الفقر

الفقر

سمعتك اليوم ـ يا بني ـ تحدث بعض الناس عن الفقر.. وقد كنت قاسيا في حديثك لهم.. فأنت لم تراع حالهم ولا وضعهم ولا ذلك الأمل الذي كان يغمر قلوبهم، ولا تلك السكينة التي كانت تمتلئ بها نفوسهم.

لقد اعتبرت في حديثك لهم الفقر صنما ينبغي أن يُكسر.. وطاغوتا ينبغي أن يُقتل.. وأن من رضي بالفقر كمن رضي بالكفر..

وما كان لي أن أجادلك في ذلك.. ولكن لكل مقام مقالا.. ولكل حديث رجالا.. فالمساكين الذين كنت تحدثهم لم يكن بيدهم من الحيلة ما يخرجون به من الحال الذي هم عليه.. ولذلك رضوا بأن يعبدوا الله بعبودية الرضى والتسليم.. ويعتبروا فقرهم اختبارا إلهيا.. نجاحهم فيه منوط بعفافهم ورضاهم وتسليمهم لله.

فلذلك سلموا.. ورضوا.. وعاشوا مطمئنين فرحين بما آتاهم الله من فضله، حتى لو كان قليلا.. مؤملين النفس بالأجر العظيم الذي يلقونه بصبرهم ورضاهم وتسليمهم لله.

وقد كان في إمكانهم ـ لو سمعوا تلك الصيحات التي تدعوهم إلى تحطيم صنم الفقر ـ أن يهرعوا إلى الأغنياء، فيسلبوهم، أو يسرقوهم، أو يختلسوا أموالهم.. مثلما حصل في تلك البلاد التي ثار فقراؤها على أغنيائها.. ثم صار الكل يصارع بعضهم بعضا، ويحارب بعضهم بعضا.

وكان في إمكانهم أن يتحولوا إلى مختلسين ومرتشين ولصوص وقطاع طرق.. لكنهم لم يفعلوا.. ورضوا بأن يعيشوا السلام.. مكتفين بأكل الحلال، ولو كان قليلا.. معتقدين بركته وفضله، ومطمئنين بأن العطاء الذي كتب لهم لم يرسل لهم جميعا، وإنما ادخر لهم هناك عند الله.. ولذلك رضوا بحالهم، وسعدوا بما ينتظرهم من فضل الله.

هكذا هذا هو حالهم يا بني.. فهم ليسوا كسالى.. ولا مقعدين.. ولا مفرطين فيما آتاهم الله من أسباب.. لكن ليس كل من سعى كسب.. ولا كل من تاجر ربح.. ولا كل من ألقى سنارته صادت له.. فالمؤمن يسعى، والله هو الذي يكتب ما شاء لمن شاء كيف شاء.

كان في إمكانك يا بني أن تجلس بين أيديهم مجلس التلميذ لا الأستاذ.. والمريد لا الشيخ.. فأنت وإن كنت أكثر منهم علما إلا أنهم أكثر منك رضا.. وأنت وإن كنت أكثر منهم قراءة للكتب، فهم أكثر منك قراءة للحياة.

لو جلست إليهم يا بني مجلس التلميذ من الأستاذ لرأيت الغنى الحقيقي الذي تخفيه أسمالهم البالية، ووجوههم الشاحبة.. ففي قلوبهم من كنوز القناعة، وجواهر الرضا، وأكاسير الاستعفاف والاستغناء ما لا تجده في جميع قصور المترفين.

هل رأيت يا بني تلك الابتسامة الهادئة التي تشع بها وجوههم.. إنها أغلى من جواهر الدنيا.. فلمعانها لمعان الرضى عن الله.. وهو أغلى من كل شيء.

ليتك يا بني ـ قبل جلوسك لهم ـ قرأت قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92]

إنها تصور تلك النفوس الطاهرة التي كانت مشتاقة للذهاب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومشاركته جهاده في سبيل الله.. لكن فاقتها وفقرها وحاجتها منعتها من ذلك.. فصارت دموعها تفيض حزنا.. لا على فقرها وحاجتها، وإنما على عدم خروجها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

هل رأيت الله تعالى في كتابه الكريم يذم هذه العيون الباكية.. أم تراه يثني عليها، ويعظمها، ويعتبرها الأسوة والقدوة؟

فأولئك ـ وإن قعدت بهم فاقتهم دون الالتحاق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلا أن قلوبهم كانت معه.. وأروحهم كان تسير خلفه في كل محل يذهب إليه.. وهم لذلك أغنى الأغنياء، وأثرى الأثرياء.. وأين غنى الأغنياء أو ثراهم أمام تلك الجواهر التي سقطت من عيونهم عند فراقهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو بعيد عنهم، وهم بعيدون عنه، فقال: (إن بالمدينة لقوما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم فيه)، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر)([1])

كان يمكنك يا بني أن تقرأ تلك الآيات قبل ذهابك إليهم، لتراهم بصورتهم الحقيقية.. تلك الصورة التي لم يرها المستكبرون، فراحوا يطالبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يطردهم، وألا يمكنهم من مجلسه حتى يحطموا صنم الفقر الذي طالبتهم بتحطيمه.

اقرأ يا بني قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:52) لتعرف قيمتهم وفضلهم عند الله..

فأولئك الذين سخر المشركون من لباسهم وهيئتهم ومطعمهم ومشربهم كانوا مريدين لله.. ومتوجهين بكل كيانهم إليه.. وكان في إمكانهم أن ينالوا من حظوظ الدنيا ما تشاؤه الأهواء.. لكنهم رضوا باختيار الله لهم.. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يذكرهم: (ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة؟ أما أهل الجنة، فكل ضعيف متضعف، أشعث ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبره، وأما أهل النار، فكل جعظري جواظ، جماع مناع، ذي تبع)([2])

هل رأيت يا بني منزلتهم عند الله، ومكانتهم عنده، وعند رسوله، بل عند رسله جميعا.. فأولئك الذين حدثتهم كانوا لا يختلفون عن صحابة الرسل عليهم السلام.. ومع ذلك صبروا معهم، ورضوا بهم، وأثنوا عليهم.. بل لم يقف معهم في المواقف الصادقة إلاهم.

ارجع يا بني إليهم، فلعلك أحزنتهم، أو ملأت قلوبهم بالأسى، أو أخرجت من قلوبهم ذلك الرضى، وتلك السكينة.

ارجع إليهم تلميذا لا أستاذا.. ومريدا لا شيخا.. ومريضا لا طبيبا.. والتمس دعواتهم، وتذكر عند رجوعك لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحرصه عليهم، فقد روي أن سلمان، وصهيبا، وبلالا كانوا قعودا في أناس، فمر بهم أبو سفيان بن حرب، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ قال: فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، فلئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك)، فرجع إليهم، فقال: أي إخوتنا لعلكم غضبتم، فقالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك ([3]).

ولا تكتف يا بني بأن تعتذر لهم بلسانك.. بل شاركهم حديثهم، واجلس معهم كواحد منهم، فالبركات تتنزل عليهم، وعلى من جلس معهم.. فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.


([1])  رواه أحمد (19/ 67)

([2])  رواه أحمد (19/ 459)

([3])  رواه مسلم (2504)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *