2 ـ موقف ابن تيمية المتشدد من المؤولة

2 ـ موقف ابن تيمية المتشدد من المؤولة:

قال القاضي: عرفنا الشاهد الأول.. فهات الشاهد الثاني.

قال الصنعاني: الشاهد الثاني هو موقف ابن تيمية المتشدد من المؤولة الذين يحملون الألفاظ على المعاني التي تقصدها العرب في كلامها إذا قبول ظاهر اللفظ.

قال القاضي: ما الذي تقصد بذلك؟

قال الصنعاني: عندما نقرأ قوله تعالى مثلا: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، فإننا لو أخذنا بظاهر اللفظ نكون قد اتهمنا الله بصفة من صفات النقص، وهي النسيان، والله تعالى أخبرنا في القرآن الكريم أن الله ليس نسيا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: 64]، ولذلك اعتبرنا الآية الأخيرة محكمة لأنها تصف الله بوصف كمال، واعتبرنا الأخرى متشابهة، لأن ظاهرها يدل على نقص، ولذلك نحتاج إلى تأويلها لتتناسب مع المحكم.

قال القاضي: فهمت ذلك.. ولكن بأي حجة يخرجون باللفظ عن ظاهره؟

قال الصنعاني: لقد أنزل الله تعالى القرآن ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]، وهذا يقتضي أن يستعمل القرآن الكريم كل الأساليب التي تستعملها العرب في كلامها.. ومنها هذا الأسلوب المعبر عنه بالمجاز والكناية ونحوها.

قال القاضي: فهلا وضحت لي الآية بحسب الرؤية التأويلية.

قال الصنعاني: من الأمثلة على ذلك قول ابن عاشور في الآية: (والنسيان منهم مستعار للإشراك بالله، أو للإعراض عن ابتغاء مرضاته وامتثال ما أمر به، لأن الإهمال والإعراض يشبه نسيان المعرض عنه.. ونسيان الله إياهم مشاكلة أي حرمانه إياهم مما أعد للمؤمنين، لأن ذلك يشبه النسيان عند قسمة الحظوظ)([1])

قال القاضي: هذا واضح ومنطقي.. فهل اعترض ابن تيمية على هذا المسلك؟

قال الصنعاني: ليته اعترض فقط.. لقد حمل المؤولة الويلات.. بل رماهم بكل ما سولت له نفسه من صنوف التبديع والتضليل.. وهو إمعانا في التقية يسب الجهمية – أحيانا- بدلهم، فيتصور المغفل أنه يقصد تلك الفرقة التي اندثرت، مع أنه يقصد مجموع الأمة من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وزيدية وإمامية..

قال القاضي: هلا ضربت لي أمثلة على ذلك.

قال الصنعاني: من ذلك قوله: (ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65])([2])

فهو يرجع كل ما كتبه العلماء في فهم النصوص وفق اللغة العربية، هربا من مقتضياتها التي تنسب النقص إلى الله إلى كونهم أخذوها من المشركين.

وفي نص آخر يرجع ذلك إلى اليهود، فيقول: (وأصل هذه المقالة – مقالة التعطيل في الصفات – إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود.. فإن أول من حفظ عنه أنه قال: ليس الله على العرش حقيقة، وأن(استوى) بمعنى استولى – ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم  وأخذها عنه الجهم وأظهرها فنُسبت مقالة الجهمية إليه)([3]) 

والصفات التي يزعم ابن تيمية أن هؤلاء عطلوها ليس هي قدرة الله أو علمه أو حياته.. وإنما يقصد صفات التجسيم كاليد والساق والرجل والقعود والجري والهرولة..

قال القاضي: ولكن كيف تعامل مع المحكم الذي يتناقض مع المتشابه الذي حذر من تأويله.. ما موقفه مثلا من الآيات التي تفيد المعية، كقوله تعالى مثلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]

قال الصنعاني: هو في هذه الحالة يؤولة كل المحكمات التي تتناقض مع مقتضيات التجسيم.. ولكنه من باب الاحتيال يسميه تفسيرا لا تأويلا.. يقول في ذلك مثلا: (ذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة.. وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة؛ من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة)([4])

قال القاضي: ولكن هذا هو عين التأويل.

قال الصنعاني: أجل.. فالنتيجة نفسها.. ولو أن ابن تيمية رضي من خصومه الذي كفرهم ما رضي لنفسه لانتفى الخلاف بينهما، ولكنه يبيح لنفسه ولطائفته ما لا يبيح لغيره.

التفت القاضي إلي، وقال: ما تقول أنت؟

قلت: أجل سيدي.. ومن الأمثلة التي هي الآن أمامي قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض)([5]).. وقال: (وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد إذ أن ذاته أقرب فهذا في غاية الضعف)([6])

وهذا هو التأويل بعينه، لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل، وتفسيره بقرب الملائكة صرفٌ للفظ عن ظاهره. فلم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لما وصف الله تعالى به نفسه؟ ولم لا يقال: التقرب معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويلنا لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22] أي ملائكته أو أمره([7]


([1])  التحرير والتنوير (10/ 255).

([2])  الفتوى الحموية الكبرى (ص: 228)

([3]) الأسماء والصفات 2/17.  

([4])  مجموع الفتاوى (5/ 103).

([5])  مجموع الفتاوى (5/ 129)

([6])  مجموع الفتاوى 2/349.

([7])  انظر: الفكر التجسيمي.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *