لسان الصدق

لسان الصدق

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن لسان الصدق الذي تحدث عنه الحكماء، واعتبروه من علامات الترقي، وكيفية التحقق به.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أني كتبت لك في رسائلي المرتبطة بمثالب النفس اللوامة ما يقتضيه الورع في اللسان، وكيفية استعماله في تزكية النفس وترقيتها، وبينت لك فيها أن اللسان جارحة من الجوارح الخاضعة للنفس، وهي تتحكم فيه بحسب المرتبة التي تنزل فيها، فإن كانت نفسا أمارة أمرته بالصمت في الوقت الذي يجب فيه الكلام، وبالكلام في الوقت الذي يجب فيه الصمت، وخلطت عليه الأمور، وأصبح بذلك أداة من أدوات الشيطان.. وإن كانت النفس مطمئنة شغلته بالذكر والمذاكرة والمجاهدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل خصال الخير.

وهكذا، فإن اللسان مثله مثل سائر الجوارح، تابع للنفس، يتلون بلونها، ويتحرك تحت أوامرها.. ومن طهّر نفسه طهُر لسانه، ومن أوبقها أوبقه.

ولذلك أثنى الله تعالى على اللسان الطيب الذي يقول الكلمة الطيبة، فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾ [إبراهيم: 24، 25]

فقد أخبر الله تعالى أن الكلمة الطيبة، وهي الصادرة من النفس المطمئنة الطيبة يمكنها أن تتحول إلى مصدر كبير من مصادر الحسنات التي لا تنضب.

وعلى عكسها الكلمة الخبيثة الصادرة من النفس الأمارة الخبيثة، فقد وصفها الله تعالى بقوله: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]

وبناء على ذلك، وبناء على تلك النصوص المقدسة الكثيرة التي ذكرتها لك، والتي تبين عظم خطر اللسان، وكونه علامة على الإنسان اتفق جميع الحكماء على الاهتمام باللسان واعتباره شرطا في كل المراحل التي تمر بها النفس..

وقد قال بعضهم معبرا عن سر ذلك ذلك: (اللسان: هو قلم القلب، تكتب به يمين القدرة ما تملي عليه الإرادة من العلوم في قراطيس ظاهر الكون)([1])

وقال آخر مبينا أنواع الألسنة: (الألسن ثلاثة: لسان العلم، ولسان العطاء، ولسان الوحدانية.. فأما لسان العلم: فإنه يعبر عن الحلال والحرام والحدود والأحكام. وهو زين المؤمن وفضيلته.. وأما لسان العطايا: فإنه يعبر عن الأخطار والإلهام والفهم والفطنة وعلو المراتب والدرجات. وهو شرف المؤمن وفائدته.. وأما لسان الوحدانية: فإنه يعبر عن الله بالله لله)([2])

وقال آخر: (الألسنة ثلاثة لسان علم، ولسان حقيقة، ولسان حق.. فلسان العلم: ما تأدى إلينا بالوسائط.. ولسان الحقيقة: ما أوصل الله تعالى إلى الأسرار بلا واسطة.. ولسان الحق: فليس له طريق)([3])

وقال آخر مبينا الدرجات الرفيعة للسان، وهي: (أن يكون مواظبا على الذكر الدائم، والشكر اللازم، والتلاوة ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وأن يكون موصوفا بالإفصاح لبيان ما ينطوي عليه الكتاب والسنة، ومن علوم الشريعة والطريقة والحقيقة بما ينطوي عليه من الحكم والأسرار، وأن يكون جميع ما يتكل به حقا صادقا خيرا نافعا مشتملا على جملة من الحكم والمواعظ على ما يذكر سامعه بالله تعالى شأنه ويقربه إليه)([4])

وهكذا، فإن لكل حال من الأحوال لسانه الخاص به، فـ (لسان الورع يدعو إلى ترك الآفات.. ولسان المحبة يدعو إلى الذوبان والهيمان.. ولسان المعرفة يدعو إلى الفناء والمحو والثبات والصحو)([5])

أما ألسنة الحكماء، فهي (لا تنطق إلا من بعد أن يؤذن لها، وإذا نطقت وقع السمع لمن أسمع بها، وإنما مثل ذلك من فضل الله على خلقه، مثل غيث سمائه الذي أنزله وأحيا به ميت أرضه، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكذلك يحيي الله تعالى بألسنة الحكمة ما أمات من الإعراض عنه من قلوب أهل الغفلة)([6])

وقد اتفق جميع الحكماء على أن للسان أثره على القلب، فـ (إذا كان اللسان صالحاً صلح القلب، وإذا كان فاسداً فسد.. ولذلك يحتاج لسانك إلى لجام التقوى، وتوبة عن الكلام بالهذيان والنفاق، فإذا دمت على ذلك انقلبت فصاحة اللسان إلى فصاحة القلب، فإذا تم له هذا تنور وظهر النور منه إلى اللسان والجوارح، فحينئذٍ يكون النطق للسان المقرب)([7])

بناء على هذا وغيره، ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى من بعده كثيرا من التكاليف التي تؤهل اللسان، ليتحول إلى لسان صادق، حقيق بالنفس المطمئنة.. ذلك أنه لا يستقيم أن تكون النفس مطمئنة ولسانها الذي هو أهم جوارحها ممتلئ بالكذب والزور.

ومن مجامع تلك التكاليف ما عبر عنه الإمام السجاد في رسالة الحقوق بقوله عند ذكر حقوق اللسان: (وأما حق اللسان فإكرامه عن الخنى، وتعويده الخير، وحمله على الأدب وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا، وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها، ويعد شاهد العقل، والدليل عليه وتزين العاقل بعقله [و] حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ([8])

وقال: (إنّ لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه، فيقول: كيف أصبحتم؟.. فيقولون: بخير إن تركتنا، ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: إنّما نُثاب بك ونُعاقب بك)([9])

وقال: (القول الحسن يُثري المال، ويُنمي الرزق، وينسيء في الأجل، ويحبّب إلى الأهل، ويدخل الجنة)([10])

وسئل عن الكلام والسكوت أيّهما أفضل؟.. فقال: (لكلّ واحدٍ منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت)، قيل: كيف ذلك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟.. فقال: (لأنّ الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنّما بعثهم بالكلام، ولا استحقّت الجنّة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تُوقّيت النار بالسكوت، إنّما ذلك كلّه بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنّك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت)([11])

وهو في هذا يرد على أولئك الذين راحوا يضعون الحجارة في أفواههم ليمنعوها من الحديث، غافلين عن أن المثالب والعقوبات المرتبطة بالصمت، لاتقل عن المثالب والعقوبات المرتبطة بالكلام.

وهكذا بين الإمام علي أهمية الكلام وضرورته، والموازين التي تحكم بين الصمت والكلام، فقال: (جُمع الخير كلّه في ثلاث خصال: (النظر، والسكوت، والكلام، فكلُّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكلُّ سكوت ليس فيه فكر فهو غفلة، وكلُّ كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبراً، وسكوته فكراً، وكلامه ذكراً، وبكى على خطيئته، وآمن الناس شرّه)([12])

ويروى أنه مرّ برجل يتكلّم بفضول الكلام، فوقف عليه، ثمّ قال: (يا هذا..إنّك تُملي على حافظيك كتاباً إلى ربّك، فتكلّم بما يعنيك ودَعْ ما لا يعنيك)([13])

وقال: (لا تقطعوا أعماركم بكذا وكذا، وفعلنا كذا وكذا، فإنّ معكم حفظة يحفظون علينا وعليكم.. فكفّوا ألسنتكم، وسلّموا تسليماً تغنموا)([14])

وقال: (الكلام في وثاقك ما لم تتكّلم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة ولا تقل ما لا تعلم، فإنّ الله سبحانه قد فرض على جوارحك كلّها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة.. هانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه.. ومَن كثُر كلامه كثر خطاؤه، ومَن كثُر خطاؤه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه، ومَن مات قلبه دخل النار)([15])

وقال: (وليختزن الرجل لسانه، فإنّ هذا اللسان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبداً يتّقي تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه، وإنّ لسان المؤمن من وراء قلبه، وإنّ قلب المنافق من وراء لسانه، لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وإنّ كان شراً واراه، وإنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه)([16])

وقال: (وإنّا لأمراء الكلام وفينا تنشّبت عروقه، وعلينا تهدّلت غصونه، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنكم في زمانٍ القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل)([17])

وقال في وصيته لابنه الإمام الحسن: (تلافيك ما فَرَط من صمتك، أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء)([18])

وقال: (العافية عشرة أجزاء: (تسعة منها في اعتزال الناس، وواحدة في الصمت إلاّ عن ذكر الله عزّ وجلّ)([19])

وقال الإمام الصادق موصيا أصحابه: (معاشر الشيعة..كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول، وقُبح القول)([20])

وقال: (ليس على الجوارح عبادة أخفّ مؤنة، وأفضل منزلة، وأعظم قدراً عند الله من الكلام في رضا الله ولوجهه، ونشر آلائه ونعمائه في عباده، ألا ترى أنّ الله عزّ وجلّ لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى، يكشف ما أسرّ إليهم من مكنونات علمه، ومخزونات وحيه غير الكلام)([21])

إذا وعيت كل هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أنك لا يمكن أن تتحقق بلسان الصدق إلا بشرطين، أولهما مرتبط بعلاقتك بربك، وثانيهما بعلاقتك بالخلق.

أما الأول منهما، وهو علاقتك بالله تعالى؛ فبحديثك معه؛ فلا يصح أن تتحدث مع كل الخلق، ثم لا تتحدث معه، وحديثك مع ربك يكون بتلاوتك لكتابه، وكثرة ذكره ومناجاته، مع استشعار حضوره وسماعه.

وقد ذكرت لك في رسائلي السابقة الكثير من النصوص المقدسة التي ترغبك في قراءة القرآن الكريم والذكر والدعاء والمناجاة فتأمل فيها، واجعل للسانك حظا منها؛ فلا يمكنه أن يتطهر ولا أن يترقى من دون ذلك.

وأما الثاني، وهو علاقتك بالخلق؛ فلا تكتفي بتنزيه لسانك عن الغيبة والنميمة والأذى، فذلك شأن البطالين الكسالى المقعدين.. بل أضف إلى ذلك استعماله في نصيحتهم ودعوتهم إلى ربك.. حتى لا تكون علاقتك مع الخلق حجابا عن علاقتك بربك.

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الأجور العظيمة التي ينالها من يفعل ذلك، وهو ما يحرم منه من آثروا الصمت، واعتزلوا الناس، فقد قال: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) ([22])

ولذلك فإن الداعية إلى الله تعالى يستثمر لسانه أعظم استثمار في الدعوة إلى ربه، وقد ورد لفظ (قل) الداعي إلى استعمال هذه الوسيلة في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمائة آية.. وقد أثني الله تعالى على أقوال الدعاة إلى الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)

وأخبر الله تعالى أنه ما أرسل من رسول إلا بلسان قومه، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (ابراهيم:4)

وهكذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدع مناسبة من المناسبات، ولا فرصة من الفرص إلا ودعا فيها إلى ربه.. فحينما خرج إلى الطائف دعاهم إلى الله بالقول، وقد قال المؤرخون في ذلك: (لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر ثقيف.. فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه)

وحينما أمره الله بعرض نفسه على القبائل، كان يدعوهم بالقول، حيث (كان على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الهدى والرحمة)

وبالقول استطاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إقناع وفد الأنصار بدعوة الحق حين التقى بهم، فقد قال لهم: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.

وكان القول وسيلة مبعوثيه صلى الله عليه وآله وسلم في إقناع مدعويهم، فقد قال مصعب بن عمير وهو مبعوثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة لزعيمي بني عبد الأشهل: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟

فهذه النصوص وغيرها كثير تبين أن اللسان من أهم وسائل الدعوة إلى الله.. ولذلك على الصادق مع الله أن يدربه على جميع أساليب الدعوة إلى الله.. من الموعظة التي تدمع لها العيون.. والخطبة التي ترتجف لها القلوب.. والحوار الذي يصد عن الباطل ويهدي إلى الحق.. والمعلومة التي يقضى بها على الجهل.. وهكذا فميادين اللسان لا يمكن حصرها.

وقد قال الله تعالى يشير إلى ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (ابراهيم:4)

فاسع لأن تخاطب كل قوم بلسانهم، حتى تحبب لهم ربك ودينك، لئلا تكون حجابا بينهم وبين الحق، وقد قال بعض الحكماء في ذلك: (ألسن العارف: هي الألسن التي جعلها الله تعالى للعارف ليكلم كل صنف من الناس على قدر مراتبهم ومنازلهم وقدر عقولهم، فلا يكشف دقائق الكلام إلا عند أهله، ولا يحمل المريد فوق طاقته، ولا يمنع كلامه من كان من أهله.. فيكون كلامه مع أهل المعرفة بلسان المعرفة، ومع أهل الصفاء بلسان المحبة، ومع أهل الزهد بلسانهم.. وهذه الألسن تتلاشى كلها عند ظهور سلطان الحق، فمن ورد قلبه الحضرة كل لسانه، ومن غاب قلبه عن الحضرة كثر كلامه) ([23])

هذا جوابي على سؤالك ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تجعل لسانك مثل ألسنة الصالحين؛ فعسى الله أن ينقلك إلى مرتبتهم، حتى لو لم يكن لك حظ من دينك إلا لسانك، وقد قال بعض الحكماء يذكر ذلك: (لا تترك الذّكر لعدم حضور قلبك مع اللّه فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشدّ من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عمّا سوى المذكور، وما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)

وقيل لبعضهم: ما لنا نذكر اللّه باللسان والقلب غافل؟ فقال: (اشكر اللّه على ما وفق من ذكر اللسان، ولو أشغله بالغيبة ما كنت تفعل؟)


([1])مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم، ص 79.

([2])ختم الأولياء، ص 450.

([3])اللُّمَع في التصوف، ص 216.

([4])لطائف الإعلام في إشارات أهل الإفهام، ص 437.

([5])حكم أبو مدين، ص 56.

([6])رسائل الجنيد، ص 9.

([7])الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص 223.

0

([8]) بحار الأنوار (71/ 11)

([9])ثواب الأعمال ص212، الخصال 1/6.

([10])الخصال 1/153، أمالي الصدوق ص2.

([11])الاحتجاج ص172.

([12])أمالي الصدوق ص18.

([13])أمالي الصدوق ص21.

([14])الخصال 2/157.

([15]) بحار الأنوار: 68/286، وروضة الواعظين.

([16]) نهج البلاغة، 1/346.

([17]) نهج البلاغة، 1/489.

([18]) نهج البلاغة،2/51.

([19]) بحار الأنوار: 68/293.

([20])أمالي الطوسي 2/55.

([21])مصباح الشريعة ص30.

(([22])) رواه البخاري ومسلم.

([23]) أحمد أبو كف، أعلام التصوف الإسلامي، ص 26 (بتصرف).

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *