التنزيه والتشبيه

التنزيه والتشبيه

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن تنزيه الله تعالى وتقديسه، والمعارف المرتبطة بذلك.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن تنزيه الله تعالى وتسبيحه وتقديسه من الأركان الكبرى لمعرفته؛ فلا يمكن لمن وقع في مستنقعات التشبيه والتجسيم والتحديد والتقييد أن يعرف ربه العظيم الذي لا حدود لعظمته.

ولذلك كان سلب ما لا يليق بالله من الأركان الكبرى التي قامت عليها رسالات الأنبياء عليهم السلام في تعريفهم بربهم، فلا يمكن تأسيس العقائد الصحيحة في ظل الانحرافات والتشويهات والتبديلات.

بل إن الله تعالى يخبر أن التسبيح والتقديس والتنزيه هو وظيفة الكون جميعا في مسيرته للتعرف على الله، قال تعالى: P يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ O(الجمعة:1)

وأخبر عن الملائكة عليهم السلام وقولهم: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ (البقرة:30)، وهو دليل على اندماج التقديس في الحمد والثناء وإثبات الكمالات، فلا يمكن إثبات الكمال مع اعتقاد النقص.

ولهذا يمتلئ القرآن الكريم بالآيات التي تنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به.. فهي تنزهه عن الشريك، قال تعالى:P الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ.. O (البقرة: 255)، وقال:P قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (1) الله الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ O (الإخلاص)

وهي تنزهه عن الشبيه.. فالقدوس لا يشبهه شيء، قال تعالى:P وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ O (الاخلاص:4)، وقال:) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ O (الشورى: من الآية11)

وهي تنزهه أن يكون له زوجة أو ولد، قال تعالى إخبارا عن مقالة الجن:P وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا O (الجن: 3)، وقال:P وَقَالُوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)O (البقرة)

وهي تنزهه عن الموت والنوم، قال تعالى:P وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُO (الفرقان)

وهي تنزهه عن الظلم، قال تعالى:P إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)O (النساء)

وهي تنزهه عن الكذب؛ فقوله الصدق وخبره الحق، قال تعالى:P وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثًا O (النساء: 87)

وهي تنزهه عن الضلال والنسيان، قال تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال:P لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى O (طه: 52)

وهي تنزهه عن الفناء؛ فالقدوس باق، قال تعالى:P وَلا تَدْعُ مَعَ الله إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ O (القصص:88)

وهي تنزهه عن كل العوارض التي لا تتناسب مع جلال الألوهية، كما قال تعالى:P الله لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ O (البقرة:255)

وهي تنزهه عن الفقر والبخل، قال تعالى:P يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إلى الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)O (فاطر)

وهي تنزهه عن التعب والنصب، قال تعالى:P وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ O (ق: 38)

وهي تنزهه عن الحاجة إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة، قال تعالى:P إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشيءإِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ O (النحل: 40)

وهي تنزهه عن انتهاء القدرة وحصول الفقر، قال تعالى:P لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء O (آل عمران: 181)

وهي تنزهه عن الحاجة قال تعالى:P وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ O (الأنعام: 24) ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ O (المؤمنون: 88)

وهي تنزهه عن أن يخلق الباطل، قال تعالى:P وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ O (ص: 27)، وقال تعالى حكاية عن المؤمنين:P وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا O (آل عمران: 191)

وهي تنزهه أن يخلق للعب، قال تعالى:P وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ، وَمَا خلقناهما إِلاَّ بالحق O (الدخان: 38 39)

وهي تنزهه أن يخلق للعبث؛ قال تعالى:P أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فتعالى الملك الحق O (المؤمنون: 115، 116)

وهي تنزهه أن يرضى بالكفر، قال تعالى:P وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر O (الزمر: 7)

وهي تنزهه عن إرادة الظلم، قال تعالى:P وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ O (غافر: 31)

وهي تنزهه عن حب الفساد، قال تعالى:P والله لاَ يُحِبُّ الفساد O (البقرة: 205)

وهي تنزهه عن أن يعاقب من غير سابقة جرم، قال تعالى:P مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ O (النساء: 147)

وهي تنزهه عن أن ينتفع بطاعات المطيعين أو يتضرر بمعاصي المذنبين، قال تعالى:P إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا O (الإسراء: 7)

وهي تنزهه أن يعترض أحد على أفعاله وأحكامه، قال تعالى:P لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ O (الأنبياء: 23)، وقال تعالى:P فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ O (البروج: 16)

وهي تنزهه عن أن يخلف وعده ووعيده، قال تعالى:P مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ O (ق: 29)

وهكذا يمتلئ القرآن الكريم بالحقائق العرفانية المرتبطة بالتنزيه، والتي تجعل المؤمن ينفي عن ذهنه وعقله وقلبه كل ما تبثه الأوهام إليه عن ربه.

ولكن الشيطان مع ذلك لم ييأس من أن يسرب لهذه الأمة من الأوهام ما سربه لغيرها، فلذلك ظهر فيها دعاة التشبيه والتجسيم، الذين لم يكتفوا بتلك الخرافات الإسرائيلية التي تلقفوها من أهل الكتاب، وإنما راحوا للقرآن الكريم، يفسرونه بحسب ما علق في أذهانهم من التشبيه، مضيفين إليها الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة.

لكن أئمة الهدى، راحوا يكملون وظائف النبوة في التصدي لتلك الظواهر، والتحذير منها، لإعادة المؤمنين إلى العقيدة التنزيهية التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام، وقد روي أن الإمام الصادق ذكرت له بعض الروايات التجسيمية التي كانت تنتشر في عصره، وخاصة بين المحدثين، فقال: (سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]،لا يحد ولا يحس ولا يجس ولا تدركه الأبصار ولا الحواس ولا يحيط به شئ ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد)([1])

وقال: (إن الله تعالى لا يشبهه شيء، أي فحشٍ أو خنى أعظمُ من قولٍ من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)([2]

وقال: (من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء فقد أشرك. إذ لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان من شيء لكان محدثا)([3]

ومثله قال الإمام الكاظم لما ذكر له بعض المجسمة ممن يزعمون صحبته: (قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلام غير المتكلم، معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول، لا جسم ولا صورة ولا تحديد وكل شيء سواه مخلوق، إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان)([4])

وقال الإمام الرضا: (إنه ليس منا من زعم أن الله عز وجل جسم، ونحن منه برآء في الدنيا والآخرة، إن الجسم محدث، والله محدثه ومجسمه)([5])

وفي مقابل أولئك المشبهة ظهر من ينفي صفات الله تعالى وكمالاته بحجة التنزيه المطلق؛ فجعل من التنزيه وسيلة لنفي التحميد، وجعل من كل تلك الأوصاف العظيمة الواردة في القرآن الكريم عن الله تعالى مجرد ألغاز لا معنى لها.

ولهذا نجد اقتران التنزيه بالتحميد.. فلا يكفي من يريد معرفة الله أن يسلب فقط، بل عليه أن يثبت أيضا.. بل إن التنزيه نفسه يحمل معنى الإثبات ذلك أنه يعني سلب ونفي النقص، وهو يعني إثبات الكمال.

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى عند ذكره لقول الملائكة عليهم السلام: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]

وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130]

وقال:﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (قّ:39)

وقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97، 98]

وغيرها من الآيات الكثيرة، ومثلها الأذكار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة الهدى والتي يجتمع فيها كلا الأمرين: التنزيه والحمد، والتي توهم بعض من توهموا أنفسهم منزهة أن فيها تشبيها لا يليق بالله تعالى، فراحوا يؤولونه، ويحرفون الكلم عن مواضعه.

وقد روي في هذا أن بعضهم قال للإمام الرضا: (الله واحد والإنسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟) فقال: (إنّما التشبيه في المعاني، فأمّا في الأسماء فهي واحدة، وهي دلالة على المسمّى.. والإنسان نفسه ليس بواحد؛ لأنّ أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزّأة.. فالإنسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى.. والله جلّ جلاله واحد لا واحد غيره) ([6])

ولهذا نجد القرآن الكريم يضرب الأمثال المرتبطة بنا ليعرفنا بنفسه، فيقول: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: 28]

فهذه الآية تخاطب المشركين الذين كان لهم عبيد ومماليك، لتقول لهم: (لو كان لكم عبيد وملك يمين، وهو ملك مجازي، لما رضيتم بأن يشركوكم في التصرف في أموالكم، فكيف تتصورون المخلوقات التي هي ملك حقيقي لله شركاءه، أو تزعمون أن بعض الأنبياء كالمسيح أو ملائكة الله أو بعض المخلوقات الأُخرى كالجن أو الأصنام الحجرية والخشبيّة شركاءه، ألا ساء ما تحكمون!!)([7])

وبذلك قربت الصورة لهم بحسب ما يعرفون من أنفسهم.. ومثل ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]

ولهذا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)([8])، وعن الإمام علي أنه قال: (اطلبوا العلم ولو بالصين، وهو علم معرفة النفس، وفيه معرفة الربّ عزّوجلّ) ([9])

وقد سبق أن ذكرت لك قول بعض الحكماء في سبل معرفة الله، وأن أولها وأيسرها هو تلك التقريبات التي وفرها الله تعالى لنا من خلال معرفتنا بأنفسنا، فقد قال: (لمعرفة الله سبحانه وتعالى سبيلان: أحدهما قاصر، والآخر مسدود، أما القاصر فهو ذكر الأسماء والصفات وطريقة التشبيه بما عرفناه من أنفسنا، فإنا لما عرفنا أنفسنا قادرين عالمين أحياء متكلمين، ثم سمعنا ذلك في أوصاف الله عز وجل أو عرفناه بالدليل فهمناه فهما قاصرا.. لأن حياتنا وقدرتنا وعلمنا أبعد من حياة الله عز وجل وقدرته وعلمه، بل لا مناسبة بين البعيدين، وفائدة تعريف الله عز وجل بهذه الأوصاف أيضا إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم لكن يقطع التشبيه بأن يقال ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، فهو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين.. وكأنا إذا عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف إلا أنفسنا ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ ولا الأكمه يفهم معنى قولنا إنه بصير، ولذلك إذا قال القائل كيف يكون الله عز وجل عالما بالأشياء؟ فنقول: كما تعلم أنت الأشياء، فإذا قال: فكيف يكون قادرا؟ فنقول: كما تقدر أنت، فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه، فيعلم أولا ما هو متصف به، ثم يعلم غيره بالمقايسة إليه، فإن كان لله عز وجل وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه في الاسم لم يتصور فهمه البتة، فما عرف أحد إلا نفسه، ثم قايس بين صفات الله تعالى وصفات نفسه، وتتعالى صفاته عن أن تشبه صفاتنا، فتكون هذه معرفة قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه، فينبغي أن تقترن بها المعرفة بنفي المشابهة وينفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم)([10])

وفي هذا المعنى قال بعضهم: (من عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء.. ومن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء.. ومن عرف نفسه بالافتقار قام لله على قدم الاضطرار.. ومن عرف نفسه لمولاه، قلت حوائجه إلى من سواه)([11])

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن تعمم ذلك؛ فتقع في التشبيه والتجسيم، كما فعل أولئك الذين راحوا يصفون الله تعالى بما وجدوا عليه أنفسهم، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال تعليقا على قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: 195]: (فأعلمنا ربنا جل وعلا أن من لا رجل له، ولا يد، ولا عين، ولا سمع فهو كالأنعام بل هو أضل، فالمعطلة الجهمية: الذين هم شر من اليهود والنصارى والمجوس: كالأنعام بل أضل)([12]

وإياك أيضا أن تعمل عقلك أو تدع لخيالك وكشفك وشهودك أن يتدخل في معرفة الله؛ فيصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، ولم يصفه به أعلم خلقه به، وقد روي أن رجلاً قال للإمام علي: هل تصف ربنا نزداد له حباً وبه معرفة؟ فغضب وخطب الناس، فقال: (عليك يا عبدالله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسول من معرفته، فائتم به، واستضيَ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله، ولا تقدر عظمة الله عليه قدر عقلك، فتكون من الهالكين.. واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم الله عن الاِقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا:P.. آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.. (7)O (آل عمران)، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً)([13])

وقال الإمام الكاظم: (صفوه عزّ وجلّ بما وصف به نفسه، وكفّوا عمّا سوى ذلك)([14])

وقال لأحد أصحابه: (لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى في كتابه فتهلك) ([15])

وقال الإمام الرضا: (إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا وصفه الواصفون، وتعالى عمّا ينعته الناعتون)([16])

وقال: (سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك.. اللهم لا أصفك إلاّ بما وصفت به نفسك) ([17])

وقال لأحد أصحابه، وقد وجده يصف الله تعالى: (لا تجاوز ما في القرآن) ([18])

وقال: (من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله) ([19])

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بهذا الركن من أركان المعرفة لتحمي نفسك من كل جهل دُس في الدواوين باسم العلم، فليس المطلوب منك أن تكون ذا علم كثير، ولكن المطلوب أن تكون ذا علم صحيح.. فكل علم يحجب عنك ربك، ويصفه بما لا يليق به، لن يزيدك عن ربك إلا بعدا.


([1]) الكافي للكليني1/104.

([2]) الكافي1/105.

([3]) الرسالة القشيرية (ص/ 6)

([4]) الكافي 1/ 106.

([5]) التوحيد للصدوق 104.

([6]) التوحيد، الشيخ الصدوق: ص 61.

([7]) تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي (12/ 513)

([8]) بحار الأنوار (2/ 32)

([9]) بحار الأنوار (2/ 32)

([10]) المقصد الأسنى (ص: 53)

([11]) أحمد الرفاعي، حالة أهل الحقيقة مع الله، ص 87.

([12]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 202)

([13]) التوحيد، الشيخ الصدوق، ص 55.

([14]) الكافي، ج 1، ص 102.

([15]) التوحيد، الشيخ الصدوق: ص 74.

([16]) التوحيد، الشيخ الصدوق: ص 60.

([17]) الكافي،ج 1، ص 101.

([18]) الكافي،ج 1، ص 101.

([19]) الكافي،ج 1، ص 101.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *