الاصطفاء والاجتباء

الاصطفاء والاجتباء

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الاصطفاء والاجتباء وأسرارهما، وعلاقتهما بالعدالة والرحمة الإلهية، وعلاقتهما بعد ذلك بالنفس المطمئنة ورضاها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن الحكمة الإلهية المستندة إلى علم الله تعالى وخبرته بخلقه اقتضت ألا يكون الخلق جميعا على هيئة واحدة، وفي مرتبة واحدة، لأن ذلك يحول بينهم وبين الرحمة الخاصة بتقريبهم وتربيتهم وتهذيبهم ليصلحوا للترقي في المراتب المهيئة لهم.

ولذلك حصل الاصطفاء لبعضهم، ليؤدوا وظائف خاصة، لا ترتبط بهم فقط، وإنما ترتبط بكل من له علاقة بتلك الوظائف التي وُكلت لهم.

وأول ما يستند إليه ذلك الاصطفاء علم الله تعالى وخبرته بخلقه، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [القصص: 68]، وقد عقب عليها بقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: 69]، وذلك يعني أن علم الله تعالى بما في الصدور والطبائع هو الذي على أساسه يكون الاختبار.

ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124]؛ فالله تعالى يخبر أن علمه بخلقه هو الذي وفر ذلك الاصطفاء لمن يستحقونه.

ويشير إلى ذلك ما ورد في الحديث القدسي: (إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم ولو أصححته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إلا بالصحة ولو أسقمته لكفر)([1])

وهذه الحكمة الإلهية ـ كما تستند للعلم والخبرة الإلهية ـ تستند كذلك للعدالة والرحمة الإلهية، ذلك أنه يستحيل أن تتناقض مقتضيات أسماء الله الحسنى، وكيف تتناقض، وهي جميعا من ذات واحدة، أو صفات ذات واحدة.

أما استنادها للرحمة الإلهية؛ فيعود إلى أن الله تعالى ـ رحمة بعباده ـ يختار منهم من يكون أهلا لتربيتهم وتهذيبهم وتزكيتهم، حتى يصلحوا للجزاء العظيم المعد لهم، كما قال تعالى لآدم عليه السلام بعد خروجه من الجنة: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38، 39]، وقال له: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123، 124]

وهكذا قال لذريته من بعده: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف:35)

أما عدم اصطفاء الله تعالى الجميع لهذه الوظائف؛ فيعود لعلم الله تعالى بهم، وبقدراتهم، وكونهم لا يطيقون مثل تلك التكاليف العظيمة التي لا يطيقها إلا المكلفون بها، ولذلك كان عدم تكليفهم رحمة بهم، لأنهم لو كلفوا وسقطوا في الاختبار، لكان ذلك ضارا بهم.

ذلك أن الاصطفاء لا يعني انعدام التكليف، ولا كون المصطفى غير مخير في أفعاله، أو أنه مجبر على عمل الخير.. فالأمر ليس كذلك، بل المصطفى والمجتبى يمر بامتحانات عسيرة لا يطيقها أكثر الناس.

ولذلك أخبر الله تعالى عن الاختبارات العظيمة التي مر بها إبراهيم عليه السلام ليثبت جدارته بالاصطفاء الإلهي، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

وقد كان من تلك الاختبارات أن يأمره الله تعالى بذبح ابنه الوحيد الذي لم يرزق به إلا بعد أن بلغ من الكبر عتيا، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَله لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 99 – 102]

وقد اختبر قبل ذلك بأن يرمى بالمنجنيق من دون أن تتدخل الملائكة عليهم السلام ولا غيرهم لإنقاذه، حتى يكون ذلك بيانا لثباته العظيم.

واختبر بعد ذلك بأن يذهب بولده إلى صحراء مكة المكرمة، ليبقى هناك مع أمه مدة من الزمن، قال تعالى مخبرا عن دعائه حينها: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلهمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]

وهكذا كانت حياته كلها مجموعة كبيرة من الاختبارات المؤلمة القاسية الشديدة التي لا يطيق آحادها آحاد الناس، ولذلك كان من رحمة الله تعالى بهم عدم اصطفائهم لتولي ذلك المنصب العظيم.

ومثل ذلك البلاء الذي تعرض له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل حياته، والذي لم يدع له لحظة واحدة من الراحة، حتى أن أول الأوامر الإلهية إليه هو قيام الليل؛ فكان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم أكثره، ويقضي نهاره داعية إلى الله، لأن الله تعالى أمره بالأمرين: أن يكون ليله لربه، وأن يكون نهاره لدعوة الخلق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1، 2]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1، 2]

ولهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من سنن الله تعالى في الاصطفاء الابتلاء، قال تعالى: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئةٌ) ([2])

وهذا لا يعني ـ أيها المريد الصادق ـ عدم إعطاء الله تعالى الفرصة لأولئك الذين لم يُوظفوا في تلك الوظائف، وإنما الفرصة ممنوحة للجميع، وبدرجة واحدة، وفي كل العصور والبيئات.

وهذا ما يدل على عدالة الله المطلقة الموافقة لرحمته الواسعة، ذلك أن أي شخص قد يعترض على عدم تخصيصه بالاصطفاء، تُذكر له الأعمال التي يمكن أن يقوم بها، والتي تجعله مع المصطفى في درجة واحدة.

ولهذا يُقال للذي يعتب على عدم اصطفائه ليعيش في زمن النبوة، بأن هناك من اجتبي لأن ينال هذه الكرامة لكنه رفضها، ورفض الإيمان.. ويقال له: في إمكانك وأنت في زمن بعيد عن زمن النبوة، أن تنال كل فضل ناله من أحسن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس عليك سوى أن تقوم بتلك التكاليف التي كانوا يقومون بها؛ فقوانين الاجتباء الإلهي موفرة لكل من يرغب.

ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله)([3])، ففي هذا الحديث يعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المحبة من أعظم الوسائل التي تجعل صاحبها مختارا مجتبى، فالمرء مع من أحب.

وهكذا يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأعمال التي يمكن أن يصل بها المؤمن إلى تلك المكانة الرفيعة منه، فقال: (إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا)([4]

فهذا الحديث يرسم خطة واضحة للمعية لا علاقة لها بالزمان، ولا بالمكان، بل علاقتها فقط بمدى التواصل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تمثل الصلاة عليه أحد أهم مقوماتها.

وورد في حديث آخر مقوم آخر، لا يرتبط لا بالمكان، ولا بالزمان، فقال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)([5])، فهذا الحديث يحدد حسن الخلق مقياسا لمكانة المؤمن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما لا علاقة له لا بالمكان، ولا بالزمان.

ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خياركم أحاسنكم أخلاقا)([6]) فقد ربط صلى الله عليه وآله وسلم الخيرية في هذه الأمة، وفي غيرها من الأمم بالأخلاق الحسنة.

وهذه الأحاديث وغيرها تتناسب مع ما يقتضيه العقل السليم، لأنه من الغريب أن تصنف الأمة في قربها من الله تعالى وقربها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أساس زماني أو مكاني، لأن أي شخص قد يحتج على الله، فيقول له: يا رب لو أنك جعلتني في الزمن الذي كان فيه صلى الله عليه وآله وسلم لرأيت ما أصنع.. ولكن عندما يقرن الأمر بالطاعة والمحبة والولاء حينها لا يبقى عذر لأحد.. لأن كل أحد يمكنه أن يحقق هذه المعاني من غير حاجة لزمان ولا لمكان.

ولهذا استطاع سلمان الفارسي، وهو الذي قدم متأخرا للمدينة المنورة، وأسلم متأخرا، ولم يحضر بدرا ولا أحدا، أن ينال تلك المكانة السامية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيسبق السابقين، وينال من الأوسمة ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد وعمار وسلمان) ([7])

وقال عنه ما هو أعظم من ذلك: (سلمان منا أهل البيت)([8]

وقد كان الإمام الصادق يذكره كثيرا، وحين سأله بعضهم عن ذلك، وقال له: (ما أكثر ما أسمع منك ذكر سلمان الفارسي؟)، أجابه بقوله: (لا تقل سلمان الفارسي، ولكن قل سلمان المحمدي، أتدري ما أكثر ذكري له؟)، فقال الرجل: لا.. فقال الإمام الصادق: (لثلاث خصال: إيثاره هوى أمير المؤمنين الإمام علي على نفسه، والثانية: حبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبه للعلم والعلماء)([9]

وكان الإمام علي يشبهه بلقمان الحكيم، ويقول: (سلمان أمرؤ منا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم، علم العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحراً لا ينزف)([10]

وهكذا يمكنك ويمكن لأي شخص ـ أيها المريد الصادق ـ أن يجعل من نفسه مصطفى ومختارا ومجتبى.. ويمكنه أن ينزل في تلك المنازل العظيمة التي نزلها الأنبياء والأولياء والأصفياء.. فقوانين العدالة والرحمة لن تحرم أحدا يريد ذلك.

بل إن نفس إنسانية الإنسان اصطفاء الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]

فلذلك كان لكل إنسان حظه من الاختبار والابتلاء، كما قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل: ﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 47]

فالتفضيل هنا لا يعني أنهم معفون من الابتلاءات والتكاليف، وإنما يعني اختيار الله تعالى لهم لتولي وظائف معينة، لكنهم فشلوا فيها، ولذلك نزلت عليهم اللعنات، بدل البركات، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: 78 – 80]

ولذلك رد عليهم كل تلك الادعاءات التي توهموها لأنفسهم بسبب ذلك الاصطفاء الذي خصوا به، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18]

ومثل ذلك رد على الصراع الذي كان بين المسيحيين واليهود وأيهما الأفضل، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113]

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن الله تعالى ـ رحمة بعباده ـ جعل لهم نماذج من الصالحين ليكونوا لهم نبراس هداية، وسراطا مستقيما، يحفظهم عن الزيغ والانحراف، ذلك أن الهداية النظرية وحدها لا تكفي.. بل تحتاج إلى مصاديق لها، ليكون لها تأثيرها في التربية.

ولهذا ترى الأستاذ الناجح يشجع تلاميذه الناجحين، ويدعو سائر التلاميذ إلى الاقتداء بهم.. وليس في ذلك أي جور أو ظلم، ذلك أن التلاميذ المميزين لم يميزوا إلا بسبب جهدهم وعملهم من غير أن يرغمهم أحد..

أما الصادقون من التلاميذ، والواثقون في أساتذتهم والمسلّمون لهم، فإنهم يلبون تلك الأوامر، ويعلمون أنها في مصلحتهم، ولذلك يتقربون من أولئك التلاميذ المميزين، ليعرفوا سر ذلك التميز ليكون وسيلة لهم للالتحاق بركب الناجحين.

أما الشاكون من التلاميذ، والذين لا يثقون في أساتذتهم؛ فإن حسدهم لا يتوقف عند عدم الانصياع لما طُلب منهم، والذي هو في مصلحتهم، وإنما يمارسون كل أنواع الأذى بأولئك المميزين، وهذا ما يثير أساتذتهم عليهم، ويزيد في بعدهم عنهم.

ولهذا كان الاصطفاء والاختبار الإلهي نوعا من الامتحان للسرائر والقلوب، ولهذا شاء الله تعالى أن يختبر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم، أما الملائكة فانصاعت لربها، وأما إبليس فتمرد، وتوهم أن الاصطفاء مناف للعدالة، ولذلك سقط في كير الامتحان، وبدل أن يعقد صداقته مع آدم لينال من أسرار اصطفائه، راح يتحول إلى عدو تتنزل عليه اللعنات.

وهذا المثال ـ أيها المريد الصادق ـ هو الذي يجعلك تبحث عن كل عبد صالح، لتنال من بركات صلاحه واصطفائه ما ينفعك في كل أحوالك.. وأقلها أن تنال حظك من شفاعته في حال حاجتك إليها.

هذا جوابي على سؤالك ـ أيها المريد الصادق ـ فكِل كل أمور ربك إليه، واعلم أنه لا يريد لك إلا الخير، واعلم أن من رحمة الله تعالى بك أن جعلك تابعا للمصطفين من عباده؛ فتنال حظك من الاصطفاء من غير أن ينالك ذلك الإرهاق والعنت الذي أصابهم.

ولذلك اعتبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نعمة منه على عباده، فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

فالمؤمن هو الذي يفرح بنسبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللصالحين من المؤمنين، لأنه يرى نفسه كالغريق في الظلمات، ويراهم مخلصين منقذين له.. فلذلك يفرح بهم كما يفرح الغريق بمن ينقذه..

أما المعاندون؛ فإنهم بدل مد أيديهم لحبل النجاة الذي وُضع لهم، يجادلون في سر اختيار ذلك المنقذ المخلص.. وجدلهم وعنادهم هو الذي يحول بينهم وبين توفير الفرصة لمن جاء لإنقاذهم.

ولهذا توبخ الملائكة عليهم السلام أولئك الذين أعرضوا عن المنقذين لهم، استكبار وعنادا، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (الملك:8 ـ 9)

 وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر:71)

فثق في ربك ـ أيها المريد الصادق ـ وفي تلك الجواهر المقدسة التي اختارها لتكون دليلك إليه؛ فهو لم يرسلها لك لتجادلها، أو تعاندها، وإنما أرسلها لك لتسلم لها، وتفوض شؤونك إليها.. فهي عين من عيون رحمته، ونور من أنوار هدايته، وقد قال تعالى عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فإن شئت أن تكون من العالمين الذين تصيبهم تلك الرحمة؛ فكن هينا لينا سهلا مطواعا لنبيك، مثلما تفعل تماما مع الطبيب الذي يعالجك؛ فلا يمكنه أن يعالجك وأنت تستعصي عليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]

وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]

فاستجابتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي عين حياتك.. وهي عين الرحمة التي تتنزل عليك.. والذي يرفض واسطة الرحمة والحياة، يكون كالذي رفضهما.


([1]) رواه الخطيب..

([2]) الترمذي (2398) وصححه، وابن ماجة (4023)

([3]) رواه مسلم.

([4]) حياة الأنبياء في قبورهم للبيهقي (ص: 93)

([5]) سنن الترمذي.

([6]) رواه الترمذي.

([7]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 190)

([8]) رواه الحاكم 3/691 ح(6539) المعجم الكبير للطبراني 6/212 ح6040)

([9]) رواه الطوسي في أماليه 1: 133.

([10]) بحار الأنوار 22 / 347..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *