التقوى والعبودية

التقوى والعبودية

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن التقوى وحقيقتها ومنزلتها ودرجاتها وعلاقتها بالعبودية وبالنفس المطمئنة.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن التقوى هي علامة العبودية وصدقها ودرجتها.. فكلما ازدادت كان ذلك دليلا على تحقق العبودية وصفائها، وكلما نقصت دل ذلك على اختلاط العبودية بالأهواء والنفس والشرك.

ولذلك كان سيد المتقين هو الذي تمثلت فيه العبودية بأتم وأكمل وأجمل معانيها، وذلك هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نعته ربه بالعبودية، وشرفه بها، وفي أشرف المقامات، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الاسراء:1)، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ (الجن:19)

وهذه العبودية الخالصة لله تعالى هي العلامة على التحرر من كل القيود التي تحرم الإنسان من نعمة التواصل مع الله، ومع الكمال المتاح له، ذلك أنها تجعله متجردا خالصا ليس فيه أي شوائب يمكن أن يتعلق بها الشيطان أو الأهواء، ذلك أن الشيطان لا يقترب إلا ممن فيه حظ منه، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98 – 100]

ولهذا وصف الله تعالى المتحررين من كيد الشيطان واستعماره وسلطانه بكونهم عبيدا لله، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]

فمن وقع في الغواية خرج من العبودية، وصار فيه استعداد لاستحواذ الشيطان عليه، كما قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 19]

فإن نسي العبد ذكر الله، نسي عبوديته، وتحول من حزب الله إلى حزب الشيطان، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19]

فإن حصل له ذلك انتكست حقيقته الإنسانية لتصبح حقيقة شيطانية، وحينها يمتلئ بالعذاب؛ فكل من خالف حقيقته وفطرته التي فطر عليها امتلأ بالعذاب، بقدر مخالفته.

ولذلك كانت التقوى هي الطريق الذي يتقي به المؤمن كل ما يحرمه من هذه العبودية الخالصة لله تعالى؛ فتجعله وقافا عند أوامر الله، لا يجده إلا حيث أمره، ولا يفقده إلا حيث نهاه.

وقد وصفها الإمام علي بذلك حين قال في بعض وصاياه: (أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، فإنّها الزّمام والقوام، فتمسّكوا بوثائقها، واعتصموا بحقائقها، تؤل بكم إلى أكنان الدّعة، وأوطان السّعة، ومعاقل الحرز، ومنازل العزّ)([1])

وقال: (إنّ تقوى اللّه مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، بها ينجح الطّالب، وينجو الهارب، وتنال الرّغائب) ([2])

ولهذا يرد في القرآن الكريم الحديث عنها، وعن الجزاء العظيم المُعد لأهلها.. وهو جزاء لا يرتبط فقط بالآخرة، وإنما يرتبط بالدنيا، وبكل الأحوال والمراحل التي يمر بها الإنسان..

فالقرآن الكريم يبشر المتّقين بـ (العون والنّصرة، والتّكريم، والعلم والحكمة، وتكفير الذّنوب وتعظيم الأجر، والمغفرة، واليسر والسّهولة في الأمر، والخروج من الغمّ والمحنة، والرّزق الواسع في الدّنيا، والنّجاة من العقوبة في الآخرة، والتّوفيق والعصمة والفوز بالمراد، وشهادة الله لهم بالصّدق، ومحبّة الله وإكرامه ونيل الوصال وقبول الصّدقة والصّفاء وكمال العبوديّة، والمقام الأمين والجنّات والعيون والأمن من البليّة وزوال الحزن والخوف من العقوبة، وأعظم من هذا كلّه القرب من الحضرة الإلهيّة عند الفوز بمقعد صدق عند مليك مقتدر)([3])

ومن الأمثلة على ذلك الجزاء العظيم الذي خص الله تعالى به المتقين في الآخرة ما ورد في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [الذاريات: 15 – 19]

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54، 55]

وقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المرسلات: 41 – 44]

وقال: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ [النبأ: 31 – 36]

وقال: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: 15، 17]

وقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 133 – 135]

وقال: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ [الرعد: 35]

وقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الدخان: 51 – 57]

ومن الجزاء العظيم المعد لهم في الدنيا ذلك الاستعداد الذي وفرته لهم التقوى للتحقق بالهداية، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، وهي دليل على أن الهداية الحقيقية لا تتحقق إلا للمتقين.

ومثل ذلك العلم اللدني الذي يهبه الله تعالى للمتقين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]

ومنها ولاية الله لهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الجاثية: 19]

ومنها تلك البركات التي وعد الله بها المتقين في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]

ومنها ذلك الفرقان الذي يجعلهم يميزون بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29]

ومنها ذلك السرور الذي يحميهم من كل ما يدعوهم إلى الحزن والكآبة، كما قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 35]، وقال: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 – 64]

وهو سرور يصحبهم في كل المراحل التي تمر بها حياتهم، كما قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 30 – 32]، وقال: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تعتبر التقوى علامة على الصدق والصلاح والعبودية، وتخبر عن الجزاء العظيم المعد لهم في الدنيا والآخرة.

وهكذا نجد السنة النبوية تعتبر كل الأعمال الصالحة ناتجة عن التقوى، وثمرة من ثمارها، وقد ورد في الحديث عن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو هذه الآية:﴿ وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)﴾(الطلاق)، فجعل يرددها حتى تعب، فقال: (يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم)([4])

وروي أنّ رجلا جاءه فقال: أوصني فقال: سألت عمّا سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبلك فقال: (أوصيك بتقوى الله؛ فإنّه رأس كلّ شي‏ء، وعليك بالجهاد فإنّه رهبانيّة الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنّه روحك في السّماء، وذكرك في الأرض)([5])

وسئل عن أفضل الناس فقال: (التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد)([6])

وأخبر عن حدود التقوى، فقال: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأسُ)([7])

وأخبر عن استيعابها لكل المحال، فقال: (اتّق الله حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن)([8])

وأخبر عن أفضلية أهلها، ومكانتهم، فقال: (من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتقِ اللهَ)([9])

وقال: (قد أذهب الله عنكم عبّيّة الجاهليّة([10]) وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، والنّاس بنو آدم، وآدم من تراب)([11]

وهكذا ذكر أئمة الهدى التقوى، وحضوا عليها، وبينوا علاماتها، وحذروا من كل التشويهات التي علقت بها، ومن ذلك قول الإمام علي في علامات التقوى: (إنّ لأهل التقوى علامات يعرفون بها: (صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء بالعهد، وقلّة العجز والبخل، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلّة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتباع العلم فيما يقرّب إلى الله، طوبى لهم وحسن مآب..)([12])

وسئل الإمام الصادق عن تفسير التقوى فقال: (أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك)([13])

وكتب إلى رجل من أصحابه يرغبه في التقوى، ويدعوه إليها: (أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنّ الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوّله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، إنّ الله عز وجل لا يُخدع عن جنته، ولا ينُال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله تعالى)([14])

وقال: (أيّما مؤمن أقبل قِبَل ما يحب الله، أقبل الله عليه قِبَل كل ما يحب، ومن اعتصم بالله بتقواه عصمه الله، ومن أقبل الله عليه وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض، وإن نزلت نازلة على أهل الأرض فشملهم بلية، كان في حرز الله بالتقوى من كلّ بلية، أليس الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: 51])([15])

وقال: (القيامة عرس المتقين)([16])

هذه هي حقيقة التقوى ـ أيها المريد الصادق ـ وإن شئت تفصيل علاماتها، وكيفية التحقق بها، فدعك من كل ما قاله العلماء والحكماء، وتدبر بصدق تلك الكلمات البليغة التي وصف فيها الإمام علي التقوى أحسن الأوصاف وأجملها وأجمعها، وذلك عندما طلب منه صاحبه المخلص الصادق همام بن عبادة([17]) أن يحدثه عن صفات المتقين بعد أن رآه يكثر الحديث عنهم، وبعد أن رأى أن الكل صار يدعي التقوى لنفسه ولمذهبه وطائفته.

ومن تلك الأوصاف قوله: (المتّقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصّواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزّلت في الرّخاء، ولو لا الأجل الّذي كتب اللّه عليهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثّواب، وخوفا من العقاب) ([18])

ثم ذكر دوافع تلك الصفات، أو التقوى الباطنية، فقال: (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنّار كمن قد رآها، فهم فيها معذّبون)([19])

ثم ذكر علامات المتقين، فقال: (قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أيّاما قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها)([20])

ثم وصف ليل المتقين، وكيف يعمرونه بطاعة الله، فقال: (أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن، يرتّلونها ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا، وظنّوا أنّها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفّهم، وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم)([21])

ثم راح يصف نهارهم، وهو نهار ممتلئ بالحياة والإيجابية والتأثير، فقال: (وأمّا النّهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: لقد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكّي أحد منهم، خاف ممّا يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربّي أعلم بي منّي بنفسي، اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل ممّا يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون)([22])

ثم راح يصحح تلك المفاهيم الخاطئة التي تصور المتقين بصورة الضعفاء الذين لا أثر لهم في الحياة ولا تأثير، فقال: (فمن علامة أحدهم: أنّك ترى له قوّة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجمّلا في فاقة، وصبرا في شدّة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرّجا عن طمع) ([23])

ثم راح يفصل نواحي القوة في المتقين، فذكر أن صاحبها (يعمل الأعمال الصّالحة، وهو على وجل، يمسي وهمّه الشّكر، ويصبح وهمّه الذّكر، يبيت حذرا، ويصبح فرحا، حذرا لما حذّر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرّحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحبّ، قرّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى) ([24])

ثم راح يذكر السلوك الرفيع الذي يسلكه المتقون مع نفوسهم أو مع الناس، وهو سلوك في قمة قمم الأدب والروحانية والتسامي، فالمتقي هو من (يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلـلـه، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه، ميّتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشّرّ منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذّاكرين، وإن كان في الذّاكرين لم يكتب من الغافلين) ([25])

وهو في سلوكه الاجتماعي مع الناس (يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه، ليّنا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شرّه، في الزّلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرّخاء شكور، لا يحيف على‏ من يبغض، ولا يأثم فيمن يحبّ، يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه) ([26])

وهو بعيد عن كل تلك الرذائل التي يقع فيها غيره، فهو (لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكّر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضارّ بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحقّ، إن صمت لم يغمّه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه هو الّذي ينتقم له) ([27])

أما نفسه فهي (منه في عناء، والنّاس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح النّاس من نفسه، بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوّه بمكر وخديعة) ([28])

هذه صفات المتقين ـ أيها المريد الصادق ـ فاسع لأن تتحقق بها، لتنال حظك من العبودية، فلن تنال حريتك ولا كرامتك ولا فلاحك في الدنيا والآخرة إلا بها.


([1]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(195)

([2]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(230)

([3]) انظر الآيات الدالة على هذه البشارات في بصائر ذوي التمييز(5/ 300- 303)

([4])  رواه الحاكم والبيهقي وابن مردويه.

([5]) أحمد في المسند(3/ 82)

([6])  رواه ابن ماجه، والبيهقي.

([7])  رواه أحمد والترمذي وحسّنه ابن ماجه والحاكم.

([8]) الترمذي(2053) وقال: حديث حسن صحيح.

([9])  رواه الحاكم والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.

([10]) عبية الجاهلية: المراد به الكبر.

([11]) أبو داود(5116) والترمذي(3965)

([12]) تفسير العياشي 2/213.

([13]) عدة الداعي ص284.

([14]) عدة الداعي ص287.

([15]) مشكاة الأنوار ص18.

([16]) الخصال 1/10.

([17]) هو همام بن عبادة بن خيثم، وهو من الصادقين المشهورين بحبهم وموالتهم للإمام علي، وقد توفي في عهده بين عام 37 هجرية الى عام 40.

([18]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([19]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([20]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([21]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([22]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([23]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([24]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([25]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([26]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([27]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

([28]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(193)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *