المثال الثاني

المثال الثاني:

التفت القاضي إلى الهندي، وقال: وعيت هذا.. فهات المثال الثاني.

قال الهندي: المثال الثاني هو أن ابن تيمية رأى أنه لا يمكن أن يمرر التجسيم ومقتضياته من الأعضاء والجوارح التي يطلق عليها صفات إلا بإقناع أتباعه بأن الله تعالى يمكن أن يكون مركبا، وذلك ردا على المنزهة الذين يستدلون على كون الله واحدا من جميع الوجوه، فينفون عنه الكم المنفصل والكم المتصل.

قال القاضي: لقد ذكرت في البينات السابقة أن هذا قول المجسمة من قبله.. فما الذي أضافه ابن تيمية؟

قال الهندي: صدقت سيدي.. ولكن ابن تيمية لم يكتف بالآثار الواردة في ذلك، بل راح – كعادته – يطعمها بالجدل العقلي الذي يختلط فيه الحق بالباطل، وخاصة على من لم يتمرس في صناعة الكلام.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند بيان الخلاف في إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف وليست غيره، فقد قال: (وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف وأنها ليست غيره فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانُهم. وإذا حُقق الأمر في كثير من هذه المنازعات لم يجد العاقل السليم العقل ما يخالف ضرورة العقل لغير غرض، بل كثير من المنازعات يكون لفظياً أو اعتبارياً فمن قال إن الأعراض بعض الجسم أو أنها ليست غيره، ومن قال إنها غيره يعود النزاع بين محققيهم إلى لفظٍ واعتبار واختلافِ اصطلاحٍ في مسمى (بعض) و(غير)، كما قد أوضحنا ذلك في بيان تلبيس الجهمية الذي وضعه أبو عبد الله الرازي في نفي الصفات الخبرية، وبنى ذلك على أن ثبوتها يستلزم افتقار الرب تعالى إلى غيره وتركيبه من الأبعاض وبينا ما في ذلك من الألفاظ المشتركة المجملة..  فهذا إن كان أحد أطلق البعض على الذات وغيره من الصفات وقال إنه بعض الله وأنكر ذلك عليه لأن الصفة ليست غير الموصوف مطلقا)([1])

ولم يكتف بهذا، بل راح ينقل عن سلفه ما يبين أنه يمكن أن يطلق على صفات الله لفظ البعض.. ولفظ الصفات عنده وعند مدرسته لا يعني ما نعرفه من صفات كالكرم والرحمة والقدرة ونحوها.. بل تعني أيضا الرجل والساق واليد والوجه ونحوها.. وهو لا يطلق عليها تسمية (أعضاء أو جوارح) لعدم ورود النص في ذلك فقط، وإلا فإن كلامه في الصفات يقتضيها..

ومن الآثار التي استدل بها على ذلك قوله: (وقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل..عن عكرمة قال: (إن الله إذا أراد أن يخوف عبادة أبدى عن بعضه إلى الأرض).. ثم قال – أي أبو يعلى-: أما قوله أبدى عن بعضه فهو على ظاهره وأنه راجع إلى الذات إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحق)([2])

قال القاضي: أليس هذا الذي نقل عنه هو نفسه أبو يعلى الذي ذكرتموه لي سابقا، وذكرتم تحذير العلماء من كتابه؟

قال الهندي: بلى.. سيدي.. وابن تيمية يقرر ما يقول.. بل إنه يتجاوزه أحيانا، فيعتبر أبا يعلى مقصرا في التجسيم الكامل، بل يعتبره من المفوضة.

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت في هذا؟

قلت: ليس لدي ما أقول.. فكلام ابن تيمية في الصفات يقتضي هذا حتى ولو لم يصرح به.. لكنه بسبب جدله مع المتكلمين صرح به، وحاول أن يبرهن عليه.


([1]) الفتاوى الكبرى 5/85-92.

([2]) الفتاوى الكبرى 5/85-92.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *