التكليف والجزاء

التكليف والجزاء

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن سر ارتباط الجزاء بالتكليف، ولم لم يجاز الله عباده مباشرة من خلال علمه الأزلي بهم، وعن علاقة ذلك بالنفس المطمئنة وسر رضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن كل المعارف المرتبطة بالكون والحياة والإنسان ترجع لمعرفة أسماء الله الحسنى، ذلك أن قوانين الكون ونظامه وسننه ونواميسه كلها تستند إليها.. مثلما تستند الصناعات البشرية لمجموعة من الخبراء، ولا يمكن معرفة سر الصنعة بجميع تفاصيلها إلا للعودة إليهم جميعا.

وبما أن التكليف والجزاء والقوانين المرتبطة بهما من سنن الكون وقوانينه؛ فإنهما يستندان إلى مجموعة من أسماء الله الحسنى، ولا يمكن أن يفقه أحد أسرارهما، قبل أن يعرف تلك الأسماء.

ذلك أن الجزاء ليس مقصودا لذاته، ومثله التكليف؛ فكلاهما وسيلة لغايات أخرى أشرف وأكرم، ولا يمكن الوصول لتلك الغايات من دونهما.

وإن شئت ـ أيها المريد الصادق ـ أن تختصر لنفسك طريق معرفة تلك الأسماء؛ فاقرأ سورة الفاتحة، وتمعن في معانيها؛ فستهتدي لكل القوانين المرتبطة بالتكليف والجزاء.

فهذه السورة الكريمة التي هي أم القرآن تبدأ ببيان أن كل هذا الكون بما فيه من مخلوقات بدئ باسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم [الرحمن]، وهو يعني أن كل ما في الكون من البداية إلى النهاية منطلق ومنطبق مع هذا الاسم.

وبناء على هذا نرى القرآن الكريم يقرن دار الجزاء باسمه الرحمن، كما في قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ (الفرقان:26)، وهذا يعني أن الحاكم في كل قوانين ذلك اليوم هو الرحمة الإلهية المندرجة ضمن اسم [الرحمن]، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: من: 156)، وقوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:147)

والاسم الإلهي الثاني الذي يلي اسم [الرحمن] هو اسم [الرحيم]، وهو أول تجل من تجليات الرحمن، أو هو التنفيذ العملي لما تقتضيه الرحمة الإلهية، والذي قد يظهر بمظاهر مختلفة، قد يكون من بينها القسوة التي تستدعيها الضرورة.

وكمثال تقريبي لذلك أن يأتي مفتش لمدرسة من المدارس؛ فيرى تلاميذها منشغلين عن دراستهم، منحرفين عنها، لا يبالون بها، وعندها تتداركه الرحمة لإنقاذ مستقبلهم المهدد، فيقرر إرسال معلمين ممتلئين بالحزم والشدة ليعيدوهم إلى جادة الصواب، وباستعمال كل الطرق الممكنة.

وقد يذهب إلى مدرسة أخرى، فيجدها ممتلئة نظاما وأدبا، ويجد تلاميذها مستوعبين لدروسهم أحسن استيعاب، حينها يكتفي بالثناء على التلاميذ وعلى الأساتذة، وقد يقرر أن يكافئهم بما يستحقونه من الدرجات والجوائز.

فهذا المفتش، لم يفعل ذلك إلا بناء على صفة راسخة فيه هي الرحمة بهم، والتي اختلف تنفيذها في الواقع بحسب المحل الذي تعامل معه؛ فالمحسنون أحسن إليهم، والمسيئون أرسل إليهم من يقوم بتهذيبهم وإعادتهم إلى جادة الصواب.

لكن الذي لا يفهم دوافع ذلك المفتش قد يتهمه بالجور والقسوة؛ فيزعم أنه اشتد على المدرسة الأولى بناء على قسوته وظلمه وجبروته، وأنه أحسن للمدرسة الثانية بناء على فقدانه للعدل، ولو أنه كان عادلا لتعامل مع الجميع بصفة واحدة.

وبعد أن توضح السورة الكريمة الدوافع التي دفعت لنشأة الكون، توضح الغاية التي يسير إليها، والتي تقوم الرحمة الإلهية بتسيير الخلق نحوها، وهي ما عبر عنه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

وهذه الآية الكريمة توضح أصلا مهما جدا، لا يمكن فهم حقائق المبدأ والمعاد من دونه، فأول الآية يدل على الغاية، وآخر الآية يدل على المنهج..

أما أول الآية، فهو [الحمد لله]، وهو غاية الكون، أي التعريف بكمال الله تعالى الذي لا نهاية له، وقد اختار الله من أسمائه للدلالة على هذا اسمه [الله]، وهو الجامع لجميع الأسماء الحسنى.. وبذلك فإن الغرض من الكون هو التعريف بأسماء الله الحسنى التي لا نهاية لها، والتواصل مع الله عبرها.

وأما الطريق إلى ذلك، أو المنهج المؤدي إليه، فقد تكفل به اسم [رب العالمين]، وهو اسم من أسماء الله الحسنى الدالة على الأفعال، وهو تجل لاسم الرحمن الدال على الذات، وهذا الاسم مشتق من التربية، وهي تعني ترقية الشيء من حال دنيا إلى حال عليا، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل) ([1]

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257]

والظلمات تشمل كل شيء ابتداء من الجهل وانتهاء بكل السلوكات المنحرفة التي لا تنسجم مع الموازين والنظام الذي يسير به الكون.

ولذلك فإن اسم [رب العالمين]، هو الاسم المتكفل بهداية العباد، ورفعهم من حالتهم البسيطة إلى حالة أرقى، وذلك ما يستدعي وضع برنامج خاص يمر به الإنسان على مجموعة كبيرة من الاختبارات، وعلى أساسها يكون الترقي.

وكمثال تقريبي لهذا ما تقوم به وزارات التربية، والتي تستلم الأولاد الصغار في مرحلة مبكرة من عمرهم، ثم تبدأ في تنفيذ برامجها، وتعقيدها كل حين، حتى يتخرج منها أكبر قدر من الناجحين، وهي عندما تعاقب بعضهم بالطرد لا تفعل ذلك إلا بناء على عدم اهتمامهم، أو تمردهم على النظام الذي تسير عليه تلك المؤسسات، أو خشية على المؤسسات التربوية من أن تصبح مؤسسات للمشاغبين بدل أن تكون مؤسسات لطلبة العلم.

ولهذا ذكر الله تعالى في الآية السابقة أن المؤمنين المسلمين والمستسلمين لله وقوانينه، سوف يخرجون من الظلمات إلى النور، بينما غيرهم، وهم الذين سلموا أنفسهم للمشاغبين والطواغيت، فإنهم سيسيرون سيرا عكسيا، بحيث لا يكتفون بالخروج عن فطرتهم النقية، وإنما قد يقعون في الانتكاسة العظمى التي تخرجهم من إنسانيتهم، وتوقعهم في المهالك.

ولكن الله تعالى برحمته التي وسعت كل شيء يعطي الفرص الكثيرة التي لا تنتهي لأولئك الذين آثروا الظلمات على النور لعلهم يخرجون منها؛ فإن آثروا البقاء فيها كان ذلك بسببهم، وليس قصورا من الرحمة الإلهية، ولذلك؛ فإن المشكلة ليست في سعة الرحمة الإلهية، وإنما في توفر القابلية لها..

وكمثال تقريبي على ذلك، أننا لا نرمي شخصا بالبخل إلا إذا شحت يده عما يتطلبه الكرم من الإحسان، لكنه إن فعل ذلك، ووفر الكثير من الخدمات للمحتاجين بكل سهولة ويسر.. لكن بعض المحتاجين لم يتقدم للاستفادة من تلك الخدمات.. فإن المشكلة هنا لا تكمن في المعطي، وإنما في مدلى قابلية المتلقي.

وهكذا الرحمة الإلهية.. بل كل المعاني النبيلة في الأسماء الحسنى، كالهداية واللطف والرزق وغيرها.. فالله تعالى وفرها، وبكثرة.. لكن المشكلة أن البعض لا يتعرض لها، ولذلك يحق له أن يتهم نفسه في عدم توفير القابلية، ولا يحق له أن يتهم الله تعالى.. أو بعبارة أخرى: يحق له أن يتهم أو يلوم أو يحاسب نفسه في عدم سعيه إليها، ولا يحق له أن يتهم الله تعالى في حرمانه منها.

وبناء على هذا وضع الله تعالى المراتب المختلفة في دار الجزاء، ليتنقل أصحابها من طور إلى طور بحسب استعدادهم وقابلياتهم واختياراتهم.

وقد وضحت سورة الفاتحة المراتب الكبرى للخلق في هذا المجال، حيث ذكرت أربعة أصناف:

الصنف الأول: المنعم عليهم، الممثلون للسراط المستقيم، والذين طولب الخلق بالاهتداء بهم واعتبارهم النموذج المثالي للإنسان، كما يريده الله، كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6، 7]

وهم يمثلون بحسب المثال السابق، النخبة من التلاميذ الناجحين، والذي يتاح لهم في الدول العادلة كل المناصب الرفيعة، بما فيها الحكم نفسه.

الصنف الثاني: السائرون على منهاج المنعم عليهم مع التقصير في الوصول إلى مراتبهم، ويمثلهم في سورة الفاتحة الداعون أنفسهم، والذين يطلبون من الله تعالى أن يرقيهم إلى المراتب التي وصل إليها الفائزون، وبذلك هم يطلبون من الله تعالى المزيد من التربية والإصلاح والهداية، أو المزيد من الترقي في مراتب الكمال.

الصنف الثالث: المغضوب عليهم، وهم أولئك المشاغبون المجرمون الذين لم يكتفوا بالانحراف، وإنما راحوا يدعون الخلق إليه، بكل كبرياء وطغيان، وهم الذين يعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم أئمة الكفر.

الصنف الرابع: وهم الذين ضلوا، فتركوا الاهتداء بالمنعم عليهم، وراحوا يتبعون المغضوب عليهم.

بناء على هذا التصنيف انقسمت الأحكام في دار الجزاء الإلهي إلى أربعة مراتب هي:

مرتبة الفائزين: وهم الذين ورد في النصوص المقدسة اعتبارهم النخبة، والهدف من الخلق، وأنهم يسكنون الدرجات العليا في الجنة، وقد يصيرون أساتذة على من دونهم من أهل الجنة، ليقوموا بترقيتهم وتربيتهم وهدايتهم.. لتحقيق ذلك الدعاء الذي يدعو فيه المؤمنون بأن يهتدوا بهدي المنعم عليهم.

مرتبة المهتدين: وهم الذين حصلوا الحد الأدنى من الهداية، والذي يمكنهم من الدخول إلى الجنة، ولكن في مراتبها الدنيا، ويمكنهم أن يترقوا في درجاتهم فيها بحسب قابلياتهم المختلفة.

مرتبة الضالين: وهم الذين تركوا الهداية الإلهية في الدنيا، أو قصروا في التعامل معها؛ فهؤلاء يطهرون في كل المحال ابتداء من البرزخ، وانتهاء بدار الجزاء.. ومن تطهر منهم تطهرا تاما، تمكن من دخول الجنة، لتستمر تربيته فيها.

مرتبة المغضوب عليهم: وهم الذين لم يمتنعوا من قبول الهداية بسبب الشبه التي وقعوا فيها، وإنما بسبب الكبرياء الذي طغا على قلوبهم، ولذلك راحوا يؤدون دورا معارضا للهداية الإلهية، وربما يكونون قد جروا معهم الكثير من الأتباع والضالين.. ولهذا فإن عقوبة هؤلاء أشد، وقد تؤول ـ مثلما يحكم على كبار المجرمين في الدنيا ـ إلى الحكم المؤبد..

وهذه الأقسام جميعا تتعامل معها الربوبية بحسب ما تستحقه؛ فالعقاب الإلهي في الآخرة ليس القصد منه التشفي، وإنما القصد منه التربية والترقية وتنقية القلوب من الدنس، ولذلك من الخلق من يستجيب بسهولة.. ومنهم من قد لا يستجيب أبدا.. ولذلك كان البقاء في جهنم بحسب تلك القابلية.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن ربوبية الله تعالى لعباده، ورحمته بهم، وعدالته في وضع المراتب المفرقة بينهم، اقتضت مجموعة من السنن والقوانين هي التي يقوم عليها التكليف والجزاء، وهي قوانين متوافقة مع أسماء الله الحسنى؛ ولذلك كانت كلها رحمة ولطف وعدالة..

والعلم بتلك القوانين يحمي النفس من تلك الوساوس التي تبثها الشياطين، والتي قد توهمها بعدم عدالة الله، أو عدم رحمته، أو تصور لها ذلك بصورة لا تتناسب مع الكمال الإلهي.

ولأختصر لك ذلك([2]) ـ أيها المريد الصادق ـ أذكر لك ستة قوانين يقوم عليها التكليف والجزاء، وهي التي تجعله منسجما مع العدالة والرحمة والربوبية.

أما أول تلك القوانين؛ فهو أن الله تعالى جعل كل مكلف في أصل خلقته نقيا طاهرا بحيث لا تؤثر الجبلة التي ولد عليها في نوع اختياره، لأنه لو ولد شريرا مفسدا، فإنه قد لا يفطن حال بلوغه سن التمييز إلى حقيقة الخير الذي أودع فيه.

وذلك يشبه الممتحن في أي امتحان نزيه، والذي يحضر معه أوراقا بيضاء نقية ليجيب عليها، لأنه لا يمكنه أن يجيب على أوراق مملوءة قد لا يجد مكانا فيها لوضع إجابته، أو قد تختلط فيها إجابته بما كُتب سابقا في تلك الأوراق.

فكذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ خلق الله البشر في أصل جبلتهم صفحات بيضاء، مستعدة لكل أعباء التكليف ومهماته، ليملؤوا بعد ذلك هذه الصفحات البيضاء بما يختارونه من إجابات.

وكون البشر على هذه الصورة من القضايا المسلمة عقلا؛ فلا خلاف بين شعوب الأرض في براءة الطفولة، وفي استعدادها لكل أنواع التلقي، ولذلك اتفقت هذه الشعوب على اختيار هذا العمر للتوجيه العلمي والتربوي الذي تبنى عليه جميع حياة الصبي.

وقد دلت النصوص المقدسة على ما دل عليه العقل، بل اعتبرت النصوص ذلك من مظاهر عدل الله ورحمته بعباده؛ فقد سمى الله تعالى هذه الجبلة الأصلية الطيبة البسيطة التي جبل عليها الإنسان باسم الفطرة، وهي تدل على ما جبل عليه الإنسان من استعداد للخير، والذي قد يتحول بالتحريف إلى الشر، قال تعالى:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30)

ففي الآية الكريمة إشارة إلى أن الفطرة الأصلية مستعدة للخير استعدادا جبليا، وأن التغيير الطارئ عليها ليس ناشئا من طبيعتها الخلقية، وإنما نشأ من مؤثرات خارجية اقتضاها التكليف.

وفطرة الإنسان في ذلك تشبه فطر الأشياء المختلفة، فالله تعالى ـ مثلا ـ خلق الماء طاهراً مطهراً، فلو ترك على حالته التى خلقه الله عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يزل طاهراً، ولكنه بمخالطة المؤثرات الخارجية من الأنجاس والأقذار تتغير أوصافه ويخرج عن الخلقة التى خلق عليها.

وأما القانون الثاني من قوانين التكليف والجزاء، فهو أن الله تعالى بعدله ورحمته وربوبيته وهب للمكلف من الأدوات والوسائل ما يستطيع به أن يقاوم العقبات التي تعترض طريق تكليفه، فليس من العدالة أن يرمى بالجندي الأعزل في ساحات المعارك الهوجاء من دون سلاح.

ويشير إلى هذا قوله تعالى ـ بعد ذكره إرادته في جعل الإنسان خليفة على الأرض ـ:﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:31)، وهذا يدل على أن الله تعالى وفر لآدم عليه السلام من العلم ما يستطيع أن يؤدي به مهمة الخلافة.

وذلك العلم الذي تلقاه آدم عليه السلام هو الذي ورثته ذريته من بعده؛ ولم يكتف الله تعالى بذلك التوريث الذي قد يدخل فيه من التحريف ما ينحرف به مسار الإنسان، بل زوده بمعلمين دائمين للأسماء والحقائق، ولهذا قال تعالى لآدم عليه السلام بعد نزوله إلى الأرض:﴿ اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38)

ولذلك أخبر الله تعالى أنه لم يخل القرى من الأنبياء والرسل المقومين لأقوامهم والمعرفين بالفطرة الأصلية، والمعلمين للأسماء، والهادين إلى الإجابات الصحيحة على اختبارات التكليف، قال تعالى:﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر:24)، وقال:﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل:36)

فهاتان الآيتان الكريمتان تدلاَّن على أن كل الأمم السابقة أرسل الله لها من ينذرها، ويعرفها بوظيفتها، وبمقتضيات هذه الوظيفة، ولذلك نبه من قد يتصور أن الأنبياء مقصورون على ما ورد ذكرهم في القرآن الكريم إلى وجود غيرهم، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: 78)

ولذلك، كان من الأخطاء الشائعة الكبرى اعتقاد النبوة خاصة بمناطق معينة كالشام والحجاز ونحوها، بل إن النبوة تشمل الأرض جميعا، ولكن القرى لم تلق بالا لهؤلاء الأنبياء، فلذلك نسوا، وأهمل ذكرهم، أو حرفت تعاليمهم.

ولذلك كان من عدل الله ورحمته بخلقه أن لا يحاسبهم إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى:﴿ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (الأنعام:131) أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم وما عذبنا أحد إلا بعد إرسال الرسل إليهم.

وأما القانون الثالث من قوانين التكليف والجزاء، فهو أن الله تعالى برحمته جعل التكاليف متناسبة مع الطاقات المعطاة، والمؤهلات المختلفة لكل مكلف؛ فليس من العدل أن يكلف المكلف فوق ما تحتمله طبيعته التي طبع عليها أو الظرف الذي وجد فيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى:﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ (المائدة: 48)

وقال جامعا بين الخلافة والبلاء:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام:165)

ولهذا تقترن العبادات بالاستطاعة، بل إن الله تعالى برحمته نوع التكاليف لينال كل امرئ ما يتناسب مع وضعه وطبيعته وحاله، فلا يميز الإنسان إلا بحسب عمله.

بل إن الله تعالى عوض من لا يستطيع عملا من الأعمال بأعمال أخرى يمكنه من خلالها أن يتدارك ما فاته، ومما يقرب هذا المعنى ما روي في الحديث أن ناسا من الفقراء قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة([3]). فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث أرشد الفقراء إلى ما يمكنهم فعله ليعوضهم عن الصدقات التي لا يملكون إخراجا.

ومما يقربه كذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من صلى الصبح في مسجد جماعة، ثم مكث حتى يسبح سبحة الضحى، كان له كأجر حاج، ومعتمر تام له حجته وعمرته)([4])، ففي هذا الحديث أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لا يستطيع الحج بشيء سهل يمكنه أن ينال من خلاله ثواب الحج.

بل إن الله تعالى برحمته يكتب للإنسان نية الخير التي ينويها، وإن لم يفعلها في الواقع، وقد ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول:(الحسنة بعشر والسيئة بواحده أو اغفرها ومن لقيني بقراب الارض خطيئه لا يشرك بى لقيته بقراب الارض مغفرة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شئ ومن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا) ([5])

بل إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تقسيمه لأصناف الناس اعتبر هذه الناحية، فقال:(مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، وهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما ولا مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، فهما في الوزر سواء) ([6]

وبذلك.. فإن أي شخص حتى ولو كان مقعدا يمكنه أن ينال من الفضل والجزاء ما ينال أي عامل مهما أوتي من قوة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في بعض الغزوات:(لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه)، فتعجبوا، وقالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبينا أن السير إلى الله قد لا يحتاج أي جارحة من الجوارح:(حبسهم العذر)([7]

وأما القانون الرابع من قوانين التكليف والجزاء، فهو قانون المساواة؛ فالله تعالى يعامل عباده معاملة واحدة، ويجازى كل شخص بحسب عمله، وبدقة عالية لا يمكن تصورها.

ولهذا ورد في القرآن الكريم الآيات الكثيرة الدالة على أن العدل سار في الموازين التي توزن بها الأعمال، فلا يظلم أحد مثقال ذرة، قال تعالى:﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء:47)

وهذه الموازين تعتمد على الأعمال التي أحصاها الله تعالى على عباده، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة، قال تعالى في موعظة لقمان عليه السلام لابنه:﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:16)

وقد أخبر تعالى عن مقالة المكلفين حين يبصرون دقة موازين الله، فقال:﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (الكهف:49)

ولذلك فإن الإنسان يرى في القيامة كل ما كسبت يداه ابتداء من مثاقيل الذر، وهذا من العدل الذي يجعل المتهم مبصرا لجرائمه وذنوبه التي يحاكم على أساسها، قال تعالى:﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7 ـ 8)

وقد أخبر تعالى أن ثقل هذه الموازين بالأعمال الطيبة هو الكفيل بالنجاة، قال تعالى:﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:8)، وقال تعالى:﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المؤمنون:102)

وبخلافه من خفت موازينه، قال تعالى:﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف:9)، وقال تعالى:﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:103)

ومن مظاهر العدل الإلهي التي لا يمكن وصفها أن الله تعالى لا يزن الأعمال فقط، كما نفعل في الدنيا حين نكتفي بتقييم الأعمال دون نظر إلى ما يحيط بها من ملابسات، فنقع بذلك في أخطاء كثيرة وجور عظيم، لكن الله ـ بعدله ـ يزن العمل، وكل ما يرتبط بالعمل من قريب أو من بعيد، ولهذا ورد التعبير عن الميزان في القرآن الكريم بلفظ الجمع.

وأما القانون الخامس من قوانين التكليف والجزاء، فهو أن الله تعالى لا يجازي عباده إلا بعد محاكمة عادلة تتسم بكل ما تتسم به المحاكمة العادلة من أوصاف.. بل لا يمكن لأي محكمة أن تتسم بما تتسم به محكمة العدل الإلهي.

فمع أن الله تعالى يعلم ما فعله عباده من خير أو شر، إلا أنه تعالى ـ عدلا منه ـ لا يحاسبهم بمجرد علمه، بل يحاسبهم كما يحاسب الند نده، وذلك من عدل الله ورحمته بعباده.

وأول ما تستند إليه هذه المحاكمة العادلة هي الكتب التي كتبها الملائكة ـ عليهم السلام ـ بتوكيل من الله تعالى..

فالله تعالى بحكمته وعدله جعل مع كل إنسان شهودا على أعماله، وجعل لهم سجلات خاصة تتناسب مع طبيعتهم يسجلون فيها حركات الإنسان، وأعماله، ولهذا سماهم الله تعالى (كراماً كاتبين)، فقال تعالى:﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار:10 ـ12)

وقد سمى الله تعالى هؤلاء الملكة الكتبة شهودا، فقال:﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (قّ:21)

ومع أن الكتابة تحصي كل ما فعله الإنسان من خير أو شر أو لغو، لكن الله تعالى لم يكتف بها في تلك المحاكمة العادلة، بل ضم إليها أنواع الشهود.

وقد ورد في النصوص الجمع بين الكتب المحصية للأعمال والشهود، أو التهم والدلائل، حتى لا يؤاخذ العبد إلا بعد إقامة الحجة الكاملة عليه، قال تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الزمر:69)

فالآية الكريمة ذكرت ثلاثة أركان للعدالة، وهي الكتاب الحاوي للتهم، والشهود المثبتة لها، ثم القضاء بينهم بالحق حتى لا يؤاخذ العبد إلا بمقدار جريمته.

وبعد كل هذا، فإن الله تعالى ـ بعدله ـ يتيح كل الفرص للإنسان للدفاع عن نفسه، حتى أن له الحق في الطعن في الشهود أنفسهم، حتى لو كانوا ذوي مكانة عالية، ففي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلَّغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، قال فذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ (البقرة: 143) قال: والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم)([8]

وكما أن المحاكمة العادلة تقتضي توفر المحامين الذين يدافعون عن المتهم، فإن الله تعالى بعدله نصب المحامين الكثيرين من عباده، والذين سماهم الشفعاء.

ولكن هؤلاء الشفعاء لا يشفعون إلا فيمن رضي الله أن يشفع فيه، فهناك من الجرائم ما لا يملك معه هؤلاء الشفعاء شيئا، قال تعالى:﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (طه:109)، وقال:﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ: 23)، وقال:﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف:86)

وأما القانون السادس من قوانين التكليف والجزاء، فهو أن الجزاء الإلهي متوافق تماما مع نوع العمل، كما قال تعالى:﴿ جَزَاءً وِفَاقاً ﴾ (النبأ:26)، أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا ([9])

بل إن النصوص الكثيرة تدل على أن الجزاء المعد في الآخرة هو الصورة المجسدة للكسب، كما قال تعالى:﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (الأنعام:31)

وقد ورد في بعض الآثار في تفسير هذه الآية:(يستقبل الكافر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رأيتها أنتنه ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني؟ فيقول: لا واللّه، إلاّ أنَّ اللّه قبح وجهك وأنتن ريحك، فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك)([10])

وإلى ذلك أيضا يشير قوله تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران:161)

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لرجل استعمله على الصدقة، فجاء فقال:(هذا لكم وهذا أهدي لي)، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فقال:(ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر؟؟، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ ثلاثاً([11]

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة محتقرين ممتلئين ذلة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الانيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)([12]

ولذلك وردت آيات القرآن الكريم تربط بين أصناف الجزاء والأعمال المتعلقة بها، سواء كان ذلك الجزاء في الدنيا أو الآخرة.

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تملأ نفسك بهذه المعاني؛ فهي وحدها من يملؤها ثقة بالله وعدله ورحمته ولطفه بعباده..

وذلك ما يجعلك تتعامل مع التكاليف الإلهية بحسب الواقع لا بحسب الأماني والأوهام؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 123]

فاحذر أن تكون من أولئك الكسالى المقعدين الممتلئين بكل الرذائل، ثم يطالبون بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يشفع لهم، باعتبارهم من أمته، ونسوا أن أمته الحقيقية هم أتباعه الذين تمثلوا القيم التي جاء بها، أما غيرهم، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن مصيرهم، وتبرؤهم منهم، فقال: (ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم؛ فيقال إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا) ([13])


([1]) رواه البخاري رقم: 1410.

([2]) شرحنا ذلك بتفصيل في كتاب: أسرار الأقدار.

([3]) رواه مسلم.

([4]) رواه الطبراني في الكبير وغيره.

([5]) رواه الطبراني في الكبير وغيره.

([6]) رواه أحمد وهناد وابن ماجة والبيهقي والطبراني في الكبير.

([7]) رواه أبو داود وغيره.

([8]) رواه البخاري والترمذي والنسائي.

([9]) قاله مجاهد، وقتادة، وغير واحد، ابن كثير:8/307.

([10]) رواه ابن أبي حاتم.

([11]) رواه الطبراني في الكبير وغيره.

([12]) رواه أحمد والترمذي.

([13]) رواه مسلم (367)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *