المخالطة التربوية

المخالطة التربوية

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن مخالطة المجتمع، وكيفية تحويلها إلى مدرسة تربوية تزكى النفس وترقىها من خلال التلمذة عليها، حتى تصبح بذلك كلا من خلوة السالك وجلوته طريقا يسير به إلى الكمال المتاح له.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن ما ذكرته من إمكانية تحويل المخالطة إلى وسيلة تربوية للنفس لتزكيها وترقيها هو نفس ما وردت به النصوص المقدسة، كما اختصر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (الّذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الّذي لا يخالط النّاس ولا يصبر على أذاهم)([1])

بل إن الكثير من التكاليف الشرعية التي تُهذَّب بها النفس لا يمكن تطبيقها إلا بالمخالطة، وإلا أصبح المعتزل فردا حياديا، وجوده كعدمه، ويفوته بذلك الخير الكثير الذي أعده الله تعالى لمن مارس الحياة الاجتماعية بكل صعوباتها.

ولذلك يصنف الله تعالى البشر ـ بحسب قعودهم ونشاطهم ـ إلى قسمين، فيقول: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:95)

ويخبر عن موقف الكسالى في كل عصر من حنينهم إلى القعود ـ ولو باسم الخلوة والعزلة أو الابتعاد عن الفتن ـ فيقول: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة:86)، وفي موقف آخر يرد عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة:46)

وقال عن المنافقين من أصحاب موسى u: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:24)

ولهذا يأمر المؤمنين بالنفير مهما كانت أحوالهم، فيقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:41)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ (النساء:71)

ويعاتبهم على تحديث أنفسهم بعدم النفير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة:38)

بل يتشدد عليهم، فيتوعدهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا، قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:39)

وهو نفير لا يقتصر على نفير الجيش فقط، بل هو نفير يشمل الحياة جميعا، فلكل من في هذه الحياة طاقته التي يخدم الأمة من خلالها، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:122)

والنفير يقتضي المخالطة والسعي والاجتهاد، فلذلك يرد في القرآن الكريم الترغيب في السعي بأجمل صيغ التعبير، قال تعالى عن صاحب موسى عليه السلام﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص:20)، وقال عن صاحب الرسل: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يّـس:20)، وقال عن صاحب محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ (عبس:8)

والمؤمن لهذا الاجتهاد والسعي الذي يمشي به في الناس هو في الحقيقة نور يضيء ظلمات المجتمع، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:122)

ولهذا تضمنت وصية لقمان عليه السلام الحض على هذا النوع من التربية، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17)

وبناء على هذه النصوص المقدسة، وغيرها كثير؛ فإن للمخالطة ـ بشروطها وضوابطها الشرعية ـ دور تربوي كبير، يكمل الأدوار التي تقوم بها العزلة الشرعية.. فكلاهما منهجان يستعملان في المحال المناسبة لهما.

وهما يشبهان بذلك دور الجندي الذي لا ينزل إلى المعركة إلا بعد أن يعتزل الحرب، ويدرب نفسه بكل القدرات التي تمكنه من الانتصار.

أو مثل المريض الذي لا يخرج من المستشفى إلا بعد أن يكتمل علاجه، حتى لا يصاب من جديد بالعدوى، أو حتى لا ينقل مرضه إلى غيره.

وسأشرح لك كلا الدورين من خلال ما ورد في النصوص المقدسة، وما ذكره الحكماء.

المخالطة والتزكية:

أول الأدوار التي تؤديها المخالطة في التربية والتزكية والتهذيب ـ أيها المريد الصادق ـ ما يمكن تسميته [تنمية طاقة التحمل]، ذلك أن النفس ـ بسبب اعتزالها الطويل عن الخلق ـ لا تتعرض للكثير من أنواع البلاء التي ترتبط بالمخالطة، وبذلك تصبح ضعيفة هشة قد يؤثر فيها أبسط المواقف، ولذلك فإن تنمية قوتها ترتبط بمخالطة المجتمع.

وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران:186)، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:155)، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد:31)

فالله تعالى يحضر الأنفس المؤمنة لاستقبال البلاء بما يخبر به من سنته في خلقه وسنته في المؤمنين، حتى تتأدب الأنفس بأدب الصبر العظيم الذي يوفر لها الطاقة على تحمل البلاء.

والفائدة الثانية من ذلك هي اكتشاف المؤمن لنفسه، وتشخيصه لأدوائه، ذلك أنه لا يمكنه أن يشخصها، وهو بعيد عن المجتمع، وإلى ذلك الإشارة بما ورد في القرآن الكريم من أن المقصد من البلاء، ليس ذات البلاء، وإنما تمحيص الأنفس، وتبيين حقيقتها، والتفريق بين الطيب والخبيث، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:179)

ومما يروى في ذلك أن (حكيما من الحكماء صنّف كتبا كثيرة في الحكمة حتّى ظنّ أنّه قد نال عند الله منزلة، فأوحى الله إلى نبيّ زمانه: (قل لفلان إنك قد ملأت الأرض نفاقا، وإنى لا أقبل من نفاقك شيئا)، فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض، وقال الآن قد بلغت رضا ربي. فأوحى اللّه إلى نبيه، قل له إنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم، فخرج إلى الأسواق، وخالط الناس وجالسهم وواكلهم، وأكل الطعام بينهم، ومشى في الأسواق معهم. فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه، الآن قد بلغ رضاي)

وقد قال بعض الحكماء ينكر على المعتزلين عزلة غير شرعية، مبينا الأمراض التي دعتهم إلى ذلك: (فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر، ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا يقدم، أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله، وأبقى لطراوة ذكره بين الناس، وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط، فلا تعتقد فيه الزهد والاشتغال بالعبادة فيتخذ البيت سترا على مقابحه، إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده، من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر)

ثم ذكر العلامات الدالة عليهم، فقال: (وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم، واجتماعهم على بابهم وطرقهم، وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك. ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس، لبغض إليه زياراتهم له، كما حكيناه عن الفضيل حيث قال: وهل جئتني إلا لأتزين لك وتتزين لي وعن حاتم الأصم أنه قال للأمير الذي زاره: حاجتي أن لا أراك ولا تراني. فمن ليس مشغولا مع نفسه بذكر اللّه، فاعتزاله عن الناس سببه شدة اشتغاله بالناس، لأن قلبه متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام والعزلة بهذا السبب جهل) ([2])

ولهذا كان الإمام الحسن يمرّ بالشحاذين، وبين أيديهم كسر الخبز، فيقولون: هلمّ إلى الغداء يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ينزل على الطريق ويأكل معهم، ويقول: (إنّ الله لا يحبّ المستكبرين)([3])، وفي ذلك إشارة إلى أن المعتزلين لمثل هذه المجالس مستكبرون من حيث لا يشعرون.

ولهذا فإن الكثير من مثالب النفس الأمارة لا يمكن معرفتها من دون مخالطة، ذلك أنها وحدها من يكشف جوهر الإنسان، ولهذا يدعو الله تعالى إلى ابتلاء اليتامى للنظر في قدرتهم على التعامل السليم مع المال قبل تسليمه لهم، فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (النساء:6)

ومثل المال كل المسؤوليات التي لا يمكن تحملها ما لم ينجح صاحبها في الاختبارات التي يتعرض لها.. ولهذا يخبرنا الله تعالى عن نموذج من نماذج البلاء الذي قام به طالوت لتمييز جنوده، فقال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:249)

بل إن الله تعالى يجعل لمن نجح في امتحان البلاء الشديد الإمامة في الأرض، والإمام في الاصطلاح القرآني هو من كان قائدا للناس وقدوة لهم، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:124)

والفائدة التربوية الثالثة للمخالطة هي ما ورد في وصية لقمان عليه السلام بعد ذكره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17)

لأن مواجهة الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستدعي مواجهة الناس في العادة لهذا الآمر بأصناف الأذى، لأن هذا الناصح المحتسب لا يواجه عقول الناس بقدر ما يواجه مواطن الشر فيهم، وهي مواطن تأخذها الحمية ويستفزها الشيطان، فلا تسكت عن هذا الآمر المحتسب.

ولهذا أخبر تعالى عن سنته في المرسلين أنهم يتعرضون لكل أنواع البلاء، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (الاسراء:76)، ثم قال بعدها مبينا أن هذا سنته في من أرسل من خلقه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ (الاسراء:77)

وأخبر تعالى أنهم كانوا يقولون لأقوامهم، وهم يواجهونهم بأنواع البلاء: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (ابراهيم:12)

والصبر المراد هنا ليس الصبر في مواضع المحن فقط، وإنما الصبر في جميع ميادين الحياة، ذلك أن التعامل مع الناس يحتاج إلى قوة عظيمة، ولذلك فإن القرآن الكريم يشير إلى أن معاناة موسى عليه السلام مع قومه بعد نجاتهم من فرعون أعظم من صبره على كيد فرعون وزبانيته.

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل ذكراه عندما يصيبه أي بلاء، ففي الحديث أنه: لما كان يوم حنين آثر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ناسا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة مِنْ الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا مِنْ أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه اللَّه. فقلت: واللَّه لأخبرن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال:(فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟)، ثم قال:(يرحم اللَّه موسى قد أوذي بأكثر مِنْ هذا فصبر)([4])

ولهذا وصف الله تعالى الصالحين بمواجهة الأذى والرد عليه، لا الاعتزال الكامل عن الخلق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون:3)، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص:55)، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ (الفرقان:63)

ومن أخبار الصالحين التي تمثل هذا المعنى القرآني خير تمثيل ما روي أن إبراهيم بن أدهم خرج يوماً إلى بعض البراري فاستقبله رجل جندي فقال: أنت عبد؟ قال: نعم، فقال له: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فقال الجندي: إنما أردت العمران؟ فقال: هو المقبرة، فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا ما الخبر؟ فأخبرهم الجندي ما قال له فقالوا، هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن فرسه وقبَّل يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه، فقيل بعد ذلك له: لم قلت له أنا عبد؟ فقال: إنه لم يسألني: عبد من أنت بل قال: أنت عبد؟ فقلت: نعم، لأني عبد الله، فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك؟ فقال: علمت أنني أؤجر على ما نالني منه فلم أرد أن يكون نصيبـي منه الخير ونصيبه مني الشر.

ويروى أن داعيا دعا بعض الصالحين إلى وليمة ـ وكان الداعي قد أراد تجربته ـ فلما بلغ منزله رده، وقال له: أنت لست مدعوا، فرجع، فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانياً فقال له: يا أستاذ ارجع فرجع، فقال له مثل مقالته الأولى فرجع، ثم دعاه الثالثة وقال: ارجع على ما يوجب الوقت فرجع، فلما بلغ الباب قال له مثل مقالته الأولى فرجع، ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات، والرجل الصالح لا يتغير من ذلك، فأكب على رجليه وقال:(يا أستاذ إنما أردت أن أختبرك فما أحسن خلقك)، فقال:(إنّ الذي رأيت مني هو خلق الكلب، إن الكلب إذا دعي أجاب وإذا زجر انزجر)

وهو موقف عظيم لو تمثل في المجتمع لحفظ المجتمع من أكثر أسباب الشقاق التي يسببها التعالي والعزة الكاذبة.

ويروى عن هذ الصالح الذي ربى نفسه على الصبر الشديد، أنه اجتاز يوماً في سكة فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر، ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل شيئاً، فقيل: ألا زبرتهم؟ فقال: إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب.

ويروى أن الإمام السجاد دعا غلاماً فلم يجبه فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: بلى، قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فقال: امض فأنت حر لوجه الله تعالى.

ويروى ن أويساً القرني كان إذا رآه الصبـيان يرمونه بالحجارة فكان يقول لهم: (يا إخوتاه إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة)

وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي، فقال: يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة.

وقد قال بعض الحكماء يصف هذه النفوس: (فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها، ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق. فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو غاية سوء خلقه، فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرنا. فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق، بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون)([5])

المخالطة والترقية:

أما الدور الثاني للمخالطة ـ أيها المريد الصادق ـ فيتمثل في ترقية النفس ونيلها المراتب العالية التي تؤهلها للعروج في سلم الكمال المتاح لها.

ذلك أن الله تعالى ربط بين الرقي والكمال وخدمة المجتمع بكل أنواع الخدمة الممكنة؛ ومن حرم نفسه من تلك الخدمات، لن ينال تلك المراتب.

ولهذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام وورثتهم أشرف الناس وأكملهم نتيجة لتلك الأدوار العظيمة التي قاموا بها في خدمة مجتمعاتهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الانبياء:73)، وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5)، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة:24)

وهكذا؛ فإن الذي يعتزل الناس عزلة مطلقة تفوته الكثير من أعمال الخير التي رتب الله تعالى عليها الكثير من الأجور التي لا يمكن أن تنال من دونها، ومن ذلك ما عبر عنه قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (لأنفال:72)، ففي هذه الآية الكريمة حض على نصر المؤمنين بعضهم بعضا، وهو مما لا يمكن تحققه للمعتزلين المحايدين.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يحض على رعاية هذا الركن من أركان الأخوة الإيمانية:(المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)، وقال:(انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالما؟)، قال:(تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)([6])

ومثل ذلك نصيحة الخلق مسلمين وغيرهم، والتي لا يمكن تحققها من دون المخالطة المشروعة، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى:﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾(البلد:17)، وقال:﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر:3)

وإلى هذا الإشارة بقول لقمان عليه السلام في وصيته لابنه:﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17)

وقد اعتبر القرآن الكريم هذا الركن خاصة من خصائص هذه الأمة، فقال تعالى:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)

واعتبر أداء هذا الركن من علامات المؤمنين الصادقين، فقال:﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران:114)

واعتبره بعد ذلك من علامات صحة التمكين في الأرض، قال تعالى:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:41)

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا التناصح ركنا من أركان الدين، فقال:(الدين النصيحة) ثلاثا، قلنا لمن؟ قال:(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)([7])، فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الدين نصيحة، ثم عد من النصيحة النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

ومن ذلك ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وأتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس)([8])

وقوله: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه: وإذا دعاك فأجبه، وإذا أستنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده، وإذا مات فأتبعه)([9])

وقوله: (للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته ويحب له ما يحب لنفسه)([10])

وقوله: (ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)([11])

وقوله: (التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله)([12])

وقوله: (طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل نفسه في غير مسألة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة.. طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره.. طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله)([13])

وقوله: (من يتواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين، ومن يتكبر على الله درجة يضعه درجة حتى يجعله في أسفل سافلين)([14])

وقوله: (من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله)([15])

وقوله: (تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبار عباد الله، وتخرجوا من الكبر)([16])

وقوله: (عليكم بالتواضع فإن التواضع في القلب ولا يؤذين مسلم مسلما، فلرب متضعف في أطمار لو أقسم على الله لأبره)([17])

وقوله: (ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإن تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته)([18])

وقوله: (من تواضع لله رفعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن ذكر الله أحبه الله)([19])

وقوله: (من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه ضعيف وفي أنفس الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير)([20])

وقوله: (ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة موكل بها ملك، فإن تواضع رفعه الله، وإن ارتفع قمعه الله، والكبرياء رداء الله فمن نازع الله قمعه)([21])

وقد جمع الكثير من هذه الحقوق الإمام الصادق؛ فقد قال لمن سأله عن حق المسلم على المسلم: (له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من نصيب.. أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، والثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته، وتطيع أمره، والثالث أن تعينه بنفسك، ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته، والخامس لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى والسادس أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه، ويصنع طعامه، ويمهد فراشه، والسابع أن تبر قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة، فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك) ([22])

وفي حديث آخر قال: (إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره، والمواساة له في ماله، والخلف له في أهله، والنصرة له على من ظلمه، وإن كان نافلة في المسلمين وكان غائبا، أخذ له بنصيبه، وإذا مات الزيارة إلى قبره، وأن لا يظلمه وأن لا يغشه وأن لا يخونه وأن لا يخذله وأن لا يكذبه وأن لا يقول له اف وإن قال له اف فليس بينهما ولاية، وإذا قال له أنت عدوي فقد كفر أحدهما، وإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما بنماث الملح في الماء) ([23])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي لا يمكن تطبيقها لذلك الذي اعتزل الناس عزلة كلية، بحيث لا يصله شرهم، ولا يصل إليهم خيره.

فاسع ـ أيها المريد الصادق ـ لأن تطبق هذه الأحاديث، وتجمع بينها وبين العزلة الشرعية؛ فلكل منهما محله الخاص به.. ولهذا أعمل فكرك قبل أن تتصرف أي تصرف لترى الأقرب لرضوان الله، هل هو أداؤه، ومخالطة المجتمع بسببه، أم هو الصبر إلى أن تتحقق فيك من الصفات ما يمكنك من أدائه على أحسن وجه.


([1]) رواه أحمد ج 5 ص 365.

([2]) إحياء علوم الدين، 6/ 87.

([3]) المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 23.

([4]) رواه البخاري ومسلم.

([5]) إحياء علوم الدين: 3/72.

([6]) رواه البخاري وأحمد.

([7]) رواه مسلم.

([8]) رواه البخاري ومسلم.

([9]) رواه مسلم.

([10]) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

([11]) رواه مسلم.

([12]) رواه ابن أبي الدنيا.

([13]) رواه الطبراني بسند حسن صحيح.

([14]) رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم.

([15]) رواه الطبراني.

([16]) رواه أبو نعيم.

([17]) رواه الطبراني.

([18]) رواه الطبراني بسند حسن.

([19]) رواه ابن النجار.

([20]) رواه أبو نعيم.

([21]) رواه ابن صصرى.

([22]) الكافى ج 2 ص 169.

([23]) الكافى ج 2 ص 171.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *