الإرادة النافذة

الإرادة النافذة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن إرادة الله تعالى ومشيئته ومجالاتها وعلاقتها بالمقادير المختلفة، وعلاقتها بالحرية الإنسانية، وعلاقتها بعد ذلك كله وقبله برضى النفس وطمأنينتها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن السر الأكبر في طمأنينة النفس وسلامها واستقرارها، بل السر الوحيد، هو شعورها بكمال ربها وعظمته وعدم حاجتها إلى غيره.. لأن كل مطالبها عنده، وكل حاجاتها لديه، وذلك ـ كما يقتضي علم الله تعالى الواسع المحيط، وقدرته المطلقة التامة ـ يقتضي كذلك إرادته النافذة التي لا يزعجها أو يقهرها أو يكرهها شيء.

ذلك أنه لا ينفع علم العالم، ولا قدرة القادر، إذا كان صاحب إرادة متذبذبة ضعيفة، تختلف باختلاف مزاجه، من دون أن تستند إلى سنن محكمة، أو قوانين ضابطة، وذلك مما يجعل الراكن إليه راكنا إلى رياح هوجاء تقلبه كل حين بحسب الأمزجة المتقلبة، لا بحسب القوانين الثابتة.

ولذلك كان فرح المؤمن بإرادة الله، واتساعها لكل شيء مثل فرحه بعلم ربه وقدرته ولطفه وحكمته.. ذلك أن الإرادة هي التي توجه المقادير الإلهية إلى كل المصالح التي تقتضيها.

أما الذين يشاغبون في الإرادة الإلهية وينزعجون منها؛ فسبب ذلك يعود إلى أوهامهم التي جعلتهم لا يقدّرون الله حق قدره، فتوهموا أن إرادة الله تلغي إرادتهم.. ولو أنهم أعملوا عقولهم لعلموا أنهم أحرار في كل ما يقومون به، والدليل على ذلك حريتهم التي يبدونها في جدلهم وشغبهم على الحقائق، من دون أن يقهرهم قاهر، أو يكرههم أحد.

ولو أنهم عادوا إلى أنفسهم، وإلى تعاملهم مع أصحاب الخبرات المختلفة، وكيف يسلمون لهم شؤونهم، بل كيف يستشيرونهم في الصغير والكبير، بل كيف يدفعون إليهم الأموال لأجل أن يتحكموا فيهم بحسب ما تمليه عليهم خبرتهم.. لعلموا أن تسليم المؤمن نفسه لله، وتوكيله كل شؤونه إليه، وتفويضه كل أموره إليه من هذا الجنس..

بل إن المؤمن في ذلك أحكم وأعقل لأنه أسند شؤونه للعالم الحقيقي الذي لا يغيب عنه شيء.. وصاحب الإرادة النافذة الذي لا يزعجه أو يقهره عنها شيء.

ولهذا يرد في القرآن الكريم الإخبار عن الأنبياء والصالحين، ومراعاتهم لرد كل شيء لله، باعتباره صاحب المشيئة النافذة، وباعتبارهم لا حول ولا قوة لهم من دونه، ومن ذلك ما ورد في قصة يوسف عليه السلام لما التقى بأهله، وطلب منهم الدخول إلى مصر:﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِينَ ﴾ (يوسف:99)

فمع أن يوسف عليه السلام كان عزيز مصر، وكان لديه سلطان كبير فيها إلا أنه لمعرفته بالحقائق، وتأدبه معها، علم أن كل ذلك غير كاف في تحقيق مراده، من دون إرادة الله تعالى ومشيئته؛ فلذلك وكل الأمر إليه، ولم يكله إلى نفسه.

ومثل ذلك حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام، وقوله في استجابته للخضر عليه السلام:﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (الكهف:69)

ومثله ذكر رده على الشيخ الصالح، وأدبه مع الله في ذلك الرد: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القصص: 27)

ومثله حكى عن إسماعيل عليه السلام في استجابته لوالده: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102)

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرد المشيئة إلى الله في كل الأمور، ومن الأمثلة على ذلك قوله لأصحابه:(ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية)، قالوا:(نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها)، قال:(قولوا: إن شاء الله)، قال القوم: (إن شاء الله)([1]

ودخل مرة على بعض الأعراب يعوده، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم:(لا بأس طهور إن شاء الله)، وكان الأعرابي جلفا غليظا، فقال: (طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور)، قال:(فنعم إذن)([2]

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي الاستثناء بمشيئة الله في كل أحواله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)([3])

وقال:(اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) ([4])

وقال:(لكل نبي دعوة مستجابة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله تعالى أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ([5])

وقال لما حاصر الطائف:(إنا قافلون غدا إن شاء الله) وقال لما قدم مكة:(منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة) وقال يوم بدر:(هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله)، وقال في بعض أسفاره:(إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله)، وقال في زيارة المقابر:(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)([6]

بل قد ورد في النصوص المقدسة ما يدل على أثر التقصير في رد المشيئة إلى الله تعالى من عدم تحقق المطالب، كقوله تعالى عن أصحاب الجنة الذين أقسموا ليجذن ثمرها ليلاً، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ولا يتصدقوا منه بشيء:﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ (القلم:18)، أي فيما حلفوا به، بأن يقولوا: إن شاء الله، ثم قال بعدها مباشرة:﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (القلم:19)، أي أصابتها آفة أهلكتها.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاحذر أن تكون كأولئك المشركين الذين تعللوا بإرادة الله تعالى على اقتحام المعاصي، وقالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الله مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 35]، وقالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148]

فهؤلاء أصحاب جدل ومشاغبون، وهم يكذبون على أنفسهم، لأنهم لو آمنوا بإرادة الله تعالى النافذة، لآمنوا قبلها ومعها بأوامره الحكيمة، وشريعته العادلة، ولوحدوه بالعبادة، ولتركوا تلك الأصنام التي سلموا أمورهم إليها.

وهم في ذلك يشبهون ذلك الأستاذ الذي شرح لتلاميذه كل الدروس، وعلمهم كل العلوم، وأقام عليهم الحجة في ذلك.. ثم أخبرهم أن هناك امتحانا ينتظرهم، وهم أحرار فيه.. فمن بذل جهده، فلنفسه، ومن قصر فعليها.. وأن تقصيرهم أو نجاحهم لن يضره شيئا، بل الضرر أو النفع المجرد سيكون لهم وعليهم.

وبدل أن يكون هذا التنبيه محذرا ودافعا لهم إلى الاجتهاد والبذل، راحوا يفهمون ما شاءوا من كلام أستاذهم دون أن يستوعبوه جميعا.. فأخبروه بعد رسوبهم أنه هو الذي أتاح لهم ذلك، وأن مشيئته هي التي قهرتهم على أن يقعوا فيما وقعوا فيه.

ولذلك رد الله تعالى على المشركين بقوله: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]

وصدق الله العظيم في رده، فما كانت تلك الحجج التي أوردوها إلا كذب منهم وتخريص.. وإلا فلم يسعون في أرزاقهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الرزاق؟.. ولم يسعون في علاج أنفسهم مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الطبيب؟.. ولم يسعون في حفظ أنفسهم من المهالك مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الحفيظ؟.. ولم لم يوكلوا كل ذلك إلى الله تعالى كما أوكلوا أمر الهداية والضلال؟

لقد كان في إمكانهم أن يختاروا مشيئة الهداية بدل مشيئة الضلال.. ومشيئة السعادة بدل مشيئة الشقاء.. لكنهم لتخرصهم وكذبهم على أنفسهم، واتباعهم لأهوائهم اختاروا المشيئة التي تسخط ربهم.

وهم في ذلك مثل ذلك الأستاذ الذي وضع امتحانا لطلبته.. هو يعرف مستوياتهم، ويميز المجتهد منهم من الكسول، ولكنه لعدله بدل أن يحكم لكل واحد منهم بما يعلمه راح يختبرهم، ويترك لهم الفرصة ليختاروا أحد النجدين.. نجد النجاح، أو نجد الرسوب.

فمن اختار منهم نجد النجاح رضي عنه، وقربه، ووهبه من التزكية ما يرفع مستواه، أو يؤهله للوظائف الكريمة.. ومن اختار منهم نجد الرسوب، أو قعد من دون أن يجيب.. فالأستاذ كذلك لا يتدخل في شأنه.. لأنه وإن خالف رضاه، لم يخالف إرادته..

ذلك أنه أراد تمييز الصادقين من تلاميذه من الكاذبين، ولذلك منح الحرية للجميع ليعبروا بمحض إرادتهم، لا بما يملى عليهم.. فلا يمكن لأحد أن يعبر عما تختلج به جوانحه، تحت سيف الإكراه والقهر.. ولذلك لم يخرج الراسبون عن مشيئته، وإن خرجوا عن رضاه.

لذلك كان الذين يريدون من ربهم أن يتخلى عن مشيئته وإرادته حتى تتحقق لهم الحرية، واهمون وكاذبون على أنفسهم.. ذلك أنهم يشعرون بالحرية، ويفرقون بين أعضائهم التي تعمل من دون إرادتهم، وأعضائهم التي لا تتحرك إلا برضاهم ورغبتهم.. ويعلمون أن ربهم لا يحاسبهم إلا على ما كسبت أيديهم، وتحركت به رغباتهم.

ولو أنهم عادوا لعقولهم لتخلوا عن تلك الكبرياء التي تملأ جوانحهم، والتي تزعم لهم أن الكمال في أن يسلم ربهم كونه إليهم ليديروه بمحض رغبتهم، من غير أن يعرفوا جهلهم وعجزهم وقصورهم..

ولو أنهم أعملوا عقولهم لعلموا أن الله تعالى وضع لخلقه كل معالم الهداية والضلال، وأرسل لهم الرسل الذين يبينون الحقائق، وترك في نفس الوقت الفرصة لمن يضلهم، لأنه لا يتحقق التمييز إلا بتوفر السبل الكثيرة التي تجعل الإنسان يختار بمحض إرادته ما تميل إليه نفسه.. وعندما يختار، لن يخرج اختياره عن اختبار ربه أو إرادته.. ولن ينضم إلى إله الشر كما يقول المشركون.. بل يظل عبدا لربه.. وتظل إرادته نافذة فيه.

لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: ﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) ﴾ [الإنسان: 29 – 31]

وقال: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) ﴾ [التكوير: 27 – 29]

فهذه الآيات الكريمة تثبت المشيئتين: مشيئة الله تعالى، ومشيئة عباده، وتخبر أن مشيئة العباد لا تتناقض مع مشيئة ربهم، وإلا كان الله تعالى مكرها على ما لم يرده، وذلك لا يتناسب مع الكمال الإلهي.

ولذلك كان المنصرف عن الله بسبب هذا أو غيره منسجما تماما مع ما يريده الله تعالى ويشاؤه، ذلك أن هداية الله تعالى أكرم من أن تتنزل على المنحرفين والمستكبرين.. ولذلك نصب لهم العقبات التي تحول بينهم وبين الهداية، حتى يتخلوا عن كبريائهم وطغيانهم وجبروتهم، كما عبر عن ذلك قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146]

إن مثلهم في ذلك مثل رجل دعا قوما إلى وليمة، فحضر الأمراء والعلماء والحكماء، وكانوا كلهم بأحسن مظهر.. ثم جاء بعض الناس بثياب قذرة، تفوح منها الروائح الكريهة، وكان لسانه ممتلئا بالفحش والبذاءة.. فهل يمكن لمثل هذا أن يشارك في تلك الوليمة؟.. وهل يمكن لأحد من الناس أن يرضى بالجلوس بجانبه؟

لكنه لو ذهب، وتطهر، وغسل ثيابه، وطهر لسانه، وعاد إلى الوليمة لم يكن للداعي الكريم أن يرفضه، ولا أن يرده.. وهكذا الأمر مع الخلق.. فالله تعالى لم يرد أولئك لذواتهم، وكيف يفعل ذلك وهو الذي خلقهم ورزقهم ووفر لهم كل الحاجات، ولكنه فعل ذلك بهم لما اختاروه لأنفسهم من الكبر والضلال.. ولو أنهم تخلوا عن ذلك لكان الله تعالى أول من يقبلهم، فهدايته شملت كل شيء، ورحمته وسعت كل شيء.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاحذر من أن تكون كأولئك الذين راحوا بعقولهم المحدودة العاجزة، يفرضون تصوراتهم وخيالاتهم على إرادة الله تعالى قياسا لهم على إرادتهم؛ فتوهموا أن الإرادة نقص، ولذلك فسروها بالعلم، وعرفوا الإرادة بأنها علم الله تعالى بالنظام الأَصلح والأَكمل والأَتم، فراراً من أن يتصف الله تعالى بأمر حدوثي، أو بالفعل والإِنفعال، كما هو الحال في إِرادة الإِنسان([7]

وهذا ناشئ عن محاولة العقل تصور ما لا يمكن تصوره، ولذلك وقعوا في الخطأ من حيث إرادتهم التنزيه.. فنزهوا الله تعالى بنفي بعض كمالاته، ولو أنهم أعملوا عقولهم، لعلموا أن إنكار الإرادة أو تأويلها أو تعطيها إنكار لبعض الكمالات الإلهية، ذلك أن (الفاعل المريد أَكمل من الفاعل غير المريد، فلو فسّرنا إِرادته سبحانه بعلمه بالنظام، فقد نفينا ذلك الكمال عنه وعرَّفناه فاعلا يشبه الفاعل المضطر في فعله)([8])

ومما يروى في هذا عن الإمام الصادق أنه سئل: علمه ومشيئته مختلفان أَو متّفقان؟ فقال: (العلم ليس هو المشيئة، ألاترى أَنك تقول سأفعل كذا إنْ شاءَ الله، ولا تقول سأفعل كذا إِنْ عَلِمَ الله)([9]

ومثل ذلك تفسير بعضهم لها بابتهاجه بفعله ورضاه عنه، وذلك لأن (حقيقة الإِرادة غير حقيقة الرضا، وغير حقيقة الإِبتهاج، وتفسير أَحدهما بالآخر إِنكار لهذا الكمال في ذاته سبحانه.. فكون الفاعل مريداً، في مقابل كونه فاعلا مضطراً موجباً، أَفضل وأَكمل؛ فلا يمكن نفي هذا الكمال عن ذاته على الإِطلاق) ([10])

ومثل ذلك تفسير بعضهم لها بإِعمال القدرة والسلطنة، وقالوا: (إِنَّا لا نتصور لإِرادته تعالى معنى غير إِعمال القدرة والسلطَنَة، ولما كانت سلطنته تعالى تامة من جميع الجهات والنواحي، ولا يتصور النقص فيها أَبداً، فبطبيعة الحال يتحقق الفعل في الخارج ويوجد صرْفُ إِعمال القدرة من دون توقفه على أيّة مقدمة أخرى، كما هو مقتضى قوله سبحانه: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82])

والجواب على هذا من ضمن الإشكال نفسه، ذلك أنه يقال لهؤلاء: (إِنَّ إعمال القدرة والسلطنة إِما إِختياريُّ له سبحانه أو اضطراريٌّ، ولا سبيل إلى الثاني لأَنه يستلزم أنْ يكون تعالى فاعلا مضطراً ولا يصح توصيفه بالقدرة ولا تسميته بالقادر، وعلى الأَول، فما هو مِلاك كونه فاعلا مختاراً؟.. فلا بد أن يكون هناك قبل إعمال السلطنة وتنفيذ القدرة شيءٌ يدور عليه كونه فاعلا مختاراً، فلا يصح الأَكتفاء بإِعمال القدرة)

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فسلم لربك كل صفات كماله، ولا تنازعه بعقلك، ولا تبحث عن تصور لذلك.. فيكفيك تعقل عقلك لها، ولا حاجة لتصور كيفيتها؛ فكل صفات الله تابعة لذاته، وهي مما يستحيل إدراكه.

لكن مع ذلك إياك أن تتوهم أن إرادة الله كإرادة البشر، تحتاج إلى ترو وتأن وتفكير وتدبر؛ فالله أعظم من ذلك كله، وقد روي أن بعضهم قال للإمام الصادق: (لم يَزَل الله مريداً؟)، فرد عليه الإمام: (إِنَّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً، ثم أراد)([11]

وقال الإمام الرضا: (الإِرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله تعالى فإِرادته، إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يُروّي ولا يَهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق؛ فإِرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون، بلا لفظ، ولا نُطْق بلسان، ولا هِمَّة، ولا تَفَكُّر ولا كَيْف لذلك، كما أنَّه لا كَيْف له) ([12]

فالإمام الرضا لم ينف الإرادة الإلهية، وإنما أثبتها، وأثبت معها تنزيهها عن تلك النقائص التي تتلبس بها إرادة غيره.

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تمتلئ بهذه المعارف، فهي وحدها من يحمي نفسك من التشتت.. وهي وحدها من يجعلك تسلم لربك في كل شيء؛ فالخير كله عنده، وسعادتك كلها بين يديه.. فسلم له وثق به، فهو لا يريد لك إلا الخير في دنياك وأخراك.


([1]) رواه ابن ماجة.

([2]) رواه البيهقي.

([3]) رواه البخاري ومسلم.

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) رواه البخاري ومسلم.

([6]) رواه مسلم.

([7]) ومن القائلين بهذا صَدْر المتأَلهين، فقد قال: (معنى كونه مريداً أَنَّه سبحانه يَعْقِل ذاتَه ويعقِلُ نظامَ الخَيْر الموجود في الكُلَّ من ذاته، وأَنَّه كيف يكون. وذلك النظام يكون لا محالة كائناً ومستفيضاً) [الأسفار الأربعة، ج 6، ص 316]، وقال: (إِنَّ إرادته سبحانه بعينها هي علمه بالنظام الأَتم، وهو بعينه هو الداعي لا أمرٌ آخر) [المصدر السابق، ص 333]، ومثله المحقق الطوسي، فقد قال: (إِنَّ إرادته سبحانه هي العلم بنظام الكلُ على الوجه الأَتم، وإِذا كانت القدرة والعلم شيئاً واحداً، مقتضياً لوجود الممكنات على النظام الأَكمل كانت القدرة والعلم والإِرادة شيئاً واحداً في ذاته مختلفاً بالإِعتبارات العقلية) [المصدر السابق، ص331]

([8]) الإلهيات للسبحاني.

([9]) الكافي، ج 1، ص 109.

([10]) الإلهيات للسبحاني.

([11]) الكافي ج 1، ص 109.

([12]) الكافي ج 1، ص 109.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *