الانفعال والتفعيل

الانفعال والتفعيل

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن المراتب التالية للفهم والتدبر، وعلاقتها بالتزكية والترقية، وكيفية التحقق بها، والنزول في منازلها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن مراتب القرآن الكريم لا نهاية لها؛ ذلك أنها تمثل الحقائق الوجودية والقيم السلوكية، وكلاهما لا حدود له.. ولذلك فإن كل من رقى مرتبة من المراتب، تلوح له مرتبة أخرى، وهكذا لا يتوقف السالك ما دام كمال الله لا حدود له، وما دام السير التكاملي، والحركة الجوهرية الناتحة عنه لا حدود لهما.

لكن مع ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ يمكنني أن أختصر لك مجامع تلك المراتب في مرتبتين، كلاهما وردت به النصوص المقدسة، وحض عليه أئمة الهدى ومن تتلمذ عليهم من الحكماء والصالحين.

أما المرتبة الأولى منهما؛ فهي الانفعال، وأقصد به تلك الحال الوجدانية التي يجدها التالي والمتدبر للقرآن الكريم، والتي عبر عنها قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]

فهي تشير إلى أن من علامات تغلغل القرآن الكريم في وجدان القارئ له، تلك القشعريرة اللذيذة التي يجدها، والتي تعبر عن حالته النفسية والشعورية عند فهمه وتدبره للمعاني العظيمة التي تتنزل عليه من كلام ربه.

وأما المرتبة الثانية؛ فهي التفعيل، وأقصد به تلك الحركات السلوكية التي تسرع إلى تطبيق القيم القرآنية، من دون تردد، ذلك أن الانفعال الذي سرى إلى الوجدان والمشاعر تتحرك له لا محالة الجوارح، لتؤدي حق ذلك الانفعال.

وإلى هذه المرتبة الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأنعام: 155]؛ فقد قرن الله تعالى بين تنزيل الكتاب واتباعه وحصول التقوى، ليدل على أن تلاوة الكتاب والتدبر فيه هي السبب في ذلك.

وهكذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أن الجزاء الأخروي المرتبط بقراء القرآن الكريم مشروط بعملهم بما فيه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما) ([1])

إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاسمع لما سأشرح لك من كلا المرتبتين، وكيفية التحقق بها، وما ورد حولهما من النصوص المقدسة.

الانفعال بالقرآن:

أما مرتبة الانفعال ـ أيها المريد الصادق ـ فهي علامة على صدق التلاوة، وتغلغلها إلى عالم النفس، بعد أن كانت مرتبطة باللسان، أو بالحضور المجرد للذهن مع المقروء من دون تفاعل معه.

وهي لذلك تشبه تلك المواد التي تتفاعل بينها، ولا يتحقق لها ذلك التفاعل إلا بعد المماسة والتلاصق، وحينها يمكن أن تشكل مركبات جديدة.. وتحدث آثارا لم تكن لتحدث لولا ذلك التماس.

وهكذا الحقائق القرآنية إذا مست عالم النفس، تحدث عندها بعض الظواهر في الجسد تدل على حصول التفاعل بين القرآن وبين النفس، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالخشوع في قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [الحشر: 21]

وهذه الآية الكريمة تشير إلى أن الله تعالى قد أودع في لغة القرآن الكريم ونظمه ومعانيه ما يحرك الجبال والصخور؛ فكيف بالإنسان العاقل الواعي، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [القمر: 17]

ولذلك شعر بحلاوته المشركون أنفسهم ـ مع قساوة قلوبهم وجحودهم ـ وقد روي أنه لما سمع الوليد بن المغيرة القرآن رجع إلى قريش رقيق القلب متأثرا؛ وعندما طلبوا منه أن يبدي رأيه فيه، قال: (ماذا أقول فوالله ما فيكم رجلٌ أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته) ([2])

وهكذا؛ فإن الله تعالى رتب القرآن الكريم بترتيب مختلف عن الكتب التي تعارف عليها الناس، والتي تقسم إلى أقسام مختلفة، كل قسم يختص بجانب من الجوانب.. لأن ذلك قد يجعل الذهن منصرفا في كل موضع إلى ما فيه دون غيره.. لكن الله تعالى جعل في كل المحال، بل أحيانا في الآية الواحدة المعاني الكثيرة المرتبطة بالجوانب المختلفة.. وهو ما يثير النفس، ويجعلها تستشعر المشاعر المختلفة في كل موضع، بل في كل آية.

ومن الأمثلة على ذلك إذا قرأ القارئ قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ} [طه: 82]، يمتلئ بالبشر والفرح والسرور، لكنه إذا أكمل، فقرأ قوله تعالى: {لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، يعلم أن ذلك البشر يحتاج إلى عزيمة كبيرة، وأعمال كثيرة، وذلك ما يحرك عزيمته.. ثم يقرأ بعدها ما ورد في عجلة موسى إلى ربه، وكيف ضل بنو إسرائيل، كما قال تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (} [طه: 83 – 85]، فيعلم أن العقبات كثيرة؛ فيمتلئ بالخوف والحذر.

وهكذا في الموضع الواحد تمر عليه المشاعر المتعددة، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب، ولا أشدّ استجلابا للحزن من قراءة القرآن وتفهّمه وتدبّره، فتأثّر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوّة فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنّه يكاد يموت، وعند التوسيع ووعد المغفرة يستبشر كأنّه يطير من الفرح، وعند ذكر صفات الله وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته، وعند ذكر الكفّار وما يستحيل على الله تعالى كذكرهم لله ولدا وصاحبة يغضّ صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالهم، وعند وصف الجنّة ينبعث بباطنه شوقا إليها، وعند وصف النّار يرتعد فرائصه خوفا منها)

وبما أن الغالب على القرآن الكريم تحذير العباد من كل العقبات التي تحول بينهم وبين السعادة التي تنتظرهم؛ فإن الغالب على المنفعلين للقرآن الكريم ذلك الوجل والخوف المختلط بالشوق، مثل ذلك الذي يريد أن يقدم على مسابقة تتعلق بها مصالحه جميعا، لكنه لم يحضر لها جيدا؛ فلذلك تختلط مشاعر الألم بالحزن والعزيمة وغيرها من المشاعر، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (والله ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلّا كثر حزنه، وقلّ فرحه، وكثر بكاؤه، وقلّ ضحكه، وكثر نصبه وشغله، وقلّت راحته وبطالته)

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لابن مسعود: اقرأ على القرآن، فقال ابن مسعود: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! أقرأ عليك،وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 41، 42]، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان([3]).

ومما يعينك على ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ ما اتفق عليه الدالون على طريق الله من الحكماء ـ بحسب التجارب التي عاشوها ـ وهي أن يترقّى التالي لكتاب الله، من سماعه لنفسه إلى سماعه من ربه، وقد ذكروا لذلك أن للقراءة ثلاث درجات([4]):

أدناها أن يقدّر العبد كأنّه يقرؤه على الله تعالى واقفا بين يديه، وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملّق والتضرّع والابتهال.

والثانية أن يشهد بقلبه كأنّ ربّه يخاطبه بألطافه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.

والثالثة أن يرى في الكلام المتكلّم، وفي الكلمات الصفات؛ فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلّق الإنعام به من حيث إنّه منعم عليه، بل يكون مقصور الهمّ على المتكلّم، موقوف الفكر عليه كأنّه مستغرق بمشاهدة المتكلّم عن غيره.

والدرجة الأخيرة هي درجة المقرّبين التي أشار إليها الإمام الصادق بقوله: (و الله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون)([5]).

وأشار آخر إلى هذا، وقد سألوه عن حالة شديدة من الخشوع لحقته في الصلاة، فقال: (ما زلت أردّد الآية على قلبي، وعلى سمعي، حتّى سمعتها من المتكلّم بها؛ فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته)

وقال آخر يعبر عن عظم الحلاوة التي يجدها من يصل إلى تلك الدرجة: (كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتّى تلوته كأنّي أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلوه على أصحابه، ثمّ رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأنّي أسمعه من جبرئيل عليه السّلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ جاء الله تعالى بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلّم به، فعندها وجدت له لذّة ونعيما لا أصبر عنه) ([6])

وعند هذه الحالة تخرج قراءة القرآن الكريمة من مرحلة التكلف والتكليف إلى مرحلة التنعم والتلذذ، لأن القارئ يعيش حينها الحقائق القرآنية، ويراها بعينه، ويتلذذ بذلك أعظم لذة، وقد قال حذيفة ـ معبرا عن تلك الحالة: (لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن)

لكن ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ يحتاج إلى المجاهدة والصبر والعزيمة؛ لأن تلك الحلاوة فضل من الله تعالى، وهو لا يجازي به إلا من أثبتوا صدقهم وحسن صحبتهم لكلامه، كما عبر عن ذلك بعضهم، فقال: (كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعّمت به عشرين سنة)

وقد ذكر الإمام الصادق الأسباب المعينة لذلك، فقال: (من قرأ القرآن ولم يخضع له ولم يرقّ قلبه ولم ينشئ حزنا ووجلا في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله وخسر خسرانا مبينا، فقارئ القرآن يحتاج إلى قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خال، فإذا خشع لله قلبه فرّ منه الشيطان الرجيم.. وإذا تفرّغ نفسه من الأسباب تجرّد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القرآن وفوائده، وإذا اتّخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد أن أتى بالخصلتين الاوليين استأنس روحه وسرّه بالله ووجد حلاوة مخاطبات الله عباده الصالحين وعلم لطفه بهم ومقام اختصاصه لهم بقبول كراماته وبدائع إشاراته، فإذا شرب كأسا من هذا المشرب حينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا ولا على ذلك الوقت وقتا بل يؤثره على كلّ طاعة وعبادة لأنّ فيه المناجاة مع الرّبّ بلا واسطة، فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك ومنشور ولايتك وكيف تجيب أوامره ونواهيه وكيف تمتثل حدوده فإنّه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فرتّله ترتيلا وقف عند وعده ووعيده وتفكّر في أمثاله ومواعظه واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده)([7])

وذكر بعض الحكماء المشاهد التي يعيشها ويتذوقها من وصل إلى تلك المرحلة من التفاعل مع القرآن الكريم، فقال: (إذا جاوز القارئ حدّ الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلّا الله في قراءته انكشف له الملكوت بحسب أحواله، فحيث يتلو آيات الرجاء ويغلب على حاله الاستبشار ينكشف له صورة الجنّة فيشاهدها كأنّه يراها عيانا، وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنّار حتّى يرى أنواع عذابها، وذلك لأنّ كلام الله يشتمل على السهل اللّطيف والشديد العسوف والمرجوّ والمخوف، وذلك بحسب أوصافه، إذ منها الرّحمة واللّطف والانتقام والبطش، فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات ينقلب القلب في اختلاف الحالات وبحسب كلّ حالة منها يستعدّ للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها، إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلف إذ فيه كلام راض، وكلام غضبان وكلام منعم، وكلام منتقم، وكلام جبّار متكبّر لا يبالي وكلام حنّان متعطّف لا يهمل) ([8]

ولذلك كان القرآن الكريم أعظم دواء نفسي، ولكل العلل، وهو ما يشير إليه ذلك الدعاء الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يزيل الهم والحزن، فقال:(ما أصاب عبدا قطّ همّ ولا حزن، فقال: اللهمّ إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلّا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحا»، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلّمهنّ؟ قال: «بلى ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلّمهنّ) ([9]

وكمثال على ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ يقرب لك ذلك قراءتك لسورة الضحى، وهي السورة التي يخاطب الله تعالى فيها رسوله r، وهو يواجه الفتن بجميع أنواعها، يدعوه إلى البشارة والأمل، ذلك أنه لا يمكن أن يواجه كل تلك التحديات بصدر منقبض، ونفس يائسة، وقلب ضيق.

فإذا استشعرت أن ذلك الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ظل تلك الظروف التي مر بها، سيكون مختلفا تماما عن شعورك بأن الخطاب موجه لك، وفي أي ظرف تمر به..

فتستشعر عند قراءتك لقوله تعالى:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(الضحى:3)، معية الله وحضوره الدائم مع عباده، فهو لم يتركهم، ولم يهجرهم، ولم يودعهم ولم يقلهم، بل هو معهم يكلؤهم ويرعاهم ويداوي جراحهم.. وهذا هو العلاج الأول لكل كرب وألم وحزن.

وهكذا تستشعر عند قراءتك لقوله تعالى:{ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}(الضحى:4) المستقبل الجميل الذي ينتظر كل إنسان استظل بظل الله، فالآخرة خير في جمالها وسعادتها ودوامها، فلا يحزن على المستقبل، كما لا يندم على الماضي، من راح في صحبة الله يبني الدار الآخرة ويشيد قصورها.. وهذا وحده يقضي على كل داء، ويحل كل عافية.

وهكذا تستشعر عند قراءتك لقوله تعالى:{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(الضحى:5) أن علاج العلل لا يقتصر على ذكر الآخرة، فالله رب الدنيا والآخرة، وعطاؤه عاجل وآجل، نقد ونسيئة، فلذلك يقول الله تعالى للمتألم، وهو يغرس فيه زهور الأمل:(سيعطيك ربك عطاء يرضيك، ويزرع البسمة في وجدانك، ويمحو كل الآلام التي غرسها اليأس والحزن في جوانحك.. فالله تعالى بجوده الذي لا يتناهى يجعل أمدا للعطاء هو الرضى الكامل، فالله لا يعطيك فقط، بل يعطيك ليرضيك، وفرق كبير بين من يعطي، ومن يرضي)

وهكذا تستشعر عند قراءتك لقوله تعالى:{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} (الضحى:6 ـ 8) أنواعا كثيرة من المشاعر الجميلة؛ فهي تغرس السكينة في النفس، والطمأنينة في الوجدان، وهي تبشر المتألم بأن الذي رعاك سابقا لن يضيعك لاحقا، والذي لم يعرف منه إلا الجود يستحيل عليه البخل.. ولذلك كان الحديث عن النعم وتعدادها ترياقا للآلام ودواء للأحزان، وفرق كبير بين من يقول للفقير:(أنت فقير)، وبين من يقول له:(أنت غني) بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.

وفرق كبير بين من يجعل المرض نوعا من أنواع الصحة، وبين من يجعله مرتعا من مراتع الأسف، وقد قال r وهو يعاملنا كيف نتعامل مع المرضى:(إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب بنفس المريض)([10])

وفرق كبير بين من يصور الموت بصورة الشبح المخيف، وبين من يصوره بصورة الحياة الجميلة السعيدة، بل يصور الموت بصورة الوهم الذي لا وجود له.

وهكذا تستشعر عند قراءتك لقوله تعالى:{ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } (الضحى:9 ـ 11) أن الله تعالى وضع بين يديك أسواقا للتجارة الرابحة، تشغلك عن آلامك، وترسم السعادة على شفتيك، فلا يرسم السعادة مثل التبشير بالسعادة.

ومثل ذلك قراءتك لسورة الشرح، وقد روي عن بعض الصالحين، أنه ألح عليه الغم، وضيق الصدر، وتعذر الأمور، حتى كاد يقنط، فكان يوماً يمشي، وهو يقول:

أرى الموت لمن أمسى… على الذلّ له أصلح

فهتف به هاتف، يسمع صوته، ولا يرى شخصه، أو أري في النوم كأن قائلاً يقول:

ألا يا أيّها المرء…   الذي الهمّ به برّح

إذا ضاق بك الأمر… ففكّر في ألَمْ نَشْرَح

فإنّ العسر مقرون… بيسرين فلا تبرح

قال: فواصلت قراءتها في صلاتي، فشرح الله صدري، وأزال همي وكربي، وسهل أمري.

وهكذا ـ أيها المريد الصادق ـ يمكنك أن تقرأ القرآن الكريم لأي ظرف تمر به، وستشرى المشاعر الجميلة التي يسعدك الله بها.

وسأذكر لك نموذجا لشخص عاش فترة طويلة في السجن، ولم يكن له أنيس فيه إلا القرآن الكريم، وقد أخبر عن مشاعره التي جعلته ينشغل عن السجن وآلامه، في كتاب له قال في مقدمته: (الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه) ([11])

ثم ذكر تجربته مع القرآن الكريم، والمشاعر الجميلة التي جعلته ينسى أنه في غياهب السجن مع قائمة طويلة تصاحبه من الأمراض، فقال:(والحمد لله.. لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي.. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه)

ثم ذكر السر في ذلك، وهو التعامل الصحيح مع القرآن الكريم، والذي ينطلق من الحياة معه، واستماعه من الله مباشرة، فقال:(لقد عشت أسمع الله سبحانه يتحدث إلي بهذا القرآن.. أنا العبد القليل الصغير.. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟)

ومن هذا المنطلق المليء بالكرامة والعزة، نظر من علو إلى الأرض، (وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة.. أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال.. كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال. ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هؤلاء الناس؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل. النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟)

ثم ذكر في مقابل ذلك المعاني الجميلة التي يجدها في القرآن الكريم، والتي لا يمكن أن يقارن بها شيء من الفلسفات والأفكار؛ فقال: (عشت أتملى في ظلال القرآن ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود.. لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني.. وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب.. وأسأل.. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن، وفي الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضيء؟)

وذكر بعض أسرار تلك اللذة التي يجدها القارئ للقرآن الكريم؛ فقال: (عشت في ظلال القرآن أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود.. أكبر في حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه.. إنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده. وإنه الدنيا والآخرة، لا هذه الدنيا وحدها.. والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول.. كله إنما هو قسط من ذلك النصيب. وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك. فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع. على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة في كون حي مأنوس، وعالم صديق ودود. كون ذي روح تتلقى وتستجيب، وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع.. أي راحة، وأي سعة وأي أنس، وأي ثقة يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح)

وهكذا راح يذكر الكثير من المعاني التي وجدها في القرآن الكريم، والتي ملأته بالراحة والطمأنينة والسكينة، وهو في سجنه، ينتظر في أي لحظة أن ينفذ فيه حكم الإعدام، وقد قال في خاتمة تلك المشاهد التي أنس بها في صحبة كلام ربه: (أي طمأنينة ينشئها هذا التصور؟ وأي سكينة يفيضها على القلب؟ وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟ وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير؟)

وهكذا كل من صحب القرآن الكريم بصدق وإخلاص؛ فإنه سيرى من المشاهد، ويعيش من المعاني ما يجعله يعيش ربيعا دائما لا خريف بعده، ونورا دائما لا ظلام معه.

تفعيل القرآن:

تلك هي مرتبة الانفعال ـ أيها المريد الصادق ـ والتي تفيض عنها مرتبة التفعيل، وبقدر الانفعال يكون التفعيل.. ذلك أن الانفعال هو المحرك الذي تتحرك على أساسه الإرادة النافذة والعزيمة الصادقة.. فإذا كان المحرك قويا، كانت الحركة الناتجة عنه قوية دائمة مؤثرة.

وقد روي عن بعض القرّاء أنه قال: (قرأت القرآن على شيخ لي ثمّ رجعت لأقرأ ثانيا، فانتهرني، وقال: جعلت القراءة عليّ عملا اذهب؛ فاقرأ على الله عزّ وجلّ، فانظر بما ذا يأمرك وعمّا ذا ينهاك وماذا يفهمك)

وروي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه بقوله: (يا عبدي أمّا تستحيي منّي يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبّره حرفا حرفا حتّى لا يفوتك منه شي‏ء، وهذا كتابي أنزلته إليك انظر كم وصلت لك فيه من القول؟ وكم كرّرت عليك فيه لتتأمّل طوله وعرضه؟ ثمّ أنت معرض عنه، أ فكنت أهون عليك من بعض إخوانك يا عبدي، يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكلّ وجهك وتصغي إلى حديثه بكلّ قلبك، فإن تكلّم متكلّم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كفّ وها أنا ذا مقبل عليك ومحدّث لك وأنت معرض بقلبك عنّي، فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك) ([12])

ولهذا ورد الذم الشديد للذين يقرؤون الكتاب بألسنتهم، ويخالفونه بأفعالهم، وقد ضرب الله تعالى لهم المثل بالحمير التي تحمل الكتب من غير أن تعرف معانيها، قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الجمعة: 5]

ومثل ذلك شبهه بالكلب، فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]

ولهذا نجد الآيات الكثيرة التي تنص على وجوب اتباع القرآن الكريم، لا مجرد الاكتفاء بتلاوته، قال تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 106]، وقال: { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109]

وقال مخاطبا المؤمنين: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف: 3]

وذم الذين يتركون كتابهم، ويتبعون سلفهم أو خلفهم أو أهواءهم، فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } [البقرة: 170]، وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان: 21]

وهكذا ورد الأمر بالحكم به، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {49} أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:49 – 50]

واعتبر من لم يحكم به كافرا وظالما وفاسقا، فقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة44]، وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة45]، وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة47]

وهكذا ورد الأمر بالتحاكم إليه، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى10]، وقال: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء59]، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51]

واعتبر من لم يتحاكم إليه متحاكما إلى الطاغوت وأهواء الجاهلية، فقال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء60]، وقال: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ {48} وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ {49} أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور48 – 50]

ولهذا ورد في الحديث عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: (هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء). فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن؟ والله، لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا؟ قال: (ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة؛ هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟)([13])

وهو ما يشير إليه قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ [البقرة: 78]، وقد ذكر المفسرون أن الأماني تعني التلاوة.. أي أنهم يكتفون بتلاوته دون أن يتحول إلى واقع حي يعيشونه.

وهكذا ذم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولئك الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فقال: (يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليفة) ([14])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج قوم أحداء أشداء ذليقة ألسنتهم بالقرآن يقرأونه ينثرونه نثر الدقل لا يجاوز تراقيهم فإذا رأيتموهم فائتوهم فاقتلوهم فالمأجور من قتل هؤلاء) ([15])

وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتلهم، يدل على أنهم بسبب مخالفتهم للعمل بالقرآن الذي يدعو إلى السلام والرحمة والتعايش، سيتحولون إلى أهل عنف وإرهاب.. ولذلك أمر بقتلهم، وهو ما دل عليه الواقع؛ فالإرهاب الذي دمر المجتمعات الإسلامية نشأ من أولئك الذين يقيمون حروف القرآن، لكنهم يخربون معانيه، ويشوهونها أعظم تشويه.

وقد ذكر الإمام الباقر أصناف القراء، وصفاتهم، وعلاقة ذلك بتفعيل القرآن الكريم، فقال: (قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة واستدرّ به الملوك، واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القدح، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع الله العزيز الجبّار البلايا، وبأولئك يديل الله من الأعداء، وبأولئك ينزّل الله الغيث من السماء، فو الله لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر)([16])

وقال الإمام الصادق: (إنّ من الناس من يقرأ القرآن ليقال: فلان قارئ، ومنهم من يقرأ القرآن ليطلب به الدنيا ولا خير في ذلك، ومنهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته وليله ونهاره)([17])

وذكر ابن مسعود أخلاق قراء القرآن المتفاعلين معه، فقال: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفرطون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا النّاس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون مستكينا ليّنا ولا ينبغي أن يكون جافيا ولا مماريا ولا صيّاحا ولا صخّابا ولا حديدا)

و قال آخر: (إنّ العبد ليفتتح سورة فتصلّي عليه حتّى يفرغ منها وإنّ العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتّى يفرغ منها، فقيل: كيف ذلك؟ قال: إذا أحلّ حلالها وحرّم حرامها صلّت عليه وإلّا لعنته)

و قال آخر: (إنّ العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقرأ (أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ) وهو ظالم نفسه، (ألا لعنة الله على الكاذبين) وهو منهم)

وقبل ذلك كله أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الفتنة التي تقع فيها هذه الأمة بسبب اهتمامها بالقراءة، وغفلتها عن الانفعال والتفعيل، فقال: (أكثر منافقي هذه الامّة قرّاؤها)([18])

بل نهى صلى الله عليه وآله وسلم صفة القراءة على المقتصر عليها دون التأثر والعمل، فقال: (اقرإ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرؤه)([19])

بل نفى عنه الإيمان بالقرآن الكريم، فقال: (ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه)([20])

ولهذا كان القرآن الكريم هو الحصن الذي يحتمي به المؤمن لمواجهة الفتن والشبهات التي تحول الإسلام من دين إلهي ممتلئ بالقيم النبيلة إلى دين بشري ممتلئ بالأهواء والخرافات والصراع.

وقد ذكر الإمام علي الدور العظيم الذي يقوم به القرآن الكريم في حفظ سلامة الدين، والذي ينتج عنه التطبيق السليم له، فقال: (واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى.. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لاحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لاوائكم، فان فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه، إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله.. واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فانه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرئته وأتباعه، واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراء كم، واستعشوا فيه أهواءكم) ([21])

وفي حديث آخر عنه، أنه جاءه بعض أصحابه، فقال: يا أميرالمؤمنين إنا إذا كنا عندك سمعنا الذي نسدبه ديننا، وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة، لا ندري ماهي؟ فقال: أو قد فعلوها؟ فقيل: نعم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أتانى جبرئيل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خير وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، لا تزيفه الاهواء ولا تلبسه الألسنة، ولا يخلق عن الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تكنه الجن إذ سمعه، أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1، 2]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، هو الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ([22])

 وكل هذا يدلك ـ أيها المريد الصادق ـ على أن القرآن الكريم، وإن ورد الفضل العظيم في تلاوته، وتكرارها، إلا أن ذلك ليس سوى مقدمة للانفعال به وتفعيله، وإلا فإن القراءة المجردة، والتي يخالفها العمل والسلوك ليست سوى نوعا من الكذب على النفس.

ولهذا يقترن التذكير بالقرآن الكريم بالتقوى والصلاح، قال تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق45]، وقال: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ {48} وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الحاقة48 – 50]

بخلاف غيرهم، والذين لا تفيدهم قراءته، كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ {49} كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ {50} فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر49 – 51]، وقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} [الإسراء41]

هذا جوابي على رسالتك ـ أيها المريد الصادق ـ فاحرص على أن تنقل قراءتك من لسانك إلى قلبك، ومن قلبك إلى جوارحك، حتى تغمر كيانك كله، وتصبح قرآنا ناطقا، لا قرآنا صامتا.

وإياك أن يغرك الشيطان عن نفسك؛ فيصرفك عن القراءة بسبب تقصيرك في الانفعال والتفعيل؛ بل واصل القراءة، واجتهد فيها، واسأل الله تعالى أن يرزقك معها ثمارها الصالحة، فإن علم الله تعالى جدك وصدقك وإخلاصك، وتألمك لتقصيرك، فسيرزقك العمل كما رزقك التلاوة.


([1] )  رواه مسلم رقم1912 (ج 2 / ص 197)

([2] )  الحاكم، 2/550 ح 3872 .

([3]) البخاري (5050)، ومسلم (800) 248.

([4] )  إحياء علوم الدين (1/ 287)

([5])  بحار الأنوار (92/ 107)

([6] )  إحياء علوم الدين (1/ 2887)

([7])  مصباح الشريعة ص 13 و14.

([8] )  إحياء علوم الدين (1/ 288)

([9] )  أحمد (712) وابن حبان (2372) والحاكم (1/ 509)

([10])  الترمذي (2087)

([11] )  في ظلال القرآن: 1/10.  

([12] )  المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج‏2، ص: 219

([13] )  رواه الترمذي، (5 /31)، (2653)

([14] )  رواه ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم.

([15] )  رواه احمد والبخاري والطبراني في الكبير، والبيهقي.

([16])  الكافي ج 2 ص 627.

([17])  الكافي، ج  2 ص 609.

([18])  أحمد ج 4 ص 151 و 155.

([19])  الديلمي في مسند الفردوس.

([20])  الترمذي ج 11 ص 40.

([21] )  نهج البلاغة الرقم 174.

([22] )  تفسير العياشى ج 1 ص 3.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *