المثال الخامس

المثال الخامس:

قال القاضي: وعيت هذا، وأدركت خطورته.. فهات المثال الخامس.

قال الهندي: المثال الخامس يبين لك سيدي أن ابن تيمية ومدرسته يلتزمون بكل معاني التشبيه في تجسيمهم، ولذلك يلتزمون أن تكون لله يدان، ويؤولون كلمة الأيدي لأجل ذلك([1])، ويلتزمون أن لله ساقين، ويؤولون ما أثبتوه لأجل ذلك.. وهكذا.. ولو أنهم كانوا صادقين في أن المراد بها صفات لما احتاجوا إلى العدد، فالقدرة والإرادة وغيرها لم يلتزموا فيها بالتعدد أو بالتثنية.

قال القاضي: هلا ضربت لي مثالا يوضح لي ذلك.

قال الهندي: سأضرب لك مثالا على ذلك بما ورد عنهم في الساق في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]، فقد رووا في ذلك رواية طويلة تفيد بأن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة لخلقه([2]).

لكن المشكلة التي واجهتهم هي أن الله تعالى ذكر ساقا واحدة، والأصل أن يكون له ساقان.. فماذا فعلوا؟

أما أبو يعلى الفراء، فاستنجد بالمجسم الكبير مقاتل بن سليمان الذي ذكرته لك سابقا، فروى له هذه الرواية: (يعني عن ساقه اليمين فيضيء من نور ساقه الأرض)([3])

وأما ابن تيمية فراح يستعمل أساليبه في الجدال، فقد قال في (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية): (من أين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ [الزمر 56]، وقال: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم 42] وعلى تقدير أن يكون هذا من صفات الله فليس في القرآن ما يُوجِب أن لايكون لله إلا ساق واحد وجنب واحد، فإنه لو دل على إثبات جنب واحد وساق واحد وسكت عن نفي الزيادة لم يكن ذلك دليلاً على النفي إلا عند القائلين بمفهوم الاسم واللقب، لأنه متى كن للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مراداً بلا نزاع ولم يكن المقصود بالخطاب في الآيتين إثبات الصفة حتى يكون المقصود تخصيص أحد الأمرين بالذكر، بل قد يكون المقصود حكماً آخر مثل بيان تفريط العبد وبيان سجود العباد إذا كشف عن ساق، وهذا الحكم قد يختص بالمذكور دون غيره)([4])

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول؟

قلت: الأمر واضح.. ولكني فقط أورد لك رواية قرأتها عن شيخ من المحدثين، وهو الحافظ أبو عامر العبدري، شيخ ابن عساكر، وهي تدلك على أن القوم مشبهة، وإنهم إنما يتقون حين يعتبرون هذه الجوارح صفات، لقد قال ابن عساكر يذكر شيخه: (كان سيء الاعتقاد يعتقد من أحاديث الصفات ظاهرها بلغني أنه قال يوما: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، فضرب على ساقه وقال: ساق كساقي هذه. وبلغني عنه أنه قال أهل البدع يحتجون بقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] أي في الإلهية، أما في الصورة فهو مثلي ومثلك)([5])


([1])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (3/ 342)

([2])  رواه البخاري ومسلم.

([3]) إبطال التأويلات 1/161

([4])  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (5/ 464)

([5]) تاريخ دمشق لابن عساكر 53/60 وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 19/579

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *