موقف ابن تيمية مما يسمونه صفات الفعل: المثال 1

2 ـ صفات الفعل

قال القاضي: وعينا الشاهد الأول.. فهات الشاهد الثاني.

قال الهندي: لم يكتف ابن تيمية بتجسيمه وتشبيهه لله بخلقه في ذاته، وإنما أضاف إلى ذلك أنه جعله يتصرف كتصرف عباده الممتلئين بالعجز والقصور.. فهو ينزل ويصعد، ويجيء ويرجع، ويمشي ويهرول، ويضحك حتى تبدو أضراسه.. وغير ذلك مما امتلأت بأمثاله كتب ابن تيمية وسلفه الذين يعتمد عليهم.

قال القاضي: إن ما تقوله خطير.. ويحتاج إلى إثبات.

قال الهندي: أدرك ذلك سيدي، ولذلك سأذكر لك سبعة أمثلة، لعلها تكون كافي في الدلالة على ما ذكرت.

المثال الأول:

قال القاضي: فهات المثال الأول.

قال الهندي: المثال الأول، هو اهتمام ابن تيمية المبالغ فيه – كشأن سلفه الذين يعتمد عليهم – بنزول الله وصعوده، ونحو ذلك.. وقد كتب في ذلك رسالة مطولة أطنب فيها بذكر الروايات والردود العقلية على المخالفين.. وكلها مبنية على التجسيم المحض.

وقد حكى مناظرة لإسحاق بن راهويه في مواضع مختلفة من كتبه تبين تصوره لأفعال الله، فقد سئل إسحق عن حديث النزول أصحيح هو؟ فقال نعم فقيل له: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق حتى أصف لك النزول؟ فقال له الرجل: أثبته فوق. فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر: 22]، فقيل له: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: ومن يجىء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وأنه قيل له أيضاً: أينزل ويدع عرشه؟ فقال: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو من العرش؟ فقيل: نعم، فقال إسحاق: فلم تتكلم في هذا([1]).

وقال في (شرح حديث النزول): (فإن وصفه ـ سبحانه وتعالى ـ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات؛ كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان، ووصفه بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجىء في مثل قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾ [البقرة: 210]، وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله ـ تعالى ـ بها نفسه التي تسميها النحاة أفعالًا متعدية، وهي غالب ما ذكر في القرآن، أو يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول به، بل لا تتعدى إليه إلا بحرف الجر، كالاستواء إلى السماء وعلى العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك)([2])

قال القاضي: هو يستند في هذا إلى حديث سماه حديث النزول، فهلا حدثتني به.

قال الهندي: لقد ورد الحديث بصيغ كثيرة متعددة، منها ما يفيد التنزيه، ومنها ما يفيد التشبيه.. لكن ابن تيميه وأتباعه لم يشهروا إلا الصيغ التي تفيد التشبيه.

قال القاضي: فحدثني أولا على الرواية التي تفيد التنزيه.

قال الهندي: من الروايات الورادة في ذلك ما حدث به النسائي بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا ينادي، يقول: هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى)([3])

وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ينادي كل ليلة ساعة فيها مناد، هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له)([4])

قال القاضي: هذه رواية التنزيه.. فما رواية التشبيه؟

قال الهندي: هي روايات كثيرة جدا..

قال القاضي: لم كانت أكثر من روايات التنزيه؟

قال الهندي: لأن أكثر المحدثين كانوا إما مجسمة، أو لهم ميول إلى المجسمة، ولهذا غلبت رواياتهم على روايات التنزيه.

قال القاضي: فهلا حدثتني عن بعضها.

قال الهندي: سأقتصر لك على ثلاث روايات منها زكاها ابن القيم تلميذ ابن تيمية النجيب لتعلم غرام القوم بالتجسيم والتشبيه:

أما أولاها، فهي: (ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء، فيقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل)([5])

وأما الثانية، فهي: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول ألا عبدٌ من عبادي يدعوني فأستجيب له. ألا ظالمٌ لنفسه يدعوني فأغفر له ألا مقترٌ رزقَه ألا مظلوم يدعوني فأنصره ألا عانٍ فأفك عنه، فيكون كذلك حتى يصبح الصبح ثم يعلو جل وعز على كرسيه)([6])

وأما الثالثة، فهي: (إن الله جل وعز ينزل إلى سماء الدنيا، وله في كل سماء كرسي، فإذا نزل إلى سماء الدنيا، جلس على كرسيه، ثم مد ساعديه، فيقول من ذا الذي يقرض غيرَ عادم ولا ظلوم، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، من ذا الذي يتوب فأتوب عليه، فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه)([7])

وقد احتج به ابن القيم، ودافع عنه، فقال: (رواه أبو عبد الله في مسنده وروي عن سعيد مرسلاً وموصولاً قال الشافعي رحمه الله تعالى مرسل سعيد عندنا حسن)([8])

قام الميلاني، وقال: إن أذن لي حضرة القاضي، فسأذكر له رواية عن أئمتنا من أهل البيت عليهم السلام الذي أنكروا هذه الروايات وبينوا المراد الصحيح منها.

أشار إليه القاضي بالحديث، فقال: لقد حدث إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا؟ فقال عليه السلام: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال صلى الله عليه وآله وسلم كذلك إنما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل. فيأمره فينادي أهل من سائل فاعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ يا طالب الخير فأقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء) حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([9])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول؟

قلت: صدق سيدي القاضي، وقد وجدت في كتب ابن تيمية من غرائب حديث النزول هذه الرواية التي تطفح بالتجسيم والتشبيه: (ثم تبعث الصيحة فلَعَمْر إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك عز وجل السماء.. قلت يا رسول الله فما يعمل بنا ربنا جل وعز إذا لقيناه؟ قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح قِبَلكم بها فلعمر إلهك ما يخطىء وجه أحدكم منها قطرة)([10])

هل رأيت سيدي كيف يجعلون الله العلي العظيم يطوف في الأرض، ثم كيف يأخذ بيده غرفة من الماء فينضح بها.. هل هذا هو الله العلي العظيم الذي نعرفه؟

قال القاضي: لعلهم يروون الرواية.. ولا يقصدونها.

قلت: بل يروونها، ويقصدونها، ويفرحون بها.. لقد قال ابن القيم تلميذ ابن تيمية النجيب بعد إيراده الرواية: (هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته. فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة.. ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب السنة له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة، ومنهم الحافظ أبو محمد عبدالله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة، ومنهم الحافظ أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ أصبهان،..وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم)([11])

بل إنه يرتب على منكر هذا حكما خطيرا، فينقل عن سلفه أبي عبد الله بن مندة مقرا له: (ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة)([12])

ثم لا يكتفي بذلك.. بل يذهب يفسر الحديث حرفا حرفا يستنبط منه كل صنوف التجسيم والتشبيه، فيقول: (وقوله فيظل يضحك هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها.. وكذلك فأصبح ربك يطوف في الأرض هو من صفات فعله..والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم إثبات بلا تمثيل بلا تحريف ولا تعطيل.. وقوله: فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فيه إثبات صفة اليد له سبحانه بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح)([13])

قال القاضي: ولكن ألا ترى تناقضا بين هذا الذي ذكرته عنهم، وبين ما يذكرونه من عظمة الله، وأن السموات والأرض لا تساوي شيئا أمام يمينه.. فكيف يطوف الإله في الأرض.. وهل الأرض تطيق أن تحمله؟

قلت: لقد أورد بعض خصوم ابن تيمية عليه مثل هذا التساؤل، فأجابه بقوله: (يقال لهذا البَقْبَاق النفاخ إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق ولم يحمله العرش عِظَمًا ولاقوة ولا حملة العرش حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه ولكنهم حملوه بقدرته وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضَعفوا عن حمله واستكانوا وجَثَوا على رُكَبِهم حتى لُقّنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقلّ به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهن ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به)([14]).. هل رأيت سيدي مثل هذه الجرأة على الله.. وهل رأيت في تاريخ الأديان من يجوز أن تحمل الله بعوضة؟

قال القاضي: إن هذا القول من ابن تيمية يدل على أنه يقول بأن الله يتشكل كما تتشكل الملائكة والجن؟

قلت: هم يقولون بذلك، وإن لم يصرحوا به.. ولذلك يذكرون أن الناس سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين يرونه كل مرة بصورة جديدة، وذلك لا يعني سوى القدرة على التشكل.


([1]) الاستقامة (1/ 78)

([2]) شرح حديث النزول (ص: 5)

([3]) السنن الكبرى6/124(10316).

([4]) مسند أحمد 4/217-218.

([5]) اجتماع الجيوش  163 و170.

([6]) اجتماع الجيوش 54.

([7]) الرد على الجهمية1/42(56)

([8]) اجتماع الجيوش 55.

([9]) الإحتجاج (1/ 194)

([10]) مجموع الفتاوى (4/ 184)

([11]) زاد المعاد 3/677-682.

([12]) زاد المعاد 3/677-682.

([13]) زاد المعاد 3/677-682.

([14]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (3/ 242).

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *