مالك الملك

مالك الملك

إلهي.. يا ملك .. ويا مالك.. ويا مليك.. ويا من بيده الملك.. ويا من لا ملك لغيره، ولا مالكية لسواه.

إني كلما تأملت في أحوال هذه المملكة الواسعة.. وما خلفها من عوالم الملكوت.. وما خلفهما من العوالم الخفية التي لا حظ لمداركي بإدراكها أو التعرف عليها، أعرف أنه يستحيل أن يكون هناك نظام من دون منظم.. ولا دقة من دون مقدر.. ولا مملكة من دون مالك.

يا رب.. فكل شيء يدل على أنك الملك.. كما أن كل شيء يدل على أنك المالك.. وأنك وحدك الذي يملك الملك والملكوت.. وأنك وحدك الذي يحق له أن يكون ملكا، فكل من عداك قد يملك ما لاحظ له فيه، ولا حق له معه.. أما أنت فكل شيء ملكك، ولا تحكم إلا في ملكك.

يا رب .. يا ملك الملوك.. يا من كل أملاك الدنيا والآخرة.. والغيب والشهادة أملاكه.. ومن عداه لا يملك حقيقة، وإنما يملك استعارة.. ولا يملك أعيانا، وإنما يملك انتفاعا.. ولا يملك ديمومة، وإنما يملك لفترة قصيرة، وقصد الاختبار.

يا رب.. فكل ملك عدا ملكك مجاز.. وكل مالكية خلاف مالكيتك إعارة.. فأنت المتفرد بالملك والمالكية في كل الأزمان والأحوال.

يا رب.. فاجعلني أطيعك في كل الشؤون.. فأنت ملك على كل الشؤون.. ومن تصور أن هناك من الشؤون من ليس لك به علاقة، فقد أشرك بك، وتوهم أنك فوضت الأمر لخلقك، وتركت التدبير لهم.. مع أن الأمر أمرك.. والحكم حكمك.. والتدبير تدبيرك.

يا رب .. فأعوذ بك أن أكون كأولئك الجاهلين الذين أعطوك ما بخس من أوقاتهم وشؤونهم.. وأعطوا ملوك الدنيا المحاربين لك، والمشركين بك، كل طاقاتهم، فعبدوهم من دونك، وفوضوا لهم أمور خلقك.. مع علمهم أنهم مناوئون لك، محاربون لأوليائك.

فأعوذ بك يا رب أن أقع في ذلك الشرك.. فأنت ملكي ومالكي.. وأنت حاكمي وإلهي.. وأنت الذي أعبده في كل شيء.. في الشعائر التي أمرني بالتزامها.. وفي حياتي الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وفي كل مواقفي.

أنت ملكي ومالكي ومدبر كل شؤوني.. وأنا عبدك الخاضع الذي يرجع لكلماتك المقدسة.. ولأوليائك الذين فوضت إليهم بيانها، حتى أعرف ما الذي علي فعله في كل موقف من المواقف، أو اختبار من الاختبارات.

يا رب.. عز جنابك أن تترك عبادك لأهوائهم، وأن تكتفي توجيهاتك لهم في تلك الشعائر التي شرعتها لهم.. بل إن شرائعك تمتد لكل الحياة، وتفاصيلها.. فأنت الذي تحكم في كل شيء.. وقيمك الرفيعة التي أنزلتها علينا في كتابك هي التي تبين لنا ما علينا فعله، وتصف لنا بدقة محال رضاك، حتى نكون عبيدا صالحين في مملكتك الواسعة.

يا رب.. فأعوذ بك أن أكون من المعارضين لحكمك، أو الواقفين في وجه قوانينك التي سننتها لنا، والتي بينتها لنا رسلك، وشرحها لنا أولياؤك.

واجعلني يا رب من أنصارها ودعاتها والمنفذين لها والحريصين عليها .. حتى ألقاك وأنا في حزبك الذي رضيت.. والذي جعلت له الغلبة.

يا رب .. لو أدرك عبادك الغافلون عنك المعارضون لك ما في شرائعك من المصالح التي وفرتها لهم، لخجلوا من أنفسهم، ولاكتفوا بالعودة إليك.. فهل يمكن لمن أنشأ كل هذه العوالم أن يغفل عن مصلحة عباده، أو أن يدعوهم إلى ما يضرهم؟

يا رب.. لقد كان جهلهم بك، وبعلمك الواسع، وخبرتك العظيمة سبب تلك الجرأة عليك، حين توهموا أن شرائعك خاصة بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان.. وكيف ذلك، وأنت رب المكان والزمان؟

يا رب.. لقد كان من لطفك بعبادك أن أريتهم بعض جرائر معارضتهم لك.. حيث سقطوا في الحروب.. وانتكست إنسانيتهم وأخلاقهم.. ولو نفذوا شريعتك المملوءة بالسلام.. وطبقوا قوانينها المملوءة بالقيم الرفيعة، لارتفعوا بإنسانيتهم، ولتحولت البشرية إلى المدينة الفاضلة التي لا يعيش فيها إلا الصادقون الصالحون، أولئك الذين تتنزل عليهم البركات من السماء والأرض.

يا رب.. لقد وضعتنا في هذه الدنيا موضع الاختبار والامتحان لنختار بين أن تكون أنت ملكنا أو أولئك الذين اختبرتنا بهم، واختبرتهم بنا.. فاجعلنا نختارك أنت.. فأنت الملك، وما عداك عبيد.. وأنت الحاكم، ومن عداك رعية..

يا رب.. واجعلنا لا نخشى غيرك حتى لو سلط علينا سيوف قهره.. ولا نرجو فضل غيرك حتى لو أمطر علينا سحائب كرمه .. حتى لا يكون ذلك حجابا بيننا وبين قول كلمة الحق التي أمرتنا بها.. أو مواقف الحق التي أمرتنا بوقوفها.

يا رب.. أنت الذي تهب الملك لمن تشاء.. وتنزع الملك ممن تشاء.. فاجعلنا ملوكا على أنفسنا.. حتى لا تتسلط علينا أهواؤنا.. واجعل أنباءك وأولياءك ملوكا على عقولنا وقلوبنا وأرواحنا حتى تكون طاعتنا لهم مقربة لنا منهم، ومزلفة لنا لديك.

يا رب.. ونعوذ بك أن نخضع لكل ملك يعارضك.. أو نملك على قلوبنا من لا يقدسك أو يعرفك.. فكن أنت ملكنا.. واجعل عرشك في قلوبنا حتى نسمع نداء مالكيتك وملكيتك في كل الأحيان والأحوال.. وحتى لا يتسلط الشيطان علينا، وكيف يتسلط الشيطان على من في قلبه عرشك؟

يا رب.. يا ملك .. ويا مالك .. هب لنا من ملكك ما تغنينا به عن سواك.. وهب لنا من حبك ما يجعلنا نشعر بأن كل ما تملكه ملك لنا.. فالحب يختصر المسافة بين الحبيب والمحبوب.. ويلغي المالكية بينهما.. يا رب العالمين، وأرحم الراحمين.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *