من البشر، مثلما زعم اليهود، الذين حصروا النبوة والصلاح والولاية في بني إسرائيل، لكان ذلك منافيا للعدالة.. لكنها متاحة للجميع بشروطها التي لا تعدو أن تكون توفير القابلية أو البيئة الصالحة لتنزل التوفيق الإلهي.

وأول تلك الشروط، وهو يسير سهل لا يُحرم منه إلا المحرومون دعاء الله تعالى بطلب التوفيق والهداية والصلاح وغيرها.. والله لا يخيب من دعاه، ولا يرد من قصده.. والدعاء دليل على الصدق، والله لا يرد الصادقين.

ولهذا يذكر الله تعالى أن الصالحين كانوا يدعون الله تعالى أن يوفقهم لمراضيه، والتي يتصورها الغافلون أفعالا محضة لهم تقع باختيارهم وبتنفيذهم، ولا دخل لله فيها.

ومن ذلك قول الخليل عليه السلام:﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:128)، فأخبر الخليل عليه السلام أنه تعالى هو الذي يجعل المسلم مسلما، فلذلك طلب منه أن يجعله مسلما وذريته.

ومثل ذلك دعاؤه بأن يجعله مقيما للصلاة هو وذريته، قال تعالى:﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (ابراهيم:40)، وقال:﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلهمْ يَشْكُرُونَ﴾ (ابراهيم:37)

ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام أنه قال عن ولده:﴿ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ (مريم: 6)

وأخبر تعالى عن مقالة الثابتين مع طالوت، وكيف رجعوا إلى الله في طلب الصبر والتثبيت، فقال تعالى:﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:250)

ومن ذلك الشعور بالعجز، والتبري من الحول والقوة، وهو ما يهيئه للتوفيق الإلهي، ولهذا ورد في الأحاديث النبوية الكثير من الأذكار التي يرجع فيها المؤمن إلى الله تعالى متبرئا من حوله وقوته ملتجئا إلى حول الله وقوته، ولعل أجمعها ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لبعض أصحابه: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة (لا حول ولا قوة إلا بالله)([5]

وهذا الكنز من كنوز الجنة هو ما يشير إليه قوله تعالى في حوار المؤمن مع صاحب الجنتين:﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لا قُوَّةَ إِلَّا بِالله ﴾ (الكهف: 39) أي هلا إذا أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت اللّه على ما أنعم به عليك، واعتبرته من مشيئة الله وقوته لا من مشيئتك وقوتك.

وفي هذا دليل على ما تكسبه هذه الكلمة من تواضع في نفس قائلها وتأدبه مع ربه تعالى.

ومن الأذكار الواردة في السنة، والتي يتبرأ فيها المؤمن من حوله وقوته إلى حول الله وقوته ما ورد في دعاء الاستخارة، فهو كله تفويض ورجوع إلى الله، وتبرؤ من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته، ففي الحديث عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه، واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)([6]

وفي دعاء النوم علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقول:(اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)([7])، وأخبر أن من مات على هذا مات على الفطرة، والفطرة تعني انسجام الإنسان مع السنن الإلهية، كما قال تعالى:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ (الروم:30)

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: (وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئَها لا يصرف عني سيئَها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرك وأتوبُ إليك)([8])

وغيرها من الأدعية والأذكار الكثيرة، التي تخلص المؤمن من شعوره بحوله وقوته، وتجعله مستسلما لربه مسالما له.. فاسع ـ أيها المريد الصادق ـ لأن تلتزم بتلك الأذكار والأدعية، فما حفظها الله لنا إلا لتتوفر فينا القابلية لتنزل الفضل الإلهي.. فلا تتهم الله في عدم تنزل فضله وتوفيقه، واتهم نفسك في عدم استعدادها لتنزله.. ففضل الله أعظم من أن يبخل به على من وفر لنفسه الأهلية له.

وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته ثمّ تكيده السماوات والأرض ومن فيهنّ، إلاّ جعلت له المخرج من بينهنّ، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته، إلاّ قطعت أسباب السماوات من يديه وأسخت الأرض من تحته، ولم أبال بأيّ واد هلك)([9])

ويروى عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: (يا بنيّ.. ثق بالله عزّ وجلّ، ثم سل في الناس: هل من أحد وثق بالله فلم ينجه؟.. يا بنيّ..توكل على الله، ثم سل في الناس: من ذا الذي توكل على الله فلم يكفه؟.. يا بني.. أحسن الظن بالله ثم سل في الناس: من ذا الذي أحسن الظن بالله فلم يكن عند حُسْن ظنّه به)([10])

فالشأن ليس في فضل الله تعالى وتوفيقه، فهو مهيأ يسير سهل، ولكن الشأن في الذي يُقبلون عليه، ويقبلون به، ولا تستكبر نفوسهم أن تناله.. فالله عزيز، ولا يعطي فضله لمن رغب عنه، أو تكبر عليه.


([1]) الترمذي(2142) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد(4/ 135)

([2]) رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

([3]) إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 155.

([4]) رواه مسلم (4/ 1994) والترمذي (4/ 656) وأحمد في المسند (5/ 154)

([5]) رواه البخاري ومسلم.

([6]) رواه البخاري.

([7]) رواه البخاري ومسلم.

([8]) رواه مسلم.

([9]) الكافي 2/63.

([10]) بحار الأنوار: 68/156.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *