الدعاء والمناجاة

الدعاء والمناجاة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تسألني عن الدعاء والمناجاة، وارتباطهما بالتزكية والترقية، والتخلق والتحقق، وعن آدابهما في الظاهر والباطن، وعن سر النصوص المقدسة الواردة في فضلهما، وطلبت مني أن أرشدك إلى بعض الأدعية والمناجيات التي يفيدك التزامها وترديدها في تربية نفسك وتهذيبها والرقي بها.

وجوابا على سؤالك الوجيه أذكر لك أن الدعاء من الوسائل العظمى لتهذيب النفس وتزكيتها وتصحيح مسارها لتسير إلى ربها على السراط المستقيم الذي هيأه لها، والذي لا يمكن أن تتحقق بالكمالات المتاحة لها من دونه.

وهو لذلك، أعظم من أن يقتصر دوره على تحقيق الحاجات، أو تبليغ الأمنيات، بل هو سلم يرقى بك إلى سموات الكمالات، لتطلع على الحقائق من مرائيها الصقيلة التي لم تدنس.

ولذلك ورد الأمر به في النصوص المقدسة، واعتبر الغافل أو المستغني عنه مستكبرا، كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

وأنت ترى ـ أيها المريد الصادق ـ كيف قرن الله تعالى الدعاء بالعبادة، واعتبر ترك الدعاء استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالقه، ورازقه، وموجده من العدم، ومحييه، ومميته، ومثيبه، ومعاقبه، وخالق العالم أجمع.. فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون، وشعبة من كفران النعم)([1])

ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التصريح بكون الدعاء عبادة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الدعاء هو العبادة)([2])

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتبره من أكرم العبادات على الله، فقال: (ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء)([3])

وأخبر عن حب الله للدعاء والداعين، فقال: (سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يُسأل)([4])

ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، فيكون لبعض النفوس مندوحة في تركه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن غضب الله على من ترك الدعاء، فقال: (من لم يسأل الله يغضبْ عليه)([5])

وقد عبر الشاعر عن ذلك، فقال:

لا تسألنَّ بُنيَّ آدم حاجة… وسل الذي أبوابه لا تُحجَبُ

الله يغضب إن تركت سؤالَهُ… وبُنَيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ

قد تذكر لي ـ أيها المريد الصادق ـ أنه لا يوجد أحد في الدنيا إلا ويرفع يديه إلى الله بالدعاء، ولكن مع ذلك لم ينالوا حظوظهم من تهذيب نفوسهم، ولا تربيتها، بل إن بعض أدعيتهم أو كثير منها لا يزيدهم إلا انحرافا وضلالا، لأنهم يبرزون فيها ما تمتلئ به نفوسهم من أحقاد وأمراض.

وذلك صحيح، بل إن الله تعالى أشار إليه، وحذر منه حين قال: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]

وذكر نماذج عنه، ومنها قول ذلك المشرك المستكبر: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32]

أو ذلك الذي ذكره الله تعالى، فقال: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: 1، 2]

أو أولئك الذين قال الله تعالى فيهم: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (العنكبوت:53)، وقال: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ (ص:16)

أو تلك الأمم السالفة، التي راحت تسخر من الدعاء، وتقول مقالة قوم شعيب: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الشعراء: 187)

ولذلك؛ فإن الدعاء مثل القرآن الكريم، قد يكون دواء، وقد يكون داء، وقد يكون نورا، وقد يكون ظلمة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رب تال للقرآن والقرآن يلعنه)([6])

 إذا عرفت هذا ـ أيها المريد الصادق ـ فاعلم أن الدعاء الحقيقي الذي جعله الله تعالى مدرسة لتزكية عباده، يحتاج جملة من الآداب والمعارف، مثلما يحتاج كل دواء إلى ذلك، حتى لا يصبح الدواء سما.

ولذلك فإن للدعاء علاقة بكلا الركنين الكبيرين للتزكية والترقية، وهما: التحقق والتخلق.. التحقق الذي يثمر القرب من الله.. والتخلق الذي يثمر كل القيم النبيلة التي دعا الله إليها، وأمر عباده بها.

الدعاء والتحقق:

أما علاقة الدعاء بالتحقق والمعرفة الإلهية؛ فقد عبر عن الآداب والشروط المرتبطة به بعض الحكماء، فقال: (لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه فيقلّ فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبوديّة وقياما بحقوق الربوبيّة)

وعبر عنه آخر، فقال: لا يكن حظك من الدعاء الفرح بقضاء حاجاتك فتكون من المحجوبين وليكن همك مناجاة محبوبك)

ويعني بذلك أن غرض العارفين من الطلب من الله ليس تحقيق حاجاتهم فقط، فالله أعلم بها منهم، ولكن غرضهم إظهار العبودية، والقيام بحقوق الربوبية، وإلا فإن كرم الله أعظم من أن ينتظر الدعاء أو الطلب، كما عبر عن ذلك الحكيم بقوله: (كيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق‏.. جلّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل) ([7])

وقال: (عنايته فيك لا لشيء منك، وأين كنت حين واجهتك عنايته، وقابلتك رعايته؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النّوال) ([8])

وقال آخر: (التوحيد أن تعلم أن قدرة اللّه في الأشياء بلا علاج، وصنعه لها بلا مزاج، وعلة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه، وليس في السموات العليا ولا في الأرضين السفلى مدبر غير اللّه، وكل ما يخطر ببالك فاللّه مخالف لذلك)

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن تسيء فهم هذه الكلمات، فتترك الدعاء، أو تتعالى عليه، أو تتوهم أنك لا تدعو إلا لتنفيذ ما أمرت به، وأنك مستغن عن حاجتك التي تطلبها؛ فذلك سوء أدب منك.

بل إن معنى هذه الكلمات، أن تتأدب مع الله تعالى حين دعائك له، حتى لا يكون نظرك لما تطلب أعظم من نظرك لمن تطلب.. وحتى لا تشتغل بالنعمة التي تطلبها عن المنعم الذي تطلب منه.

وهذا هو الأدب الذي يجعلك تشعر بأن مجرد دعائك لله، وتذللك بين يديه مكسب من المكاسب العظيمة، ولا تهتم بعدها، هل تحقق مطلبك الذي طلبته أم لم يتحقق، لأن مجرد دعائك لله كاف في تحقيق جميع مطالبك.

ولهذا تجد أدعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى من بعده مليئة بالمعارف الإلهية، لأن القصد منها ليس تحقيق المطالب الحسية المحدودة فقط، وإنما تنبيه القلب إلى العظيم الذي تتوجه إليه بالدعاء.

فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا كربه أمر، يقول: (يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث) ([9])

وروي أنه كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض، ورب العرش الكريم)([10])

وكان يقول: (ما أصاب عبدا قطّ همّ ولا حزن، فقال: اللهمّ إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلّا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحا)، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلّمهنّ؟ قال: (بلى ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلّمهنّ)([11])

وعن الإمام علي قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين) ([12])

وكان يقول في دعائه: (اللهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلّا أنت الحنّان المنّان بديع السّماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيّوم)([13])

فهذه الأدعية جميعا ممتلئة بالمعارف الإلهية، وكأن الغرض منها تنبيه الذهن إلى قدرة الله تعالى على إزاله كل كرب أو حزن أو بلاء، وأنه فوق قدرته رحيم لطيف بعباده عليم بأحوالهم.. وكل ذلك يجعل القلب مستعدا لأن يعيش تلك الحقائق، لا أن يرددها بلسانه فقط.

وهكذا نجد أدعية أئمة الهدى ممتلئة بالمعارف الإلهية، وبأحسن عبارة، وأدق إشارة، وبلغة جميلة بسيطة يفهمها العامة والخاصة، كل بحسبه.

ومن أجمل تلك الأدعية، دعاء الإمام الحسين يوم عرفة، فهو وحده مدرسة عقدية كاملة، تؤسس لعلاقة إيمانية وثيقة مع الله، تختلف عن ذلك الجدل والتحريف الذي أسست له الكثير من المدارس الكلامية.

ومن الأمثلة على ذلك أنه عند مطالعة المقطع الأول من الدعاء، والذي يبدأ بقول الإمام الحسين: (الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع)([14])، وينتهي بقوله: (وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو على‏ كل شي‏ء قدير) نرى الكثير من المعارف المتعلقة بالكمال الإلهي، والمصاغة بطريقة لا يمكن أن نجد مثلها في المتون، ولا كتب العقائد التي صاغها المتكلمون والممتلئة بالجفاف.

فهو يذكر إرادة الله وقضاءه الذي لا يمكن لأحد أن يدفعه: (الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع)، وهو يرد بذلك على كل التيارات التي حدت من إرادة الله، أو تصورت إمكانية معارضتها.

وهو يذكر جود الله وكرمه المنبني على قدرته المطلقة: (ولا لعطائه مانع)، (وهو الجواد الواسع)

وهو يذكر قدرة الله وإبداعه في صنعه: (ولا كصنعه صنع صانع.. فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع)

وهو يذكر رقابة الله وسمعه وبصره وحضوره مع كل شيء، وعدم غياب شيء عنه: (لا يخفى‏ عليه الطلائع)

وهو يذكر خلق الله تعالى للخلق ورحمته ورأفته بهم وهدايته لهم: (وهو للخليقة صانع، وهو المستعان على الفجائع، جازي كل صانع، ورائش كل قانع، وراحم كل ضارع، ومنزل المنافع والكتاب الجامع بالنور الساطع)

وهو يذكر أفعال الله المرتبطة بخلقه، وسماعه لأدعيتهم، ورفعه لكرباتهم، ومجازاته للمسيئين منهم: (وهو للدعوات سامع، وللدرجات رافع، وللكربات دافع، وللجبابرة قامع، وراحم عبرة كل ضارع، ودافع‏ ضرعة كل ضارع)

وهكذا لو تأملنا هذا المقطع وحده وجدنا فيه الكثير من المعارف الإلهية المرتبطة بالأسماء الحسنى، ولذلك أنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ به وبكل الأدعية الواردة عن أئمة الهدى، فكلها أدعية مباركة، تملأ قلبك يقينا وإيمانا وتجعلك في تواصل دائم مع الله.

الدعاء والتخلق:

 أما علاقة الدعاء بالتخلق والسلوك؛ فإن مضامين كل الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمة الهدى ممتلئة بالمعاني الأخلاقية، والتي تجعل من الداعي حريصا على رياضة نفسه عليها، والاستعانة بالله على ذلك.

ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الدعاء الذي استعاذ فيه صلى الله عليه وآله وسلم من جملة من الأخلاق السيئة، وهو: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر. اللّهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها. أنت وليّها ومولاها اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) ([15])

فهذا الدعاء ليس مجرد استعاذة من تلك الخلال السيئة فقط، وإنما هو تنبيه للنفس إلى كونها خلالا سيئة ينبغي الحذر والابتعاد عنها، وذلك ما يجعل النفس أكثر استعدادا لتلقي العلاجات التي تخلصها منها.

ومثل ذلك ما ورد في بعض أدعية الصباح والمساء، وهو (اللهمَّ فاطر السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيب والشَّهادة، ربَّ كل شيءٍ ومليكَه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شرِّ نفْسي، وشرِّ الشيطان وشركه) ([16])

ومثله ما ورد في بعض دَعَوات المكروب، وهو (اللهم رحمتَك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفَةَ عين، وأَصلِح لي شَأني كلَّه، لا إله إلا أنت) ([17])

ومثله ما ورد عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي: يا حُصَينُ، كم تَعبُد اليوم إلهًا؟ قال: سبعة: سِتَّة في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: فأيهم تعدُّ لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: يا حصينُ، أمَا إنك لو أسلمتَ عَلَّمْتُك كلمتين تنفَعَانِك، قال: فلما أسلم حُصين، جاء فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: (قل: اللهمَّ ألهِمني رُشدي، وأعِذْني من شرِّ نفسي) ([18])

فمثل هذه الأدعية تنبه إلى شر النفس، وكونه لا يختلف عن شر الشيطان، وهو ما يدعو إلى الحذر من الغرور والعجب وكل الأمراض النفسية.

وهكذا نجد الأدعية الكثيرة التي تنبه إلى القيم الروحية، ومن ذلك ما ورد في دعاء النوم، والذي فيه الحقائق الدالة على التوكل وتفويض الأمور كلها لله: وهو (اللهمَّ أسلمتُ نَفْسي إليك، ووجَّهْتُ وجهي إليك، وفوَّضْتُ أمْري إليك، وألجأتُ ظَهْري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإنك إن متَّ في ليلتك متَّ على الفطرة، وإن أصبحتَ أصبتَ خيرًا) ([19])

ومثله الدعاء الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن داود عليه السلام كان يدعو به، وهو مرتبط بحب الله، وكل ما يثمره من محاب، وهو: (اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يُحِبُّكَ، وحبَّ العمل الذي يبلِّغني حبَّك، اللهم اجعل حبَّك أحبَّ إليَّ من نفْسي وأهلي ومالي، ومن الماء البارد) ([20])

وغيرها من الأدعية الكثيرة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تشكل مدرسة كاملة في التزكية والترقية.. ومثلها أدعية أئمة الهدى الكثيرة، ومن الأمثلة الواضحة عنها دعاء مكارم الأخلاق، والممتلئ بكل القيم الأخلاقية الرفيعة.

فمن مقاطع الدعاء قوله بعد الصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين: (اكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غدا عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له، وأغنني وأوسع علي في رزقك، ولا تفتني بالنظر، وأعزني ولا تبتليني بالكبر، وعبدني لك ولا تفسد عبادتي بالعجب، وأجر للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمن، وهب لي معالي الأخلاق، واعصمني من الفخر) ([21])

ويقول في مقطع آخر: (لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزا ظاهرا إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها)

ويقول: (متعني بهدى صالح لا أستبدل به، وطريقة حق لا أزيغ عنها، ونية رشد لا أشك فيها، وعمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إلي، أو يستحكم غضبك علي)

ويقول: (اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلا أصلحتها، ولا عائبة أونب بها إلا حسنتها، ولا أكرومة في ناقصة إلا أتممتها)

ويقول: (أبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة، ومن حسد أهل البغي المودة، ومن ظنة أهل الصلاح الثقة، ومن عداوة الأدنين الولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام المبرة، ومن خذلان الأقربين النصرة، ومن حب المدارين تصحيح المقة، ومن رد الملابسين كرم العشرة، ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة)

ويقول: (سددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة، وأغضي عن السيئة)

ويقول: (حلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضم أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح، وحسن السيرة، وسكون الريح، وطيب المخالقة، والسبق إلى الفضيلة، وإيثار التفضل، وترك التعيير، والإفضال على غير المستحق، والقول بالحق وإن عز، واستقلال الخير وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قل من قولي وفعلي، وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة، ولزوم الجماعة، ورفض أهل البدع، ومستعملي الرأي المخترع)

ويقول: (لا أظلمن وأنت مطيقٌ للدفع عني، ولا أظلمن وأنت القادر على القبض مني، ولا أضلن وقد أمكنتك هدايتي، ولا أفتقرن ومن عندك وسعي، ولا أطغين ومن عندك وجدي)

ويقول: (اللهم وأنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى. اللهم اسلك بي الطريقة المثلى، واجعلني على ملتك أموت وأحيا.. ومتعني بالاقتصاد، واجعلني من أهل السداد، ومن أدلة الرشاد، ومن صالح العباد، وارزقني فوز المعاد، وسلامة المرصاد)

ويقول: (نبهني لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملني بطاعتك في أيام المهلة، وانهج لي إلى محبتك سبيلا سهلة، أكمل لي بها خير الدنيا والآخرة)

وهكذا ترى ـ أيها المريد الصادق ـ هذا الدعاء وغيره مليئا بالمعاني الأخلاقية التي تنبه النفس إلى ضرورة التزكية والإصلاح، فالدعاء ليس طلبا فقط، وإنما هو مدرسة تربوية متكاملة.


([1]) تحفة الذاكرين للشوكاني ص28.

 ([2]) رواه الترمذي(2969)، وأبو داود(1479)، وابن ماجة(3828)

([3]) رواه أحمد 2/362، والبخاري في الأدب المفرد(712)، وابن ماجة(3829)

([4]) رواه الترمذي(3571)

([5]) أحمد 2/442، والترمذي(3373)، وابن ماجة(3827)

([6]) ابن أبي حاتم في تفسيره ج:6 ص:2017.

([7]) إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 363.

([8]) إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص: 364.

([9]) الترمذي (3524)

([10]) البخاري (الفتح 11/ 6345) ومسلم (2730)

([11]) أحمد (712) وابن حبان (2372) والحاكم (1/ 509)

([12]) أحمد (1/ 91)

([13]) أبو داود (1495) والنسائي 3/ 25، وابن ماجه (3858)

([14]) انظر الدعاء كاملا في: البلد الامين والدرع الحصين، ص251، بحار الأنوار: 95/217.

([15]) رواه مسلم.

([16]) الترمذي (3389)

([17]) أبو داود (5090).

([18]) الترمذي.

([19]) البخاري، ومسلم.

([20]) رواه الترمذي

([21]) الإمام علي بن الحسين، الصحيفة السجادية، الدعاء 20.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *