التسليم والمدافعة

التسليم والمدافعة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الموقف من الأقدار، وهل هو التسليم المطلق لها، أم أنه يمكن مدافعتها ومنازعتها، وعن علاقة ذلك بطمأنينة النفس ورضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن للتعامل الشرعي مع الأقدار ـ بحسب ما تدل عليه النصوص المقدسة ـ موقفان: موقف لا ينبغي لك أن تتعامل معه إلا بالتسليم والرضا، وموقف لا ينبغي لك أن تتعامل معه إلا بالمدافعة والمنازعة.

أما الموقف الأول، وهو الذي أمرت فيه بالتسليم له تسليما مطلقا، وعدم منازعته في شيء، فهو القدر الذي ليس لك فيه أي اختيار، لأن منازعته لا دور لها إلا تحطيم قلبك، من غير أن يكون لها أي تأثير عملي، وهو ما أشار إليه قوله تعالى:﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ (الحديد:22)، ثم قال بعدها:﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ (الحديد:23)

أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تيأسوا على ما فاتكم ولا تفخروا على الناس بما أنعم اللّه به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا بكدكم، وإنما هو عن قدر اللّه ورزقه لكم.

فكلا الأمرين مما ذكرته الآية الكريمة يحول بين الإنسان والعمل الصالح الجاد، فالأول هو الوهن الذي يسببه تحمل جميع أثقال الماضي، والثاني هو البطر الذي يسببه الفرح بالحاضر، والتسليم للقدر يقي من كليهما.. فإذا وقي الإنسان من كليهما توجه بكليته للعمل الجاد المثمر الذي أتيح له التحكم فيه.

ولذلك، فإن الذين ينكرون على المؤمنين ما طبعوا عليه من تسليم الأمر لله في مثل هذا لا يفعلون شيئا في الحقيقة سوى رميهم في أتون الإحباط أو البطر الذي يجعلهم مستعبدين لذواتهم، بعيدين عن ربهم، ومن ثم بعيدين عن كل عمل إيجابي.

وبذلك فإن هذا النوع من التعامل مع أقدار الله، يتضمن دعوة إلى العمل والاجتهاد، لأن أكبر ما يُقعد الإنسان عن العمل الجاد الماضي بآلامه والمستقبل بمخاوفه؛ فإذا سلم المؤمن أمرهما لله، انشغل بما ينفعه في حاضره، وبذلك يحمي مستقبله، وقد يصحح ماضيه.

وأما الموقف الثاني، فهو الذي أمرت بمنازعته ومدافعته، وهو ما يتعلق بالجوانب الاختيارية، والتي لك فيها الإرادة المطلقة..

ومن الأمثلة القرآنية لذلك ما ذكره عن أولئك المستضعفين الذين رضوا بأن يسكنوا بين الظالمين والمستبدين، من غير أن يفكروا، لا في الثورة عليهم، ولا في الخروج من بين أيديهم، والتخلص من هيمنتهم، فقد عاتبهم الله على ذلك، بل اعتبرهم من الظالمين، لأنهم سلموا للواقع الذي وجدوا فيه، ولم يفكروا في الثورة عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:97)

وقد تحقق هذا المعنى بمنتهى كماله في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل أدل مثال على ذلك ما وقع منه في غزوة بدر، فقد أراه الله مصارع المشركين حتى أنه أخذ يريها لأصحابه([1]). ومع ذلك لم يكف عن الإلحاح على ربه في الدعاء.

وقد روي عن الإمام علي أنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح([2])

وفي يوم المعركة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكف عن الدعاء، مع يقينه بنصر الله، فعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة يوم بدر: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لاتعبد بعد اليوم)([3])

ولتفقه هذا ـ أيها المريد الصادق ـ وسره؛ فإن عليك أن تعرف أن الأقدار الإلهية نوعان:

المقادير الأبدية:

أما النوع الأول، فهو المقادير الأبدية المستمدة من علم الله وخبرته بالأشياء قبل وجودها، فالله تعالى يعلم كل شيء، وفي كل الأحوال، ولا يحتاج لتحقق الشيء حتى يعلمه، بل هو يعلم ما كان وما يكون أزلا وأبدا، ولو أنه لم يكن كذلك لكان علمه مفتقرا لخلقه، والله غني عن الفقر بكل وجوهه.

وهذا النوع من المقادير لا تغيير فيها ولا تبديل، والكتب التي تضمنها كتب وصفية لما يحدث، أو تدبيرية لما يحدث، وهي مما استأثر الله بعلمه، وقد يطلع على بعضه من شاء من خلقه.

وقد سمى الله تعالى الكتاب الحاوي لهذا النوع من المقادير [أم الكتاب]، فقال: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد:39)، وهي تدل في اللغة تدل على الأصل الذي يُرجع إليه، فالعرب تسمي كل جامع أمراً أو مقدم لأمر (أُمّاً)، ولهذا سميت الفاتحة أم الكتاب، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم عنها:(الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى)([4]

وسميت الآيات المحكمات التي لا تغيير فيها ولا تبديل، والتي يرجع إليها عند الاشتباه أم الكتاب، كما قال تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:7)، فالمراد بأم الكتاب هنا أصله الذي يرجع إليه عند الإشتباه.

وسمى الله تعالى هذا النوع من المقادير أيضا بـ [الإمام المبين]، كما قال تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ (يّـس:12) أي جميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط هو الإمام المبين.

والإمام في التعبير الشرعي يراد به المتبوع والأصل الذي يرجع إليه غيره، كما قال تعالى:﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (القصص:41)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كنت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الاصنام والانصاب إلا يتساقطون في النار حتى لم يبق إلا من يعبد الله من بر وفاجر)([5]

ومن أسمائه أيضا [اللوح المحفوظ]، كما قال تعالى:﴿ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ (البروج:22)

ومن أسمائه [الكتاب المكنون]، كما قال تعالى:﴿ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾ (الواقعة:78)

وهذه الأسماء المختلفة لهذا النوع من المقادير ليست اعتباطية، وإنما تدل على الخصائص الكبرى المرتبطة بهذا النوع من المقادير، وهي ثلاث خصائص: الشمولية، والحفظ، والستر، ومعرفتك ـ أيها المريد الصادق ـ لها هو الذي يجعلك تسلم لها تسليما مطلقا، وتفرق بينها وبين ما أمرت بمنازعته ومدافعته.

أما خاصيتها الأولى، وهي الشمولية، فهي تعني اشتمال تلك المقادير، أو الكتب المخصصة لها على كل التفاصيل المرتبطة بالكون، كما قال تعالى:﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام:38) أي أن الله تعالى أثبت في اللوح المحفوظ كل ما يقع من الحوادث.

وقد ذكر الله تعالى التفاصيل الكثيرة الدالة على كتابة الله للصغير والكبير من أحداث الكون، قال تعالى:﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59)، فأخبر تعالى أنه سجل حركة الأشجار وغيرها من الجمادات في هذا الكتاب.

وأخبر تعالى أن كل ما يحدث في الكون من أنواع المصائب مسجل في هذا الكتاب، قال تعالى:﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (الحديد:22)

وأخبر أنه لا تموت نفس إلا وعند الله علمها، وأنه سجلها في ذلك الكتاب، قال تعالى:﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (قّ:4)

وأخبر أن هذا الكتاب هو الذي تحدث الأشياء كل الأشياء وفقه، قال تعالى:﴿ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:68)

وأخبر عن مقالة موسى عندما سأله فرعون عن حال القرون الأولى، فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (طـه:52)

بل نص على أن كل شيء مسجل في هذا الكتاب تسجيلا واضحا بينا، فقال ﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل:75)

وأخبر تعالى عما يحويه هذا الكتاب من تفاصيل حياة الإنسان وأعماله، فقال:﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس:61)

وأخبر عن احتواء هذا الكتاب على أعمار الإنسان، قال تعالى:﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (فاطر: 11)

وكتابة المقادير بهذه الصفة ـ أيها المريد الصادق ـ لا يصح الاحتجاج بها على ترك العمل، لأن الله تعالى كما كتب الأجزية كتب الأعمال، بل رتب الجزاء على العمل، فلذلك إن قعد قاعد، وقال:(إن كنت من أهل الجنة، فلماذا أعمل؟ وإن كنت من أهل النار، فلماذا أتعب نفسي)، فإن هذا يقال له: إن الله كتب لك أن تجوع ثم كتب أن تأكل، ثم كتب لك أن تشبع بعد أكلك، فإذا جعت، فلا تأكل، وقل: إن كان الله قد قدر لي أن أشبع، فما حاجتي لتكلف الأكل.

ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين هذه الحقائق الكبرى وبين العمل، فقد روي في الحديث أن غلامين شابين سألا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: يا رسول الله، أنعمل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَتْ به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير) قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له)

وقد كان هذا القول محفزا لهذين الشابين، فقالا:(فالآن نجد ونعمل)([6]

ولذلك، فإن كتابة هذه المقادير لا يفهم منها المؤمن ما يفهمه المجادلون، بل يراها دليلا على كمال الله وغناه المطلق وعلمه الواسع، وهي مع ذلك تحمل كل العدل والرحمة والحكمة.

وأما خاصيتها الثانية، فهي [الحفظ] ولذلك يسمى الكتاب الذي سجلت فيه [اللوح المحفوظ]، أي أنه محفوظ من التغيير والتبديل، فلا يغير ما فيه ولا يبدل، فقد سجل فيه تعالى بقلم القدرة الإلهية ما سيحصل في الكون من الأحداث التي لا تبدل ولا تغير، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وهذا الكتاب يشبه آيات القرآن الكريم المحكمة التي لا يمكن أن تتعرض بحال من الأحوال للنسخ، ولذلك أخبر تعالى أنه لا تبديل لكلمات الله، قال تعالى:﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس:64)

وقال تعالى مخاطبا الإنسي وقرينه من الجن عندما يختصمان بين يديه: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (قّ:28 ـ 29)

وهو نفس ما قال تعالى في آيات القرآن الكريم، قال تعالى:﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام:115)، وقال:﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (الكهف:27)

فهذا الكتاب يحوي المقادير في صورتها النهائية المفصلة، التي لا تغيير فيها ولا تبديل لأنها ترجع إلى علم الله بالأشياء، والعلم لا يتغير.

وأما خاصيتها الثالثة، فهي [الستر]، وهو ما يدل عليه اسم(الكتاب المكنون)، فالمكنون في اللغة هو المصون المستور، وهذا ما تدل عليه النصوص الدالة على اختصاص الله بعلم الغيب، فلو كان هذا الكتاب غير مكنون لأمكن الاطلاع على موعد الساعة والحقائق الغيبية الكثيرة.

ولهذا يخبرنا الله تعالى أنه وحده المستأثر بعلم الغيب، وأن هذا الكتاب المكنون الذي هو فيض من فيوضات علم الله سر من أسرار الله، قال تعالى:﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل:65)، وقال:﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ (الجـن:26)

ولهذا يرد في القرآن الكريم وصف الله تعالى بكونه عالما للغيب والشهادة، قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد:9)، وقال:﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون:92)، وقال:﴿ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (السجدة:6)، وقال:﴿ هُوَ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (الحشر:22)

وأخبر تعالى أنه لا يطلع على غيبه أحدا، فقال: ﴿ مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:179)

ورد على من تألى على الله، فزعم أنه يمكن أن ينال بجهده ما لم يقدره الله له، فقال: ﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ (مريم: 77) بقوله تعالى:﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ (مريم:78)، أي أعلم ماله في الآخرة، حتى تألى وحلف على ذلك، أم له عند اللّه عهد سيؤتيه ذلك؟

بل تردد في القرآن الكريم الأمر بإخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم علمه بالغيب، قال تعالى:﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50)

ومثل ذلك أمره تعالى بالاستدلال على ذلك بأنه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وما مسه السوء، قال تعالى:﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:188)

ومثله أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن رسالته لا تعني اطلاعه على الغيب، قال تعالى:﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:31)

ولكن مع ذلك قد يطلع الله تعالى بفضله ورحمته بعض خلقه على بعض شؤون الغيب مما تتعلق به مصالح العباد، ولحكم قد تقتضي ذلك، ولهذا ورد الاستثناء بعد قوله تعالى:﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ (الجـن:26) بقوله:﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجـن:27)، وقال:﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255)

وقد أخبرنا الله تعالى عن بعض من خصوا ببعض علم الغيب، ومنهم الخضر عليه السلام الذي قال تعالى عن نوع العلم الذي أوتيه:﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف:65)

ومن هذا الباب ما أطلع الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من عالم الغيب مما ترتبط به مصالح دينه وأمته، سواء تعلقت بالماضي أو تعلقت بالمستقبل:

أما ما تعلق منها بالماضي، فمنه تلك الإخبارات الغيبية الواردة في القرآن الكريم، والتي لم يكن ليعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا إعلام الله، قال تعالى:﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود:49)، وقال:﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف:102)، وقال:﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمران:44)

ومن هذا الإطلاع ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته من النبوءات الغيبية، والمقصد منها إثبات نبوته لكل الأجيال من جهة، وتنبيه أمته لما تفعله عند نزول تلك الفتن من جهة أخرى.

لكن هذا النوع من الغيب الذي يطلع الله تعالى عليه بعض خلقه لبعض الحاجات علم محدود مرتبط بالتدابير التي تتطلب الاطلاع على هذا الغيب، أما ما عدا ذلك فهو مما استأثر الله بعلمه.

وقد عبر القرآن الكريم عن بعض هذا المستأثر بعلمه بكونه (مفاتيح الغيب)، فقال تعالى:﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:59)

وكل هذه المعاني ـ أيها المريد الصادق ـ تملأ المؤمن بالرضا والتسليم لله، وفي نفس الوقت تملؤه بالحركة الإيجابية نحو كل الأعمال الصالحة، ذلك أنه لا يهتم بما حجب عنه من الغيوب، وإنما يهتم بإصلاح ما في نفسه من العيوب، كما قال بعض الحكماء: (تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب)

ولهذا وصف الله تعالى المؤمنين بالإشفاق من الآخرة، فقال تعالى:﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ (الانبياء:49)

بينما يستعجل بها الجاهلون بها، قال تعالى مقارنا بين النظرتين:﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (الشورى:18)

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يسأل من طلب معرفة موعد الساعة عن مدى استعداده لها، وقد روي أن رجلا دخل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الثالثة: ماذا أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنك مع من أحببت)([7]

ولهذا فإن المؤمن العارف بالله يفرح بغيب الله وشهادته، فيرى الغيب كما يرى أحدنا المفاجأة الجميلة تأتيه من أحب أحبابه، يستقبلها فرحا بمهديها.

المقادير المؤقتة:

أما النوع الثاني، فهو المقادير المؤقتة، وهي المقادير التي كلفت ـ أيها المريد الصادق ـ بمنازعتها ومدافعتها أو اختيار ما يتناسب منها مع مصالحك الشرعية في التزكية والترقية، وهي جميعا لا تخرج عن أقدار الله تعالى، ولا عن ما كتبه لك في الأزل.

وإلى هذا النوع من المقادير الإشارة بقوله تعالى:﴿ يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد:39)

وإليها الإشارة كذلك بالنصوص الواردة في منازعة الأقدار كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة)([8])

وقالصلى الله عليه وآله وسلم:(لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) ([9]

والتعرف على هذا النوع من الأقدار، ومنازعته، ومدافعته، هو الذي يحفظ المؤمن من الوقوع فيما وقع فيه الجبرية الذين سلموا وهنهم وكسلهم وقعودهم إلى المقادير، واتهموا الله تعالى، وبرؤوا أنفسهم، مثلما فعل المشركون عندما قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الله مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: 35]

أو مثلما فعل إبليس عندما رفض تلبية أمر الله تعالى، ثم أخبر أنه سبب غوايته، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الأعراف: 16]، وكان في إمكانه أن ينفذ أمر الله تعالى، ويقول: (فبما هديتني)، بدل [فبما أغويتني]

ولهذا قال الإمام الصادق: (ما بعث الله نبيا قط حتى يأخذ عليه ثلاثا: (الإقرار لله بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء)([10])

ومن أول خصائص هذا النوع من المقادير أنها [مقادير محتملة]، أي أنها ليست قطعية، بحيث تنزل بالعبد لا محالة، بل هي معرضة للنسخ والتبديل، بل إن الله تعالى وهب العبد قدرة على نسخها ومحوها وتبديلها.

ولا يستغرب هذا القول، فإن القرآن الكريم، وهو كتاب من كتب الله، أو هو نموذج من كتب الله يخبرنا عن وقوع النسخ([11])، أو التدرج، أو مخاطبة الإنسان على حسب حاله ودرجته، كما أخبر تعالى عن قول المسيح عليه السلام: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]

أما دور الإنسان وتأثيره في نسخ أحكام هذه الكتب ورفعها فقد وردت النصوص الكثيرة الدالة على ذلك، ومنها قوله تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ (المائدة:65)، فهذه الآية الكريمة تذكر تأثير الأعمال في جانب علاقة هؤلاء العباد بربهم تعالى.

ومن الجانب الآخر، وهو دور العبد في تقدير نزول الأرزاق عليه، أو رفعها قال تعالى:﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:96) أي أن أرزاق الله مفتوحة على العباد، ولكن العباد هم الواقفون دون نزولها.

ومثال هذا مثل من تفرض له جهة ما مبلغا محددا أو جائزة معينة، وتشترط عليه الحضور لتسلمها، ولكنه يظل راضيا بفقره شاكيا منه غافلا عما قدر له.

لذلك، فإن هذه المقادير المشتملة على مصالح العباد متوقفة على أعمال العباد؛ فمع أن الأعمار بآجالها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بما يزاد فيه العمر المقدر، فقال:(من سره أن يعظم الله رزقه، وأن يمد في أجله، فليصل رحمه)([12]

وعندما توهم بعضهم أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام:2)، رد عليه ابن عباس بقوله: (الأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني ـ يعني المسمى عنده ـ من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله؛ فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في البرزخ)

ولهذا ترد في القرآن الكريم الآيات الكثيرة الدالة على أن مصير العباد يتغير، بسبب حسن أفعالهم أو سوئها، ومن ذلك قوله تعالى حاكيا عن نوح عليه السلام: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10-12]، فقد اعتبر نوح عليه السلام الاستغفار علة مؤثرة في نزول المطر، وكثرة الأموال والبنين، وجريان الأنهار.

وهكذا أخبر القرآن الكريم على أن للأعمال السيئة تأثيرها في المقادير، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 53]

ومن هذا الباب يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تربط الجزاء بالعمل.

ولهذه المعاني تأثيرها النفسي والسلوكي العظيم، وقد عبر عن ذلك بعض الحكماء، فقال: (الاعتقاد بالمحو والإثبات، وأن العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله، لا بد من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهر، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه، فتشريع البداء، مثل تشريع قبول التوبة، والشفاعة، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، كلها لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة، حتى لا ييأسوا من روح الله، ولا يتولوا بتصور أنهم من الأشقياء وأهل النار قدرا، وأنه لا فائدة من السعي والعمل، فلعلم الإنسان أنه سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحو والإثبات، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية، لأن العبد لو تاب، وعمل بالفرائض، وتمسك بالعروة الوثقى، فإنه يخرج من سلك الأشقياء، ويدخل في صنف السعداء، وبالعكس.. وهكذا فإن كل ما قدر في حقه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء، والصدقة، وصلة الرحم، وإكرام الوالدين، وغير ذلك، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بث الأمل في قلب الإنسان، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته)([13]

ولهذا ورد عن أئمة الهدى الدعوة إلى هذا النوع من المعارف، والرد على أولئك الجبرية الذين حولوا الدين أفيونا ومخدرا باسم الإيمان بالقضاء والقدر، وقد روي عن الإمامين الباقر والصادق أنهما قالا: (ما عبد الله عز وجل بشئ مثل البداء)([14]

وروى عن الصادق أنه قال: (لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه)([15]

وقال: (ما عظم الله عز وجل بمثل البداء)([16])، وقد علق على قوله هذا بعض الحكماء، فقال: (إذ لولا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عرف الله حق المعرفة، بل ويبدو سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنه مكتوف الأيدي، لا يقدر على تغيير ما قدره، ولا محو ما أثبته) ([17])، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]

ومما يروى في هذا عن ابن مسعود أنه كان يقول (ما دعا عبد قط بهذه الدعوات، إلا وسع الله له في معيشته: يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيدا، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما مقترا علي رزقي، فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت: ﴿ يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد:39)([18]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بهذه المعارف الجليلة؛ فلا تخلط الأمور ببعضها، فتجتنب العدل، وتقع في الظلم، بل تعامل مع الله تعالى بحسب ما أمرك أن تتعامل به، بعيدا عن الهوى والتقلبات والوساوس.


([1]) رواه مسلم وغيره.

([2]) رواه أبو يعلى والبيهقي في الدلائل.

([3]) رواه البخاري والنسائي.

([4]) رواه أبو داود والترمذي.

([5]) رواه البخاري ومسلم.

([6]) تفسير الطبري (30/144)

([7]) رواه ابن خزيمة وأحمد والنسائي والبيهقي.

([8]) رواه ابن عدي والحاكم والخطيب.

([9]) رواه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبي يعلى وابن منيع والطبراني.

([10]) بحار الأنوار: 4/108، والمحاسن.

([11]) النسخ الذي نريده هنا هو نسخ القرآن الكريم للكثير من الأحكام الواردة في الكتب السابقة، أما كون القرآن يحوي ناسخا ومنسوخا، فهذا مما ننزه القرآن الكريم عنه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب [القرآن والأيدي الآثمة]، وغيره.

([12]) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

([13]) أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم، ص 447.

([14]) بحار الأنوار، 4: 107.

([15]) الكافي 1: 115.

([16]) التوحيد للصدوق، الحديث 2.

([17]) أضواء على عقائد الشيعة الإمامية وتاريخهم، ص 448.

([18]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في الدعاء.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *