المثال الثاني

المثال الثاني:

التفت القاضي إلى الهندي، وقال: وعيت هذا.. فهات المثال الثاني.

قال الهندي: المثال الثاني هو ما ساقه ابن تيمة وسلفه الذين يعتمد عليهم في تفسير قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]، فمع أنه يمكن حمل الآية على ما يتناسب مع عظمة الله وقدسيته إلا أنهم سوقوا من خلالها كل ما يريدون من معاني التشبيه.

وقد اهتم بها ابن تيمية كثيرا، فأوردها في مواضع كثيرة من كتبه..

قال القاضي: هلا سقت لي واحدا منها، لأرى رأيه فيها.

قال الهندي: سأسوق لك نصا طويلا اقتبسه ابن تيمية من سلفه الدارمي في نقضه على المريسي، وقد ذكره ابن تيمية في كتابه (درء تعارض العقل والنقل)، وأراد من خلاله أن يبين ضلال من ينكر التجسيم والتشبيه في هذا الموضع، قال فيه: (وادعيت أيها المريسي في قول الله عز وجل: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (الأنعام: 210) وفي قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 210] فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان، لما أنه غير متحرك عندك، ولكن يأتي بالقيامة بزعمك، وقوله: ﴿ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾: يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام، ولا يأتي هو بنفسه.. ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: 26] ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ [الحشر: 2]، فيقال لهذا المريسي: قاتلك الله! ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر! أنبأك الله أنه إتيان، وتقول: ليس بإتيان.. لقد ميزت بين ما جمع الله، وجمعت بين ما ميز الله، ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة، لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة، لا يجهلة إلا مثلك.. وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه، فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السماوات يومئذ لنزوله، وتنزل الملائكة تنزيلاً، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله ورسوله.. فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقيناً أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه)([1])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول؟

قلت: صدق سيدي القاضي، فابن تيمية يذكر هذه الآية كثيرا، ويعتبرها من آيات الصفات، ويشدد على من يتوقف في معناها أو يؤوله بحسب اللغة.

وهو يدعو إلى مطالعة ما أورده السلف من روايات في ذلك، وكلها مشحونة بالأساطير التي لا تتناسب مع جلال الله..

قال القاضي: فهلا أوردت لي بعضها لأتأكد.

قلت: من ذلك هذه الرواية التي أوردها الدارمي، والذي يرجع ابن تيمية إليه كثيرا في هذا الباب: (إذا فرغ الله عز وجل من أهل الجنة والنار، أقبل الله عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة، فسلم على أهل الجنة في أول درجة، فيردون عليه السلا.. فيقول: سلوني، ففعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، ثم يأتيهم التحف من الله تحملها الملائكة إليهم)، وقد علق الدارمي على هذه الرواية المتهافتة بقوله: (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة – أي المنزهة- فعارضت آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برد وتشمروا لدفعها بجد)([2])

ويقول في موضع آخر مبينا أصله في ذلك، وهو الذي اعتمد عليه ابن تيمية وكل المجسمة: (لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك وكل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة)([3])

التفت القاضي إلى الهندي، وقال: وعيت هذا.. فكيف فسر المنزهة الآية؟

قال الهندي: لقد وضع المنزهة قارئ القرآن الكريم بين احتمالين نص على أولهما الفخر الرازي، فقال: (الوجه الأول: وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال، علمنا قطعا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ، فالأولى السكوت عن التأويل، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله)([4])

ونص على الوجه الثاني، واعتبره قول جمهور المتكلمين من الفرق الإسلامية المختلفة ما عدا ابن تيمية وسلفه، وهو (أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل)، وقد أورد لذلك وجوها من التأويل([5]):

منها أن المراد هل ينظرون إلا أن تأتيهم آيات الله، فجعل مجيء الآيات مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات، كما يقال: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته.

ومنها أن يكون المراد هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلا وأضافه إلى شيء، فإن كان ذلك محالا فالواجب صرفه إلى التأويل، كما قاله العلماء في قوله: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: 33]، والمراد يحاربون أولياءه، وقال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، والمراد: واسأل أهل القرية، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلانا، وصلبه، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه.


([1]) درء تعارض العقل والنقل (2/ 66)

([2]) الرد على الجهمية1/92(146).

([3]) نقض الإمام عثمان بن سعيد 1/215.

([4]) مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (5/ 358)

([5]) مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (5/ 358)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *