الفصل الأول: الثورة الإسلامية.. والقيادة الرشيدة

الفصل الأول

الثورة الإسلامية.. والقيادة الرشيدة

الركن الأكبر من أركان انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، ومثلها انتصار أي ثورة، توفر القائد الذي يستطيع أن يحرك الشعب، ولو تأملنا كل أسباب الهزيمة التي نزلت بجميع الثورات العربية، وخصوصا ما يطلق عليه [الربيع العربي] نجد أنه يمكن اجتماعها في افتقادها للقائد، حيث أنها تحولت إلى حركة عشوائية فوضوية غير مضبوطة، ولذلك سهل اختراقها، وتحويلها عن مسارها الصحيح الذي يخدم الشعب والدولة إلى المسار الذي يخدم أعداء كليهما.

وفهم سر ذلك ليس صعبا، ذلك أن الشعب يتقمص جميعا شخصية القائد، بكل معانيها، ويتحول بذلك إلى قوة واحدة، يمكنها أن تحطم كل من يقف في طريقها، لكنها عند افتقاد القائد، يصبح لكل شخص قوته الخاصة، والتي قد تتعارض مع سائر القوى، وبذلك تأكل الثورة بعضها بعضا، ويأكل الشعب بعضه بعضا مثلما نرى في ليبيا التي لا يزال التناحر بين الثوار أنفسهم، لأنهم لم ينطلقوا من قيادة موحدة، وإنما من قيادات كثيرة، حصل التنازع بعدها على المكتسبات.

وقد وردت الإشارة القرآنية إلى هذا المعنى في مواضع مختلفة، أولها، وأكثرها صراحة ما ورد في قصة طالوت؛ فهي تشير إلى أن التخلص من الهزيمة، لا يكفي فيه توفر الجيوش فقط، وإنما يحتاج أيضا إلى توفر القائد الحكيم الذي يعرف كيف يقود الجيوش للنصر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 246]

ووردت الإشارة إلى ذلك أيضا في سورة القصص، وهي السورة التي وضح الله غرضها في أولها، فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ [القصص: 5 ـ 6]

ثم عقب عليها مباشرة بقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]

أي أن إرادة الله بالتمكين للمؤمنين في الأرض، وإخراجهم من طاغوت فرعون بدأ بولادة موسى عليه السلام، فهو القائد المخلص، وهو الذي كان يفتقده بنو إسرائيل، وبمجرد ولادته بدأ معه الترقي في سلم النصر.

ولم يكتف القرآن الكريم بذكر هذا الشرط فقط، وإنما أضاف إليه الشروط التي لا يمكن للقائد أن يؤدي دوره من دونها، ومنها قوله تعالى في قصة طالوت: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة: 247]

ومنها قوله حكاية عن يوسف عليه السلام، وسر اختياره قائدا ومخلصا لمصر من الأزمة التي تتعرض لها: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]

ومنها قوله عن موسى عليه السلام، ومواصفات القيادة فيه، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]

وبناء على هذه النصوص جميعا ـ سواء تلك التي تشترط توفر القيادة لأي حركة تغييرية، أو تلك التي تذكر صفات القائد ـ يمكن قراءة سر نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية؛ فقد كان للإمام الخميني الدور الكبير في نجاحها، وذلك لتوفر جميع صفات القيادة الحكيمة في شخصه، بالإضافة إلى ممارسته الصحيحة والحكيمة لدوره القيادي، وفي أحلك الظروف.

ومثله خليفته الإمام الخامنئي الذي تولى المهام الكبرى إبان حياة أستاذه الإمام الخميني، ثم واصل المسيرة بعده، ليضمن الانتصار النهائي للثورة الإسلامية على كل المؤامرات.

وقد رأينا من خلال استقراء ما ورد في المصادر المقدسة من صفات القيادة الرشيدة، أنه يمكن اجتماعها في ست صفات:

1. المنبت الطيب للقائد، والذي يجعله ثقة لدى شعبه، ويخلصه من كل التهم التي قد تلحق به من المناوئين له، والتي قد تعتبره عميلا أو مندسا، ولهذا نرى في الكثير من الدساتير اشتراط الجنسية فيمن يتولى أي مسؤولية كبرى في البلاد، ولهذا نرى أيضا سر ذكر القرآن الكريم للمنبت الطيب للأنبياء المخلصين.

2. القدرة العلمية، بمختلف أنواعها، وذلك لأن القيادة تحتاج إلماما بمعارف مختلفة، تكون هادية للقائد لاختيار القرارات المناسبة، وفي الوقت المناسب، بالإضافة إلى أن المشروع الثوري لا يمكن أن يتأسس، ولا أن يؤتي نتاجه ما لم يكن قائما على أسس علمية عقلانية يكون لها دور في التوعية والتعبئة.

فلو لم يكن ليوسف عليه السلام علم التأويل، والعلم بكيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية لمصر، لما استطاع أن يكون قائدا أو مخلصا لها في تلك الفترة.

3. القوة الأخلاقية والروحية، والتي تجعله محبوبا ومقبولا لدى شعبه، ذلك أن كل الشعوب تميل إلى القادة الروحيين أكثر من ميلها للقادة السياسيين، ولهذا وصف القادة في القرآن الكريم بالأمانة، وهي صفة تجمع جميع المعاني الروحية والأخلاقية.

4. قدرة القائد على البذل والتضحية، لأنها دليل صدقه وإخلاصه وبعده عن كل الأغراض الشخصية، وهذا يتجلى جليا فيما حصل للأنبياء والأئمة عليهم السلام من أنواع البلاء.

5 ـ القدرة التسييرية، والتي تقتضي التعرف على كيفية التعامل مع الشعب، والنواحي التي يمكن أن تؤثر فيه، وكيفية استدراجه لتحقيق المطالب الثورية بكل حكمة ولطف وتؤدة، وتقتضي كذلك التعرف على كيفية التعامل مع المناوئين للشعب، والذين تقوم الثورة ضدهم، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم عند ذكره لاختيار موسى عليه السلام ليوم الزينة، واجتماع الناس، ليرى الجميع آيات الله التي تؤيده، ويكون ذلك مقدمة لحراكه.

وأشار إليه عند ذكره لطالوت، وما فعله من اختبارات لجنوده، حتي يدخل المعركة بالجنود الذين تتوفر فيهم شروط النصر.

6 ـ جاذبية القائد، وقدرته على إثارة الانتباه والاهتمام، وذلك للصفات التي توفرت فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة منها ما قصه عن يوسف عليه السلام، وانجذاب أهل السجن له، ومثلهم الملك الذي قال عنه: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: 54]

أولا ـ المنبت الطيب للقائد:

وهو من الشروط المهمة والضرورية، والتي أشار إليها وإلى أهميتها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى عن مريم عليها السلام، وأسرار اصطفائها: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37]

وسر ذلك يعود إلى أن المخلص يحتاج إلى سيرة صافية واضحة تبعد عنه كل الشبهات، التي قد يستغلها أعداؤه، لا لتشويهه فقط، وإنما لتشويه الحراك الذي يقوم به، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى عند ذكره لخطاب الأنبياء مع أقوامهم، فقد قال الله تعالى ملقنا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]

وعند تطبيق هذا الشرط على الإمام الخميني وعلى الكثير من قادة الثورة الإسلامية الإيرانية، والذين اختارهم للقيادة معه وبعده، نجد هذا الشرط متوفرا، وفي أجمل وأكمل درجاته.

فالإمام الخميني سليل أسرة هاشمية، انحدرت من سلالة الإمام موسى الكاظم، لذلك عُرف ولقِّب باسم [آية اللَّه روح اللَّه، الموسوي، الحسيني، المصطفوي، الخميني]([1])

وكان لنسب الأسرة دوره في اهتماماتها العلمية والثورية، فقد كان لجده السيد أحمد الهندي ـ بما له من مكانة اجتماعية ـ دور في الثورة والتمرد على الاستعمار البريطاني في كشمير التي كان مستقرا بها حينها، وكانت خاضعة للاستعمار البريطاني؛ فاضطرت بريطانيا لإبعاده عن كشمير في بداية القرن التاسع عشر، فاختار النجف لتكون مقره الجديد، فأقام في النجف مدة من الزمن، إلى أن جاءت جماعة من بلدة خمين الإيرانية، والتقت به، وعرضت عليه أن يعود معهم إلى بلدة خمين، فوافق السيد على ذلك، وعاد معهم، وصاهرهم، وكان من ثمرة تلك المصاهرة، أن ولد له مصطفى، والد الإمام الخميني.

ثم ما لبث والده مصطفى أن استشهد ولم تمضِ على ولادته ستّة أشهر، وذلك على أيدي قطّاع الطرق المدعومين من قِبَل الحكومة آنذاك، وذلك عام 1320 للهجرة، وقد قامت بكفالته وتربيته بعد يتمه والدته المؤمنة السيّدة هاجر، التي تنتسب لأسرة اشتُهرت بالعلم والتقوى.

وهكذا اجتمع للإمام الخميني في أول مراحل حياته، العلم والتقوى مع الألم الذي سببته المظالم التي لحقت بأسرته، والتي جعلته بعد ذلك يشن حملته الشديدة على الاستكبار والاستعمار والظلم.

بعدها انصرف الإمام الخميني بكليته للعلم، فقد درس في مدينة خمين حتى سن التاسعة عشر مقدّمات العلوم بما فيها اللغة العربية والمنطق والأصول والفقه، وفي عام 1921م التحق بالحوزة العلمية في مدينة أراك، وبعد أن مكث فيها عاماً، هاجر إلى مدينة قم لمواصلة الدراسة في حوزتها، وهناك وفضلاً عن مواصلة دراسته على يد فقهاء ومجتهدي عصره، اهتم بدراسة علم الرياضيات والهيئة والفلسفة.

ولذلك كانت سيرته مملوءة بالطهارة والنقاء، سواء من جانبه الشخصي، الذي كان يطغي عليه الدراسة والبحث العلمي، أو من جانب أسرته التي جمعت بين العلم والثورة على الاستبداد.

وهكذا الأمر بالنسبة لخليفته الحالي السيد علي الخامنئي، والذي كان ينتمى هو الآخر لأسرة من السادة المشهورين بالعلم والتقوى، فقد كان والده آية الله الحاج السيّد جواد، من المجتهدين وعلماء مشهد المحترمين، وكان من المبلِّغين المعروفين في مشهد، وكان جدّه آية الله السيّد حسين الخامنئيّ من علماء أذربيجان، ثمّ هاجر إلى النَّجف، وأقام هناك، واشتغل بالتدريس والبحث، وكان ـ كما يذكر المؤرخون له ـ من أهل العلم والتقوى، وقضى عمره في الزهد والقناعة.

 وهكذا كانت والدته كريمة حجَّة الإسلام السيّد هاشم نجف آبادي من علماء مشهد المعروفين، وكانت امرأة شريفة عالمة، وكان له دور كبير في تربية ابنها السيد علي، كما يذكر ذلك عنها.

وقد كانت نشأة السيد علي الخامنئي لا تختلف عن نشأة أستاذه الإمام الخميني، فقد جمع بين طلب العلم مع الظروف المعيشية الصعبة التي جعلته يشعر بمرارة الاستكبار والظلم، وقد عبر عن ذلك، فقال: (لقد قضيت طفولتي في عسرة شديدة خصوصًا أنَّها كانت مقارنة لأيَّام الحرب. وعلى الرغم من أنَّ مشهد كانت خارجة عن حدود الحرب، وكان كلُّ شيء فيها أكثر وفورًا وأقلَّ سعرًا نسبة إلى سائر مدن البلاد، إلاّ أنَّ وضعنا المادّيَّ كان بحيث لم نكن نتمكّن من أكل خبز الحنطة، وكنّا عادة نأكل خبز الشعير، وأحيانًا خبز الشعير والحنطة معًا، ونادرًا ما كنّا نأكل خبز الحنطة. إنّني أتذكّر بعض ليالي طفولتي حيث لم يكن في البيت شيء نأكله للعشاء، فكانت والدتي تأخذ النقود ـ الّتي كانت جدتي تعطيها لي أو لأحد أخواني أو أخواتي أحيانًا ـ وتشتري بها الحليب أو الزبيب لنأكله مع الخبز. لقد كانت مساحة بيتنا الّذي ولدت وقضيت حوالي خمس سنوات من عمري فيه بين (60 ـ 70 مترًا) في حيّ فقير بمشهد وفيه غرفة واحدة وسردابٌ مُظلم وضيّق.. وعندما كان يحلّ علينا ضيف. وبما أنَّ والدي كان عالمًا ومرجعًا لشؤون الناس، فكان دائم الضيوف، كان علينا الذهاب إلى السرداب حتّى يذهب الضيف. وبعد فترة اشترى بعض المريدين لوالدي قطعة أرض بجوارنا وألحقوها ببيتنا، فاتسّع البيت إلى ثلاث غرف.. ولم يكن ملبسنا أفضل من ذلك، فقد كانت والدتي تخيط لنا من ملابس والدي القديمة شيئًا عجيبًا وغريبًا، كان لباسًا طويلًا يصل إلى أسفل الرُّكبة يحتوي على عدّة وصلات، طبعًا يجب أن يقال إنَّ والدي لم يكن يغيّر ملابسه بهذه السرعة، فعلى سبيل المثال بقي أحد ملابسه بلا تغيير لمدّة أربعين عامًا)([2])

وهذه النشأة لكلا القائدين كان لها أثرها البالغ في موقفهما من الاستكبار والظلم، ودعوتهما لنصرة المستضعفين، وكان لها دور كذلك في ثقة الشعب الإيراني فيهما ذلك أن الأبطال الحقيقيين هم الأبطال الذين يولدون من رحم الشعب ومعاناته، لا الذين ينظرون إليه من أبراجهم العاجية.

وكما أن مرارة اليتم لم تصرف الإمام الخميني عن طلب العلم، بل جعلته يقبل عليه بكليته، فهكذا حصل لتلميذه وخليفته السيد علي الخامنئيّ الذي التحق بالكتاتيب لتعلّم القرآن الكريم، وهو لما يتجاوز الخمس سنوات.

وبعد أن أكمل المرحلة الابتدائيّة، التحق بالدراسة المسائيّة في المدرسة الحكوميّة وحصل على الشهادة المتوسّطة، ثمَّ أنهى دراسته الثانويَّة خلال سنتين، وحصل على الشهادة الثانويَّة.

وقد حدّث عن مدى الاهتمام الذي كانت توليه أسرته لطلب العلم، على الرغم من ظروفها الصعبة، فقال: (لقد كان والدي العامل الرئيسيّ في انتخابي طريق العلم النيّر والعلماء. ولقد شوّقني ورغّبني بذلك.. فعندما شرعت بالدروس الدينيَّة، كان الفارق في العمر بيني وبين والدي شاسعًا، إضافة إلى ذلك فقد كانت لوالدي مكانة علميَّة بارزة، وكانت لديه إجازة اجتهاد، وتخرّج على يديه الكثير من طلبة العلوم الدينيَّة في مستويات عالية، لذا لم يكن من المناسب وهو في هذه المكانة العظيمة أن يدرّسني وأنا في المرحلة الأولى من دراستي، ولم تكن لديه الرغبة ولا الصبر على ذلك. لكن نظرًا لاهتمامه بتربيتنا، فقد درّسني وأخي الأكبر ومن بعدنا درّس أخانا الأصغر، فحقّه عظيم علينا في مجال التدريس والتربية وخصوصًا عليّ، لأنّه لو لم يكن موجودًا لما وُفِّقنا في تحصيل الفقه والأصول، وقبل ذهابي إلى قمّ، حضرت. علاوة على دراستي عند والدي. الدروس العامّة في مشهد. وفي العطلة الصيفيَّة كان والدي يضع لنا برنامجًا دراسيًّا ويباشر تدريسنا، ولهذا السبب لم يحصل توقُّف في دراستي خلافًا للّذين كانوا يدرسون في الحوزات العامّة والّتي كانت تعطّل في شهري محرّم وصفر وشهر رمضان المبارك وفي العطلة الصيفيَّة. فأنهيت دروس السطوح جميعها، وشرعت بالبحث الخارج وأنا في السادسة عشر من عمري.. إنّ لدعم والدي النصيب الأوفر في تقدّمي الدراسيّ، فبلغت فترة دراستي منذ اللحظة الأولى في طلبي العلم حتّى شروعي بحث الخارج خمس سنوات ونصفا، أي أنَّني أنهيت السطوح في خمس سنوات ونصف)([3])

وهكذا كان لوالدته الدور الكبير في تربيته وتعليمه، وإتقانه للغة العربية، وقد أشاد بها كثيرا في مذكراته [إنّ مع الصبر نصرا]، فقد قال عنها: (الوالدة نجفیة المولد، عربیّة اللهجة، كانت تتكلم في صباها باللهجة العربیة النجفیة، عارفة بالقرآن، تحسن القراءة بصوت رائع. وفي أواخر حیاتها بُحَّ صوتها، فكنت أذكّرها بصوتها الحَسَن. كانت تواظب علی قراءة القرآن الكریم كلَّ یوم في مصحف مُهدی لها من والدها. وكانت طریقتها في القراءة تجتذبنا ونحن صغار، فنلتف حولها، ونصغي إلی تلاوتها. وهي كانت تغتنم الفرصة فتترجم لنا معاني بعض الآیات إلی الفارسیة، وتحكي لنا قصص الأنبیاء. شغفها بحیاة موسی (عليه السلام) كان یدفعها لأن تقصَّ علینا حیاة هذا النبي العظیم بكل تفاصیلها، وتتكلم عن موسی بإعجاب یثیر فینا لهفة لاستماع أخباره)([4])

وقد كان لذلك كله أثره الكبير في تكوينه إذ مكنه من الاطلاع على الكثير من الكتب باللغة العربية والفارسية وغيرها، كما ذكرنا اهتمامه الكبير بالمطالعة في الجزء السابق من هذه السلسلة.

ثانيا ـ الصفات العلمية للقائد:

وهي من الصفات الأساسية الكبرى التي لا يمكن لأي ثورة ناجحة أن تتحقق من دونها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الشرط في مواضع كثيرة، مبينا أنه لا يمكن أن يقود الناس جاهل.

ومن الأمثلة على ذلك نموذج ذي القرنين الذي ذكره القرآن الكريم باعتباره مثالا للقائد الصالح، وقد ذكر أنه لم يكن ليخرج بعض الأقوام الذين مر بهم من الذلة والضياع لولا العلم الذي آتاه الله، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) ﴾ [الكهف: 93 ـ 97]

ومثله يوسف عليه السلام، الذي كان علمه بكيفية حفظ الزرع من الفساد، وما أوتيه من علوم التأويل دور في تخليص المصريين ومن جاورهم من المجاعة التي كانت تنتظرهم.

ومن خلال تأمل ما ورد في القرآن الكريم حول العلوم المرتبطة بهذا الجانب، نجد نوعين من العلوم يحتاج القائد لتعلمها، بل لا يمكن أن يمارس دوره من دونها:

أولها ـ العلوم المرتبطة بالعقائد والفلسفات والأفكار، والتي تمثل الجانب الفكري للشخصية القيادية.

الثاني: العلوم المرتبطة بالحياة وتجاربها المختلفة، والواقع والأقطاب المتحكمة فيه، والمجتمع والبنية المشكلة له، وغيرها من العلوم التي تجعله ينظر للواقع نظرة صحيحة بعيدة عن كل أشكال الهوى والتفكير الرغبوي.

وهذه جميعا نجدها مجتمعة لدى الإمام الخميني وخليفته الإمام الخامنئي؛ فكلاهما نال حظه من هذه المعارف، كما سنشرح بعض ذلك من خلال العنوانين التاليين:

1 ـ العلوم المرتبطة بالفلسفات والأفكار:

من أهم الميزات التي طبعت الثورة الإسلامية في إيران أن جميع قادتها ابتداء من الإمام الخميني، وغيره من القادة السياسيين والفكريين كان لهم اهتمام شديد بالفلسفة، والعلوم العقلية، والتي أعطتهم القدرة على التحليل الجيد للأوضاع المختلفة، وكيفية التعامل معها.

ولذلك كانت مناهج دراستهم تختلف كثيرا عن تلك المنتشرة في العالم الإسلامي سواء في البيئة السنية أو الشيعية، ذلك أن الغالب على المدارس الدينية حفظ الفروع الفقهية، وتلقين الأصول الدينية، دون الغوص في العلوم العقلية، سواء تلك المرتبطة بالدين أو بالفلسفة عموما، وسنرى بعض النماذج على ذلك في الفصول التالية عند بيان قدرة الثورة الإسلامية على استقطاب الفلاسفة والمفكرين، وغيرهم، وقدرتها على صياغة خطابها بلغة عقلانية مقبولة من الجميع، حتى من غير المتدينين.

ونكتفي هنا بذكر مدى اهتمام القائدين الكبيرين للثورة الإسلامية بهذه الجوانب..

أما الإمام الخميني، فتشهد له كل كتبه ومحاضراته وخطبه بالباع الطويل في الفلسفة وعلم الكلام والعرفان، وجميع العلوم العقلية، ولذلك كان يستعمل تلك التحليلات واللغة المرتبطة بها في خطاباته جميعا، حتى الخطابات الشعبية، مع تبسيطها وتيسيرها ليفهمها عامة الناس وخاصتهم.

ولذلك دور كبير في ثقة الأمة بقائدها، ذلك أنه كلما كان مستواه العلمي والفكري رفيعا، وكلما كانت خطبه راقية، كلما كانت الثقة به أعظم، لأن الشعب يشعر حينها أنه بين أيد أمينة، لها من العلم ما ينقذها من كل تهور.

ومن خلال الاطلاع على ما كتبه الإمام الخميني في هذه الجوانب، نجده فيلسوفا ومفكرا رائدا، بل صاحب مدرسة فكرية راقية، وليس مجرد شخص مقلد أو حافظ مثلما هو الحال في الكثير من أساتذة الفلسفة في الدول العربية، والذين اقتنعوا من الفلسفة بتبني أحد مدارسها والدفاع عنها دون أن تكون لهم بصمات واضحة في مجال اختصاصهم.

وقد كان لإتقانه للعلوم العقلية آثارها في مرحلة أستاذيته، حيث وفرت له الكثير من التلاميذ الكبار الذين لم يكونوا يجدون عند غيره ما يجدون عنده من العلوم، وقد كان أولئك التلاميذ هم القادة الفكريون الذين كان لهم دور كبير في نجاح الثورة الإسلامية.

وفي نفس الوقت كان لذلك آثاره السلبية في الذين يخالفون أمثال تلك العلوم، كما ذكر الإمام الخميني ذلك عن نفسه، فقال: (في مدرسة الفيضية تناول ابني الصغير المرحوم مصطفى وعاءً وشرب منه الماء، فقام أحدهم وطهَّر الوعاء لأنني كنتُ أُدرِّس الفلسفة، فقد كانت دراسة الفلسفة والعرفان تُعَدّ ذنبًا وشِرْكًا)([5])

وأشار إليه في موضع آخر عند رده على ذلك الصراع الذي استشرى فترة طويلة في التاريخ الإسلامي بين الفقهاء والفلاسفة، فقال: (لا ينبغي لهذه الفئة أن تتعرض لتلك، ولا لتلك الفئة أن تتعرض لهذه، فكل فئة من هؤلاء تتبنّى قضية مستقلة ومسألة محدودة لحالها. عقلك أنت لا يستوعب ما هو (الفقه) مثلًا، فلماذا تعتدي على الفقه؟ عقلك لا يستوعب ما هي (الفلسفة) وما فوق الفلسفة، لماذا تتجاسر على أصحابها؟ فأنت الذي لا تستطيع أن تستوعب. فإن من لا يستطيع فهم ما تقوله تلك الطائفة أو الفئة، وما تتوخّاه لا يحقّ لهُ الاعتراض عليها، فقد يكون فكره هو محدوداً!) ([6])

ثم بين المنهج الأمثل في التعامل مع كلا الصنفين من العلوم، فقال: (على الجميع أن يتكاتفوا فيما بينهم، ويتعاضدوا، يجب أن يتوحّدوا فقيهاً ومهندساً وطبيباً وطلاباً وجامعيين وطلبة مدارس، على الجميع أن يتآزروا، حتى يتمكّنوا من القيام بعمل ما، ليتخلّصوا من هذه الأعباء)([7])

ومما يدل على مدى اهتمام الإمام الخميني بكلا النوعين من العلوم الشرعية والعقلية تلك الإجابة البديهية السريعة على سؤال من بعض الصحفيين عن أهم الشخصيات والكتب التي تأثر بها ما عدا المصادر المقدسة، فقال: (لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال الآن، فهو يحتاج إلى الكثير من التأمل.. لدينا الكثير من الكتب، فربما أستطيع أن أقول في الفلسفة: الملا صدرا، ومن كتب الأخبار والمعلومات: الكافي، ومن الفقه: الجواهر، فعلومنا الإسلامية غنية جداً، ولدينا الكثير من الكتب. ولا نستطيع إحصاءها لكم)([8])

وهكذا استطاع الإمام الخميني بفضل مزجه بين العلوم المختلفة، العقلية والنقلية أن يضم إليه كل أصناف الناس، سواء من مال منهم إلى الفقه وعلوم الفروع، أو من مال إلى العلوم العقلية بمختلف أصنافها، كما عبر عن ذلك بعض تلاميذه، فقال: (أول صفة جديرة بالاهتمام يمتاز بها الإمام هي درجته العلمية، فإن الكثير من مجتهدينا وفقهائنا قد تخصصوا في فرع واحد من فروع العلوم الإسلامية، فمنهم من تخصص بالفقه، والآخر بالأصول، وآخر بالفلسفة. ومن النادر أن يوجد مجتهد له اختصاص عام بجميع موارد الفقه، وفي الوقت نفسه له اختصاص مماثل في علم الأصول، أو أن مجتهداً في علم الأصول بالدرجة الأولى، قد اجتهد أيضاً بعلم الفقه وبالفلسفة، وقد يكون فيلسوفاً وفقيهاً في آن واحد، وأمثال هؤلاء من القلة النادرة. وفي هذا الوسط النادر نجد أن الإمام قد تجاوز الحد الطبيعي في مختلف العلوم، فهو ـ باعتراف الكثير من الأفاضل، والعلماء، وذوي الخبرة في الأصول والفلسفة وفي سائر المعارف الإسلامية ـ ليس له نظير بين المراجع وعلماء الإسلام، ليس في تاريخنا المعاصر فحسب، بل وعلى مر التاريخ، إذ قلما نجد بين الفقهاء والمجتهدين في ذلك العصر من نبغ منهم في كل العلوم والمعارف الإسلامية (عدا من كان لديه مجرد الاطلاع على بعضها)، فعلاوة على الاطلاع الكافي، فإن الإمام كان يمتلك التخصص في ذلك)([9])

وهكذا الأمر بالنسبة للإمام الخامنئي، فقد كان من المهتمين بالفلسفة والعلوم العقلية، والبارعين فيها، وخطاباته كلها ممتلئة بالدعوة للتأمل العقلي في القضايا المطروحة، ومن الأمثلة على ذلك قوله في بعض خطاباته: (إن الفلسفة لنا، ومهدها هو بلدنا. وما هو موجود في بلدنا تحت عنوان الفلسفة هو أقرب بكثير إلى الفلسفة مما هو موجود في الغرب الذي ملأ ضجيجه الآفاق. حسنا، فليفعلوا ما يريدون. وحوزاتنا هي مركز الفلسفة، والذين يتخرجون منها أساتذة كبار. وفي الجامعات أيضا فقد ترسّخ هذا الأمر بحمد الله. لهذا يجب العمل في مجال إنتاج الفكر الذي ينبعث من الرؤية الفلسفية)([10])

وهو مثل أستاذه الإمام الخميني يدعو إلى الخروج من التقليد في الفلسفة، إلى الإبداع فيها، والإبداع في كل العلوم، يقول في بعض خطاباته مشيرا إلى ذلك: (لو تمّ إعمال الاجتهاد وفق المنهج الصحيح المبني على الكتاب والسنّة، وبتلك المنهجية المنطقية المعقولة السليمة المدقّقة الناضجة فهو أمرٌ ممتاز. إن الاجتهادات، ولو استتبعت نتائج مختلفة، تؤدّي إلى الارتقاء والتقدّم. مجتهدونا وفقهاؤنا عبر تاريخ فقهنا، قدّموا آراء متباينة في المسائل المختلفة. فالتلميذ ينقض آراء أستاذه، ويأتي تلميذه لينقض عليه، فلا إشكال في ذلك، فهذا ما يؤدي إلى الارتقاء والتطور، ويجب تقوية هذا الاجتهاد في الحوزة. والاجتهاد لا يختص بالفقه، ففي العلوم العقلية وفي الفلسفة والكلام، اجتهاد أصحاب هذه الفنون ضروريٌّ، ولو لم يكن هذا الاجتهاد لأصبحنا مستنقعاً راكداً)([11])

وقد شهد له بالبراعة في هذا الجوانب خطبه الكثيرة المملوءة بالتحليلات العقلية العميقة، وشهد له بها كذلك من عرفوه من الباحثين والمفكرين، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله الدكتور محمد علي آذرشب عند ذكره لذكرياته مع الإمام الخامنئي، وصحبته له، فقد قال عنه: (السّيد الإمام الخامنئي يجمع بين الفقاهة وبين الأدب فهو أولاً فقيه، وثانياً أديب من الدرجة الأولى ولذلك ففقاهته وأدبه يتغلّبان أو يدفعان الإنسان دفعاً إلى أن يكون متعمّقاً في اللّغة العربيّة والأدب العربي. إضافة إلى ذلك، الإمام الخامنئي يمتاز بشيءٍ آخر وهو الذّوق الأدبي. الذّوق الأدبي هو أمر مغاير لمسألة التعرّف على الأدب العربي وعلى اللغّة العربيّة. الأدباء الإيرانيّون والشعراء الإيرانيّون يعرفون السّيد الخامنئي باعتباره ناقداً عظيماً للأدب الفارسي، يعني حينما يجلس في جلساتهم يتناول الأدب الفارسي تناولاً ذوقيّاً نقديّاً ويدخل في أعماق التّجربة الشعوريّة للشاعر والأديب وهذه مسألة مهمّة على الصعيد النقدي. وكذلك هذا الناقد الكبير حينما يدخل إلى أدب آخر يتذوّقه بهذا الشكل؛ حينما يتناول السّيد الإمام الخامنئي الأدب العربي يدخل أيضاً في التجربة الشعورية للشعر ويتذّوق هذا الشعر، يعني حينما ينشد الشعر العربي أحياناً لا يستطيع أن يجلس ويقوم ويتحرك مما يدلّ على تفاعله الشديد مع الأدب. من هنا فإن فقاهته وأدبه وذوقه النقدي كانت تدفعه إلى عقد هذه الجلسات الأدبيّة الأسبوعيّة ليتناول فيها مجمل قضايا الأدب العربي واللّغة العربيّة وأيضاً قضايا العالم العربي ويتحدّث فيها باللّغة العربيّة)([12])

وعند عرض هذه المواقف الدالة على الاهتمام بجميع العلوم العقلية وغيرها، وربطها بالعلوم الشرعية، يتبين لنا الفرق الكبير بين الحركات الإسلامية والثورة الإسلامية الإيرانية، ذلك أن كل الحركات لم تول تلك العلوم العقلية أي اهتمام، بل إنها احتقرتها، وبعضها ذهب إلى حد تكفير المشتغلين بها، بسبب تأثره بالمدرسة الوهابية.

2 ـ العلوم المرتبطة بالحياة والمجتمعات:

وهي من أهم العلوم التي يحتاجها القائد حتى لا يكرر التجارب الخاطئة التي وقع فيها غيره، ولذلك نرى اهتماما كبيرا من قادة الثورة الإسلامية بتفاصيل ما يجري في الواقع بجوانبه المختلفة، كما سنرى ذلك بتفصيل في سائر الفصول.

وقد أشار الإمام الخميني إلى ضرورة هذه العلوم، وذلك عند ذكره لصفات وخصائص المجتهد الجامع للشرائط، حيث قال: (يجب أن يكون المجتهد محيطاً بأمور زمانه، وليس مقبولاً للناس والشباب وحتى العوام أن يقول مرجعهم ومجتهدهم: أنا لا أعطي رأياً في المسائل السياسية.. إن معرفة طريقة مواجهة حيل وتزويرات الثقافة المسيطرة على العالم، وامتلاك البصيرة والرؤية الاقتصادية، والاطلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد المتحكم بالعالم، ومعرفة السياسات وحتى السياسيين، وتعليماتهم التي يملونها، وإدراك ظروف ونقاط القوة والضعف في قطبي الرأسمالية والشيوعية التي ترسم في الحقيقة استراتيجية السلطة في العالم، كل أولئك من خصائص المجتهد الجامع للشرائط.. يجب أن يتحلى المجتهد بالبراعة والذكاء والفراسة لقيادة المجتمع الإسلامي الكبير، وحتى غير الإسلامي)([13])

وعندما نطالع خطب الإمام الخميني والحوارات التي أجريت معه نرى ذلك العمق في فهم الواقع بجوانبه المختلفة، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله في الرد على بعض الصحفيين عندما سأله قائلا: (إن سعر النفط الإيراني متدن كثيراً مقارنة بدول الأوبك. هل تعتقدون بأن سعر النفط الإيراني معقول مقارنة بالسلع الرأسمالية المستوردة من الغرب، أم تفكرون بإجراء تعديلات عليه؟)

فأجابه الإمام الخميني ببداهة: (إن الطبقة الرأسمالية الغربية، وبدافع الحصول على أكبر حجم من الأرباح وكذلك امتصاص الأزمات الاقتصادية، تسرف في استهلاك النفط إلى حد كبير دون أن تفكر بتبعات ذلك على مستقبل العالم إذا نضبت هذه المادة الحيوية.. وإن هذه الأزمة سوف تؤدي إلى فقدان الدول المنتجة للنفط قدرتها الشرائية بعد أن ينضب احتياطي النفط، كذلك ستضطر الدول الأخرى إلى دفع مبالغ باهضة من أجل الطاقة.. لذا فإن قضية النفط، لا تقتصر على الأسعار فقط التي ليست عادلة حالياً.. القضية هي أن للنفط دوره المرجو والمدروس في اقتصاد الدول، والأحرى بالدول الغنية بالنفط أن تكرس جهودها لأحداث تنمية حقيقية في اقتصاداتها وليس نمواً كاذباً، ونحن سوف ننظم سياستنا النفطية على هذا الأساس، وفي هذه الحالة سنعمل على قدم المساواة وبصورة عادلة بالنسبة إلى أسعار النفط ومشتقاته، وأسعار السلع التي نشتريها)([14])

والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وهي جميعا تدل على مدى استيعاب الإمام الخميني للواقع الدولي والمحلي، كما شهد له بذلك السيد علي الخامنئي حيث قال: (لقد كان يعرف إيران جيداً: فمن جهة كان يدرك موقعها الجغرافي الحساس والمصيري، ويعي جغرافيتها السياسية ومواردها الطبيعية والإنسانية، ويحيط بتطلعاتها وأهدافها وآمالها الكبيرة، ومن جهة أخرى كان محيطاً بتاريخها على مدى المئة والخمسين عاماً الأخيرة الزاخر بالمحن، وأبعاد هيمنة الأجانب ونهبهم لثرواتها، وخيانة وفساد واستبداد الأسرة البهلوية وآلاف الأسر المرتبطة بها، وما فُرض عليها من فقر وتخلف علمي وصناعي وأخلاقي و.. وأهم من ذلك كلّه إدراكه لروحية شعبها العظيم والأصيل والرشيد والمؤمن، كما أنه كان على اطلاع بأوضاع العالم والشعوب المستعمرة والدول المستكبرة والجيل الشاب التائه الحيران والمتعطش للحقيقة، ولا سيما الأوضاع المؤسفة للدول والأمة الإسلامية. وكان يتألم لكل ذلك. وكانت القضية الفلسطينية ومعاناتها المؤلمة تعتصر قلبه الكبير)([15])

وهكذا نجد الإمام الخامنئي يهتم بكل ما يرتبط بالجوانب المختلفة من الحياة، ويتحدث فيها حديث العالم الخبير، كما سنرى ذلك في الفصول التالية، وهو لا يكتفي بنفسه، بل إنه يدعو في خطاباته الموجهة للمسؤولين والطبقة المثقفة في المجتمع إلى التعرف على كل الأفكار والاتجاهات والمذاهب ودراسة التاريخ والواقع دراسة علمية، حتى تقام كل المشاريع على أسسها.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في خطاب له حول المرأة، يبين فيه الفرق بين الحقوق التي أعطاها إياها الإسلام مقارنة بالحقوق التي توهم الغرب أنه أعطاها لها، حيث قال: (بالطبع، هذا لا يعني أن نظنّ بأنّ الغربيين متقدّمون علينا في هذا المجال؛ أبداً.. لدى هذا العبد إحصاءات كثيرة عن ذلك؛ وباليقين إنّ الوضع الداخلي للأسرة الغربية من ناحية مظلومية المرأة وعدم رعاية حقوقها هو أسوأ من وضع الأسر الإسلامية والإيرانية والشرقية، وما لم تكن أسوأ، فهي ليست أفضل؛ وفي بعض الموارد هي أسوأ.. نحن إذاً لا ننظر إليهم وهم ليسوا قدوتنا)([16])

والإمام الخامنئي لا يكتفي في خطاباته بالدعوة للاهتمام بهذا النوع من العلوم، وإنما يدعو كل حين إلى الإبداع فيها، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في خطاب له مع بعض المثقفين قال فيه: (هناك مسألة بيّنتها هذه السيّدة المحترمة بما يتعلّق بالعلوم الإنسانية وهي صحيحة تماماً. أولاً، هذا المطلب الذي ذُكر كان مدروساً بدقّة. ما يُقال من أنّ تطور الفكر يقف خلف تقدّم العلوم، وما يُقال من أنّ مبدأ التغيّر والتحول في الشعوب قبل العلم والتجربة هو الفكر، هو كلامٌ صحيحٌ تماماً ومُثبت. ولهذا أنا أظهر حساسية تجاه قضايا العلوم الإنسانية. نحن لم نقل إنّه لا ينبغي أن نستفيد بأيّ شكلٍ من الأشكال من معارف الغربيين التي كان فيها الكثير من الطفرات وعبر قرون عدة في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة أو أن لا نقرأ كتبهم، لكن ما نقوله هو أن لا تقلّدوا. وهذه السيّدة في كلمتها أشارت إلى هذه المسألة وهي مسألة صحيحة)([17])

ثم أضاف مبينا سر الدعوة للانفتاح على الثقافات المختلفة، ولكن وفق المنهج الإسلامي: (إنّ مباني العلوم الإنسانية في الغرب تنبع من الفكر المادّي، وكلّ من اطّلع على تاريخ النهضة ولديه معرفة بذلك وتعرّف إلى شخصيّات هذا العصر، فإنّه سيصل إلى هذه النتيجة قطعاً. حسناً، لقد كانت النهضة مبدأ التغيّرات المختلفة في الغرب، لكنّ المباني الفكرية الموجودة عندنا تختلف عن مبانيهم. ولا يوجد أي إشكال في أن نستفيد نحن من علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، وعلوم الاتصالات، وجميع الفروع العلمية الإنسانية التي ابتُكرت في الغرب أو توسّعت هناك. لقد قلت مراراً إّننا لا نشعر بالمذلّة من التعلّم بأي شكلٍ من الأشكال. علينا أن نتعلّم، نتعلّم من الشرق ومن الغرب، (اطلب العلم ولو في الصين)، فهذا أمرٌ واضحٌ. إنّنا نشعر بالمذلّة عندما لا يكون هذا التعلّم مؤدياً إلى المعرفة والوعي والقدرة على التفكّر عندنا. فلا ينبغي أن نبقى دائماً تلامذة، نكون تلامذة حتى نصبح أساتذة. والغربيون لا يريدون هذا الأمر، لقد كانت السياسة الاستعمارية للغرب مبنيّة ومنذ البداية على هذا، حيث أرادوا أن يكون هناك في العالم تمييز وهويتان، ومستويان في القضايا العلمية)([18])

ثم بين أهمية دراسة التاريخ، فقال: (فالتاريخ، أحد العلوم الإنسانية: التاريخ الذي أوصي مرة أخرى بقراءته، طالعوا التاريخ في عصر الاستعمار لتروا أيّة انتهاكات ارتكبها الغربيون في هذا المجال، بالرغم من ظاهرهم الأنيق المعطّر والمنظّم والمرتّب وادّعاءاتهم حول حقوق الإنسان. لم يكتفوا بقتل البشر، بل سعوا كثيراً لإبعاد الشعوب المستعمَرة عن مجال التقدّم وسلبها إمكانية التطوّر في جميع المجالات. وما نريده نحن هو أن لا يحصل هذا الأمر. نحن نقول ادرسوا العلوم الإنسانية لكي تتمكّنوا من إنتاجها بشكلها المحلّي، وبعدها صدّروها إلى العالم. أجل، عندما يحدث هذا، فإنّ كلّ من يتخرّج من محيطنا سيكون مورد أملنا واعتمادنا. لهذا نحن نقول أن لا نكون مقلّدين في هذه العلوم. هذا هو كلامنا في مجال العلوم الإنسانية)([19])

ثالثا ـ الصفات الأخلاقية والروحية للقائد:

وهي من الصفات الأساسية للقائد الناجح، وخاصة إذا كان يحمل هدفا رساليا يدعو به إلى ما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام وورثتهم، ذلك أن الأخلاق هي جوهر الدين، ومظهره الأكبر، ولا يمكن للقائد أن يكون ممثلا للدين دون أن يكون متحليا بما يتطلبه من أخلاق.

وقد أشار إلى هذا النوع من الشروط قوله تعالى في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

وعند تطبيق هذا الشرط على إمامي الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني والخامنئي نجده في أرقى درجاته؛ فكلاهما يمثلان القيم الرفيعة للأخلاق والروحانية السامية، وكل من رآهما وصحبهما شهد لهما بذلك، وذلك من أكبر أسباب انجذاب الإيرانيين لهما، فلا يمكن للقائد الذي لا يضبط سلوكه أن ينجح في التأثير، بل إن فضائحه قد تجعله غرضا لكل السهام.

وقد اعتبر الإمام الخامنئي هذه الصفة من أهم صفات الإمام الخميني، وسر كل ما حققه من نجاح، يقول عنه: (أودّ الإشارة على هامش الحديث إلى أنّ جهاد هذا الرجل العظيم لا يقتصر على الجهاد السياسي والاجتماعي أو الجهاد الفكري، وإنّما رافق كلَّ حالات الجهاد هذه جهادُ الباطن وجهادُ النفس والالتزام بالارتباط الدائم والمستمر بالله سبحانه وتعالى، وهذا درس لنا؛ إذا ما خضنا ساحة الجهاد الفكري أو الجهاد العلمي أو الجهاد السياسي فهذا لا يعني أنه يحقّ لنا الإعراض عن هذا القسم من الجهاد، لقد كان إمامنا العظيم من أهل الخشوع والبكاء والدعاء والتوسل والتضرع. ولطالما كرّر في شهر شعبان المبارك هذه الفقرة من المناجاة الشعبانية خلال كلماته قائلًا: (إِلهي هَب لي کَمالَ الِانقِطاعِ إِلیكَ وَأَنِر أَبصارَ قُلوبِنا بِضِیاءِ نَظَرِها إِلَیكَ حَتَّی تَخرِقَ أَبصارُ القُلوبِ حُجُبَ النّورِ فَتَصِلَ إِلی‌مَعدِنِ العَظَمَة)؛ هكذا كان سلوك الإمام. فإنّ بكاءه في الأسحار، ومناجاته، ودعاءه، واتصاله الدائم، كلّها كانت تشكّل الدعم المعنوي لمتابعة واستمرار جهاد هذا الرجل العظيم)([20])

ومن يطالع بيانات وخطب وكلمات الإمام الخميني يلاحظ هذه المعاني بكل سهولة، ومن الأمثلة على ذلك قوله في تأبين السيد أشرفي أصفهاني، وبيان صفاته، وكونها ممثلة للشخصية الإسلامية: (كم هم سعداء أولئك الذين يمضون العمر في خدمة الإسلام والمسلمين، وينالون في آخر العمر الفاني، الفيض العظيم الذي يتمناه عشاق لقاء الله.. كم هم سعداء وفي منزلة سامية، أولئك الذين سعوا طوال حياتهم إلى تهذيب النفس والجهاد الأكبر، والتحقوا في نهاية حياتهم بكل فخر، بركب الشهداء على طريق الحق وفي سبيل تحقيق الأهداف الإلهية.. كم هم سعداء ومنتصرون أولئك الذين لا يقعون في الشراك الشيطانية والوساوس النفسانية خلال رحلتهم في الحياة بكل تعرجاتها وسموها ودناءتها، واخترقوا آخر حجاب بينهم وبين المحبوب، بتضرجهم بدماء الشهادة، والالتحاق بمقر المجاهدين في سبيل الله.. كم هم سعداء ومحظوظون أولئك الذين أداروا ظهورهم للدنيا وزخارفها، وقضوا العمر بالزهد والتقوى، وفازوا بأسمى مدارج السعادة في محراب العبادة وفي خلال إقامة الجمعة، على يد أحد المنافقين والمنحرفين الأشقياء، والتحقوا بأسمى شهداء المحراب الذين التحقوا بالملأ الأعلى بفعل اليد الخائنة لأشقى الأشقياء)([21])

هذه هي القيم النبيلة التي مثلها الإمام الخميني في حياته جميعا، ولذلك استطاع أن يزرع في كل قادة الثورة الذين تأثروا به هذه المعاني، والتي أخرجت لنا جيلا من المفكرين والساسة لم يكن له نظير على مدار التاريخ، كما عبر عن ذلك الإمام الخامنئي بقوله: (لقد كنّا في الحقيقة أمواتاً فأحيانا الإمام، وكنّا ضلاّلاً فهدانا الإمام، وكنّا غافلين عن الوظائف الكبرى للإنسان المسلم فأيقظنا الإمام وأرشدنا إلى سواء السبيل، بحيث أمسك أيدينا وشجّعنا على المسير، وكان هو في طليعة السائرين)([22])

وقد كان الإمام الخميني ينتهج في حياته جميعا نهج الإمام علي، الذي ملك عليه كل كيانه، حيث كان كثير الذكر له، وللقيم النبيلة التي مثلها، ومن الأمثلة على ذلك موعظته التي ألقاها على جمع من أعضاء الفريق الوطني وهيئة رفع الأثقال في طهران، فقد قال لهم فيها: (إنكم وكما تتدربون وتعملون على تقوية عضلاتكم سوف تكونون مفيدين إن شاء الله لبلدكم في المستقبل، لابد لكم من التربية الرياضية لجميع أبعادكم الوجودية. فهذا علي (عليه السلام) نجد اسمه أمامنا أينما ذهبنا، عندما نذهب إلى الفقهاء نجد فقه علي، عندما نذهب إلى الزهاد نجد زهد علي، وإذا ذهبنا إلى المتصوفة نجدهم يذكرون أن التصوف مأخوذ من علي، حتى عندما نذهب إلى الرياضيين فإننا نجدهم يقولون أيضاً: علي. ويبدؤون باسم علي.. فعلي هذا فيه كل شيء. ويجب أن يكون قدوة لنا. ففي العبادة هو فوق جميع العبَّاد، وفي الزهد فوق جميع الزهَّاد، وفي الحرب فوق جميع المحاربين، وفي القوة فوق جميع الأقوياء وهو أعجوبة إذ يجمع فيه الأضداد، فالإنسان العابد لا يمكنه عادة أن يكون رياضياً، الإنسان الزاهد لا يمكنه أن يكون مقاتلًا. الفقيه لا يمكنه فعل هذه الأمور أيضاً)([23])

ولا يمكننا هنا أن نذكر الشواهد التي تدل على مدى روحانية الإمام الخميني وأخلاقه العالية، فقد ألفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، وشهد له كل من عرفه بذلك، ولكنا سنقتصر على هذه الشهادة التي عبر عنها بعض المقربين منه ([24])، فقال: (ليلة (5 نيسان 1964م) نقلت السلطة الإمام من سجنه في طهران إلى مدينة قم المقدسة، وما إن وصلنا مدينة قم في نحو الساعة العاشرة حتى هب الأهالي بجموعهم الغفيرة لاستقبال الإمام وبصورة لا توصف من الازدحام الذي اكتنف المنزل حتى الساعة 12.30 ليلاً، وبعد جهدٍ ومحاولات إقناع تفرق الناس إلى منازلهم. ولقد شاهد الذين رافقوا الإمام والمقيمون في المنزل، أنه بعد أن استراح سماحته فترة لا تتجاوز الساعتين نهض لأداء النوافل والتهجد، ولقد أكّد لي الأخوة الذين قضوا فترة من حياتهم بمعيّة الإمام، أنه منذ أكثر من خمسين عاماً والإمام لم يكن يغمض له جفن قبيل بزوغ الفجر)([25])

ثم ذكر أنه عندما طُبعت رسالته العملية (تحرير الوسيلة) في النجف الأشرف كتب الناشر على غلافها عبارة (زعيم الحوزة العلمية) قبل اسم الإمام، ولما كانت عبارة (زعيم الحوزة العلمية) تُطلق آنذاك على السيد الخوئي، (فإن الإمام ـ وحينما طالع تلك العبارة على غلاف كتابه ـ لم يرضَ بها، فطلب المسؤول عن ذلك وسأله عمَّن خوّله كتابة تلك العبارة، وأبلغه أنه إذا لم تُحذف هذه العبارة عن الكتاب، فسوف ترمى جميع نسخ الكتاب في النهر، مما اضطر القائمين بالطبع إلى اتخاذ ما يلزم لمحو العبارة المذكورة، ولئلاّ يظهر شيء منها، ولازالت بعض النسخ الموجودة منها شاهدة على ذلك) ([26])

ثم ذكر من تواضعه وعدم اهتمامه بالمسائل الدنيوية، أنه (في مجالس التأبين والفواتح التي كانت تقام في النجف الأشرف عند وفاة العلماء كان سماحته ينتظر انتهاء العلماء ـ الذين هم من الطراز الأول ـ من إقامة مجالس الفاتحة، ثم الطراز الثاني، ويأتي دور الطلاب وأفاضل الحوزة، وبعد انتهاء هؤلاء جميعاً يقيم الإمام مجلس الفاتحة.. ولما توفي المرجع المرحوم السيد الحكيم وأقيمت مجالس الفاتحة في النجف الأشرف على روحه الطيبة، كان مجلس الفاتحة المقام بأمر من الإمام آخر هذه المجالس. ومن الطريف في الأمر أن يتمّ الإعلان عن ذلك عبر مكبرات الصوت في مآذن الحرم المطهر بالقول بأن السيد الخميني يقيم مجلس الفاتحة بهذه المناسبة، والاكتفاء بتحديد الزمان والمكان لتنبيه الجمهور إلى ذلك، وقد قرأ المُعلن اسم الإمام مجرداً عن عبارات التعظيم والاحترام، مما حدا بالسامعين إلى أن يهاجموه، وكادوا أن يضربوه؛ فقد حسبوه يتعمد الحط من منزلة الإمام، لولا إفصاحه بأن ذلك لم يكن عن تقصير منه، وإنما كان حسب إيعاز صادر من الإمام نفسه بأن يقول ما قال ولا يزيد على ذلك حرفاً واحداً!) ([27])

وهكذا ذكر شاهد آخر([28]) كيف كانت حياة الإمام الخميني ممتلئة بالبساطة والزهد، فقال: (طوال مدة إقامته في النجف الأشرف، كان الإمام يسكن في بيت مستأجر بسيط وعتيق في أحد أزقة شارع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاله كحال المئات من طلبة الحوزة العاديين، وبقي على هذا الحال بعد انتصار الثورة، سواء أيام إقامته القصيرة في قم، أو في ما يقارب عشرة أعوام قضاها في منطقة جمران في طهران، فكان حاله في مسكنه حال الكثير من المستضعفين الفقراء، يعيش في منزل مستأجر، وكان منزله في جمران صغيراً لا تتجاوز مساحته (120) متراً مربعاً، مساحة البناء (70) متراً والبقية ساحة البيت)

وقال آخر ([29]) يذكر كيف كان يعيش الإمام الخميني في النجف الأشرف: (كان منزل السيد الخميني قده في النجف الأشرف صغيراً وبسيطاً للغاية لا تتجاوز مساحة ساحته (14) متراً مربعاً ويشتمل على بضع غرف في طابقه الأرضي وغرفة كبيرة في الطابق العلوي لم تصبغ منذ سنين طويلة، فصارت بحالة مزرية، والمنزل كان مستأجراً فقلت للمرحوم الشيخ الإشراقي: يمكنكم إخراج البيت من هذه الحالة بتعمير جانب منه وطلي جانب الآخر، فقال: لقد اقترحت ذلك على السيد الخميني، بل وأعلنت له عن استعدادي للقيام بذلك من أموالي الخاصة وليس من بيت المال، لكنه لم يوافق وقال: ليبق البيت على حاله، فهو ملك صاحبه والتصرف فيه من شأنه، فلا معنى لأن نقوم بإعماره وصبغه وإظهاره بحالة لا تتناسب وزي رجال الدين)

وقال آخر ([30]): (لم يكن قسم الاستقبال في بيت الإمام في النجف الأشرف مفروشاً بالكامل، بمعنى أن قسماً من هذه الغرفة التي كان يجلس فيها مساءً، كان خالياً فطلبت منه أن يسمح بشراء ما نسد به هذا النقص، فقال: يوجد في داخل المنزل بساط إضافي، فقلت: إنه بساط متواضع كما أنه لا يناسب المفروش في هذه الغرفة، فأجابني: وهل هذا بيت الصدر الأعظم؟! فقلت: بل هو بيت من هو أعظم، إنه بيت إمام الزمان. فقال: وما يدريك أن المفروش في بيت إمام الزمان نفسه خير من هذا؟!)

وقال آخر ([31]): (كان الإمام وأولاده يعيشون عيش أبسط طالب في الحوزة رغم الإمكانات المادية [بيت المال] كانت بأيديهم وكان بالإمكان تبرير استفادتهم منها.. كان بيت الإمام قديماً جداً ويخلو من أي مظهر من مظاهر الزينة والإمكانات المتعارفة، وقد سقط في شتاء أحد الأعوام جدار الغرفة العلوية منه، ورغم ذلك لم يرض الإمام بالانتقال منه، بل أعاد بناء الجدار وبقي في المنزل نفسه)

وقال آخر، وهو تلميذه العلامة الشيخ جعفر السبحاني: (البيت الذي كان يقطنه الإمام متوسط السعة مبني من الطين ولا زال موجوداً، وكان لأكثر من عشرين عاماً ـ ما بين عامي [1921 ـ 1945م] ـ يعيش في منازل مستأجرة، حيث استأجر منزلاً لمدة عامين، وانتقل منه بعد أن احتاجه صاحبه، فاستأجر منزلاً آخراً.. أجل لم أر الإمام طوال (63) عاماً كنت في خدمته بصورة متواصلة ـ باستثناء أعوام نفيه حيث انقطع ارتباطي الظاهري به ـ يضع حجراً على حجر)([32])

وهكذا نجد الإمام الخامنئي ممثلا للقيم الرفيعة والأخلاق العالية والروحانية السامية، حيث لا ينفك أي مجلس من مجالسه للدعوة لها، ومن الأمثلة العملية على ذلك ما ذكره عن نفسه، أثناء خطاب له يدعو فيه إلى بر الوالدين، والبركات المرتبطة بذلك، فقد قال فيه: (لا بأس أن أنقل لكم موضوعاً عن نفسي: أنا شخصياً، إن اعتبر لي نجاح أو توفيق في أي مجال، يتراءى لي بأنه لابد أن يكون هذا النجاح ـ بعد التدقيق والتفكير ـ نتيجة عمل صالح أسديته لوالدي)([33])

ثم راح يذكر عنايته بوالده وحرصه عليه وتركه كل مصالحه في سبيل ذلك، يقول: (أتذكر المرحوم والدي وهو في سن الشيخوخة وقبل عشرين سنة من وفاته، حيث كان في السبعين من عمره وكان مصاباً بمرض في عينيه يدعى (الماء الأسود) الذي كان يؤدي إلى العمى. في تلك الآونة وكنتُ في قم حينها وقد تعرفت شيئاً فشيئاً ـ عن طريق رسائله التي كان يبعثها إليّ ـ بأنه أصيب بالرمد، فهو لا يرى الأشياء كما ينبغي، لهذا جئتُ إلى مشهد واتضح لي أن والدي يحتاج إلى طبيب أخصائي بالعيون.. لهذا راجعنا الأطباء عدة مرات ولكن دون جدوى، فعدت بعدها إلى قم ثانية لأواصل دراستي الحوزوية، لأني كنت أسكن فيها منذ البداية.. بعد مدة بدأت العطلة في الحوزة، فذهبت إلى مشهد مرة أخرى، وعكفت على العناية بوالدي آنذاك، ثم رجعت بعدها إلى قم لأكمل دراستي، إذ أن العلاج الطبي ومراجعة الأطباء لم يؤثر في تحسين عينيه، فاضطررت أن آخذه إلى العاصمة طهران في عام 1343ﻫ.ش 1964م، لأن مراجعة الأطباء وإجراء وصاياهم الطبية في مشهد لم يواجه تقدماً ملحوظاً، فكنت آمل أن يتوصل الأطباء في طهران إلى نتيجة مرضية)([34])

وهكذا ذكر كيف وقف بجانبه في تلك الفترة، وترك كل شيء، فقال: (لكننا وبعد أن راجعنا بعض الأطباء في طهران، خيبّوا آمالنا وحطموا أحلامنا، وقالوا: (لقد أصيب عينا الوالد بالرمد ولا يمكن علاجها أو إصلاحها، خاصة بعد سنتين أو ثلاث سنين من استفحال المرض! لكنهم مع هذا كله، عالجوا عيناً واحدة، فكان يرى بها حتى آخر أيام حياته بعد أن فقد الرؤية ـ في تلك الفترة ـ بالمرة، فكنّا مضطرين لأن نأخذ بيده ونُسيّره هنا وهناك، لذلك كنت أتألم وأتأثر لما حصل لوالدي، فإن تركته لحاله وذهبتُ إلى قم، فسيعتزل الحياة الاجتماعية ويقبع في البيت ولن يتمكن من المطالعة ومعاشرة الناس أو القيام باي عمل آخر، وهذا بطبيعة الحال موقف حرج لا أطيقه، خاصة وأن الوالد كان مستأنساً بي إلى حد بعيد وبشكل خاص، فإنه لم يستأنس ببقية إخوتي بقدر ما كان يستأنس بي، تعوّد أن يذهب معي إلى الطبيب ولم يستسهل الذهاب مع الآخرين.. وحينما كنتُ إلى جانبه، كنتُ أقرأ له الكتب وأتباحث وأتناقش معه حول بعض المواضيع العلمية، وهذا ما دفع أبي أن يكون أكثر ارتباطاً استئناسا بي، في حين أن بقية الإخوة لم تسنح لهم مثل هذه الفرصة ليكونوا إلى جانب الوالد، أو أن هناك ظروفاً حالت دون هذه العلاقة الخاصة.. وعلى أي حال شعرتُ بأني لو تركتُ الوالد في مشهد لوحده ورجعت بعدها إلى قم فسيتحول الوالد إلى شخص عاطل وعاجز عن العمل، وبالطبع فإن هذه الحالة ستكون كارثة كبيرة بالنسبة له، وحادثة مريرة بالنسبة لي. هذا من جهة ومن جهة أخرى، إذا أردتُ أن أُساير الوالد وأترك دراستي في الحوزة العلمية، فهذا الإجراء هو الآخر كان مُضنياً ولا يطاق أبداً؛ لأني كنت أفضل الدراسة في قم، خاصة وقد قررت من قبل، أن أبقى وأسكن فيها إلى آخر عمري ولا أخرج منها أبداً) ([35])

ثم ذكر كيف استعان ببعض العرفاء الذين دلوه على الطريق الذي استطاع أن يجمع به بين رغبته في دراسة العلم والعناية بوالده، فقال: (في يوم من الأيام كنت مكتئباً مضطرباً وقلقاً جداً، من أن آخذ الوالد إلى مشهد ثم أتركه هناك وأعود إلى قم، وهذا محرج وصعب بالنسبة لي، لهذا عرجتُ لمقابلة أحد الأصدقاء، حيث كان بيته في مفترق (حسن آباد) بطهران، قصدتُ الذهاب، والرجل كان من أهل المعرفة، والحكمة والحنكة ولمّا لاحظتُ بأن صدري قد ضاق من شدة الهمّ والغمّ، اتصلت به هاتفياً وقلت له: (هل بإمكاني أن أزورك خلال الأيام القليلة القادمة؟). قال: (نعم) فذهبتُ إليه في أحد أيام الصيف وشرحتُ له الموضوع وقلت بأني مضطرب ومشغول البال وكئيب، وسبب اضطرابي وكآبتي من جهة هو أنني لا أقدر أن أترك الوالد هكذا مكفوفاً، وهذا يؤلمني كثيراً. ومن جهة أخرى إذا أردتُ أن أُساير والدي، فعليَّ أن أترك ورائي دنياي وآخرتي وأذهب مع الوالد وأبقى إلى جانبه في مشهد.. تريّث صاحبي هنيهة ثم قال: (بإمكانك أن تقوم بعمل لوجه الله وهو أن تنزع حب البقاء في قم من قِبَلك تماماً ثم تذهب إلى مشهد وتبقى هناك. وكن على ثقة بأن الله عز وجل قادر على أن ينقل دنياك وآخرتك من قم إلى مشهد، تأملت في هذا الكلام العميق مدة من الزمن، فرأيته يحمل بين طيّاته نداءً عجيباً، حيث أن الإنسان بإمكانه أن يتعامل مع الله عز وجل. كنت أتصور أن دنياي وآخرتي تقتصران وتتحددان في مدينة قم فقط. وإن كان بإمكاني البقاء في قم لكان لي أفضل، لأني كنت مولعاً بالمدينة والحوزة العلمية فيها أيضاً، وكذلك بالحجرة التي كنت أسكن فيها هناك ولهذا كان يصعب عليّ أن انتزع حبّ هذه المدينة من قلبي! لأني كنتُ أتصور بأن دنياي وآخرتي تتلخص في قم، رأيت أن هذا الرأي حسن وطيب، ولابد أن أذهب بالوالد إلى مشهد، ثم أبقى إلى جانبه ـ لوجه الله ـ وأنا واثق بأن الله تبارك وتعالى، إن شاء فسيأتي بدنياي وآخرتي من قم إلى مشهد!) ([36])

ثم ذكر حاله بعد ذلك، فقال: (بعد هذه الرؤية، اتخذت قراري الحاسم، وعندها اطمأن قلبي وزال الهمّ والغمّ عن صدري، وانتهت فترة الحرج والكآبة، وانقلب كل شيء رأساً على عقب؛ أي أنني هدأتُ تماماً، وتخلصتُ من الاضطرابات، فعدت إلى البيت بمعنويات عالية، ملؤها البِشر والفرح والهدوء والسكينة، شاهدني الوالد والوالدة مراراً ـ في أول مرة ـ كئيباً مضطرباً، لهذا استغربا في الآونة الأخيرة من فرحتي وبشاشتي، فاستبقتهما بقولي: (أجل، لقد قررتُ أن أرجع معكم إلى مشهد لم يصدقا ما سمعاه منّي في البداية، لأنهما كانا يستبعدان اتخاذ هذا القرار من ناحيتي؛ أي أن أترك إقامتي في قم. أجل ذهبتُ إلى مشهد، في حين أغدق الله تبارك وتعالى عليّ بتوفيقات جمّة هناك، وعلى كل حال، باشرتُ مسؤوليتي الجديدة وعكفت على الاعتناء بالوالد العزيز.. انطباعي الآن هو، أن تهيأت لي الظروف للحصول على بعض التوفيقات في الحياة، كان نتيجة إسداء تلك الخدمات للوالد، بل للوالدين. لقد ذكرت هذا الموضوع لتدركوا مدى أهمية المسألة عند الله عز وجل) ([37])

هذا النموذج الأخلاقي العالي الذي تعمدنا نقله مع طوله يدل على العمق الإيماني والروحاني والأخلاقي الذي كان يفكر به الإمام الخامنئي ويعيشه، ليس في مرحلة كهولته أو شيخوخته فقط، بل ابتداء من شبابه الباكر.

رابعا ـ قدرة القائد على البذل والتضحية:

وهي من الصفات التي تميز القادة الكبار الذين يعيشون معاناة الثورة على الظلم، ويتحملون كل شيء في سبيلها، مثلما فعل الأنبياء وورثتهم عليهم السلام، والذين تعرضوا لكل أنواع المحن من أجل تحقيق العدالة، كما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]

وقد تعرض قادة الثورة الإسلامية إلى كل أنواع المحن والآلام، بل سار الكثير منهم شهداء في ذلك الطريق المليء بالأشواك، وكان قدوتهم في ذلك جميعا الإمام الخميني الذي قضى الكثير من عمره يدفع ثمن مواقفه البطولية، فقد اعتقل وسجن ونفي، وبقي كذلك إلى أن أعاده الله إلى بلاده منتصرا، من غير أن يذعن أو يتنازل.

وقد كان اعتقاله الأول هو الشرارة التي بقيت آثارها تنتشر كل حين، لتعم إيران جميعا، وقد حصل ذلك في 5حزيران 1963، بعد خطاب ألقاه بمناسبة العاشر من محرم (سنة 1383 للهجرة)، اعتبر فيه الشاه وإسرائيل المسؤول الأول عن معاناة الشعب الإيراني.

وكان لذلك الاعتقال آثاره في الأوساط الشعبية، حيث أثار موجة عارمة من الاحتجاجات وفجّر انتفاضة [الخامس عشر من خرداد] الواسعة، التي بادر أزلام النظام الشاهنشاهي وقواته للتصدي لها بكل قسوة ووحشية، وهكذا كانت تندلع كل حين أصناف التظاهرات والحركات المقاومة إلى أن أذن الله بنصره.

وسنذكر هنا بعض ما ارتبط بذلك من أحداث وكلمات للإمام نرى فيها قدرته على كسر شوكة الشاه وشرطته ومخابراته، وقد صارت تلك المواقف البطولية بعد ذلك أسوة للشعب الإيراني يستلهم منها كل أنواع البطولة والقدرة على المواجهة.

وقد بدأت تلك الأحداث في شهر محرم (عام 1383هـ)، وكان سببها النهي عن كل أشكال التظاهر إحياء لمناسبة عاشوراء وأن من يفعل ذلك سيعرض لعقوبات صارمة.

وكان في إمكان الإمام الخميني حينها أن يفعل مثلما يفعل أكثر العلماء من استعمال التقية، والحفاظ على نفسه، لكنه لم يفعل، ولم يأبه بتلك التحذيرات المشددة، وإنما وجه رسالة إلى الوعاظ والخطباء وطلبة العلم جاء فيها: (إنّ الحكم المتجبر ينوي أخذ تعهُّد من المبلّغين وأصحاب مجالس العزاء بعدم التحدُّث عن المظالم، وأن يتركوا الحكم يفعل ما يريد.. إنني أرى من الضروري هنا التذكير بأنه ـ فضلاً عن أن هذه التعهدات ليست لها أية قيمة قانونية ولا تترتب على مخالفتها أية آثار سلبية ـ فإن الذين يأخذون هذه التعهدات هم مدانون وتجب ملاحقتهم.. عجيب أمر هؤلاء الذين لا يخجلون، إنهم يدَّعون أن كل الشعب معهم ومع ذلك فهم يقومون ببث الرعب وممارسة القمع في أرجاء البلاد. فإن كان ادعاء هؤلاء صحيحاً، فليتركوا الشعب حرّاً خلال هذه الأيام لنرى عندها حجم الدعم الشعبي الذي يتمتعون به، وليرى العالم حقيقة الملايين الستة التي صادقت على الإصلاحات، وبغير هذا فإن إشاعة الأكاذيب لتشجيع الرأي العام على العمل خلافاً لمصالح الإسلام والبلاد؛ إنما هي جريمة تجب ملاحقة مرتكبيها)([38])

ثم دعاهم إلى البذل والتضحية؛ فقال: (على حضرات المبلغين، أن لا يخافوا من عدة أيام من السجن والأذى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، على السادة أن يعلموا أن الخطر المحدق بالإسلام اليوم ليس أقل من خطر بني أمية، حذّروا الناس من خطر إسرائيل وأذنابها، أعلنوا احتجاجكم على إرسال الحكومة الخائنة لعدة آلاف من أعداء الإسلام والشعب والوطن، إلى لندن للمشاركة في المحافل والمراسم المعادية للإسلام والوطن، فالسكوت في هذه الأيام هو بمثابة تأييد لحكم الجبابرة، ودعم لأعداء الإسلام.. خافوا سخط الله تعالى، فلو تلقى الإسلام ضربة بسبب سكوتكم، فستكونون مسؤولين أمام الله والأمة الإسلامية… لا تجعلوا للخوف من أساليب وممارسات الشرطة وأجهزة القمع إلى قلوبكم طريقاً) ([39])

وانطلاقا من هذه التوجيهات راح الخطباء لا يكتفون ـ كما تعودوا ـ بلعن يزيد الأموي، وإنما راحوا يكررون الشعارات الثورية، ويذكرون حادثة الفيضية باعتبارها امتدادا لكربلاء وعاشوراء.

وبناء على توجيهات الإمام الخميني نزل إلى شوارع طهران في العاشر من المحرم، عشرات الآلاف من الشعب، وهم يحملون صوره، ويهتفون (يا خميني، فليحفظك الله، يا خميني، الشعب كله معك، يا خميني يا محطم الأصنام فليحفظك الله)

وقد كان لذلك آثاره الكبرى في توجيه الاهتمام بالإمام الخميني باعتباره المرجع الديني والسياسي الذي يمكن أن يلتف حوله الشعب ليخلصهم من الدكتاتورية، واسترعى ذلك خصوصا انتباه المثقفين والعلمانيين الذين كانوا يتصورون أن الدين أفيون الشعوب إلى أن لاحظوا بأعينهم تلك البطولات التي بذلها الإمام الخميني، والطاقة التي وفرها لأتباعه.

بالإضافة إلى تلك الأحداث وغيرها مما حصل في طهران، كان الإمام الخميني في مدينة (قم) مركز الحوزة العلمية، يقوم كل ليلة بالمشاركة في مجالس عزاء إحدى مناطق المدينة، كما أن الخطباء كانوا يتحدثون عن الأوضاع السياسية للبلاد ويبلغون الناس رأي الإمام فيها، وهكذا كان الإمام يحظى باستقبال كبير في كل مجلس عزاء يزوره، وقد أثار هذا قلق السلطة وخوفها؛ ذلك أن فضحها كان يتم من قبل شخص له منزلته الخاصة في قلوب الناس.

ولهذا حاول كبار مسؤولي الحكومة الاجتماع بخطباء المنابر والتحدث إليهم في محاولة لثنيهم عن التشهير بالحكومة أو على الأقل التحدث ضمن حدود معينة، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، فالإمام الخميني اجتمع بكبار علماء قم وبحث معهم سبل إيصال النهضة إلى ذروتها في شهر محرم، فاقترح أن يذهب العلماء إلى المدرسة الفيضية يوم العاشر من المحرم ليخطبوا في جموع الناس التي توافدت على قم من كل حدب وصوب، وقد حظي هذا الاقتراح بموافقة العلماء([40]).

وانتشرت حينها إشاعات من أجهزة الأمن تفيد بأن الشاه أمر الجيش بمهاجمة قم يوم العاشر من المحرم كما فعل في مسجد گوهرشاد، وذهب وعاظ البلاط إلى قم واجتمعوا بالعلماء في محاولة لثنيهم عن تنفيذ قرارهم، لكنهم لم ينجحوا في إقناع الإمام الخميني الذي أعلن عن موقفه الصريح قائلا: (لقد اتخذت قراري النهائي، ولن تستطيع الإشاعات والتهديدات التي يمارسها النظام ثنيي عن تنفيذ قراري)

وبعد يأس النظام من ثني الإمام عن قراره بالطرق غير المباشرة قرر اعتقاله، ففي صبيحة العاشر من المحرم وعندما كان منزل الإمام مكتظاً بحشود الناس للمشاركة في مجلس العزاء، جاء رئيس جهاز الأمن (الساواك) إلى هناك وقال للإمام (جئت من قبل معالي الشاه لأبلغك بأنه لو خطبت اليوم في الفيضية فسيهاجم رجال الكوماندوس المدرسة، ويفعلون ما يفعلون)، لكن الإمام ردَّ عليه بكل قوة: (ونحن سنصدر الأوامر لرجالنا الكوماندوس ليقوموا بتأديب رجال معالي الشاه) ([41])

وفي عصر يوم العاشر من المحرم، قام الإمام الخميني بإلقاء خطابه التاريخي على الرغم من تلك التهديدات، وقد كان ذلك الخطاب بمثابة البيان الأول الذي وضع للثورة الإسلامية الأسس التي يمكن أن تساهم في نجاحها، فقد قال فيه: (نحن الآن في عصر عاشوراء، وعندما كنت أتأمل حوادث يوم عاشوراء؛ خطر ببالي هذا السؤال: إذ كان يزيد يعادي الحسين فقط، فلماذا قام أزلامه بتلك الممارسات الوحشية المنافية للأصول الإنسانية بحق النساء والأطفال الأبرياء؟ ترى ماذا كان ذنب هؤلاء؟ ما الذي فعله طفل الإمام الحسين الرضيع؟ (بكاء الحاضرين).. أنا اعتقد أن أولئك كانوا يحاربون ويعادون أساس الموضوع، فبنو أمية وحكومة يزيد، كانوا يعادون آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبني هاشم، وكانوا يريدون القضاء على هذه الشجرة الطيبة. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو إذا كانت حكومة الجبابرة في إيران تعادي العلماء والمراجع فما شأنها بالقرآن والمدرسة الفيضية؟ ما شأنها بطلاب العلوم الدينية؟ ما الذي فعله الشاب ذو الثمانية عشر ربيعاً للشاه؟ (بكاء الحاضرين) ما الذي فعله للحكومة؟ ما الذي فعله لهؤلاء الجبابرة؟ (الحاضرون يبكون بشدة). الجواب هو أن هؤلاء يعادون أساس الإسلام والعلماء، ويريدون القضاء على هذا الأساس.. هؤلاء لا يريدون لصغير أو كبير منا أن يبقى، إسرائيل لا تريد بقاء علماء للإسلام في هذا البلد، إسرائيل لا تريد بقاء عالِم في هذا البلد. لقد شنّت إسرائيل هجوماً على الفيضية بواسطة عملائها هنا، هاجمتنا، ولازالت تهاجمكم يا أبناء الشعب، إنها تريد السيطرة على اقتصادنا، تريد القضاء على زراعتكم وتجارتكم، تريد نهب الثروات، ولذلك فهي تسعى ـ بواسطة عملائها ـ إلى القضاء عن كل من يقف سداً منيعاً في وجهها، والمدرسة الفيضية وباقي مراكز العلم هي سدود في وجه إسرائيل ويجب أن تدمَّر! وعلماء الدين هم أيضاً سدٌّ يجب أن يحطَّم! وطلاّب العلوم الدينية قد يصبحون في المستقبل عائقاً في وجه إسرائيل، لذلك يجب أن يقتلوا، ويقذف بهم من السطوح، ويجب تحطيم رؤوسهم لتصل إسرائيل إلى مآربها، ولأجل ذلك فإن الحكومة الإيرانية تقوم بإهانتنا خدمةً منها لمصالح إسرائيل ومخططاتها) ([42])

ثم ذكر لهم بعض ما فعله الشاه الذي تحول إلى يزيد، فقال: (لقد شاهدتهم ـ يا أبناء قم المحترمين ـ كيف أن السلطة أجرت ذلك الاستفتاء ـ المفضوح ـ بالسلاح والتهديد، ذلك الاستفتاء الذي هو ضد مصالح الشعب الإيراني، ففي شوارع وأزقة قم التي هي مركز علماء الدين، وبجوار مرقد السيدة معصومة أنزلوا إلى الشوارع حفنة من الأوباش الأراذل ليقولوا للناس إن زمن التطفل قد انتهى، فهل إن طلاب العلوم الدينية الذين يقضون زهرة شبابهم وسنوات عمرهم في هذه الحجرات ويتقاضون رواتب شهرية تتراوح بين (40 ـ 100) تومان فقط أهؤلاء هم الطفيليون؟ أهؤلاء هم المعتاشون بجهود غيرهم؟ أليس الذين ينهبون ألف مليون تومان مرة واحدة هم الطفيليون والمعتاشون؟! أنحن نعتاش على الآخرين والمرحوم الشيخ عبد الكريم فارق الحياة وترك ديناً مقداره (600) ألف تومان هي مجموع رواتب الحوزات؛ أهو يعتاش على الآخرين؟ أليس الذين يجمعون الثروات في بنوك العالم من تعب الفقراء وكدّهم، ويبنون القصور ومع ذلك لا يريدون ترك هذا الشعب وشأنه، بل يواصلون السعي لنهب ثروات البلاد واقتسامها مع إسرائيل، أليس هؤلاء معتاشين على جهود الآخرين؟ على العالم أن يحكم في هذا الأمر. على الشعب أن يعلن من هو الطفيلي الذي يعتاش على جهود الآخرين وعملهم؟)([43])

ثم وجه خطابه بكل قوة للشاه، قائلا: (أنا أنصحك أيها الشاه بأن تكفَّ عن هذه الممارسات، أنا لا أرغب في أن يأتي يوم يشاء فيه أسيادك أن تزول فيفرح الناس بذلك، أنا لا أريد أن تلقى نفس مصير أبيك.. أيها المسكين لقد تجاوزت الخامسة والأربعين من العمر. فكّر قليلاً وتدبَّر فيما حولك. فكّر في عواقب الأمور. اعتبر بمصير أبيك. فلو صحّ ما يقال من أنك تعادي الإسلام وعلماء الدين فإنك على خطأ كبير، وإن كانوا يكتبون لك لتقرأ فتأمل فيما تقرأه. لماذا لا تعي ما تقول؟ هل إن العلماء نجسون؟ فلو كانوا كذلك فلماذا يقبل الناس أيديهم؟ هل أنا حيوان نجس؟! (بكاء الناس) آمل أن لا تكون قد قصدت ذلك وإلاّ فإن موقفنا منك سيكون أشد، وحسابك سيكون أشد أيضاً. فلن تستطيع البقاء بعد هذا، الشعب لن يدعك تواصل هذا النهج، هل إن العلماء هم رجعيون؟ وأنت الرجعي الأسود قمت بثورة بيضاء؟ أية ثورة بيضاء هذه؟ لماذا تريد استغفال الناس إلى هذه الدرجة؟ لماذا تقوم بقمع الناس وتهديدهم.. لقد أخبروني اليوم بأن عدداً من وعاظ طهران وخطبائها قد استدعوا إلى منظمة الأمن وطلب إليهم عدم التطرق في خطبهم إلى ثلاثة مواضيع: أولاً: أن لا يذكروا الشاه بسوء.. ثانياً: أن لا يهاجموا إسرائيل.. وثالثاً: أن لا يكرّروا عبارة: إن الإسلام في خطر.. وما عدا ذلك فإنَّهم أحرارٌ فيما يريدون قوله.. إنّ جميع مشاكلنا ومصائبنا تكمن في هذه النقاط الثلاث. فلو تركناها فلن يبقى بيننا أي خلاف) ([44])

إلى آخر خطابه الممتلئ بالقوة، وفي ذلك الوقت الذي كانت التهديدات تأتيه من كل الجوانب، لكنه لم يكن يبالي، ذلك أن الشخصية القيادية لا يمكن أن تظهر إلا في أمثال تلك المواقف.

وقد كان لذلك الخطاب آثاره الممتدة في وعي الإيرانيين، والتي حضرتهم للثورة الكبرى، بعد ست عشر سنة، والتي تحققت فيها جميع تلك الشعارات على أرض الواقع.

وكان من الطبيعي بعد تلك المظاهرات الواسعة في اليومين العاشر والحادي عشر من المحرم في طهران، والخطاب الناري للإمام في عصر اليوم العاشر من المحرم في مسجد مدرسة الفيضية، أن يستعمل الشاه كل ما لديه من قوة، ولذلك شنت أجهزة الأمن حملة اعتقالات واسعة، وألقت بأعداد كبيرة من أنصار الإمام الخميني في السجون، وكان من بينهم الإمام الخميني نفسه.

وهذا ما حصل أيضا عندما تعرضت المدرسة الفيضية إلى تلك الحملة الوحشية في 22 آذار 1963م، حيث كان هدف النظام منها إسكات العلماء وإخراجهم من الساحة، وليكفوا عن إلقاء البيانات والخطابات، ومن أجل بث الرعب في صفوفهم، لكن الإمام الخميني لم يكن ليثنيه كل ذلك، بل إنه وفي ظل تلك الأحكام العرفية المعلنة أصدر بيانا يقول فيه: (ليعي المسلمون أن خطر الكفر يحيق بالإسلام، إذ يُفرض الحصار على بعض المراجع وعلماء الإسلام، ويحبس بعضهم الآخر وتمسّ حرمته، فقد أصدرت الحكومة أوامرها بهتك حرمة الحوزات العلمية، وضرب الطلبة العزل، ونهب أسواق المسلمين، وتحطيم واجهات المحلات التجارية، ووضعوا في طهران سماحة آية الله الخوانساري وسماحة آية الله البهبهاني تحت الإقامة الجبرية، وسجنوا عدداً من العلماء المحترمين والوعاظ المعظمين. وليس بوسعنا الاطلاع على أحوالهم، فإنّهم يزجون بالأراذل والأشقياء للإساءة إلى العلماء ورجال الدين، ويحولون دون توجّه السادة الطلاب والمبلغين إلى نواحي إيران لتبليغ الإسلام وتعليم الأحكام، إنهم يعاملوننا كعبيد القرون الوسطى، قسماً بالله المتعال أنّني لا أطيق هذه الحياة.. إني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما.. ليت أزلامهم جاءوا وقبضوا علينا، ليسقط عنا التكليف.. ليس لعلماء الإسلام والشعب المسلم ذنب سوى الدفاع عن القرآن وناموس الإسلام واستقلال البلد ومعارضتهم الاستعمار)([45])

وهكذا نجد حياته كلها ممتلئة بنماذج البطولة والشجاعة، وفي جميع المحال، والتي كان لها آثارها في تلاميذه وأتباعه وشعبه.

ونفس الحال نجدها عند تلميذه الأكبر الإمام الخامنئي، الذي كانت له مواقفه البطولية من أول الأيام التي بدأت فيها شرارة الثورة في إيران، أي بعد انتفاضة حزيران عام 1963 ضد سلطات الشاه، فقد تعرض للسجن، وفي عام 1978 قامت السلطات الشاهنشاهية بنفيه إلى أسوء مناطق إيران من الناحية المناخية وقضى فيها عاماً كاملا.

وفي السجن قام بتأسيس خلايا ثورية ساهمت بشكل فعال فيما بعد بتفجير الانتفاضة ضد الشاه والتي استمرت من عام 1978 وحتى شباط عام 1979.

وفي عام 1981 تعرض إلى حادث اغتيال من قبل المجموعة التي تطلق على نفسها اسم (مجاهدي خلق) وأسفر حادث الاغتيال عن إصابته بجروح بليغة في صدره ويديه، ومازالت آثار الإصابات موجودة في يده اليمنى.

وبعد حادث اغتيال محمد علي رجائي، وعلى الرغم من التهديد الشديد الذي يتعرض له حينها كل من يتصدى للمسؤولية إلا أن الإمام الخامنئي راح يشغل منصب رئاسة الجمهورية بعد عملية اقتراع حر فاز فيها بأغلبية الأصوات.

وهكذا نجد كل أصناف البذل والتضحية من جميع قادة الثورة الإسلامية؛ فقد تعرض المفكر والفيلسوف مطهري لإطلاق رصاص أودى بحياته، ومثله الدكتور مفتح، وانفجرت قنبلة في مقر الحزب الجمهوري الإسلامي مما أدى إلى استشهاد الدكتور بهشتي وأصيب حجة الإسلام رفسنجاني برصاص الغدر، لكنه نجا من الموت([46]).

خامسا ـ القدرة التسييرية للقائد:

وهي من أهم صفات القائد، ذلك أنه قد تتوفر فيه جميع الصفات والملكات لكنه لا يستطيع التصرف وفقها، ووفق الظروف التي يمر بها، مثل ذلك الذي يكون لديه العلم الكثير، لكن ليس لديه القدرة على تطبيقه في المحال التي يتطلبها تطبيقه؛ فيصير علمه بذلك جهلا لا ينفعه، وقد يصير وبالا عليه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة عند ذكره للكيفية التي أدار بها طالوت معاركه في مواجهة جالوت، وكيف بدأ بامتحان جيشه، حتى لا يبرز للمعركة إلا الصادقون، والذين تحقق بهم النصر.

وقد توفرت هذه الصفة القيادية في كلا الإمامين الخميني والخامنئي، وتمثلت فيهما أحسن تمثيل، ولعل أكبر دليل على ذلك تلك النجاحات المتتالية التي لا تزال تتصاعد بعد أربعين سنة من الثورة، من دون أن يصيبها أي فتور أو هزيمة.

وقد أشار الإمام الخامنئي إلى هذه الصفة وأهميتها في خطبة مهمة عن الإمام الخميني، وكيف أدار الثورة الإسلامية الإيرانية، وقادها للنجاح، وذلك في كلمة له في الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الإمام الخميني، في 4 نيسان 2015، وذلك في ضريحه بحضور حشود ضخمة من المحبين والزائرين([47]).

وقد بدأ كلمته بالتحذير مما سماه [تحريف الإمام الخميني]، وهو التحريف الذي لم يمارسه الأعداء فقط، وإنما مارسه الأصدقاء أيضا بسبب عدم فهمهم لجوهر حركته، وكيفية إدارته لها.

وقد ذكر بعض وجوه ذلك التحريف، فقال: (لا ينبغي النظر إلى الإمام الخميني بصفته مجرد شخصيّة تاريخيّة محترمة، وهذا ما يسعى إليه البعض، حيث يعتبر بعضهم الإمام شخصية محترمة مرّت في تاريخ هذا البلد وكانت شخصيّة نشيطة نافعة في يوم من الأيام، وها هو قد فارق هذه الجماهير وارتحل عنها وانقضت أيامه! فما علينا والحال هذه إلا أن نحترم هذه الشخصية ونستذكرها بإجلال وإكبار ليس إلا؛ حيث يريد البعض أن يرى الإمام هكذا ويُعرّفه بهذه الطريقة ويشيع هذا الانطباع في شأنه؛ هذا خطأ!)([48])

ثم بين قيمة الإمام الخميني، وتجاوزه لهذه النظرة البسيطة؛ فقال: (إنّ الإمام هو تجسيد عيني للحركة العظيمة التي أطلقها الشعب الإيراني ونقل بها تاريخه من حال إلى حال، الإمام هو مؤسّس مدرسة فكرية وسياسية واجتماعية. لقد آمن الشعب الإيراني بهذه المدرسة وهذا الطريق وهذه الخارطة، وتحرك ضمن مسارها؛ وإن مواصلة هذا الطريق رهنٌ بالتعرف الصحيح إلى هذه الخارطة، ولا يتسنّى معرفة خارطة الطريق هذه إلا عبر معرفة الإمام التي نقصد بها معرفة أصول الإمام بشكل صحيح. من البديهي أنّ بحثنا حول مباني الإمام الفكريّة، لا في القرارات المرحليّة المختصّة بزمان أو مكان معين؛ البحث حول تلك الشاكلة الأساسيّة لفكر إمامنا العظيم؛ هذا ما نريد معرفته بشكل صحيح) ([49])

وانطلاقا من هذه المقدمة المهمة، والتي تبين دور الإمام الخميني في حفظ أهداف الثورة، ولو بعد وفاته، راح الإمام الخامنئي يصف القدرة التسييرية للإمام الخميني في إدارة الثورة الإسلامية، وبدأ ذلك بذكر الصفة الكبرى التي أهلته لتلك القيادة الحكيمة، فقال: (لقد كان الإمام فقيهًا كبيرًا؛ كان فقيهًا بارزًا وكبيرًا وكذلك كان فيلسوفًا وصاحب رأي في العرفان النظري، وكان يُعدّ رائدًا في هذه المواضيع والمجالات الفنيّة والعلميّة، غير أنّ شخصيّة الإمام البارزة لا ترتبط بأي واحدة من هذه الأمور؛ وإنّما تجلّت شخصيّة الإمام الحقيقيّة في تحقّق آية ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78] بمضمونها وتجسيدها، حيث خاض الإمام الخميني العظيم، بما ملك من قدرات وإمكانيّات علميّة بارزة، ميدان الجهاد في سبيل الله واستمر في هذا الجهاد حتى آخر عمره، وأطلق حركة عظيمة؛ ليس في بلده وحسب، بل في كل أنحاء منطقتنا والعالم الإسلامي، وبمعنى من المعاني في أرجاء العالم كافة، وقد أسفرت هذه الحركة عن نتائج منقطعة النظير) ([50])

ثم بين المنجزات الكبرى للإمام الخميني، والتي لخصها في إنجازين عظيمين، أولهما (الإطاحة بصرح نظام سلطوي وراثي وظالم غير عقلاني حكم هذا البلد لآلاف السنين، هذا الهيكل المهترئ الخاطئ؛ حيث يكون زمام الحكم بيد أفراد يتعاقبون عليه بصورة وراثية جيلًا بعد جيل، أو تتوارثه الأجيال المتعاقبة بالسيف وسلطة القوة العسكرية، خيّمت هذه السنّة المغلوطة والفاقدة للمنطق على البلد لآلاف السنين؛ لقد كان العمل الكبير والإنجاز الأول للإمام إسقاط هذا البناء الخطأ، وتسليم مقاليد الأمور إلى أبناء الشعب) ([51])

والإنجاز الكبير الثاني ـ كما يذكر الإمام الخامنئي ـ هو (إقامة دولة ونظام مبني على أساس الإسلام، الأمر الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الإسلام منذ صدر الإسلام الأول) ([52])

ثم بين خصائص الحركة الخمينية، والفرق بينها وبين سائر الحركات، وأول تلك الخصائص أنها أصيلة، (تستند وتقوم على رؤية كونية وهي عبارة عن التوحيد، حيث كانت جمیع تحركاته وكل منطقه مبنيًّا على التوحيد الذي هو البنية التحتية الأساسية لجميع الأفكار الإسلامية) ([53])

ومن خصائصها [مواكبتها للعصر]، حيث أنها (تطرح القضايا التي تعاني منها المجتمعات البشرية والمجتمع الإيراني، وتشعر بها الجماهير، فمناهضة الاستبداد ومواجهة الاستكبار تحتل الصدارة في مدرسة الإمام الفكرية، وهذا ما كان يدركه الشعب الإيراني، وكذلك الشعوب المسلمة بل الشعوب غير المسلمة أيضا؛ ولهذا السبب فقد راجت هذه الدعوة وانتشرت في الأرجاء كافة) ([54])

ومن خصائصها [الحيوية والنشاط]، حيث أنها (لم تكن كتقديم بعض الأفكار وطرح النظريات التنويرية ذات الكلمات الجميلة الجذابة في مقام البحث، وفاقدة للفاعلية في ميدان العمل.. فقد كان منطق الإمام وفكره ونهجه منطقا وفكرا ونهجا عمليًا يمكن تطبيقه في ساحة العمل، ولهذا السبب نجح وانتصر وتقدم إلى الإمام، لقد بدّلت هذه الحركة تاريخ بلدنا رأسًا على عقب) ([55])

وبين الإمام الخامنئي مدى فاعلية الحركة الخمينية، فقال: (لقد كنا ـ نحن الشعب الإيراني ـ شعبًا خاضعًا غارقًا في اليأس وضياع الأهداف، كنا شعبًا تابعًا قد فرضوا عليه التخلّف عمدًا؛ حيث كانوا يفرضون علينا فكرهم وثقافتهم أيضا، وكذلك كانوا ينهبون مواردنا الاقتصادية، ويفتحون علينا في الوقت ذاته سيلًا عَفِنًا من العادات البشعة والأخلاق السيئة؛ كنّا هكذا شعباً، فحوّلنا الإمام إلى شعبٍ متحفّز مندفعٍ حيويّ ومفعم بالأمل، شعب ذي أهداف سامية. ها هو الشعب الإيراني اليوم يتمتع بالنشاط والاندفاع والأمل ويتجه نحو الأهداف العليا) ([56])

وانطلاقا من كل هذه المقدمات بين الإمام الخامنئي كيفية إكمال مسيرة الإمام الخميني، وتحقيق كل أهدافه التي كانت أكبر من أن تنفذ أثناء حياته، فقال: (إذا أراد الشعب الإيراني بلوغ هذه الأهداف، ومواصلة هذا الطريق، فإنّ عليه أن يعرف نهج الإمام الكبير وأصوله ومبادئه بشكل صحيح، وأن يحول دون تحريف شخصية الإمام الذي تعتبر تحريفًا لنهج الإمام وتحريفًا للصراط المستقيم الذي يسلكه الشعب الإيراني. فلو أضعنا نهج الإمام أو أودعناه في غياهب النسيان أو تعمّدنا ـ لا قدّر الله ـ إبعاده وإقصاءه، لتسبّب ذلك في أن يتلقى الشعب الإيراني صفعة كبيرة) ([57])

وفي أثناء ذكره لهذه الأمور وغيرها استشهد ببعض المواقف التي تبين مدى قدرة الإمام الخميني على تسيير دفة سفينة الثورة الإسلامية سواء قبل انتصارها أو بعدها.

ومن الأمثلة التي ذكرها الطريقة التي أجاب بها الإمام الخميني على رسالة ريغان، حيث قال: (لقد كان الإمام يتعامل مع الأحداث دون مساومة ومجاملة، حيث نجده قد أجاب على رسالة ـ وهناك رسالتان كانتا قد بُعثتا إليه من قبل الزعماء المستكبرين في العالم أو التابعين لهم ـ وكانت ردوده في غاية الصراحة والحسم، وقد بُثّت حينها عبر الإذاعة والتلفاز في الجمهورية الإسلامية. فقد بيّن الإمام، وضمن التزامه بالأدب، مواقفه الصارمة والبيّنة في تلك الرسائل، وقد أجرى الإمام توكّله على الله هذا كالدم في شرايين الشعب، فأضحى شعب إيران من المتّكلين على الله والمؤمنين بنصره والسائرين على هذا النهج.. وإنّ عدم ثقة الإمام بالمستكبرين وعدم التصديق بهم أدّى إلى أن لا يكترث بوعودهم أيضًا. فقد بعث الرئيس الأمريكي ريغان، وكان رئيسًا مقتدرًا، كتابًا إلى الإمام وأرسل إليه رسالة وأوفد إليه مبعوثًا، فلم يعبأ به الإمام ولم يجب على رسالته ولم يكترث به واعتبر وعده كأنْ لم يكن شيئًا مذكورًا) ([58])

وهكذا كان في مواقفه من قوى الاستكبار العالمي، فقد كان لا يثق فيها، ولا في وعودها، وقد ذكر الإمام الخامنئي أن (إحدى الدول التابعة لأمريكا وعدت في مسألة نهاية الحرب المفروضة تسليم مئات بل آلاف المليارات، غير أنّ الإمام لم يأبه بذلك ولم يثق بهم) ([59])

ثم ذكر أنه يسير على نفس مساره في هذا الجانب، فلا ثقة بوعود المستكبرين، ولا يمكن الاعتماد على تصريحاتهم في الاجتماعات الخاصة، بل ينبغي التخطيط بعيدا عن كل تلك الوعود، (علمًا بأنّ ذلك لا يعني قطع العلاقات مع العالم، فقد كان زعماء البلدان يبعثون إلى الإمام رسائل تهنئة في شتى المناسبات، والإمام بدوره أيضًا كان يجيب عن رسائلهم، فقد كانت مثل هذه العلاقات المبنية على أساس الأدب والاحترام قائمة في الأطر العادية، ولكن لم يكن هناك أي ثقة بالجبابرة والمستكبرين وأتباعهم وعملائهم) ([60])

ونحب أن نضيف إلى ما ذكره الإمام الخامنئي من شواهد على القدرة التسييرية للإمام الخميني ذلك الموقف المصيري الذي حكاه عن نفسه عندما كان منفيا في باريس، وأراد العودة بعد أن رأى أن الضرورة تدعو إلى ذلك، لكن الكثير راح يثنيه عن العودة، لكنه لم يبال بذلك، وقد ذكر ذلك الموقف وأهميته، وكيف كشفت الأيام قيمته، فقال: (آنذاك كنت أعاني، وكانت الهجمات تشن من كل الأطراف والتهديدات تنهال من كل حدب وصوب، من أمريكا، من إيران، كانوا يريدون منعي من العودة إلى إيران، وخططوا لتلك المؤامرات التي أحبطت بحمد لله، ومن يومها وإن لم أكن متأكدا إلى حد كبير، غير أنه رجح لدي احتمال قوي بأن القضية غير عادية وقد كانت كذلك بالفعل.. ولهذا فإن كل تلك التهديدات والتوصيات التي وصلتني من الحكومة الإيرانية بواسطة الحكومة الفرنسية والأمريكية بوسائل مختلفة، قد عززت من اعتقادي في أنهم يدبرون أمرا ما، وأن قلوبهم تمتلئ بالخوف من عودتي إلى إيران، وأنهم يريدون تأخير هذا الأمر بأي ثمن، حيث كانوا يرددون: (لا تتعجل الذهاب الآن!)، وكأنهم يريدون إظهار نوع من التعاطف معنا وحرصا على مصالحنا، في حين كنت أعلم بأن الأعداء لا يريدون مصلحتنا، إنهم يريدون تحقيق مصالحهم وحينما أدركت ذلك عزمت على العودة وقلت يجب أن أعود.. كما بعض الأصدقاء المحيطين أوصلوا إلينا مقترحاتهم من أن الوقت لايزال مبكرا للعودة إلى إيران، ولكني أدركت من إصرارهم بأن الوقت ليس مبكرا وينبغي العودة إلى إيران الآن فهم يحاولون تجميع قواهم والقيام بمؤامرة ما.. وحينما وصلت قال بعض السادة يا حبذا لو لم تأت الآن، فالوقت لايزال مبكرا، ولكني كنت واثقاً بأن الوقت لم يكن مبكرا، ولو أننا أمهلناهم وأخرنا المجيء لكان ممكنا أن يستغرق الأمر حتى هذا الوقت، ولكانوا قاموا بتنفيذ مخططاتهم ولعجزنا عن القيام بأي عمل بعد ذلك، وربما تتمكنوا من منعنا من تحقيق ما حققناه.. لكني واستنادا إلى هذه الأمور، أدركت نتيجة ما قاموا به وما أرسلوه من توصيات، وأحسست بوجود أمر ما وحينما كان رفاقي يقولون لي أرجئ أمر عودتك إلى إيران قليلا)([61])

سادسا ـ جاذبية للقائد:

وهي من أهم الصفات التي يتحلى بها القادة الكبار، والذين يجدون أنفسهم محل قابلية كبيرة من الجماهير، قد يعرفون سببها، وقد لا يعرفونه، وهي التي أشار إليها قوله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]، فهذه الآية الكريمة كما تنطبق عليه صلى الله عليه وآله وسلم تنطبق على ورثته من الأئمة المطهرين أو نوابهم المهتدين بهديهم، والسائرين على خطهم.

وأشار إليها مبينا أسبابها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]؛ فهي تشير إلى أن تلك الجاذبية ليست اعتباطية، ولا غيبية مجردة عن الأسباب، وإنما هي مرتبطة بالأسباب، وأول أسبابها الإيمان والعمل الصالح.

وبناء على هذا، نرى أن أكبر أسباب نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية تلك الجاذبية الخاصة التي حظي بها قادتها الكبار، نتيجة إخلاصهم وصدقهم مع الجماهير التي التفت بهم.

وأول من حظي بتلك الجاذبية الإمام الخميني، فكل من تحدث عن الثورة الإسلامية الإيرانية، ورأى مدى التفاف الإيرانيين حوله، وصدقهم معه، وصدقه معهم، ذكر أن روح الله الخميني هو روح الثورة، وأنه لولاه، ولولا تلك الجاذبية الخاصة التي كانت له في أوساط الجماهير ما انتصرت الثورة.

فقد أعاد ذلك لأذهان المفكرين وعلماء الاجتماع ما كتبه ماكس ويبر([62]) حول أهمية كاريزمية القائد، ودورها في انتصار الثورات والحركات التغييرية؛ فهو يرى أن هناك ثلاثة أنواع من السلطة ذات صلة بثلاثة أنواع من السلوك: العقلاني، والتقليدي، والكاريزمي، وهي مقسمة على أساس السمة الخاصة بالدوافع التي تستمد وجودها من الإطاعة.

فالسلطة العقلانية تستند إلى الاعتقاد بقانونية الأوامر، وقانونية موقعية الأشخاص الذين يمارسون السلطة، حيث تبنى السلطة على الإيمان بقداسة التقاليد القديمة ومشروعية مَنْ تفوض إليهم مهمة ممارسة السلطة، بيد أن السلطة الكاريزمية تبنى على التضحية غير العادية إزاء الشخص الذي تكون قداسته أو قواه البطولية الشخصية، أو النظم الملهم الذي يتسم به، مبرراً لذلك.

وقد ذكر أن القوة العقلانية تؤدي في البداية إلى تغيير المحيط الاجتماعي، ومن ثم تحول الرؤية الكونية للجماهير، أما الكاريزما فتحدث تحولاً في الحياة الباطنية للأفراد أولاً.

وهو ـ كما يقر بعدم إمكانية اعتبار جميع الثورات كاريزمية ـ إلا أنه يعتبر الكثير من الثورات الحديثة تتحلى بسمة الكاريزما، وبذلك يعتبر النفوذ الكاريزمي من أكثر الوسائل رواجاً لإسقاط الأنظمة التقليدية والقانونية، وبالتالي يتمتع بالقوة الثورية.

وبناء على ما كتبه حول الكاريزما، وكونها تشبه العلاقة الروحية بين المريد والقائد، وأنها لا تستند أحيانا كثيرة لأي أسس عقلانية أو تقليدية، وإنما تستند إلى العلاقة العاطفية والروحية، فسرت الكثير من الدراسات سر انتصار الثورة الإسلامية في جاذبية الإمام الخميني، أو كما عبر عن ذلك الإمام الخامنئي بقوله: (إن هذه الثورة بدون اسم الخميني لن تعرف في أي نقطة من العالم)

ومن تلك الدراسات ما كتبه د. منوجهر محمدي، والذي حاول أن يجمع للإمام الخميني بين تلك القوى جميعا، العقلانية والتقليدية والكاريزمية، مبينا أن كاريزمية الإمام الخميني لم تكن عاطفية مجردة، وإنما كانت تستند إلى سند عقلي متين.

وقد كتب في دراسة له حول الموضوع([63]) يتساءل عن سر إخفاق النهضات السياسية الاجتماعية السابقة، أمثال الحركة الدستورية وحركة تأميم صناعة النفط، في تحقيق أهدافها على الرغم من شعبيتها، بل إنها أدّت في النهاية إلى اعتزال الجماهير الساحة، على خلاف ما حصل خلال الثورة الإسلامية، والتي انتصرت انتصارا كاسحا شاملا ـ على الرغم من كل الدعم الدولي الذي كان يحظى به النظام الشاهنشاهي ـ ومن دون اللجوء إلى السلاح.

وقد رأى ـ للإجابة على تلك التساؤلات ـ أن أقرب ما يجيب عليها تتبع أبعاد قيادة الإمام الخميني للثورة، والتي تجلت في ثلاث صور، وثلاثة أدوار: الإمام الخميني بصفته قائداً يتجلى بالكاريزمية.. والإمام الخميني بصفته زعيماً دينياً في موقع المرجعية.. والإمام الخميني بصفته مرشداً وموجّهاً.

أما الدور الأول والصورة الأولى المرتبطة به، فهي [الإمام بصفته قائداً يتحلى بالكاريزمية]، فأكثر البحوث ـ كما ذكر د. منوجهر محمدي ـ تشير إلى دور الكاريزما التي كان يتمتع بها الإمام الخميني في انتصار الثورة.

ومن تلك الدراسة دراسة بعنوان (تقييم نظرية الكاريزما في تطابقها مع واقعية الثورة الإسلامية) حيث يقول كاتبها: (لا شك إذا ما تسنى لنا العثور على مصداق لنظرية ويبر حول الكاريزما في عالمنا المعاصر، فان قيادة الإمام الخميني للثورة الإسلامية الإيرانية ستكون الأبرز في هذا المجال، ولهذا حظيت نظرية ويبر، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية والتحولات السياسية – الثقافية التي أعقبتها، بنوع من الإقبال من جديد، وان جانباً مهماً من الجهود الفكرية التي كرست لدراسة هذا الحدث كان متأثراً بشكل مباشر وغير مباشر بالإنجازات الفكرية لماكس ويبر)([64])

 وقد علق د. منوجهر محمدي على هذا بقوله: (لا شك في أن الإمام الخميني كان يتحلى بأبرز سمات الكاريزما، وان صور الحب والمودة التي تكنها الجماهير لسماحته يمكن مشاهدتها بكل سهولة من خلال انشداد أبناء الشعب إليه، وقد تجلت نماذج لهذه العلاقة والانشداد في مراسم استقبال سماحته أثناء عودته إلى إيران، وأثناء خطابات سماحته، وحتى بعد رحيله في مراسم تشييع جنازته، بيد أنه ومن خلال المزيد من التأمل، ندرك بأن العلاقة بين الإمام والجماهير وقبل أن تكون علاقة قائمة على أساس سلطة ونفوذ كاريزما سماحة الإمام، إنما هي علاقة قائمة على أساس المنطق والعقلانية)([65])

ثم علل ذلك، بأنه (طوال فترة قيادة الإمام لم يصدر عن سماحته موقفاً ما لم يتم إعداد الأرضية اللازمة لتهيئة أذهان الجماهير إليه، وتوضيح الدلائل التي دفعته إلى اتخاذ مثل هذا الموقف بكل صراحة وببيان بليغ ومعبر، والأكثر طرافة من ذلك هو أنه حتى في الحالات التي يكون لدى فئات كثيرة من أبناء الشعب فهماً آخر غير وجهة نظر الإمام، فإن مجرد تصريح أو تلويح من سماحته كان يكفي لإقناع الجماهير بالعدول عن موقفها، ومع ذلك، فما لم تقتنع الجماهير بحقيقة الموقف فإن سماحته لم يكن يلتزم الصمت فقط، وإنما كان يسمح للجماهير بالتعبير عن قناعاتها والتعرف على صحة مواقفها أو خطئها عملياً، علماً أن الإمام كان يلجأ إلى مثل هذا الموقف رغم الحب والود الذي كانت الجماهير تكنه لسماحته بحيث أنها كانت تستجيب على الفور لأي أوامر كان يصدرها سماحته دون أدنى تردد)([66])

وكل ذلك يشير إلى أن العلاقة بين القيادة والجماهير في الثورة الإسلامية لم تكن قائمة على الجانب الكاريزمي فقط، وإنما كانت قائمة على أسس عقلانية، أو بتعبير آخر وأكثر وضوحاً: (إن الإمام لم يحاول استغلال هذا الجانب كوسيلة لنفوذه وتسلطه على الجماهير، أو اتباع الجماهير وتقليدهم له تقليداً أعمى، مثلما فعل الكثير من القادة([67])، وإنما كان يستند إلى الحكمة والعقل لا إلى نفوذه العاطفي المجرد)

هذا عن الدور الأول والصورة المرتبطة به، أما الدور الثاني، فهو [الإمام الخميني بصفته مرجعاً دينياً]، وهذا ما أكسبه صفة أخرى، وجاذبية جديدة، تعطي للكاريزمية سندا عقليا ودينيا بالإضافة للسند العاطفي، وقد لاحظ هذا من صنف الثورة الإسلامية الإيرانية بكونها ثورة شيعية، باعتبار أنه لم يكن يتاح لها النجاح لو كانت في بيئة سنية لافتقادها لنظام المرجعية.

وهذا التصنيف وإن كانت تبدو عليه ملامح اللغة الطائفية إلا أنه يحمل الكثير من المعاني الصحيحة، أو كما عبر عن ذلك د. منوجهر محمدي بقوله: (من الواضح أن باب الاجتهاد مفتوح لدى المذهب الشيعي، وأن ذلك لم يؤد إلى نمو وازدهار الفقه الشيعي فقط، وإنما أضفى أهمية خاصة على مسألة الاجتهاد والتقليد لدى التشيع من جانبين: الأول، أن الفقهاء يتمتعون بالخبرة والوعي بالنسبة للأمور المتعلقة بالمسائل الشرعية ويتعاطون معها من منطلق العدالة الإسلامية. والثاني، أن التقليد الديني يتسم بالتعبد المقرون بالانتخاب الواعي، ولهذا ينبغي للشيعي إما أن يكون مجتهداً مدركاً لكافة المسائل الفقهية والعلوم المرتبطة بها، أو مقلداً للمجتهد الجامع للشرائط من قبيل العدالة والفقاهة وصاحب رسالة عملية في الأحكام الفقهية. ونظراً لعدم توفر إمكانية الاتصال بمراجع التقليد للجميع لأسباب عديدة، فمن الطبيعي أن يضطلع الروحانيون بدور الرابط والناقل لأفكار وفتاوى هؤلاء المراجع، ومن دون أن تكون هناك سلسلة من المراتب الخاصة، يضطلع الروحانيون بدور هام بمثابة وسطاء بين كبار الزعماء الدينيين والجماهير، حيث يقومون باطلاع الناس في المساجد ومن فوق المنابر على آراء وفتاوى مراجع الدين، وفي الوقت نفسه إحاطة الزعماء الدينيين بمعاناة الناس وهمومهم)([68])

ويدل لهذا ـ كما يذكر د. منوجهر محمدي ـ تاريخ إيران الحديث، فدور مراجع الدين في بلورة النهضات وانتصارها حظي بأهمية كبيرة للغاية، فبفضل الفتوى التي أصدرها الميرزا الشيرازي بتحريم التنباك، ألغيت بكل سهولة ومن دون إراقة دماء أو خلق إضراب، الاتفاقية الدولية حوله، واعتبارها تتعارض مع المصالح الوطنية.. وهكذا عندما أصدر مراجع التقليد حكم الجهاد ضد روسيا القيصرية مما اضطر الساسة المحليين والأجانب إلى تغيير مواقفهم، وبذلك (شكلت القوة الدينية الفائقة لمراجع الدين الشيعة سلاحاً ماضياً يتم اللجوء إليه للمضي قدماً بتحقيق الأهداف الوطنية والدينية كلما اقتضت الضرورة إلى ذلك، ومثل هذا يشبه إلى حد كبير القوة والسلطة التي يتحدث عنها ماكس ويبر تحت عنوان (السلطة والقوة التقليدية)([69])

وبناء على هذا يذكر د. منوجهر محمدي أن السمة الروحانية التي اتسمت بها شخصيات كبرى أمثال آية الله الكاشاني والشيخ فضل الله نوري، والسيد البهبهاني وآخرين، هي التي ساعدت في دفع الجماهير للتواجد في ساحة التحولات الاجتماعية خلال نهضات الحركة الدستورية وحركة تأميم صناعة النفط، لكن بسبب كون هؤلاء القادة لم يكونوا في موقع مرجع التقليد، لم يتمكنوا من الاستفادة بشكل كامل من اقتدار المرجعية في المضي قدماً بأهدافهم السياسية – الاجتماعية.

ومن الدراسات التي تؤكد هذا دراسة بعنوان (مؤسسة المرجعية في مرحلة النهضة والنظام)، والذي ذكر صاحبه فيها أن (شخصية الإمام الخميني كانت تتصف ببعدين، فمن جهة كان سماحته يعتبر مرجعاً للتقليد، ومن جهة أخرى، مصلحاً مناضلاً تحررياً، وفي كلمة واحدة هو (مرجع مصلح)، وان سرّ نجاح قيادة الإمام يكمن في هذا الجانب أيضاً.. ذلك أن نفوذ وشعبية الإمام قائمة على أساس (التقليد)، وأن لغة قيادة سماحته هي (لغة التكليف)، وأن الجماهير كانت قد أنست مع هذا الأساس ومع هذه اللغة منذ فترة طويلة)([70])

ومن أمثلة استفادة الإمام الخميني من موقعه في المرجعية فتواه أثناء انطلاقة نضاله عام 1962، بتحريم مبدأ (التقية)، وإطلاق مقولته: (التقية حرام، ومن الواجب الكشف عن الحقائق)، والتي عبر عن تأثيرها الإمام الخامنئي بقوله: (كان للفتوى التي أصدرها الإمام (ره) سحر عجيب: (التقية حرام، وإظهار الحقائق واجب، ولو بلغ ما بلغ»، حيث قضت على كافة الذرائع التي كان يتشدق به بعض المرائين المهزومين)([71])

وقد كانت تلك الفتوى ردا على (الكثير من طلاب الراحة الذين يشيعون مصطلح التقية و(حرمة الإضرار بالنفس) لحض الناس على السكوت وغضّ الطرف عما يحدث، لكن الإمام بشجاعته المعهودة انتزع هذه الحربة من أيديهم عبر هذه الفتوى الجريئة التي سرعان ما انتشرت وترسخت في نفوس أبناء الشعب في شتى أرجاء البلاد، مما سد الطريق أمام لعب العناصر المشبوهة، ووضع الأمة وجهاً لوجه مع الحقائق بعد أن اعتبر من واجباتهم فضح وإشاعة وتوضيح خطر نظام الشاه على الإسلام واستقلال البلاد.. وقد كانت هذه الفتوى من أكثر الأمور تأثيراً على الأمة خاصة علماء الدين منهم، فقد بعثت فيهم حركة وحماساً قبل نظيرهما، ورسخت في أذهانهم فكرة الرفض القاطع لأية مساومة ورضوخ وتراجع)([72])

وهكذا كان لمرجعيته دورها الكبير في تحصين الثورة الإسلامية من الوقوع فيما وقعت فيه الكثير من الثورات من التحول إلى النـزاع المسلح، وذلك من خلال امتناعه عن إصدار أي حكم أو فتوى تقضي بوجوب الجهاد والمواجهة المسلحة ضد نظام الشاه وأعوانه في ذروة نضال الشعب خلال العامين 78 – 1979، على الرغم من تحمس الثوريين للجهاد المسلح، إلا أن الإمام الخميني امتنع عن إصدار الفتوى([73]).

هذا عن الدور الثاني والصورة المرتبطة به، أما الدور الثالث، فهو [الإمام الخميني بصفته مرشداً وموجّهاً]، وهو من أهم الأدوار، وربما كان أقربها لتمثيل الإمام الخميني، وتمثيل خلافته من بعده، ولذلك يطلق على الولي الفقيه لقب [مرشد الثورة الإسلامية]، و(من خلال دراستنا لسيرة الإمام الخميني وارتباطه بالجماهير سواء في المراحل التي سبقت الثورة وبعد انتصارها، تستوقفنا ملاحظة مهمة وهي أن سماحته في أغلب المواقع لم يكن يمارس نشاطه بصفته قائداً يتمتع بالكاريزما، أو باعتباره مرجعاً دينياً فحسب، وإنما بصفته معلماً ومرشداً أيضاً. إذ كان سماحته أستاذا نموذجياً في مضمار التعليم والتربية سواء على الصعيدين النظري والعملي معاً. فقد نجح بفضل أساليبه التربوية أن يجعل من المجتمع الذي كان يغط على مدى سنوات متمادية، بل طوال القرنين أو الثلاثة الأخيرة، في سبات وضعف وجهل وقد هيمن عليه نوع من التقاعس واللامبالاة، جعل من هذا المجتمع يقف في طليعة النهضة الدينية الكبرى وأن يشهد تحولاً عظيماً)([74])

وسنتحدث بتفصيل عن هذا الدور في سائر الفصول، باعتبار أنها جميعا تحاول أن تكتشف أسرار التوجيهات الحكيمة التي أدت بالثورة الإسلامية إلى الانتصار، وفي جميع المجالات.


([1]) كتبت كتب كثيرة تؤرخ السيرة المفصلة للإمام الخميني، وقد رجعنا في هذا المحل إلى مقال بعنوان الإمام الخميني الهوية الشخصية، مجلة بقية الله، السنة 12، العـــــدد 141 ، وانظر: حديث الانطلاق، أنصاري، حميد، ص 12-13 .

([2]) الإمام الخامنئي دام ظله القائد المرجع (ص: 13)

([3]) المرجع السابق، ص15، وانظر حديث القائد عن ذكرياته في هذا المجال في خطاب للشباب المجاهدين، ثماني مواعظ لطيفة في السلوك المعنوي، الإمام الخامنئي (ص: 28)

([4])  إنّ مع الصبر نصرا، مذكرات الإمام الخامنئي العربية..

([5]) انظر: الإمام الخميني، بيان صادر في الخامس عشر من رجب لعام 1409هـ ق.، نقلا عن: عبد الجبار الرفاعي، مبادئ الفلسفة الإسلامية، ط1، دار الهادي، بيروت، 2001م.، ج1، ص97..

([6]) صحيفة الإمام، ج‏3، ص: 219.

([7]) المرجع السابق، ج‏3، ص: 219.

([8]) المرجع السابق، ج‏5، ص: 187.

([9]) انظر: شهادة سماحة السيد حميد، الإمام قدوة في الوعي والعلم والسياسة، من كتاب الإمام الخميني قدوة، ص 63..

([10]) خطابات الخامنئي 2010 (ص: 317).

([11]) المرجع السابق، (ص: 402)

([12])  انظر مقالا بعنوان: هذا الكتاب سيُطلع العرب على السّبب الذي أهّل الإمام الخامنئي ليكون قائدا، د. محمد على آذرشب معدّ كتاب [إنّ مع الصبر نصرا]

([13]) المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة (ص: 12)

([14]) صحيفة الإمام، ج‏4، ص: 367.

([15]) وذلك في تقديمه لصحيفة الإمام، ج‏1، ص: 11.

([16]) خطابات الخامنئي 2011 (ص: 166)

([17]) المرجع السابق، (ص: 296)

([18]) المرجع السابق، (ص: 296)

([19]) المرجع السابق، (ص: 297)

([20]) كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الإمام الخميني، شبكة المعارف الإسلامية.

([21]) صحيفة الإمام، ج‏17، ص: 48.

([22]) معارف الإسلام، ص404.

([23]) صحيفة الإمام، ج‏7، ص: 201.

([24]) انظر: شهادة السيد حميد، الإمام قدوة في الوعي والعلم والسياسة، من كتاب الإمام الخميني قدوة، ص 63.

([25]) الإمام الخميني قدوة (ص: 63)

([26]) المرجع السابق، (ص: 63)

([27]) المرجع السابق، (ص: 64)

([28]) هذه شهادة حجة الإسلام والمسلمين رحيميان، من كتاب: قبسات من سيرة الإمام الخميني -الحياة الشخصية (ص: 48)

([29]) هو آية الله الشيخ محمد الفاضل اللنكراني، كتاب (حوادث خاصة من حياة الإمام الخميني) ج:6، نقلا عن المرجع السابق.

([30]) هو حجة الإسلام والمسلمين الشيخ عبد العلي القرهي، من حاشية الإمام في النجف، كتاب (حوادث خاصة من حياة الإمام الخميني) ج:1، نقلا عن المرجع السابق.

([31]) هو حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد السجادي الأصفهاني، المصدر السابق ج6.

([32]) كتاب (خطوات في اثر الشمس) ج3، ص: 213..

([33]) حكاية البحر، سيرة الذاتية لحياة قائد الثورة الإسلامية (ص: 41)

([34]) المرجع السابق، ص42.

([35]) المرجع السابق، ص43.

([36]) المرجع السابق، ص44.

([37]) المرجع السابق، ص44.

([38]) تاريخ ايران السياسي (ص: 34)

([39]) المرجع السابق، (ص: 34)

([40]) المرجع السابق، ص36.

([41]) المرجع السابق، ص36.

([42]) صحيفة الإمام، ج 1، ص: 239.

([43]) المرجع السابق، ج 1، ص: 240.

([44]) المرجع السابق، ج 1، ص: 241.

([45]) المرجع السابق، ج 1، ص: 154.

([46]) انظر: شعاع من رؤية آية الله الخامنئي للعلاقات الدولية (ص: 2)

([47]) انظر نص الخطاب كاملا في: كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الإمام الخميني، شبكة المعارف الإسلامية.

([48]) المرجع السابق.

([49]) المرجع السابق.

([50]) المرجع السابق.

([51]) المرجع السابق.

([52]) المرجع السابق.

([53]) المرجع السابق.

([54]) المرجع السابق.

([55]) المرجع السابق.

([56]) المرجع السابق.

([57]) المرجع السابق.

([58]) المرجع السابق.

([59]) المرجع السابق.

([60]) المرجع السابق.

([61]) صحيفة الإمام، ج‏6، ص: 226.

([62]) هو ماكسيميليان كارل إميل فيبر (1864 –1920) كان عالمًا ألمانيًا في الاقتصاد والسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث ودراسة الإدارة العامة في مؤسسات الدولة.

([63]) انظر ما كتبه د. منوجهر محمدي من كتب حول الثورة الإسلامية الإيرانية ومنها كتاب (دراسة حول الثورة الإسلامية)، وكتاب (الثورة الإسلامية مقارنة بالثورتين الفرنسية والروسية)، ومنها دراسة مهمة جدا بعنوان: العلاقة بين الإمام الخميني والشعب في الثورة، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام، 14/08/2018، وهي التي رجعنا إليها هنا.

([64]) مقال: (تقييم الكاريزما مطابقة مع الثورة الإسلامية الإيرانية)، علي محمد حاضري، مجموعة مقالات المؤتمر الدولي الثاني (الإمام الخميني وإحياء الفكر الديني)، الجزء الثالث.

([65]) العلاقة بين الإمام الخميني والشعب في الثورة، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام، 14/08/2018.

([66]) المرجع السابق.

([67]) من الأمثلة على ذلك ما حدث خلال الثورة الصينية بقيادة ما وتسي تونغ أثناء عملية التراجع والانسحاب التي عرفت بالمسيرة الطويلة، فقد تمت بأمر من مايوتسي تونغ، (وقد هلك خلال هذه المسيرة أكثر من خمسين ألف شخص من المائة ألف الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لجيش ماوتسي تونغ)، وكان ذلك في وقت وعلى حد قول أحد اتباع ماوتسي تونغ: (إن الهدف من هذه الخطوة لم يكن مجرد الهروب من أمام قوات جيان كاي جك، ذلك أنه وبعد ستة أشهر حيث بدأ فصل الشتاء، قلل جيش كومين تانك، الذي كان يلاحق الفارين بضراوة، من ضغوطه، غير أن ماوتسي تونغ كان يفكر بمواصلة التراجع والانسحاب حتى يتسنى للشيوعيين الوصول إلى منطقة نائية وآمنة. وكان يخطط لأن يعمل في تلك المنطقة النائية على إيجاد تشكيلات سليمة للحزب الشيوعي والقوات المناصرة له) [هانري ماركانت، زردهاى سرخ، ترجمة هوشنك منتصرى، نقلا عن المرجع السابق]

([68]) دراسة حول الثورة الإسلامية، د. منوجهر محمدي.

([69]) المرجع السابق.

([70]) الثورة الإسلامية وجذورها، مقال: مؤسسة المرجعية في مرحلة النهضة والنظام، هدايت جليلي، نقلا عن المرجع السابق.

([71]) الإمام الخامنئي.. السيرة والمسيرة (ص: 32)

([72]) تاريخ ايران السياسي المعاصر (ص: 29)

([73]) دراسة حول الثورة الإسلامية، د. منوجهر محمدي.

([74]) المرجع السابق.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *