المثال السادس

المثال السادس:

التفت القاضي إلى الهندي، وقال: وعيت هذا، وأدركت خطورته.. فهات المثال السادس.

قال الهندي: المثال السادس سيدي أخطر الأمثلة، وهو يبين أن ابن تيمية – من خلال كتبه في التجسيم – قد وصف ربه وصفا دقيقا محددا.. ولكنه من باب التقية مارس كل أساليب التمويه حتى لا يفطن لذلك.

قال القاضي: عجبا كيف ذلك.

قال الهندي: من خلال تدبر ما كتبه ابن تيمية حول صفة الله تجده يلتمس كل السبل ليقنع القارئ أن الله تعالى على هيئة شاب أمرد..

نهضت، وقلت: لا تقل هذا.. فقد رأيت الكثير من السلفيين ينكرونه عن ابن تيمية، ويتهمون الروافض بأنهم ناشرو هذه التهمة.

قال الهندي: لا تستعجل علي.. فلو رجعت إلى كتابه (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) لوجدته يكاد يصرح بذلك، ولكن بطريقته المعروفة، والتي لا تخفى على من يعرف أساليب ابن تيمية في الجدل والخصومة.

قال القاضي: هلا وضحت لي بعض ذلك.

قال الهندي: هو يبدأ بإيراد الخلاف بين الصحابة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة لربه، حتى يبين أن القضية محتملة، وأنه ليس فيها شيء.

ثم يعقب على ذلك بذكر الروايات الكثيرة التي تبين أن هناك سلفا كثيرا يذكرون بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه، قال في كتابه (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية): (وأما الأخبار المطلقة عن ابن عباس وأنس وغيرهما من الصحابة والتابعين فكثيرة أيضًا)([1])

ثم ساق على سبيل القطع من هذه النصوص قول ابن عباس: (إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، ومحمدًا بالرؤية)([2]) ، وقوله: (رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه)

وروى عن المبارك بن فضالة قوله: (كان الحسن يحلف بالله لقد رأى محمد ربه)([3])

ثم يذكر الروايات الدالة على كيفية رؤيته له، ومنها ما رواه عن عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه رأى ربه عز وجل شابًّا أمرد جعدًا قططا في حلة خضراء)([4]

وقد دافع عن هذا الحديث والروايات الواردة فيها أيما دفاع، وائذن لي – سيدي القاضي- أن أسوق لك بعض كلامه في ذلك، وكيف دافع عن رواة الحديث، فقال: (قال الخلال أبوبكر المروذي قال قرئ على أبي عبد الله شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدًا رأى ربه، فذكر الحديث، قلت إنهم يطعنون في شاذان يقولون ما رواه غير شاذان، قال بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد عن سلمة عن قتادة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت ربي، وقال المروذي في موضع آخر قلت لأبي عبد الله: فشاذان كيف هو؟ قال: ثقة، وجعل يثبته، وقال: في هذا يشنع به علينا، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول، قال بلى قلت إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال هذا لايدري الذي قال وغضب وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث بما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث سمعت عكرمة حدثنا بهذا المروذي عن أبي عبد الله قال أبو عبد الله: قد ذهب من يحسن هذا وعجب من قول من قال لم يسمع وقال سبحان الله هو قدم البصرة فاجتمع عليه الخلق)([5])

وقال في موضع آخر: (شاذان يقول أرسلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت ربي، قال حدث به فقد حدث به العلماء، قال الخلال أبنا الحسن بن ناصح قال حدثنا الأسود بن عامر شاذان ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه جعدًا قططا أمرد في حلة حمراء والصواب حلة خضراء)([6])

ثم يروي أحاديث الرؤية المنامية، ويبين انطباقها على الأحاديث الدالة على الرؤية في اليقظة، فقد روى عن امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه في رجليه نعلان من ذهب)([7]

ثم علق عليه بقوله: (وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام، وهذه الألفاظ نظير الألفاظ التي في حديث ابن عباس) ([8])

بل إنه فوق ذلك – سيدي – وحتى يبين إمكانية الاستدلال بحديث الرؤية المنامية على صفة الله، قال: (وإذا كان كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه فهذا حق في الرؤيا ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا، ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.. وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام ولكن لعلهم قالوا لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم. وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده واستقامة حاله وانحرافه)([9])

وما يريده من هذا الكلام واضح، ذلك أنه يعرف أن المسلمين جميعا يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أعرف الخلق بربه، ولذلك رؤيته مقاربة أو مطابقة لله نفسه.. خاصة إذا انضم إليها ما صححه من الأحاديث المتعلقة بالرؤية الحسية.

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول في هذا؟

قلت: صدق.. و(مجموع الفتاوى) الآن بين يدي، وأنا أطالع فيه قوله: (وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه؛ فإذا كان إيمانه صحيحا لم يره إلا في صورة حسنة وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها (تعبير وتأويل) لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق. وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام: فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم. وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه فهذا كله يقع في الدنيا. وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه حتى يستيقظ فيعلم أنه منام وربما علم في المنام أنه منام)([10])

وفي كتابه (منهاج السنة) يقول: (ومما يشبه المثال العلمي رؤية الرب تعالى في المنام، فإنه يرى في صور مختلفة، يراه كل عبد على حسب إيمانه، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم إيمانا من غيره رآه في أحسن صورة، وهي رؤية منام بالمدينة، كما نطقت بذلك الأحاديث المأثورة عنه)([11])


([1])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 188).

([2])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 189).

([3])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 191).

([4])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 197).

([5])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([6])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 196).

([7])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([8])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (7/ 194).

([9])  (بيان تلبيس الجهمية 1/73 )

([10])  مجموع الفتاوى (3/ 390)

([11])  منهاج السنة النبوية (5/ 384)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *