الإبداع والاختراع

الإبداع والاختراع

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن كيفية إبداع الله تعالى لخلقه، والمراتب التي مرت بها المبدعات، وعن علاقة ذلك بالفيض والصدور، أو بالتجلي والظهور، وعن صحة ما يقوله الفلاسفة الإشراقيون، أو ما يقوله الصوفية المكاشفون.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن حقائق الكون، وكيفية خروجه من العدم إلى الوجود، والمراحل التي مر بها، من الغيب المطلق الذي لا يمكن للعقل مهما كان حادّ الذكاء أن يكتشفه، ولا للروح مهما كانت شفافة أن تدركه.. لذلك كان العارف المتواضع، والحكيم المسلم لربه، والمحترم لقدراته، هو ذلك الذي يخضع لما دلت عليه النصوص المقدسة، ويكتفي بها عن إدخال عقله أو كشفه فيما لا طاقة لهما به.

لذلك أنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ ابتداء بأن تترك كل ما ذكروه في هذا الجانب؛ فهو يتعارض مع قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ [الكهف: 51]

فالله تعالى في الآية الكريمة يصرح بأنه لم يشهد البشر كيفية الخلق، ولم يتخذهم أعوانا يستشيرهم في ذلك.. ولذلك بقوا على الجهل المطبق بتلك الحقائق، إلا ما دلت عليه النصوص المقدسة.

ولذلك فإن الذين يذكرون خالقية الله تعالى للأشياء بما يسمونه فيضا أو صدورا أو غيرها، يتوهمون أن ذلك منحصر في هذا العالم الذي نعيشه، أو في هذه النشآت.. وبذلك يحدون قدرة الله المطلقة.. فهذا العالم مجرد واحد من العوالم الكثيرة التي غاب عنا زمانها، كما غاب عنا مكانها.. ولذلك كان الأدب مع الله تعالى هو التعامل مع خالقيته المطلقة التي لا تحدها الحدود، لا مع تلك القيود التي قيده بها الفلاسفة أو الإشراقيون أو الروحانيون أو المتكلمون أو غيرهم.

فالله تعالى متى شاء شيئا خلقه، قال تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: 117]

وهذا لا يعني ما يبحث فيه العلماء من تواريخ الأرض والسماء، ومجراتها ونجومها وكواكبها؛ فذلك بحث مبني على أسس علمية، لا على حدس عقلي أو روحي قد يخطئ أو يصيب.

ومع ذلك، فإن الذي يدعون العلم، وبسبب تركهم للمنهج العلمي، واستعمالهم للحدس وقعوا فيما وقعوا فيه من الأخطاء الكثيرة، والتي يثبت كل يوم مدى الجهل الذي كانوا ينشرونه تحت اسم النظريات العلمية.

ولعل أكبر دليل على ذلك [نظرية التطور]، والتي توهموا بسببها أن الله تعالى لم يخلق كل شيء ابتداء.. وإنما خلق بعضه من بعض.. من غير دليل من علم، ولا حجة من وحي.. ولذلك رفض المتواضعون من العلم القول بها، بناء على كونها مجرد حدس عقلي، أو رؤية ذاتية بعيدة عن الحقائق العلمية([1])

وأنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ بدل أن تغرق في كل تلك المتاهات التي وقع فيها الفلاسفة والمتكلمون والإشراقيون والصوفية والعلماء أن تقرأ أسماء الله الحسنى الدالة على هذه الجوانب؛ فهي أنفع لك، وهي لا تعرفك بالكون وحده، وإنما تعرفك بربه قبل ذلك وبعده.

ذلك أن الذي يعنيك ليست كيفية بدأ الكون، وإنما يعنيك من أبدعه؛ فالذي أبدعه أول مرة يستطيع أن يبدع ما يشاء؛ فلا تجعل نفسك أسيرا لعلم لا ينفعك، وجهل لا يضرك، واترك السؤال إلا عما يفيدك، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا وَالله غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: 101، 102]

وأنا لا أقول لك هذا ـ أيها المريد الصادق ـ لترمي كل من تحدث في ذلك بالجهل أو الغفلة، فأنت لا شأن لك بغيرك، وإنما شأنك بنفسك؛ فدعك من فضولها، واكتف بوحي ربك، وإن شاء أن يفعل معك مثلما فعل مع إبراهيم عليه السلام حين أراه كيفية إحياء الموتى.. فله ذلك.. في الدنيا والآخرة.. وإياك حينها أن تفخر بما أراك الله من مشاهد، أو ما علمك من الحقائق؛ فالوحيد الذي يدل على العقائد، ويعرف بحقائق الوجود هو ذلك المعصوم بالوحي، لا ذلك الذي قد يختلط كشفه وشهوده مع وحي الشياطين وإلهاماتها، أو أهواء النفس ورغباتها.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن الأسماء الحسنى الدالة على خلقه وإبداعه كثيرة، ولتقريب حقيقتها أذكر لك مثالا ضربه بعض الحكماء لذلك، حيث ذكر أنه لو أراد فنان بارع في التصوير والنحت، رسم صورة زهرة فائقة الجمال، أو نحت تمثال بديع، فإنه يبدأ أول ما يبدأ بتعيين بعض خطوط الشكل العام لهما، وهذا التعيين يتم بتنظيم، ويعمله بتقدير يستند فيه إلى علم الهندسة، فيعيّن الحدود وفقه بعلمٍ وبحكمة، لذا تحكُم معاني العلم والحكمة وراءَ التنظيم والتحديد.

ثم إن تلك الاعضاء التي عُيّنت وفق العلم والحكمة أخذت صيغة الصنعة المتقنة والعناية الدقيقة، لذا تحكمُ معاني الصنع والعناية وراء العلم والحكمة.

وقابلية الحسن والزينة في الظهور يدل على أن الذي يحرك الصنعة والعناية هو إرادة التجميل والتحسين وقصد التزيين، فهما إذن يحكمان من وراء الصنعة والعناية.

وعندما يبدأ الفنان بإضفاء حالة التبسم لتمثاله، وشرع بمنح أوضاع حياتية لصورة الزهرة، يكون قد بدأ بفعلَي التزيين والتنوير، ويحركهما معنيا اللطف والكرم.

وهكذا.. يحرك معاني الكرم واللطف، وما وراءهما معاني التودد والتعرف، أي تعريف نفسه بمهارته وفنه، وتحبيبها إلى الآخرين.

وهذا التعريف والتحبيب آتيان من الميل إلى الرحمة وإرادة النعمة.

ومعاني الترحم والتحنن هذه، لا يسوقهما إلى الظهور لدى ذلك المستغنى عن الناس، غير ما في ذاته من جمال معنوي وكمال معنوي يريدان الظهور، فأجمل ما في ذلك الجمال، وهو المحبة، وألذ ما فيه وهو الرحمة، كل منها يريد إراءة نفسه بمرآة الصنعة، ويريد رؤية نفسه بعيون المشتاقين.

فالجمال والكمال محبوب لذاته، (يحب نفسه أكثر من أي شئ آخر، حيث أنه حُسن وعشق في الوقت نفسه، فاتحاد الحسن والعشق آتٍ من هذه النقطة.. ولما كان الجمال يحب نفسه، فلابد أنه يريد رؤية نفسه في المرايا، فالنعم الموضوعة على التمثال، والثمرات اللطيفة المعلقة على الصورة، تحمل لمعةً براقة من ذلك الجمال المعنوي – كل حسب قابليته – فتُظهر تلك اللمعات الساطعة نفسها إلى صاحب الجمال، والى الآخرين معاً)([2]

ثم علق على هذا المثال بقوله:(وعلى غرار هذا المثال الذي ينظم الصانع الحكيم ـ ولله المثل الاعلى ـ الجنة والدنيا والسموات والارض والنباتات والحيوانات والجن والانس والملك والروحانيات، أي بتعبير موجز ينظم سبحانه جميع الأشياء كليّها وجزئيها.. ينظمها جميعاً بتجليات أسمائه الحسنى ويعطي لكل منها مقداراً معيناً حتى يجعله يستقرىء اسم: المقدر، المنظم، المصور)([3]

ففي النظر إلى زهرة واحدة جميلة صحائف كثيرة جداً من صحائف التعرف على الله: فصحيفة هيئة الشئ التي تبين شكله العام ومقداره، تلهج باسماء: يا مصور يا مقدر يا منظم.. وصحيفة صور الاعضاء المتباينة المنكشفة ضمن تلك الهيئة البسيطة للزهرة، أسماء كثيرة أمثال: العليم، الحكيم.. وصحيفة إضفاء الحسن والزينة على الأعضاء المتباينة بأنماط متنوعة من الحسن والزينة تكتب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة من امثال: الصانع، البارئ.. وصحيفة الزينة والحسن البديع الموهوبان لتلك الزهرة تقرأ اسماء كثيرة امثال: يا لطيف. يا كريم.. وصحيفة تعليق ثمرات لذيذة على تلك الزهرة يجعلان تلك الصحيفة، تستقرئ اسماء كثيرةً أمثال: يا ودود يا رحيم يا منعم.. وصحيفة الإنعام والإحسان تقرأ أسماء أمثال: يا رحمن يا حنان.. وصحيفة ظهور لمعات الحسن والجمال الواضحة في تلك النعم تكتب وتقرأ اسماء: يا جميل ذا الكمال يا كامل ذا الجمال.. فهذه زهرة واحدة تلهج بجميع هذه المعارف التي تحتوي من الأعماق ما لا حدود له، فإلى أي حد من السمو والكلية تستقرىء جميع الازهار، وجميع ذوي الحياة والموجودات الاسماء الحسنى الإلهية.

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ وسلمت لي فيه؛ فاعلم أن أصول الأسماء الحسنى المرتبطة بالخلق والإبداع ثلاثة، وهي [الخالق البارئ المصور]، وهي التي وردت بهذا الترتيب في قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24]

وهي جميعا تدل على طلاقة القدرة في الإبداع والاختراع بمستوياته الثلاثة: التقدير وهو ما يدل عليه اسم الخالق، والإيجاد على وفق التقدير وهو ما يدل عليه اسم البارئ، والتصوير بعد الإيجاد، وهو ما يدل عليه اسم المصور.

ذلك أن كل بناء يحتاج إلى هذه المستويات الثلاثة، فأي بناء يحتاج إلى (مقدر يقدر ما لا بد له منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره، ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول الأبنية، ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته)([4]

 وهذا في بناء الخلق أما بناء الله، فهو يرجع إلى الله الواحد الأحد، فهو الخالق البارئ المصور، ولذلك تظهر في جميع مخترعاته ومخلوقاته صفة الوحدة، وهو ما يعطي للأشياء جمالها وقوتها وتناسقها.

والقرآن الكريم يخبرنا، بل يربي نفوسنا على أن لله تعالى الإرادة المطلقة في هذه المستويات الثلاثة:

أما مستوى الإرادة المطلقة في الخلق، فالله تعالى يخبرنا بأنه يخلق من شاء ومتى شاء، قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ (ابراهيم:19)، وقال:﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ (فاطر:16)، وقال:﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً ﴾ (النساء:133)

وعندما تعجب زكريا عليه السلام من أن يكون له ولد بعد أن كبرت سنه، وكانت امرأته عاقرا رده الله إلى مشيئته، قال تعالى:﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ (آل عمران:40)

وعندما تعجبت مريم عليها السلام ردها الله إلى المشيئة، قال تعالى:﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:47)

فخلق الله من خلال هذه النصوص يرجع إلى مشيئة الله المتفردة، فليس هناك من يفرض على الله ـ تعالى الله وتقدس ـ أن يخلق شيئا أو أن لا يخلق.

ولذلك من الأخطاء التي وقعت فيها بعض الطوائف زعمهم بأن من مقتضيات كون الله خالقا أن يخلق في الأزل، وهو قول مناف لمشيئة الله المطلقة، فمشيئة الله لا يقال لها: افعلي أو لا تفعلي.

وقد غاب عن هؤلاء أن (السيف يسمى قاطعا وهو في الغمد، ويسمى قاطعا حالة حز الرقبة، فهو في الغمد قاطع بالقوة وعند الحز قاطع بالفعل، والماء في الكوز مرو، ولكن بالقوة وفي المعدة مرو بالفعل، ومعنى كون الماء في الكوز مرويا أنه بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة المعدة، وهي صفة المائية، والسيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع إذا لاقى المحل، وهي الحدة إذ لا يحتاج إلى أن يستجد وصفا آخر في نفسه)([5]

وكذلك، ولله المثل الأعلى، صفة الخالق لله تعالى، فهو خالق في الأزل بالمعنى الذي به يقال الماء الذي في الكوز عذب، وفي السيف أنه قاطع، ومن الخطأ الكبير أن يقال له ـ تعالى وتقدس ـ:(ما دمت خالقا، فلا بد أن تخلق)

وهذا الحجر للمشيئة أصاب مثله كثيرا من صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى أزلية لم تحدث بعد أن لم تكن وإنما مقتضياتها قد تحدث، فيتصرف الله معها وفق مشيئته.

أما المستوى الثاني، وهو مستوى الإيجاد بعد التقدير، وهو ما يدل عليه اسم (البارئ)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك، ومنه قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾ (الفرقان:45)

ومن هذا الباب ما من الله تعالى على عباده من جعل الكون على الصفة التي تصلح لعباده مع أن مشيئته وقدرته مطلقة يمكنها أن تفعل غير ذلك:

ومن ذلك قوله تعالى في نعم الحواس:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (الأنعام:46)

ومن ذلك قوله تعالى فيما لو شاء، فجعل الليل سرمدا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ (القصص:71)

أو لو شاء فجعل النهار سرمدا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (القصص:72)

أو لو شاء فجعل الماء غورا:﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك:30)

أو لو شاء جعل الرياح ساكنة:﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (الشورى:33)

وهكذا يعيش المؤمن في هذه المعاني، وهو يرى الاحتمالات المختلفة للأشياء تطوف به ليعيش في كدرها وضيقها إلى أن يرى يد الله تعالى مبسوطة له بالخير من كل جهة، فيعيش في رحاب المنة، ولذة الشكر، والفرح بالله، أما الجاهل المجادل، فيظل يسأل كيف، ولماذا، ويظل يفرض أحكامه على الله إلى أن تفرض أحكام الله عليه.

أما المستوى الثالث وهو مستوى التصوير بعد الإيجاد، وهو مايعبر عن اسم (المصور)، فقد ورد في النصوص ما يدل على مشيئة الله المطلقة في ذلك:

فالله تعالى يمن على عباده أن عدل صورهم في نفس الوقت الذي كان قادرا على تشويهها، قال تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:7 ـ 8)

وقال عن مشيئته المرتبطة بتصوير الجنين:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:6)

وقال تعالى يمن على عباده بقوة أجسامهم وسلامتها:﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ (الانسان:28)، وقد ورد عن ابن عباس في تفسيرها:(لغيرنا محاسنهم إلى أسمج الصور وأقبحها)

ويذكر الله تنوع الكائنات في طريقة مشيها، ويستدل بذلك على طلاقة مشيئته، قال تعالى:﴿ وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور:45)

وينبه تعالى إلى النظر في أطوار الخلق التي يمر بها الإنسان ليعاين طلاقة المشيئة الإلهية في التصوير، قال تعالى:﴿ الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم:54)

ويذكر الله تعالى الصور المختلفة والطاقات المختلفة الموهوبة للملائكة ـ عليهم السلام ـ وينبه بذلك إلى طلاقة مشيئته، قال تعالى:﴿ الْحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر:1)

وإدراك المؤمن ـ الذي قد تضايقه صورته الدنيوية ـ لهذه المشيئة الإلهية المطلقة في التصوير تجعله يعيش في راحة تامة، بل في سرور عظيم، فالله ـ أولا ـ هو الذي صوره بهذه الصورة، وهو يرضى ما اختار الله له من صور.

وهو ـ ثانيا ـ يعيش آملا في فضل الله أن يبدله بتلك الصورة التي رضيها في الدنيا صورا أجمل في الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مخبرا عن نعيم الجنة:(إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها)([6])

وقال: (إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فيها كثبان المسك فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادوا حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا)([7]

هذا جوابي على أسئلتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تملأ قلبك بهذه المعارف النورانية، لترى إبداع الله متجليا في كل شيء، ولتنعم حينها بمشاهدة الصانع من خلال صنعته، والمبدع من خلال إبداعه، والمصور من خلال صوره.. ودع عنك كل ما لا يقدر عقلك على فهمه؛ فأنت لا تزال في مراحلك الأولى من سلم الترقي، إلى أن يراك الله أهلا ليكشف لك بعض غيبه في هذه النشأة، أو فيما يستقبلك من نشآت.


([1]) رددنا على هذه النظرية بتفصيل في كتاب [الحياة تصميم لا صدفة]

([2]) الكلمة الثانية والثلاثون، ص72.

([3]) الكلمة الثانية والثلاثون.

([4]) المقصد الأسنى:76.

([5]) المقصد الأسنى: 36.

([6]) رواه الترمذي.

([7]) رواه أحمد ومسلم.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *