الفصل الثاني: روايات أبي هريرة والانتقادات الموجهة لها

كان يمكننا أن نتخلى عن كل الفصل السابق لو أن السلفية، ومن شايعهم وتأثر بهم، قبل منا أن نحاكم أحاديث أبي هريرة إلى القرآن الكريم، وإلى القطعي من الدين، وإلى الفطرة السليمة التي فطر الله عليها العقول.

وكان يمكننا ألا ننقب عن كل تفاصيل حياته، لنؤكد تدليسه وخلطه وتناقضه وحشوه وكتمانه وغير ذلك.. لأن كل ذلك ليس الهدف منه تجريح الشخص، وإنما الهدف طلب التحقيق في رواياته التي يرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ذكرنا مرارا في سلسلة [الدين والدجل] أننا تمنينا لو أن السلفية ركزوا على الحقائق بدل الرجال، فإننا حينها لن نضطر لتلك التفاصيل الكثيرة عن الرجال، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لكنهم يأبون ذلك، لأن الدين عندهم هو الرجال، فقول الرجال، وخصوصا من السلف أو من تبعهم هو الحق الذي تلغى معه العقول، وما تتطلبه من لوازم.. فالدين عندهم بدأ كاملا، ثم لا يزال ينقص.. وكأن الله ميز بين عباده، فأعطى لبعضهم عقولا، وأعطى لآخرين عقالا يقيدهم، ويقيد تفكيرهم.

وبناء على هذا سنحاول هنا أن نستعرض آثار روايات أبي هريرة على أهم قضايا الدين العقدية والسلوكية، مع مقارنتها بما تقتضيه العقول السليمة، وبما نص عليه القرآن الكريم، مهتدين في ذلك، لا بسنة الإمام علي الذي كان يدعو إلى عرض الحديث، أي حديث على القرآن، لأن ذلك لن يرضي السلفية أتباع الفئة الباغية.

وإنما نهتدي في ذلك بهدي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي يزعمون أنهم ينتسبون إليها، وأنها أمهم، ويصيحون كل حين بالثناء عليها، فقد كان من سنتها عرض الحديث على القرآن.. ورمي الحديث إن خالف القرآن، ولذلك اعترضت على أبي هريرة كثيرا من أحاديثه، وكان مرجعها في ذلك الاعتراض القرآن الكريم، كما سبق أن ذكرنا.

وقد صنفنا هذه الروايات إلى سبعة أقسام، كلها تمثل ركنا من أركان الدين، وأسسا عظيمة من أسسه، وهي:

  1. روايات أبي هريرة.. والتجسيم والتشبيه.
  2. روايات أبي هريرة.. وتدنيس النبوة.
  3. روايات أبي هريرة.. والنصب والعداوة.
  4. روايات أبي هريرة.. وعوالم الغيب.
  5. روايات أبي هريرة.. والملاحم والفتن.
  6. روايات أبي هريرة.. وقيم الجاهلية.
  7. روايات أبي هريرة.. والمغالطات العلمية.

وقد خصصنا كل ركن منها بمبحث خاص، ونحب أن نبين أن مرجعنا في ذلك هي أحاديث أبي هريرة التي اتفق الجميع على صحتها، أو التي اختلفوا فيها، لأن حديثنا عن السلفية في جميع العصور، وجميع التوجهات، لا جهة واحدة، لأن البعض يعترض علينا أحيانا بكون الحديث ضعفه الألباني، مع كونه قد صححه ابن خزيمة.

ونحن لا نجاريهم في هذه الأمور، ولا نسير حسب هواهم، وقد عرفنا تلاعبهم بالحديث وبالرجال وبالجرح والتعديل، ولذلك كلما توقفت الحجج لديهم راحوا ينقبون في الرجال، ليضعفوا الحديث، وإن كانوا يستدلون به في كل محل.

وكمثال على ذلك حديث الصور الطويل الذي يروونه في كل محل، ويستدلون به، فإذا ما سخر أحدهم من مقتضيات الحديث ذكروا له أن فلانا من الناس ضعفه.

ولذلك لا ننخدع بمثل هذه الحيل.. فكل ما روي في الحديث مما استند إليه أئمتهم وسلفهم الصالح الذين وثقوا فيهم، وسلموهم عقولهم سنذكره أو نشير إليه، لأن تضعيف المتأخر لن ينسخ تصحيح المتقدم.

مع العلم أنهم هم أنفسهم يمارسون هذا، وبطريقة بشعة جدا لإلغاء الآخر، فهم يلزمون الشيعة بكل ما في كتبهم الإخبارية والحديثية من غير مراعاة لأحكام علمائهم على تلك الأحاديث بالضعف أو الوضع ونحوهما.

لكنهم إن ألزموا هم بما في كتبهم من التجسيم والتشبيه والخرافة ونحوها، ذكروا أن تلك الأحاديث غير صحيحة..

وهذا كله من التطفيف في الميزان الذي ذكره الله تعالى، فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)﴾ [المطففين: 1 – 3]، فالتطفيف أعظم من أن ينحصر في وزن الفواكه والخضر.. بل أخطره ذلك الذي يصدع وحدة الأمة عبر الأكاذيب التي يشيعها، والتلفيق الذي يمليه عليه الشيطان.ن

أولا ـ أحاديث أبي هريرة.. والتجسيم والتشبيه

لا يوجد كتاب من كتب العقائد التي يسمونها كتب سنة أو كتب توحيد سواء كانت مسندة أو غير مسندة إلا ووجدناها تمتلئ بأبي هريرة، وكأنه هو مقرر عقائد الإسلام.

أما كبار الصحابة، والسابقون منهم، وخصوصا الإمام علي، فلا نكاد نجد لهم ذكرا، ولست أدري: هل نسي الصحابة التوحيد أيضا، فلم ينقذه إلا أبو هريرة، وثلة قليلة من صغار الصحابة؟ أم أنهم لم يهتموا بروايته والحديث عنه؟ أم أن الفئة الباغية حرمتهم من التلاميذ الذين يجلسون إليهم؟

وما كان لنا أن نعترض على أحاديث أبي هريرة في هذا الجانب لو كانت منسجمة مع مقتضيات العقول السليمة، ومع ما قرره القرآن الكريم.. لكن للأسف نجدها نسخة مطابقة للأصل لأحاديث كعب الأحبار، ولما ورد في الكتاب المقدس من تجسيم وتشبيه لله تعالى.

وذلك هو أكبر ما جعل السلفية في كل عصورها تعظم أبا هريرة وتحترمه، وتدافع عنه، بل تقدمه على السابقين من الصحابة أنفسهم، لأن بنيانهم التجسيمي قائم عليه.

وسأذكر هنا من خلال المصادر المعتمدة لدى السلفية ككتب الحديث أو كتب العقائد، وخصوصا كتاب التوحيد لابن خزيمة الذي يسمونه إمام الأئمة ما يستند إليه من أحاديث أبي هريرة في التجسيم الذي يسمونه صفات الله، مع العلم أننا قد فصلنا في مواقف السلفية من هذه الناحية في كتابنا [السلفية.. والوثنية المقدسة]، وذلك عبر العناوين التالية.

أبو هريرة.. ونسبة الصورة لله:

أول ما يبدأ به السلفية، وخاصة المتقدمين منهم، عقائدهم في الله بذكر الصورة.. وأن الله له صورة، ولها تقاسيم، وله حدود ومقادير ونحو ذلك.

وهم يستعينون في هذا بأحاديث أبي هريرة الكثيرة التي تصف الله كما تصف أي كائن، بل كما تصف أي إنسان، لأن صورة الله في أحاديث أبي هريرة هي صورة الإنسان نفسه، فقد رووا عنه قوله في حديث يرفعه لرسو الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خلق الله عز وجل آدم على صورته،طوله ستون ذراعا،فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر – وهم نفر من الملائكة جلوس – فاستمع ما يحيونك،فإنها تحيتك وتحية من بعدك)([1])

ومن روايات الحديث ما رووه عن أبي هريرة (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)([2])

وقد أتعب علماء الكلام أنفسهم في توجيه الحديث لحرصهم على أبي هريرة، وخوفهم من تكذيبه، فلذلك راحوا يؤولون الحديث بأنواع التأويلات التي لا تستقيم مع الألفاظ المختلفة التي وردت بها تلك الروايات، كقول ابن حجر: (واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه،ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها)([3])

لكن السلفية ردوا هذه التأويلات بشدة، بل إن الطبراني اعتبر تأويل الحديث تجهما، فقال في كتاب السنة: (حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال (قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته،أي صورة الرجل،فقال: كذب،هذا قول الجهمية،وأي فائدة في هذا)([4])

أما ابن تيمية فكعادته في التنظر والإطناب فيه، فقد ذكر ثلاثة عشر وجها للرد على تأويلات المتكلمين، لأن المسألة عندهم مسألة كفر وإيمان، ولهذا تحتاج منهم كل هذه الجهود الفكرية المضنية، وقد ذكرنا بعض تلك الردود في كتابنا [السلفية والوثنية المقدسة]

ولهذا فإن السلفية وبناء على تقديسهم لأبي هريرة، وثقوا في الحديث ثقة مطلقة، واعتبروه قاعدة من قواعد العقائد الكبرى، مع كونه بنصه تقريبا، موجود في الكتاب المقدس كما سبق ذكره.

وقد قال ابن قتيبة معبرا عن وجهة نظر متقدميهم: (والذي عندي – والله تعالى أعلم – أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد)([5])

وانتصر من المتأخرين التويجري في كتابه الذي خصصه لهذا الحديث، والذي أقره عليه ابن باز، بوجوه كثيرة نقتصر منها على هذا الوجه، حيث قال: (الوجه الثاني: أن يقال إن خلق آدم على صورة الرحمن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أربعة أحاديث.. أولها: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خلق الله آدم على صورته)، وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة والضمير في قوله (على صورته) عائد إلى الله تعالى كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.. وثانيها: حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق آدم على صورته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، ومن تأوله فقد أبعد النجعة وتكلف غاية التكلف.. وثالثها: حديث أبي يونس الدوسي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على صورة وجه الرحمن) وهذا نص صريح في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورة وجهه الذي هو صفة من صفات ذاته. وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفيه أبلغ رد على ابن خزيمة وعلى كل من تأول الحديث بتأويلات الجهمية المعطلة.. ورابعها: حديث أبي رافع الصائغ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) وهذا نص صريح في خلق آدم على صورة وجه الله تعالى، وهذا النص لا يحتمل التأويل، وفي هذه الأحاديث الأربعة أبلغ رد على من تأول حديث ابن عمر على غير تأويله ونفى إضافة الصورة إلى الرحمن وزعم أنها من إضافة الخلق والتصوير إلى الله تعالى)([6])

هذا ما ذكره التويجري وهو تلخيص لما ذكره ابن تيمية وغيره من أعلام السلفية الذين أعطوا المسألة ما تستحقه من العناية، باعتبارها تبحث عن صورة الله، وهل هناك عاقل يرغب عن البحث عن هذه الصورة؟

ويتبين لنا من خلال ما ذكره من روايات الحديث المعتمدة كون أبي هريرة يشكل قطب رحاه، وهذا يكشف لنا عن مصدر الحديث، فمن المعلوم عند المحدثين أنفسهم، بل عند السلفية جميعهم أن أبا هريرة كان تلميذا نجيبا لكعب الأحبار وغيره من اليهود، وكانت تختلط رواياته عن كعب برواياته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا كان من السهولة على المنزهة أن يرفضوا الحديث ويردوه بمجرد روايته عن أبي هريرة، خاصة وأنهم يعللون رواية ابن عمر بالعلل الكثيرة.. ولكن الخشية للأسف من اتهامهم بالطعن في الصحابة جعلهم يرضون بالطعن في تنزيه الله نفسه، بل جعلهم يتكلفون من التأويل ما غلبهم فيه المجسمة، لأن النص واضح في الدلالة على التشبيه والتجسيم، وكل تأويل له تكلف.

أبو هريرة.. ونسبة الرؤية الحسية لله:

من أهم مقتضيات التجسيم والتشبيه لله الرؤية الحسية له، أي رؤيته بالعين المجردة كما ترى الأشياء المقدرة المحدودة المحسوسة، ومن مقتضيات الرؤية الحسية كذلك كون ما تراه محدودا مقدرا مجسما.. ولهذا يميل السلفية لكل من يقول بهذه الرؤية، من السلف والخلف، لأن التجسيم عندهم هو السنة، وما عداه بدعة.

ولهذا أعرضوا عن كل من يقول بالرؤية القلبية لله، أي الرؤية المنزهة لله، واعتبروه ضالا مبتدعا منكرا للرؤية، لأنها عندهم لا تتم إلا بالعين المجردة، ووفق قوانين الرؤية الطبيعية.

وأبو هريرة هو إمام هذا النوع من الرؤية، حتى أنه لا يكتفي برؤية الآخرة، بل يرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى ربه في الدنيا أيضا بصورة حسية، ففي الحديث: أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه عز وجل؟ فقال: (نعم، قد رآه)([7])

ورووا عنه في حديث آخر أنه رأى ربه ولمسه يقظة لا مناما، فقد روى أبو بكر الخلال، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي)([8])

أما في الآخرة، فقد وردت عنه في ذلك روايات كثيرة ممتلئة بالغرابة، ولكنها جميعا مقبولة عند السلفية، وهم يضربون بها كل حين وجوه خصومهم بدعوى أنهم ينكرون حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن تلك الأحاديث هذا المشهد الذي رواه أبو هريرة، والذي يصور مشاهد للقاء الحسي الذي يجري بين المؤمنين وربهم في الجنة، كما يجري بين البشر والملوك والأمراء في الدنيا.

ففي الحديث عن سعيد بن المسيب، أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم، وما فيهم دني، على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا)، قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟) قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى يقول: يا فلان بن فلان بن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، فيذكره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: بلى. فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ثم يقول ربنا تبارك وتعالى: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم تخطر على القلوب. قال: فيحمل لنا ما اشتهيناه، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا. قال: فيقبل ذو البزة المرتفعة، فيلقى من هو دونه، وما فيهم دني، فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقول: (إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا)([9])

ويصور في مشهد آخر تميز المؤمنين عن غيرهم برؤية ما يسمونه ساق الله، ويفسرون بذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]، وهو قوله في حديث طويل: (.. ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم، فقال: ليلحق كل قوم بآلهتهم وماكانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له الهيئة بين يديه، فيجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى، فيتبع هذا اليهود، ويتبع هذا النصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار فهذا الذي يقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 99]، فإذا لم يبق إلا المؤمنون، فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئة، فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم، وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إلا الله، ما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم- وهو الله- فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس، ذهب الناس، فالحقوا بآلهتكم، وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون به أنه ربهم، فيخرون سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم) ([10])

وفي مشهد آخر أو في رواية أخرى يرفع إبو هريرة هذا الحديث الممتلئ بالتجسيم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا ليتبع كل أناس ما كانوا يعبدون فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصوير تصويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون، فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا، حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم، ثم يتوارى، ثم يطلع، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم “، ثم قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: (وهل تتمارون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى، ثم يطلع عليهم، فيعرفهم بنفسه، ثم يقول: أنا ربكم، فاتبعون، فيقوم المسلمون)([11])

وقد علق الشيخ محمد الغزالي على هذا الحديث وأمثاله بقوله: (وهذا سياق غامض مضطرب مبهم، وجمهور العلماء يرفضه، وقد حاول القاضي عياض القول بأن الذي جاء المؤمنين في صورة أنكروها أول الأمر هو أحد الملائكة)

ثم عقب على التأويل المتكلف الذي قام به القاضي عياض وأمثاله من المتكلمين الذين لم يجرؤوا على تكذيب الحديث، فقال: (لماذا يقوم أحد الملائكة بهذه التمثيلية المزعجة وبإذن من؟ وما جدواها؟ الحديث كله معلول وإلصاقه بالآية خطأ، وبعض المرضى بالتجسيم هو الذي يشيع هذه المرويات، وإن المسلم الحق ليستحي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأخبار) ([12])

هذا هو الموقف الصحيح، لأن كل التكلفات والتأويلات التي حاول المتكلمون والشراح أن يفسروا بها الحديث لا تزيده إلا تعقيدا، ولا تزيد المشبهة والمجسمة إلا قوة، لأنهم يستطيعون بسهولة أن يردوا عليهم تلك التأويلات الباردة.

أبو هريرة.. ونسبة الأعضاء لله:

ذكرنا في كتابنا [السلفية والوثنية المقدسة] أن السلفية يغالطون كثيرا حينما يعبرون عن تلك الإضافات الورادة في النصوص المقدسة، والتي جاءت على سبيل المجاز والاستعارة ونحوها بكونها صفات لله، مع العلم أنهم لا يريدون منها إلا ما نريده من الأعضاء، ذلك أنهم يعتقدون أن لله أجزاء وأبعاضا، وأنه لا يستحيل عليه التركيب.

وقد وجدوا في أحاديث أبي هريرة الكثيرة في هذا الجانب ما جعلهم يعتقدون لأنفسهم أنهم أصحاب الحق المجرد.

وسنذكر هنا نماذج عن بعض تلك الأحاديث التي رواها أبو هريرة، والتي يستدلون بها في كتبهم العقدية، لنرى سر حرصهم عليه، ومبالغتهم في الدفاع عنه.

فمنها تصويره أن لله ذراعا، وأن لها طولا مقدرا محدودا، فقد روى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار، جل اسمه) ([13])

وهذا الحديث يجعل الله تعالى قزما صغيرا بالنسبة لجلد كافر واحد وضرسه، فكيف بجسمه جميعا.

ومن تلك الأحاديث ما رواه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لما خلق الله آدم، ونفخ فيه من روحه ؛ قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيها شئت يا آدم، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يداه يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته، وإذا كل إنسان منهم عنده عمره مكتوب)([14])

وهذا الحديث الذي يصور الله وكأنه يلعب مع آدم عليه السلام، يستدل به السلفية على إثبات اليدين لله، وأنه ليس لله يسار، قال ابن خزيمة في هذا: (باب: ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين، كلتاهما يمينان، لا يسار لخالقنا عز وجل ؛ إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجل ربنا عن أن يكون له يسار)([15])

وقال: (.. بل الأرض جميعا قبضة ربنا جل وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، وهي اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا يمين، لا شمال فيهما، جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار ؛ إذ كون إحدى اليدين يسارا إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه)([16])

وقال الإمام أحمد: (وكما صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ أنه قال: (وكلتا يديه يمين)، الإيمان بذلك، فمن لم يؤمن بذلك، ويعلم أن ذلك حق كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهو مكذب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([17])

ويستدلون بالحديث أيضا على حركة يد الله بالقبض والبسط، وقد رووا في هذا أيضا عن أبي هريرة قوله: (.. ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ؛ يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم)([18])

ورووا عنه أيضا أن الله يمسك بيمينه الأشياء، وأنه يماسها وتماسه، ويقترب منها ويبتعد، ومن تلك الروايات ما رواه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (وما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب ؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه)([19])

ورووا عنه روايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن أحدكم ليتصدق بالتمرة من طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، فيجعلها الله في يده اليمنى، ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير مثل أحد) ([20])

ورووا عنه ما يفيد أن يمين الله ملأى، بخلاف يده الأخرى المقبوضة، فعن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكر أخبارا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء بالليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)، قال: (وعرشه على الماء، وبيمينه الأخرى القبض، يرفع ويخفض) ([21])

وفي رواية: (يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار)، وقال: (فإنه لم ينقص مما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض) ([22])

ومن الوظائف التي تقوم بها يدي الله تعالى ما عبر عنه أبو هريرة بقوله ـ مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: (أنا الملك، فأين ملوك الأرض) ([23])

ومن الأعضاء التي نصت عليها أحاديث أبي هريرة، ويستدل بها السلفية كثيرا [القدم]، فقد رووا عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: أي رب، ما لها إنما يدخلها ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: أي رب، إنما يدخلها الجبارون والمتكبرون، فقال: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء، وأنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها فأما الجنة: فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ لها نشئا، وأما النار، فيلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه، هناك تمتلئ، ويدنو بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط) ([24])

ومن الأعضاء التي نصت عليها أحاديث أبي هريرة، ويستدل بها السلفية كثيرا [الحجزة والحقو]، واللذان يعنيان في ظاهرهما [موضع عقد الإزار وشده]، ويذكرون أنهما (صفتان ذاتيان خبريتان ثابتتان بالسنة الصحيحة)، ويستدلون لهما بما رووه عن أبي هريرة قال: (خلق الله الخلق، فلما فرغ منه ؛ قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه!قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة..)([25])

وهم يستدلون بهذا، ويأخذون بظاهره، معتبرين الحقو بعضا من الله، ولهذا تمسكت به الرحم، كما يتمسك أحدنا بآخر عند التوسل إليه، وقد قال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) ناقلا من (نقض التأسيس) لابن تيمية، ومن (إبطال التأويلات) لأبي يعلى الفراء، ومعلقا: (قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الرازي في زعمه أن هذا الحديث: (يعني: حديث أبي هريرة المتقدم) يجب تأويله: قــال: فيـقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنزاع فيه كالنزاع في نظيره ؛ فدعواك أنه لا بد فيه من التأويل بلا حجة تخصه ؛ لا تصح. وقال: وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أن هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق ؛ فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت. قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أن لله حقوا. قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتابا، فمر فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ منها ؛ أخذت بحقو الرحمن)، فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أن تكون كفرت. قال أبو عبد الله: هذا جهمي. وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار ؛ أنه قريء عليه حديث الرحم: (تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن تعالى..)، فقال: أخاف أن تكون قد كفرت.فقال: هذا شامي ؛ ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول؟ قال: يمضي كل حديث على ماجاء)([26])

أبو هريرة.. ونسبة الحركة لله:

من العقائد الكبرى التي تعطيها المدرسة السلفية في عصورها المختلفة أهمية خاصة، ما يمكن أن نطلق عليه إثبات الحركة والانتقال لله تعالى، بل إنهم يصورون أن نفي ذلك عنه حكم عليه بالإعدام، كما قال ابن القيم: (وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة) ([27])

وأكد ذلك ابن تيمية بقوله: (وهكذا يقال لهم فى أنواع الفعل القائم به كالإتيان والمجيء والنزول وجنس الحركة: إما أن يقبل ذلك وإما أن لايقبله:فإن لم يقبله كانت الأجسام التى تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه. وإن قبل ذلك ولم يفعله كان ما يتحرك أكمل منه فإن الحركة كمال للمتحرك. ومعلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك وما يقبل الحركة أكمل ممن لايقبلها)([28])

وقال في شرح حديث النُّزول: (لفظ (الحركة؛ هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الآئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم) ([29])

ومن أهم المصادر التي يعتمدون عليها في إثبات الحركة لله باعتباره جسما متحيزا محدودا مقدرا تلك الروايات الكثيرة عن أبي هريرة التي تصور الله بصورة الجسم المحدود المقدر الذي يتحرك في الزمان والمكان، كما يتحرك أي جسم.

ومن تلك الروايات قوله: (يحشر الناس حفاة، عراة، مشاة، قياما، أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وقد ألجمهم العرق من شدة الكرب، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي)([30])

وهم يفسرون بهذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

 وقد ساق هذه النص وأمثاله الدارمي في كتابه [الرد على الجهمية]، ثم قال بنبرة غامضة مخاطبا المنزهة بالشدة السلفية المعهودة: (فهذا الناطق من قول الله – عز وجل -، وذاك المحفوظ من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين؛ لزمكم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين، فإن قال قائل منهم: معنى إتيانه في ظلل من الغمام، ومجيئه والملك صفا صفا، كمعنى كذا وكذا، قلت: هذا التكذيب بالآية صراحا، تلك معناها بين للأمة لا اختلاف بيننا وبينكم وبين المسلمين في معناها المفهوم المعقول عند جميع المسلمين، فأما مجيئه يوم القيامة وإتيانه في ظلل من الغمام والملائكة، فلا اختلاف بين الأمة أنه إنما يأتيهم يومئذ كذلك لمحاسبتهم، وليصدع بين خلقه، ويقررهم بأعمالهم، ويجزيهم بها، ولينصف المظلوم منهم من الظالم، لا يتولى ذلك أحد غيره، تبارك اسمه وتعالى جده، فمن لم يؤمن بذلك؛ لم يؤمن بيوم الحساب)([31])

وهكذا يعطي السلفية لهذا الموقف التجسيمي هذا الحكم الخطير، وهو أنه من لم يؤمن بنزول الله على الغمام، لا يؤمن أصلا بيوم الحساب..

ومن تلك النصوص في حركة الله وتنقله ما رووه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يمهل حتى يذهب شطر الليل الأول، ثم ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟، حتى ينشق الفجر) ([32])

أبو هريرة.. ونسبة الانفعالات لله:

لا يعتبر السلفية الانفعالات من العجب والضحك ونحوها نقصا، بل يعتبرونها كمالا، ولذلك نراهم يتنافسون في إثبات مختلف أنواع الانفعالات لله، بل نراهم يصورونها تصويرا تشبيهيا تجسيميا محضا.

ومن ذلك ما ورد في (الرسالة الأكملية) لابن تيمية، حيث قال: (وقول القائل: إن الضحك خفة روح، ليس بصحيح، وإن كان ذلك قد يقارنه.. ثم قول القائل: (خفة الروح) إن أراد به وصفًا مذمومًا فهذا يكون لما لا ينبغي أن يضحك منه، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان؛ أحدهما: يضْحَك مما يُضْحَك منه، والآخر: لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني)([33])

وهم يستندون في هذا للكثير من الروايات التجسيمية، ومن بينها روايات أبي هريرة، كروايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر ؛ إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)([34])

وقد علق أبو يعلى على هذا الحديث وأمثاله بقوله: (.. وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقا، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح)([35])

ورووا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ضحك الله عز وجل من رجلين قتل أحدهما صاحبه ثم دخلا الجنة)([36])

ورووا عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يضرب الصراط بين ظهراني جهنم.. فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ألم تعطني عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيتك؟ فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الرب منه، فإذا ضحك الله منه قال له: أدخل الجنة) ([37])

وهكذا قالوا فيما يسمونها صفة [الفرح]، والتي رووا فيها حديثا عن أبي هريرة وغيره يرفعه إلى رسول الله، جاء فيه: (لله أفرح بتوبة عبـده)، وفي رواية: (أشد فرحـاً)([38])

وقد قال ابن القيم ساخرا من الذي أولوا هذا الحديث من باب تنزيه الله تعالى عن الانفعالات الدالة على القصور والعجز: (وأيضاً فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (للهُ أَشدُّ فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ضل راحلته)، قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهى مركبه الذى يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه.. فأَى فرحة تعدل فرحة هذا؟ ولو كان فى الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبى صلى الله عليه وآله وسلم، ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته، وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاءُ، فإِن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه، فعليك بوادى الخفا، وهو وادى المحرّفين للكلم عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل)([39])

وهكذا أصبح منزه الله ـ في معيار السلفيين ـ محرفا، وأصبح المجسم معظما ومنزها.

ومثله قال الشيخ محمد خليل الهرَّاس عند شرحه للحديث السابق، فقد قال: (وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله عَزَّ وجلَّ، والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات ؛ أنه صفة حقيقية لله عَزَّ وجلَّ، على ما يليق به، وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحْدُث له هذا المعنى المعبَّر عنه بالفرح عندما يُحدِثُ عبدُهُ التوبةَ والإنابَةَ إليه، وهو مستلزمٌ لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته، وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع ؛ فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب وقد يكون فرح أشر وبطرٍ ؛ فالله عَزَّ وجلَّ مُنَزَّه عن ذلك كله، ففرحهُ لا يشبه فرح أحد من خلقه ؛ لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته ؛ فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرَّضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين، وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب ؛ فكل ذلك نفيُ وتعطيلٌ لفرحه ورضاه سبحانه، أوجبه سوءُ ظنِّ هؤلاء المعطِّلة بربهم، حيث توهَّموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق، تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم)([40])

أبو هريرة.. ونسبة الحاجة لله:

من الصفات التي يخرج بها من قرأ العقائد السلفية من مصادرها المتقدمة أو المتأخرة، نسبة الحاجة والافتقار إلى الله.. فالله تعالى عندهم يفتقر إلى الوسائل والأدوات ليحقق حاجاته ومطالبه، بل يفتقر إلى الدار التي يسكن فيها، والعرش الذي يقعد عليه.. وقد رأينا الأدلة الكثيرة المثبتة لذلك في كتابنا [السلفية والوثنية المقدسة]

ومن أحاديث أبي هريرة التي قد نستوحي منها هذا ما حدث به في قوله: (لما أراد الله أن يخلق آدم، بعث ملكا من الملائكة من حملة العرش إلى الأرض، فلما أهوى ليأخذ منها، قالت له الأرض: أسألك بالذي أرسلك ألا تأخذ مني اليوم شيئا يكون للنار فيه نصيب غدا، قال: فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتيني بما أمرتك به، فقال: يا رب سألتني بك ألا آخذ منها شيئا يكون للنار غدا منه نصيب، فأعظمت أن أرد شيئا سألني بك، قال: ثم أرسل آخر من حملة العرش، فلما أهوى ليأخذ منها قالت له الأرض: أسألت بالذي أرسلك ألا تأخذ مني اليوم شيئا يكون للنار فيه نصيب، قال: فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتيني بما أمرتك به، قال: يا رب سألتني بك ألا آخذ منها شيئا يكون للنار فيه نصيب غدا، فأعظمت أن أرد شيئا سألني بك، قال: ثم أرسل آخر من حملة العرش فلما أهوى ليأخذ منها، قالت له مثل ما قالت للأول فتركها، ثم رجع إلى ربه، فقال مثل ما قال الأول، حتى أرسل حملة العرش كلهم، كل ذلك تقول لهم مثل ذلك، فيرجعون إلى ربهم فيقولون مثل ذلك، حتى أرسل ملك الموت، فلما أهوى ليأخذ منها قالت له الأرض أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئا يكون للنار فيه نصيب غدا، فقال ملك الموت: إن الذي أرسلني إليك أحق بالطاعة منك)([41])

وهذه الرواية لا تبين فقط افتقار الله وحاجته إلى أن يخبره الملاك بحقيقة ما حصل، وإنما تتناقض مع ما أخبر الله تعالى عنه من طاعة الملائكة المطلقة لله، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

وهي تذكرنا بتلك الرواية المشهورة التي أقام السلفية الدنيا لأجلها، ولم يقعدوها، وهي ما رووه عن أبي هريرة موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر)([42])

وسنرى الانتقادات الموجهة لهذا الحديث، ودفاع السلفية عنه في المبحث التالي لهذا المبحث.

ومن تلك الأحاديث التي توهم بحاجات الله المختلفة ما رووه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) ([43])

ومنها ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن لله عز وجل ملائكة يتعاقبون فيكم، فإذا كانت صلاة الفجر نزلت [ص:270] ملائكة النهار، فشهدوا معكم الصلاة جميعا، ثم صعدت ملائكة الليل، ومكثت معكم ملائكة النهار، فسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما تركتم عبادي يصنعون؟ قالوا: فيقولون: جئناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون، فإذا كانت صلاة العصر نزلت ملائكة الليل، فشهدوا معكم الصلاة جميعا، ثم صعدت ملائكة النهار، ومكثت ملائكة الليل قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، فيقول: ما تركتم عبادي يصنعون؟ قال: فيقولون: جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، قال: فحسبت أنهم يقولون: فاغفر لهم يوم الدين) ([44])

ومنها ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، وهم هكذا واحد فوق الآخر، وربما أدرك الشهاب المستمع فيحرقه، وربما لم يدركه، حتى يرمي بها إلى الذي أسفل منه ويرميها الآخر على من هو أسفل منه، فيلقيها على فم الساحر، أو الكاهن فيكذب عليها ما يريد، فيحدث بها الناس، فيقولون: قد أخبرنا بكذا وكذا، فوجدناه حقا، فيصدق بالكلمة التي سمعت من السماء) ([45])

ومنها ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الله تبارك وتعالى قرأ طه، ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل هذا عليهم، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا) ([46])

ثانيا ـ أحاديث أبي هريرة.. وتدنيس النبوة

من الطبيعي لأبي هريرة، وهو تلميذ كعب الأحبار النجيب، والذي شهد له بعلمه بالتوراة، وبما عند أهل الكتاب من معارف أن يقع في تدنيس النبوة، كما وقع في ذلك كعب الأحبار، واليهود، وكما تمتلئ به كتبهم.

وكان يمكن أن نقبل كل ما ذكره أبو هريرة في هذه الناحية باعتباره حاكيا عن معارفه التوراتية، أو حاكيا عن مقالات أستاذه كعب الأحبار الذي تتملذ عليه فترة أطول من الفترة التي تتملذ فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ولكن المشكلة هي أن أبا هريرة كان يرفع تلك الحكايات المملوءة بتشويه الأنبياء والنبوة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ليحول من كلماته معاول يهدم بها ذلك الصرح العظيم الذي أسسه القرآن الكريم لجمال النبوة وعصمتها وطهارتها، وكونها محلا للاقتداء والهداية، كما قال تعالى بعد ذكره لبعض الأنبياء عليهم السلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

ومن الأمثلة على ذلك التشويه للأنبياء، ذلك الحديث المشهور المعروف الذي رواه أبو هريرة، وطالما رويناه لنبين من خلاله مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الأنبياء، ونسينا أو غفلنا في غمرة ذلك الزهو أننا نطعن في تلك الجواهر المقدسة المعصومة، التي اختارها الله لتكون واسطة الهداية بينه وبين عباده.. وهل يرضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرفع بخفض إخوانه من الأنبياء وتشويههم؟

وذلك الحديث هو ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات ـ فذكرهن أبو حيان في الحديث ـ نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى فيأتون، موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابن مريم، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى)([47])

ونحن لا ننكر كل ما في هذا الحديث من تفاصيل، فقد يكون في بعضه بعض الصدق، وقد رأينا في الفصل الأول أن أبا هريرة يضيف من كيسه لما ورد في الحديث، ليزيده بعض الحلاوة والطلاوة، وبعض التفاصيل التي يحن لها المجتمعون إليه.

ومن التفاصيل التي ذكرها، والتي لا نرى مناسبة لها، هي ما ذكره من أن الأنبياء عليهم السلام يبررون عدم دعوتهم باهتمامهم بأنفسهم، وذلك غير صحيح، فالأنبياء ممتلئون رحمة بالخلق، مثلهم مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولذلك أن يستحيل أن يكون ذلك هو السبب.

ومثل ذلك ادعاؤهم أن لهم أخطاء تحول بينهم وبين الدعاء، وذلك غير صحيح أيضا، فلا يكون النبي نبيا حتى يكون عارفا بالله، والعارف بالله يعلم أن رحمة الله أو سع من أن تضيق بخاطئ.

أما ما نراه في هذا في حال صحته، فهو أن الأنبياء عليهم السلام في ذلك المحل تبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في الحديث: (لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعنى)([48])، بل كما نص على ذلك بصراحة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 81، 82]

ولهذا فإن الأنبياء عليهم السلام في ذلك المحل الذي طلب منهم فيه دعوة الله تعالى أرسلوا من طلب منهم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا باعتبارهم خاطئين، ولا باعتبار حرصهم على أنفسهم، وإنما باعتبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المحل هو الإمام الذي لا يصح أن يتقدم عليه أحد.

والعجب أن هذا الحديث يذكر أن نوحا عليه السلام أعطاه الله تعالى دعوة واحدة، وأن نصيبه من الدعاء قد انتهى، كما ورد في الحديث: (وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي)، فهل نزل كرم الله إلى هذه الدرجة بحيث يمنح لعباده المقربين دعوة واحدة.

ثم إنا نرى الله تعالى يثني على نوح عليه السلام، ويثني على ما قام به من الدعاء على قومه، فكيف نضرب القرآن بهذا الحديث الذي يوهم أن نوحا عليه السلام أخطأ في الدعاء على قومه.

وهكذا نرى الحديث يرمي إبراهيم عليه السلام بالكذب، بل بثلاث كذبات خطيرة، وأن تلك الكذبات حالت بينه وبين أن يدعو الله..

ثم إن الحديث يذكر هذا المعنى الخطير الذي لا يتناسب مع عظمة الله، ولا مع ما ورد في النصوص المقدسة عن رحمة الله في الآخرة، ففيه: (إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)

فهل يمكن أن تكون رحمة الله التي وسعت كل شيء قد زالت في ذلك الحين، وحل بدلها الغضب.. أم أن رحمة الله تعالى موجودة في كل حين، كما أن غضبه موجود في كل حين.. ولكن الاختلاف بحسب القابل والمحل.. أما الله فأعظم من أن تغيره الأحوال، أو تجري عليه الأحداث؟

مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ذكر في الحديث أن رحمة الله تعالى في الآخرة، وبحسب القابل لها، تكون أعظم ظهورا من رحمته في الدنيا، لضيق وعاء الدنيا، كما ورد في الحديث: (إن الله خلق مائة رحمة، رحمة منها قسمها بين الخلائق وتسعة وتسعين إلى يوم القيامة)([49])

ولم تكتف أحاديث أبي هريرة بهذا، بل إنها راحت تتبع الأنبياء الذين ورد الثناء عليهم في القرآن الكريم لترميهم بالعظائم التي لا تتناسب مع حرمتهم، ومع كونهم منارات الهداية التي جعلها الله لعباده في كل زمان ومكان.

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه كان يذكرهم، ويحيي هديهم العظيم، كما ورد في الحديث: (رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر)([50])

وروي أنه في فتح مكة دخل البيت ثم خرج فوضع يده على عضادتي الباب، فقال: ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: خيرًا ونحن نظن خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أقول كما قال أخي يوسف ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92])([51])

وبناء على هذا سنذكر هنا بعض أحاديثه التي ينتصر لها السلفية مع خطر العقائد التي تحملها في حق الأنبياء عليهم السلام، بل في حق الله نفسه.

أبو هريرة.. وآدم عليه السلام:

من الروايات التي يرفعها أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنه يظهر عليها الطابع اليهودي، أو الأسطوري، لأن الكثير مما يرويه كعب الأحبار لا يوجد في الكتاب المقدس، كما ذكرنا ذلك بتفصيل في كتابنا [كعب الأحبار.. والتسلل اليهودي للإسلام] هذه الرواية الخطيرة التي تمس كرامة آدم عليه السلام، بل تتهمه بالحرص على الحياة بعد أن عاش ألف سنة كاملة..

والرواية التي اتفق السلفيون على صحتها هي ما روره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا فأعجبه وبيص مابين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمرى أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)([52])

وفي رواية عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله تبارك وتعالى، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم، وقال له: يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام، ورحمة الله، وبركاته، ثم رجع إلى ربه عز وجل فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك وبنيهم، فقال الله تبارك وتعالى له – ويداه مقبوضتان – (اختر أيهما شئت)، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب، ما هؤلاء؟ قال: (هؤلاء ذريتك)، فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه، وإذا فيهم رجل أضوؤهم، أو من أضوئهم، لم يكتب له إلا أربعين سنة، فقال: يارب، من هذا؟ فقال: (هذا ابنك داود، وقد كتبت له أربعين سنة)، فقال: يارب، زده في عمره قال: (ذاك الذي كتبت له) قال: فإني جعلت له من عمري ستين سنة قال: (أنت وذاك)، فقال: ثم أسكن الجنة ما شاء الله، ثم أهبط منها، وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت، قد كتب لي ألف سنة قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، فيومئذ أمر بالكتاب والشهود)([53])

وهذه الرواية التجسيمية التدنيسية العجيبة تصور آدم u بهذه الصورة الحقيرة التي لا تتناسب مع عامة الناس، فكيف بنبي كريم علمه الله أسماء كل شيء، ورضيه خليفة، وأسجد له ملائكته، ومع ذلك، وبعد أن نزل من الجنة، وتألم بآلام الأرض يصورونه وكأنه حريص على البقاء مدة أطول.

ومن الملاحظات الجديرة بالانتباه في الرواية زيادة على تشويهها لآدم u هو ما يبدو فيها من علامات اليهودية.. فالروايات بطرقها المختلفة تنص على أنه عندما عرضت ذريته جميعا عليه، بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يشد انتباهه إلا داود u لأنه كان مميزا بكثرة نوره.. والنور يعني القرب والكمال.. وهم بذلك يصورون داود u بأنه الأقرب والأكمل.. وهو موقف اليهود الذي لا زالوا يؤمنون به، فهم يعتبرون داود هو مثلهم الأعلى، بل يعتبرونه أكثر من موسى، لأن الهدف عندهم هو الملك، وقد تحقق في داود، ولم يتحقق في موسى عليهم السلام جميعا.

ومن مظاهر الطابع اليهودي على الرواية ما صوروه من إهداء آدم بعضا من عمره لداود عليهما السلام، وكأن العمر بيده لا بيد الله، وكأن تحديد الله لعمر أي أحد مجرد عبث غير خاضع لسننه في الاختبار والابتلاء.

والمشكلة الأكبر من ذلك كله هي تصويرهم أن آدم أحسن إلى داود بذلك، وهذا ما يدل على التفكير اليهودي الحريص على الحياة، والذي يحصر السعادة فيها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾ [البقرة: 94 – 97]

والمشكلة الأكبر من ذلك هي تصويرهم لجحود آدم، وهو يعلم أن الله مطلع عليه، ويعلم أن الملائكة معصومون، وهو تصوير يتناسب مع المنافقين والكافرين، ولا يتناسب أبدأ مع أولياء الله وأنبيائه المقربين.

والمشكلة الأكبر من ذلك كله هو تصويرهم أن جحود بني آدم سببه جحود آدم، وكأن آدم عليه السلام هو المسؤول عن خطاياهم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164]

وغيرها من المؤاخذات الكثيرة التي أعرضت عقول السلفية عن التدبر فيها، لسبب بسيط هو أن الحديث صحيح عندهم، وعلى رأسه أبو هريرة الإمام المعصوم.

ومن الأحاديث الخطيرة التي رفعها أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع كونها خزانا كبيرا للتجسيم والجبر والتشويه للأنبياء عليهم السلام، هذه الرواية المتفق على صحتها عند السلفية جميعا، وهي ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى عليهما السلام) ([54])

وفي رواية: (احتج آدم وموسى، عليهما السلام، عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى)؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فحج آدم موسى)([55])

فهذه الرواية التي يسوقها عادة أصحاب كتب السنن والتوحيد عند ذكرهم ليد الله، وأن الله يمكن أن يكتب بيده، وأن ذلك من صفات كماله التي من جحدها فهو جهمي معطل.

ويستدلون بها على القدر، وأن الإنسان رهن لما كتب له من مصير، وأنه لن يستطيع أن يمحو شيئا كتب عليه، ولا أن يثبت شيئا محي عنه.

ويستدلون به في محال أخرى كثيرة، تصطدم مع العقل والفطرة السليمة، وقبل ذلك تصطدم مع القرآن الكريم نفسه.

فهل يمكن لموسى عليه السلام الرسول الكريم، والعارف بالله، أن يلوم أباه، وبتلك الطريقة الوقحة التي تجعله مسؤولا عن كل ما حصل للبشرية من مآس، وأعظمها إخراجهم من الجنة، ويقول له: (يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)

مع أن السلفية أنفسهم يذكرون أن من رحمة الله بآدم أنه خرج من الجنة، وقد قال ابن القيم في ذلك: (فرح إبليس بنزول آدم من لجنة، وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود.. ما جرى على آدم هو المراد من وجوده.. لا تجزع من قولي لك: اخرج منها، فلك ولصالح ذريتك خلفتها.. يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك.. يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب وألبست خلعة العبودية.. يا آدم لم أخرج إقطاعك إلى غيرك إنما نحيتك عنه لأكمل عمارته لك، وليبعث إلى العمال نفقة تتجافى جنوبهم)([56])

فهل يكون ابن القيم أعرف بالله، وبمقادير الله، وبحكمة الله من خروج آدم من الجنة من موسى عليه السلام؟

أبو هريرة.. وإبراهيم عليه السلام:

من الروايات الخطيرة التي رواها أبو هريرة، والتي تشوه إبراهيم عليه السلام، وتصوره بصورة لا تليق بتلك الصورة الجميلة التي صورها القرآن الكريم تلك الرواية التي تصور إبراهيم u، وهو يضحي بزوجته في سبيل نجاته.. وهو فعل لا يقدم عليه حتى عوام الناس.. بل حتى ذكور بعض الحيوانات تضحي بنفسها في سبيل نجاة إناثها.

والمشكلة في هذه الرواية عند السلفية هو حرمة نقدها أو الحديث عنها لأن راويها أبو هريرة، ومخرجها البخاري ومسلم..

وسنسرد الرواية، ونرى هل يمكن أن ينتقدها العقل السليم المغذى بالرؤية القرآنية، أم أن هذا العقل يمكن أن يسلم لها؟

ونص الرواية كما رواها أبو هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لم يكذب ابراهيم u غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 63]، وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلا، فأتى الجبار رجل فقال: إن في أرضك رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي، قال: اذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، قال: فانطلق بها وقام ابراهيم u يصلي قال: فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها، فأخذ أخذا شديدا، فقال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل فأهوى إليها، فذهب يتناولها، فاخذ أخذ شديدا، فقال: ادعى الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل قال: فدعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت بها، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! وأخدم هاجر)([57])

وقد اجتهد السلفية في نصرة هذه الرواية، والدفاع عن كل حرف من حروفها، ومن المرافعات التي يذكرها السلفية في هذا المقام ما قاله ابن حجر العسقلاني، فقد قال: (وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة؛ فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبا؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محض، وقوله (هذه أختي) يعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، قال ابن عقيل: دلالة العقل بتصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقا به؛ ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم u – يعني إطلاق الكذب على ذلك – إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها)([58])

ونحن نوافق ابن حجر في كون إبراهيم u يستحيل أن يكذب، وما قاله من سقمه ونحو ذلك معاريض أراد منها أن يستدرج قومه لدعوتهم إلى الله كما استدرج الملك، وكما استدرج عبدة الكواكب.. وذلك كله لا حرج فيه، ولا يعتبر كذبا بحال من الأحوال.

لكن المشكلة ليس في ذلك.. المشكلة فيما أطلقوا عليه الكذبة الأخيرة.. فتلك ليست كذبة فقط.. بل هي دياثة وجبن وتصرف لا يليق بنبي كريم.. بل لا يليق بإنسان عادي بسيط.

فهل يمكن أن يقبل أي رجل في الدنيا أن يترك امرأته عند الجبارين من دون أن يدافع عنها؟ ثم كيف تنظر المرأة بعد ذلك لزوجها الذي فرط فيها من أجل نفسه أحوج ما تكون إليه؟ ثم ما الذي جعل إبراهيم u يذهب إلى ذلك المكان الذي يعلم أنه ستأخذ منه زوجته قهرا؟

ثم كيف نطبق هذه السنة الإبراهيمية في حياتنا لأن الله تعالى أمرنا بأن نتبع ملته، ونسير سيرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: 130]، وقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 95]

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه مكلف باتباع ملة إبراهيم u، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]

فكيف نحيي هذه السنة الإبراهيمية العظيمة كما يتصور السلفية؟

هذه هي قيمة الأنبياء عند السلفية، وهذا هو تصورهم لهم، وتدنيسهم لتلك القداسة التي بناها القرآن الكريم لهم.

ومن الأحاديث المرتبطة بإبراهيم عليه السلام، والتي يمكن أن تكون من الأحاديث التي تشوهه، ما رواه مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فخنتن إبراهيم – عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم) ([59])

فقد نقل هذا النص مع تحريف بسيط من [سفر التكوين، الإصحاح 17]، ففيه: (وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته)

ولست أدري ما الحاجة لذكر هذا المعنى حول حياة نبي كريم من الأنبياء حتى لو صح، لأن المطلوب هو بيان الحكم الشرعي للختان، وهو يتم من غير حاجة لذكر أمثال هذه التفاصيل المسيئة التي لا يرضاها السلفية حتى عن أنفسهم أو مشايخهم، فهل من مناقب الشيخ ابن باز أن نذكر الزمان والمكان الذي اختتن فيه.

بالإضافة إلى هذا كله، فقد أورد الطبري عن أبي هريرة وكعب الأحبار قصة أمر الله تعالى لإبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، ولكن مع اختلاف بسيط مع ما يدل عليه القرآن الكريم، وهو أنه بدل أن يكون الذبيح إسماعيل تحول الذبيح عند أبي هريرة وأستاذه كعب إلى إسحاق عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام.

فقد روى عن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي، أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي؟ قال أبو هريرة: بلى، قال كعب: لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا، فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت سارة: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه! قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه! قال الشيطان: بلى والله! قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قالت سارة: فهذا أحسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، فقال: أين أصبح أبوك غاديا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكن غدا بك ليذبحك، قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني! قال: بلى; قال: لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه، قال: فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك; قال: الله فوالله لئن كان أمرني بذلك ربي لأفعلن; قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق، أعفاه الله وفداه بذبح عظيم، قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بني، فإن الله قد أعفاك; وأوحى الله إلى إسحاق: إني قد أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها; قال، قال إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا، فأدخله الجنة ([60]).

وروى عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار أن الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه إسحاق، وأن الله لما فرج له ولابنه من البلاء العظيم الذي كان فيه، قال الله لإسحاق: إني قد أعطيتك بصبرك لأمري دعوة أعطيك فيها ما سألت، فسلني، قال: رب أسألك أن لا تعذب عبدا من عبادك لقيك وهو يؤمن بك، فكانت تلك مسألته التي سأل([61]).

وبعد أن حكى الطبري هذا وغيره، قال: (وأولى القولين بالصواب في المفدي من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدا صالحا من الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100] فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71] وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معني به إسحاق، كان بينا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101] في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن. وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفدي هو المبشر به)([62])

ومع قوة الأدلة التي استدل بها القائلون بأن المفدى هو إسماعيل u، لدلالة القرآن الكريم عليها إلا أن الطبري، ولشدة شغفة ووثوقه بسلفه من اليهود، راح يفندها مع وضوحها الشديد، فقال: (وأما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلم يكن جائزا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم، فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفدي من ولد إبراهيم بقوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112] ولو كان المفدي هو إسحاق لم يبشر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فدي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبل عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة. وقد روي عن جماعة من أهل العلم أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه)([63])

وهكذا تصبح الأخبار والروايات والقصص والأساطير هي الموجه للطبري في تحديد موقفه.. لا نص الآية الكريم الواضح تماما.

أبو هريرة.. وموسى عليه السلام:

من خلال تأمل الروايات الواردة عن أبي هريرة حول موسى عليه السلام، نجد الكثير من التشويه والتحريف، الذي حاول السلفية، ومن شايعهم أن يبرره قدر الإمكان، ولكن كل تلك التبريرات لم تكن تزيد طين التشويه إلا بلا.. حتى أن الصورة العظيمة التي رسمها القرآن الكريم عن هذا النبي العظيم، نراها وهي تتحول عن مسارها تماما بكل حديث من تلك الأحاديث، بل بكل مشهد من تلك المشاهد.

فمن تلك الأحاديث التي تبين حرص موسى عليه السلام على الدنيا، وعلى إضافة المزيد من السنين لعمره، وأنه بذلك لا يحب لقاء الله.. بل تصور معه بطشه وشدته وعنفه حتى مع ملائكة الله هذا الحديث الذي يدافع عنه السلفية دفاعا شديدا، لا لما تحمله من قيم ومعان، وإنما لأن مخرجها البخاري ومسلم، وراويها أبو هريرة.

وتلك الرواية هي ما عبر عنه أبو هريرة بقوله ـ مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده من شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)([64])

وقد لقي هذا الحديث كما ذكرنا ـ مع التشويهات العظيمة التي يحملها في حق الأنبياء والملائكة عليهم السلام ـ اهتماما كبيرا من لدن السلفية في القديم والحديث، حتى أنهم رووا عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه أنهما سئلا عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات، فقال أحمد: كل هذا صحيح، وقال إسحاق: (هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي)([65])

بل إن الحافظ عبد الغني المقدسي جعل الإيمان بما في هذا الحديث من عقائد أهل السنة، فمن أنكره خرج عنهم مذؤوما مدحورا، فقال: (.. ونؤمن بأن ملك الموت أرسل إلى موسى – u – فصكه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينكره إلا ضال مبتدع أو ضعيف الرأي)([66])

وقد برروا كل ما ورد فيه حرفا حرفا..

فبرروا تمثل ملك الموت في صورة بشر، بأنه أمر غير مستغرب ولا ممتنع؛ فقد دلت نصوص القرآن والسنة على ظهور الملائكة في صورة البشر بما يخفي حالهم على الأنبياء – فضلا عن عموم الناس – ولا يلزم من ذلك خروج الملك عن ملكيته، وفقء موسى لعين الصورة البشرية التي تمثل فيها ملك الموت رد فعل طبيعي يتصف بالشرعية مع رجل غريب اقتحم بيته بغير إذنه يطلب روحه.

وبرروا كراهية موسى u للموت بأنه أمر جبلي فطر الله الناس عليه، لأن الله سمى الموت في القرآن مصيبة وبلاء.

وبرروا لطم موسى u لملك الموت بأنه ليس اعتراضا من موسى على قضاء الله؛ بل لأن ملك الموت قد أتى موسى u في صورة بشرية، ولم يعرفه فلطمه لأنه رآه آدميا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى عن نفسه مدافعة أدت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دارغيره بدون إذنه.

قال ابن حبان: (كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى – u – عليها، وكان موسى غيورا، فرأى في داره رجلا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها… ولـما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، أنه لا جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه… كان جائزا اتفاق الشريعة بشريعة موسى، بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر، هو أمر اختبار وابتلاء، فلما علم موسى كليم الله أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن، فلو عرف موسى في المرة الأولى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به)([67])

بل إنهم ـ ولأهمية المسألة عندهم ـ بنوا الكثير من العقائد على هذا الحديث، حتى أن بعضهم ـ وهو السلفي الكبير محمد بن أحمد العلوي ـ ألف في ذلك كتابا بعنوان [توضيح طرق الرشاد لحسم مادة الإلحاد في حديث صك الرسول المكلم موسى u للملك الموكل بقبض أرواح العباد]

وقد حاول فيه أن يبين أن الملاك الذي فقأ موسى u هو ملاك الموت، وأن عينه فقئت حقيقة، ولولا أن الله ردها عليه لبقي أعور.. يقول في ذلك: (إن ملك الموت جاء في صورة يمكن فقء البشر لعينها، والمعهود في مجيء الملك للبشر هو مجيئه له على صورة البشر، كما قال تعالى: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾ [مريم: 17]، وكما أفادته النصوص القرآنية التي ذكر فيها مجيء الملائكة لإبراهيم وللوط وداود، وكذا نصوص الأحاديث التي ذكر فيها مجيء جبريل – u – لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وبه تبين أن فقأ العين هنا هو على ظاهره، وأنه وقع في الصورة البشرية التي جاء ملك الموت عليها، وهو ممكن غير متعذر إلا في الصورة الملكية الأصلية النورانية البعيدة عن ذلك، إذ لم يعهد مجيء الملائكة للبشر فيها. أما رؤية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل على صورته الأصلية في السماء مرة، وبين السماء والأرض أخرى، فهي خارجة عن مجيء الملك الذي عليه مدار الحديث هنا، وبمجموع هذا الذي قررناه يكون قد حل استشكال صك موسى لعين الملك، وحصول فقء عين الملك من أثره)([68])

ثم فسر دوافع موسى u لفقء عين ملك الموت، فقال: (وعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلا لا يعرفه قد دخل عليه بغتة، وقال ما قال، حمله حب الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدة حب الحياة لتأنى وقال: من أنت وما شأنك؟ ونحو ذلك، ووقوع الصكة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة: (فرد الله عليه عينه)، فحاصله: أن الله تعالى أعاد تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليما، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليما مع قرب الوقت، عرف لأول وهلة خطأه أول مرة)([69])

أما مسألة القصاص بين موسى u وملك الموت، وكيف لم يطلب الملاك القصاص من موسى u، فقد أجابوا عليها بقولهم: (ومن قال: إن الله لم يقتص لملك الموت من موسى، فهذا دليل على جهله، ومن أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين قصاص؟! ومن قال: إن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقاصصه الله منه، وقد أخبرنا الله تعالى أن موسى قتل نفسا، ولم يقاصص الله منه لقتله!)([70])

أما القول بأن العين التي فقأها موسى u (إنما هي تمثيل وتخييل، لا حقيقة لها؛ لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قد رأى جبريل على صورته التي خلق عليها سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض)([71])

والعجب من العقل السلفي الذي يورد أمثال هذه الروايات، ويدافع عنها جميعا، ثم هو نفسه يروي روايات أخرى تناقضها، ثم يأمر عقول الناس بأن تستسلم لها جميعا من غير كيف.

ومن تلك الروايات التي تكفي وحدها للرد عليهم ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة، ثم يحيا أو يخير. فلما اشتكى وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وهو صحيح)([72])

وفي رواية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، فعلمت أنه خير) ([73])

ونكتفي بهذا الرد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تلك التحريفات والتشويهات التي أثارها السلفية باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهو منها براء.

وقد ذكرنا سابقا شدة السلفيين مع الغزالي بسببه إنكاره لهذا الحديث، واعتباره طاعنا في السنة، وقد قال في ذلك: (وقع لي وأنا بالجزائر أن طالبا سألني: أصحيح أن موسى u، فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيد هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة، ولا يرتبط به عمل، والأمة الإسلامية اليوم تدور عليها الرحى وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها! اشتغل بما هو أهم وأجدى! قال الطالب: أحببت أن أعرف هل الحديث صحيح أم لا؟ فقلت له متبرما: الحديث مروي عن أبي هريرة وقد جادل البعض في صحته. وعدت لنفسي أفكر إن الحديث صحيح السند، ولكن متنه يثير الريبة إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله. وهذا المعنى مرفوض بالنسبة إلى الصالحين من عباد الله كما جاء في الحديث الآخر (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) فكيف بأنبياء الله؟ كيف بواحد من أولي العزم؟ إن كراهيته للموت بعدما جاءه ملكه مستغرب ثم هل الملائكة تعرض لها العاهات التي تعرض للبشر من عمى أو عور؟ ذاك بعيد.. قلت: لعل متن الحديث معلول، وأيا ما كان الأمر، فليس لدي ما يدفعني إلى إطالة الفكر فيه.. فلما رجعت إلى الحديث في أحد مصادره ساءني أن الشارح جعل رد الحديث إلحادا وشرع يفند الشبهات الموجهة إليه فلم يزدها إلا قوة..)([74])

ثم ذكر قول المازري: (وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره، قالوا: كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟)، ودفاعه عن الحديث، ثم رد عليها بقوله: (نقول نحن: هذا الدفاع كله خفيف الوزن وهو دفاع تافه لا يساغ، ومن وصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيل في أعراض المسلمين والحق أن في متنه علة قادحة تنزل به عن مرتبة الصحة ورفضه أو قبوله خلاف فكري، وليس خلافا عقائديا والعلة في المتن يبصرها المحققون، وتخفى على أصحاب الفكر السطحي، وقد رفض الأئمة أحاديث صح سندها واعتل متنها فلم تستكمل بهذا الخلل شروط الصحة) ([75])

هذا هو موقف الشيخ محمد الغزالي، وهو موقف كل عاقل حكيم يرى تلك التشويهات التي يحملها الحديث حول كبرى القضايا العقدية.

لكن هذا الموقف لم يعجب السلفية الذين صوبوا سهامهم من كل صوب نحوه، يتهمونه بإنكار السنة، وبالجرأة على السنة.. وكأن السنة حكر عليهم.

ومن تلك المواقف موقف الألباني الذي قال تعليقا على ما ذكره الغزالي: (هذا الحديث- أي حديث موسى المتقدم- من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان من طرق عن أبي هريرة- -، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقا واحدا كما ترى؛ لتأخذ القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي يساعدك على فهمها فهما صحيحا، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما)([76])

ثم ساق طرق الحديث، والتي يوجد في أكثرها رجال من اليهود الذين أسلموا، وصاروا مباشرة بعد إسلامهم من الثقاة المعتبرين، ثم قال تعليقا على الغزالي: (واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدا مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلا عن الزنادقة- قديما وحديثا، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغبا السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم.. وممن أنكره من المعاصرين الشيخ الغزالي في كتابه (السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث) المذكور في الحديث الذي قبله، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث، فقال: (وهو دفاع تافه لا يساغ)، وهكذا؛ فالرجل ماض في غيه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!). ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدثين وفقهاء من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني على خطأ في تصحيحهم هذا الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! – مصيبا في تضعيفه إياه ورده عليهم؟!)([77])

ولا يكتفي الألباني بهذا، بل يشنع عليه ـ كعادة السلفية في انتقادهم لخصومهم ـ أنه يوافق في هذا الموقف المبتدعة من القائلين بالعصمة المطلقة للأنبياء، فيقول: (هل الخلاف الذي توهمه خلاف محترم أم هو خلاف ساقط الاعتبار، لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين، ولذلك لم تتجرأ على تسميته، ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) – -. وثانيا: يحتمل أن يكون المجادل الذي أشرت إليه هو أنت، وحينئذ فبالأولى، أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار!) ([78])

وهكذا يستمر الألباني ـ بلغته السلفية ـ يرد على الغزالي، ويدافع عن الحديث، ويقول له كل حين: (يا له من مغرور أهلكه العجب! لقد جعل نفسه من المحققين، وعلماء الأمة من أصحاب الفكر السطحي، والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه) ([79])

ويقول له: (بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحا صحيحا، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله) ([80])

وقد اقتصرنا هنا على موقف الألباني باعتبار كبر سنه، ومكانته، وإلا فإننا لو نزلنا إلى غيره من أعلام السلفية لوجدنا قواميس من الشتائم تكال للغزالي بسبب موقفه العقلاني من الحديث.

ومما شوه به السلفية موسى u مما يتعلق بهذا الجانب ما رووه عن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (نزل نبي من الأنبياء([81]) تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة؟)([82]) وفي رواية لمسلم: (فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟)

وهذه رواية خطيرة لا تتوافق أبدا مع رحمة الأنبياء ولطفهم وأخلاقهم العالية.. وقد ذكر القرآن الكريم ذلك التواضع الذي تواضع به سليمان u أمام النملة، وما كان لموسى u أن يختلف عن سليمان u في ذلك.

وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تعرش، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب النار إلا رب النار([83]).

هؤلاء هم الأنبياء كما يصورهم القرآن الكريم، وكما تصورهم السنة النبوية، لا كما يصورهم السلفية، وسلف السلفية، وما كان موسى u ليختلف عن إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في ذلك وغيره.

ومن الروايات التي رواها أبو هريرة حول موسى عليه السلام، والتي تشدد السلفية مع منكرها أو منتقدها قصة فرار الحجر بثوب موسى u، ذلك أن مخرجها هما المعصومان اللذان يستحيل عليهما الخطأ: البخاري ومسلم.. وراويها هو أبو هريرة الذي جمع بين المدرستين: الإسلامية واليهودية، كما جمع بين الأستاذين: رسول الله وكعب الأحبار.. وكفاه بذلك شرفا.

ونصها هو (كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، وينظر بعضهم إلى سواة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمع موسى u بإثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا) قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ستة أو سبعة، ضرب موسى بالحجر([84]).

ومع أن الرواية تخلو من أي حكم تربوي أو توجيهي، بل هي لم تزد سوى أن تسيء لنبي الله موسى u بتصويره عريانا يراه بنو إسرائيل أجمعون، وكل ذلك لتنفي عنه تلك الآفة الخلقية التي اتهموه بها، والتي فسر السلفية على أساسها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]، وكأن بني إسرائيل لم يؤذوا موسى u إلا بتلك التهمة التي لا قيمة لها.

إلا أن السلفية انشغلوا بالدفاع عن هذه الرواية دفاع المستميت، بل وانشغلوا بتبديع كل منكر لها، وسأنقل هنا ـ باختصار ـ نموذجا عن ذلك الدفاع من رجل من عقلاء السلفية المعاصرين، لنعلم أنه يستحيل أن يجمع الإنسان بين العقل والسلفية.. لأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا.. فأول شرط لدخول المرء في عصبة السلفية أن يلقي بعقله في البحر.

والعاقل السلفي المعاصر هو د. الشريف حاتم بن عارف العوني، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، فقد أجاب على سؤال أثاره بعض العقلانيين الممقوتين من السلفية، ونصه: (دعيت من أحد الأصدقاء لأنضم إلى جماعة إيمانية، كلامهم مبهر وجميل، لكن ما أثار شكوكي أنهم يشككون بحديث شريف، وهو الحديث الذي يتحدث عن موسى u عندما نزل ليغتسل في النهر، ووضع ثيابه على حجر ففر الحجر ليبرأ موسى من تهم بني إسرائيل، فأنا أريد أن أعرف درجة هذا الحديث هل هو صحيح أم لا؟)([85])

فأجاب الشيخ السلفي العاقل بقوله: (الحديث الذي سأل عنه السائل حديث صحيح وارد في صحيحي البخاري ومسلم، اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.. والحديث مع كونه مما قد صححه البخاري ومسلم، وكفى بتصحيحهما ثقة؛ لشدة احتياطهما، وقوة شرطهما في التصحيح؛ ولأن الأمة قد أجمعت على صحة كتابيهما، إلا أحاديث يسيرة خالف في صحتها بعض أئمة الحديث؛ لكن لم يكن هذا الحديث أحد تلك الأحاديث المختلف فيها، فإسناده من أصح الأسانيد، فهو من نسخة التابعي الثقة الجليل همام بن منبه([86]) التي كتبها عن أبي هريرة مباشرة، حتى لقب العلماء هذه الصحيفة بـ (الصحيفة الصحيحة).. وبذلك يتبين أنه لا مجال للتشكيك في صحة هذا الحديث عن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أدري لماذا تجرأ هؤلاء الفضلاء على هذا الحديث؟! فثبوت اللفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا شك فيه) ([87])

وبعد أن أثبت صحة الحديث سندا، راح يتكلف لإثباته معنى، فقال: (وأما المعنى فلا أدري ما المشكل فيه عند هؤلاء الفضلاء؟! ولكني سأحاول تفهم الإشكالات المحتملة في الحديث، وأجيب عنها. والذي بدا لي منها إشكالان فقط، هما: الأول: أن في الحديث إخبارا عن أمر غير معقول، وهو جري الحجر. وجوابه: أن هذا لا يستشكله إلا من لا يؤمن بمعجزات الأنبياء، وبخوارق العادات التي يجريها الله تعالى على أيديهم، والتي ثبتت في القرآن الكريم والسنة المطهرة المتواطئة عليها. فليس جري الحجر بأعجب من شق البحر، ولا إحياء الموتى، ولا جعل النار بردا وسلاما، وغيرها من معجزات الأنبياء الثابتة في القرآن قبل السنة!!.. الثاني: أن كشف العورة أمر سيء، ولا يتمناه أحد لنفسه، فكيف يقدره الله تعالى على موسى u؟! وجوابه: أن الحديث بين أن سبب ذلك هو اتهام بني إسرائيل لموسى u بأنه إنما كان يستر عورته لمرضه، وعلم الله تعالى أن مفسدة هذه التهمة على موسى u وعلى رسالته مفسدة أشد وأعظم من مفسدة ظهور عورة موسى u، وأن الأذى الذي سيصيب موسى u جراء انكشاف عورته أخف من الأذى الذي اتهمه به قومه. وقد حكى الله تعالى علينا في القرآن الكريم من سوء خلق بني إسرائيل ومن شدة عنادهم وتلكؤهم عن الطاعة وسرعة انقلابهم ما لا نستغرب معه أن يكونوا قد بلغوا بأذى موسى u على هذا الأمر ما يستوجب دفعه عنه، ولو بكشف العورة. ويبقى أن هذا ابتلاء من جملة ابتلاءات موسى u، والتي بها وبغيرها من مراقي تشريف الله تعالى له ومن الطاعة والتعظيم لله تعالى كان موسى u عند الله تعالى وجيها) ([88])

ثم قدم النصيحة السلفية لمن يتجرأ على رد هذا، فقال: (وعلى السائل أن ينصح هؤلاء الإخوة الفضلاء (إن شاء الله) في هذا الأمر: بأن لا يتجرؤوا على ما لا علم لهم به، من تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وأنهم إن استشكلوا حديثا أو غمض عليهم لفظه أو معناه فعليهم أن يسألوا عنه من أهل العلم الذي كان معروفا فيهم بالعناية بالسنة وعلومها، وكان متخصصا في هذا العلم الشريف من علوم الشريعة. فالكلام في السنة تصحيحا وتضعيفا وتوجيها علم تخصصي في علوم الشريعة، فليس كل عالم شرعي قادرا على إجادة الكلام فيه، فضلا عن غيره ممن لم يكن عالما شرعيا في أحد تخصصات الشريعة العديدة الأخرى. فإن وجد الأخ السائل أن هذه الجماعة لا تنتصح له، وأنهم يكررون السخرية من السنة الصحيحة، فليحذرهم على إيمانه وعقله: فإما أن يستبدلهم بجماعة خير منهم، أو أن يصاحبهم إذا كان محتاجا لصحبتهم، بشرط أن يكون قادرا على التحصن من خطئهم هذا، فيأخذ منهم ما صفا وطاب، ويتجنب منهم ما كدر وخبث، مع دوام نصحه لهم، ومع عدم يأسه من قبولهم للنصيحة وتوبتهم، مهما طال ذلك منهم. والمهم الذي أؤكد عليه: أن لا يسمح لشبههم بالتسلل إليه، وأن تكون نجاته من بدعة تفسد عليه قلبه مقدمة لديه على كل شيء؛ فلا يعدل النجاة شيء! هذا كله إن تكرر منهم مثل هذا الخطأ ونحوه، أما إن كان ذلك منهم نادرا، فليكتف بنصحهم، ولا يتجنبهم، ما دام يستفيد منهم في زيادة إيمانه)([89])

هذه نماذج عن بعض الخرافات التي رواها أبو هريرة حول موسى u والتي حولت قصته من مسارها القرآني الممتلئ بالجمال والهدية إلى هذا المسار الجديد الممتلئ بالأسطورة والخرافة.

أبو هريرة.. وسليمان عليه السلام:

يعتبر سليمان عليه السلام من الأنبياء الكرام الذين استطاعت رواية نووية واحدة من أبي هريرة ـ رويت مرفوعة وموقوفة([90]) ـ أن تحوله من ذلك النبي الأواب الشكور المتواضع إلى شخص آخر مختلف تماما.

والرواية هي ما رواه البخاري ومسلم أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة ـ أو تسع وتسعين ـ كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون)([91])

وهم يستدلون بهذا الحديث في مواضع كثيرة أهمها تلك القوة الغرائزية العظيمة التي لا يمكن تصورها، والتي وهبها الله ـ في تصورهم ـ للأنبياء.. ربما هدية لهم على الجهود التي يقومون بها في الدعوة إلى الله.

ولذلك نراهم يذكرون للأنبياء النساء الكثيرات كما في هذا الحديث، وإن كان الخلاف قد وقع في عدد نسوته بالضبط، لأن أبا هريرة أو رواة الحديث لم يضبطوا عددهن جيدا، فمرة يذكرون أنهن مائة، وتارة أنهن تسعون، وتارة أنهن سبعون، وتارة أنهن ستون.

وهم معذورون في ذلك، فلم يكن في ذلك الحين تسجيل لعقود الزواج، وليس هناك مكاتب للأحوال المدنية، ومع ذلك فقد حاول أعلام السلفية أن يجدوا حلا لتلك الأعداد المتناقضة المتضاربة.

بل إن أكبر هيئة دينية في السعودية وهي اللجنة الدائمة للفتوى تولت التحقيق في ذلك، وقد نصوا على نتائج التحقيق، فقالوا ـ ردا على من رمى الحديث بالاضطراب ـ: (الحديث المضطرب: هو الذي روي من طرق مختلفة متساوية في القوة، ولم يمكنه الجمع بينهما، أما إن كان بعضها أقوى أو أمكن الجمع فلا اضطراب، وعلى هذا فلا يعتبر الاختلاف في عدد النساء في الحديث المسؤول عنه اضطرابا يرد به الحديث لأمرين: رجحان الرواية التي ذكر فيها أن عددهن تسعون، فقد قال البخاري في صحيحه: قال شعيب وأبو الزناد: تسعين، وهو أصح. إمكان الجمع بين هذه الروايات، وقد ذهب إلى ذلك ابن حجر رحمه الله في كتابته على هذا الحديث في الباب الذي ذكرته في السؤال، قال رحمه الله: (فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: تسعون، ألغى الكسر، ومن قال: مائة، جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر)([92]))([93])

وهكذا استطاع العقل السلفي أن يحل مشكلة العدد بكل سهولة.. لكن المسألة الأخرى التي عرضت لهم، والتي وردهم السؤال بشأنها أخطر، وصاحبها ربما يكون قد استعمل عقله، فقد قال لهم سائلا: (.. ولا ريب في صحة هذا الحديث باعتبار الرواة والإسناد، ولكن مفهوم الحديث خلاف للعقل والشعور صريحا، ومفهومه يعلن ويجهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قال هكذا كما نقل الراوي، بل ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أباطيل وخرافات اليهود مثالا، وفهم الراوي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله بيانا واقعيا؛ لأن كل إنسان إن حاسب في نفسه فوضح عليه أن فرض عدد الأزواج ستون 60، إن باشرهن سليمان u في ساعة 6 أزواج باشرهن كل الليل بغير توقف متواليا عشر ساعة، فهل هذا ممكن عقلا؟)([94])

لكن اللجنة الدائمة للفتوى بما لديها من عقول سلفية جبارة استطاعت أن تحل هذه المشكلة أيضا، وبكل سهولة، فقد قالوا جوابا للسائل: (دعوى مخالفة هذا الحديث للعقل الصريح دعوى باطلة؛ لبنائها على قياس الناس بعضهم على بعض في الصحة، وقوة البدن، والقدرة على الجماع، وسرعة الإنزال وبطئه، وهو قياس فاسد لشهادة الواقع بتفاوتهم فيما ذكر وفي غيره وخاصة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالنسبة لغيرهم، فقد أوتوا من قوة البدن والقدرة على الجماع مع كمال العفة وضبط النفس، وكبح جماح الشهوة ما لم يؤت غيرهم، فكانت العفة وصيانة الفرج عن قضاء الوطر في الحرام مع القدرة على الجماع وقوة دواعيه معجزة لهم عليهم الصلاة والسلام، وكان من السهل على أحدهم أن يطأ عشر نسوة في ساعة ومائة امرأة في عشر ساعات أو أقل، لتحقق الاختصاص بالقوة، وإمكان الإنزال في خمس دقائق أو أقل منها)([95])

ولأن العقل السلفي لا يحن لشيء كما يحن لكثرة النقول، وخاصة من الأئمة الحفاظ البارعين، فقد نقلوا له ما يكبح جماح عقله عن التفكير، فذكروا له من أقوال أعلام السلف والخلف ما يدل على إجماعهم على القوة الجبارة التي وهبت للنبي في هذا الجانب..

ومن تلك النقول ما نقلوه عن العيني أنه قال: (وفيه ما كان الله تعالى خص به الأنبياء من صحة البنية وكمال الرجولية، مع ما كانوا فيه من المجاهدات في العبادة. والعادة ـ في مثل هذا لغيرهم ـ الضعف عن الجماع. لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم،كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان عليه الصلاة والسلام من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة… وليس في الأخبار ما يحفظ فيه صريحا غير هذا إلا ما ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا في الجماع ([96])… وكان إذا صلى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهن بغسل واحد ثم يبيت عند التي هي ليلتها([97])، وذلك لأنه كان قادرا على توفية حقوق الأزواج وليس يقدر على ذلك غيره مع قلة الأكل)([98])

أما ما ورد في الحديث من ذلك الجزم من سليمان u، من غير إرجاع الأمر لله، مع تذكير الملاك أو غيره له، والذي قد يوهم بأن هبة الولد ليست لله، وإنما هي نتيجة الطواف ـ كما ورد في الحديث ـ فقد استطاعوا حلها أيضا، وبكل سهولة.

فقد نقلوا عن سلفهم الطبري قوله: (إن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط.. والآخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ووكل به، وضعف عقله عن احتماله.. فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله. فذلك الذي يرغب العبد إلى الله في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله به آدم صلوات الله عليه فأخرجه من الجنة)([99])

ونقلوا عن العيني قوله: (قوله (فلم يقل إن شاء الله): فلم يقل سليمان إن شاء الله بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فإنه لا يليق بمنصب النبوة. وإنما هذا كما اتفق لنبينا لما سئل عن الروح والخضر وذي القرنين فوعدهم أن يأتي بالجواب غدا جازما بما عنده من معرفة الله تعالى، وصدق وعده، في تصديقه وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بها لا عن التفويض بقلبه، فاتفق أن يتأخر الوحي عنه ورمي بما رمي به لأجل ذلك)([100])

ونقلوا عن ابن الجوزي قوله في بيان فضل الاستثناء: (وهذه الكلمة لما أهمل ذكرها سليمان في قوله (لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما) لم يحصل له مقصوده. وإذا أطلقت على لسان رجل من يأجوج ومأجوج فقال (غدا يحفر السد إن شاء الله) نفعتهم فقدر على الحفر، فإذا فات مقصود نبي بتركها وحصل مراد كافر بقولها، فليعرف قدرها، وكيف لا وهي تتضمن إظهار عجز البشرية وتسليم الأمر إلى قدرة الربوبية)([101])

ولو أن هؤلاء جميعا تخلوا عن كبريائهم، وراحوا يبحثون في القرآن الكريم عن كيفية طلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للولد، وهل كان ذلك بالطريقة التي وردت في هذا الحديث، أم أنهم كانوا متواضعين جدا أمام ربهم سبحانه وتعالى، يعلمون أن الولد وغير الولد هبة من الله لا يمكن لأحد أن يزعم أنه من دون الله يمكن أن ينال هذه الهبة العظيمة.

لو رجعوا إلى القرآن الكريم لوجدوا إبراهيم u، وبعد تلك المعاناة الشديدة التي واجهه بها قومه، وبعد بلوغه من الكبر عتيا، يتوجه إلى الله بحياء عظيم يطلب منه أن يرزقه من الصالحين.. ولم يحدد لا عددا ولا نوعا.. يكفي فقط أن يكون من الصالحين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 99 – 101]

وهكذا لو رجعوا إلى القرآن الكريم لوجدوا زكريا u يقف نفس موقف جده إبراهيم u، يطلب من الله الولد بتواضع وحياء عظيم، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 38، 39]

بل إن القرآن الكريم يشير إلى احترام أنبياء الله لسنن الله في الولد كاحترامهم لغيرهم من السنن، ولذلك لما بشرت الملائكة زكريا u أجابهم: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]

وهكذا لو رجعوا إلى القرآن الكريم لوجدوا سليمان u العبد الشكور، وهو يلجأ إلى الله كل حين، لا يغفل عنه أبدا.. فكيف يغفل عنه، وهو يطلب ـ وفي ليلة واحدة ـ أن يرزق مائة ولد كلهم يعيش إلى أن يجاهد في سبيل الله.

إن هذا التألي على الله يستحيل على عوام الناس من المسلمين، فكيف يقع من عبد شكور أواب ممتلئ بالطاعة لله والعبودية لله.

هذه هي صورة الأنبياء كما صورها حديث أبي هريرة الموقوف أو المرفوع، وهي صورة لا تختلف عن صور الملوك والمتكبرين والمتجبرين الذين يباهون بكثرة النساء والجواري، ولعله لأجل هذا لا نستغرب أن يجمع الإمام السلفي الكبير، الطبري، في اسم تاريخه بين الرسل والملوك، حيث سماه [تاريخ الرسل والملوك]، فالرسل بحسب تصوراتهم ليسوا سوى ملوك.. ولهذا هم يحبون الملوك، ويجلونهم، ويقدرونهم، ويحرمون نقدهم، أو الحديث عنهم، لأنهم لا يختلفون عن الرسل إلا في ناحية واحدة ـ بحسب الرؤية السلفية ـ هي ذلك الوحي الذي ينزل من السماء عليهم.

بل إن السلفية في تصوراتهم لله تعالى ـ كما رأينا ذلك في كتاب [السلفية.. والوثنية المقدسة]، يجعلون الله ملكا كبيرا، أو امبراطورا عظيما، لا يختلف ـ بحسب الروايات التي يوردونها ـ عن أي ملك أو امبراطور إلا في كونه في السماء، وهم على الأرض.

ثالثا ـ أحاديث أبي هريرة.. والنصب والعداوة

لا نستطيع أن نحصي هنا روايات أبي هريرة التي تسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتشوه شخصيته ومكانته العظيمة عند الله، ذلك أن كل الأحاديث التي رواها، والتي تحرف العقائد والقيم هي مسيئة بالدرجة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فأحاديثه عن المرأة واحتقارها، تعطي صورة سيئة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموقفه من المرأة، ومنهجه في التعامل معها.

وهكذا أحاديثه الممتلئة بالخرافة، والتي لا تتناسب مع أبسط المبادئ العلمية ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهل، بل إنها تشكك في نبوته نفسها.

وهكذا أحاديثه الأسطورية التي سنعرض لبعض أمثالها تحول من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رسول هداية إلى قصاص وحكواتي، لا قيمة لحكاياته، ولا معنى لها.

لكنا سنقتصر هنا على بعض تلك الأحاديث التي تمس شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، أو تمس أقاربه الأدنين.

أبو هريرة.. وغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

وأول تلك الأحاديث وأخطرها، وهو ما يهدم كل القيم التي تمثلت في رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم أو دعا إليها هذا الحديث الذي يمكن اعتباره قنبلة نووية تعصف بكل القيم النبوية.

وهو حديث يرويه السلفية كثيرا، ويوردونه في محال مخصوصة للانتصار لبعض الصحابة أو الطلقاء على حساب مصداقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

مع أنه يهدم ما ورد به القرآن الكريم من أن كل أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحي إلهي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]

ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت: يا رسول الله، إنى أسمع منك أشياء أفأكتبها؟ قال: نعم. قلت: فى الغضب والرضا؟ قال: (نعم، فإنى لا أقول فيهما إلا حقا)([102])

وفي رواية: قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والسخط؟ قال: نعم، فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقا.

وفي رواية أخرى تبين مصدرا من مصادر التحريف في السنة المطهرة، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضى؟ قال: فأمسكت عن الكتاب، حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: (اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما نخرج منه إلا حقا)

وهذا الحديث ـ الذي يناقض كل ذلك ـ هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة ومنهم أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)

فهذا الحديث ـ كما هو ظاهر من ألفاظه ـ يشوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشويها عظيما، فهو يرسمه بصورة الظالم الذي يسارع إلى سب الناس وجلدهم والدعاء عليهم من غير استحقاق منهم لذلك، ثم يعتذر لذلك بأن يدعو لمن فعل بهم ذلك أن يتحول ما فعله بهم من أنواع الإهانات كفارة ورحمة.

 وهذا يتنافى تماما مع تلك الصورة الجميلة التي صور القرآن الكريم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصورته بها الأحاديث الكثيرة.

والغرض من كل هذا التشويه هو تحويل تلك الدعوات التي دعي بها على معاوية ومن هو من صنوه إلى رحمة وكفارة وقربة.

يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) عند ترجمته لمعاوية بن أبي سفيان: (وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.. أما في دنياه: فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير، وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.. وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة.أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة)([103])

وقد أيده في قوله هذا النووي فقال: (وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له)([104])

ولست أدري كيف فهم مسلم أن معاوية لم يكن مستحقا لدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهل كان ذلك عن طريق كشف أو إلهام.. أو أن لديه بعض أكياس أبي هريرة التي لم يروها، والتي فيها اعتذار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاوية عن دعائه عليه.

وهذا كله ناتج عن تغلب الطائفية على الانتساب للدين.. فمقصودهم ليس معاوية كشخص وإنما معاوية كاتجاه وفئة تواجه فئة أخرى.. ولهذا يخشون على تلك الجهة أن تمس حتى لا يحطم جميع البنيان الذي بنته.

وليتهم طبقوا هذا الحديث على أنفسهم، وعلى أئمتهم الذين يسبحون بحمدهم، فهل يرضون أن يقول أحد من الناس: إن ابن تيمية كان يلعن ويسب ويجلد ظالما..

لو قلت هذا لأحدهم لأقام القيامة عليك، ولكتب الكتب في تبرئة ابن تيمية، وفي تكفيرك لأنك تعرضت له.. أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكرامته والمس بأخلاقه العالية، فلا حرج فيه عندهم.

وهذا الحديث يتعارض مع تلك الصفات العظيمة التي تواترت الأحاديث في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي حاولت أن تفسر قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

وهم أنفسهم يروون في الحديث عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45]، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا)([105])

ويروون عن أنس بن مالك، قال: (لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له، ترب جبينه)([106])

مع العلم أن أنس بن مالك كان أطول صحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبي هريرة، وأكثر لزوما له، وقد عبر عن أخلاقه، وكيفية تعامله معه، فقال: (خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فوالله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء صنعته: لم صنعت كذا، وهلا صنعت كذا وكذا)([107])

وفي رواية: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، وما كل أمري كما يحب صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها أف، ولا قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا؟)

وفي رواية: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، لا والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته)

بل إنهم يروون عن أبي هريرة نفسه أنه ـ وفي أشد الأحوال التي تحتاج منه إلى اللعن والسب ـ لم يفعل ذلك، ففي الحديث عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة)([108])

لكن السلفية، الذين تتسع عقولهم للجمع بين المتناقضات، راحوا يقبلون كل هذا، من غير أن يعلموا أن قبول أحدهما ينفي الآخر تماما، بل يقضي عليه قضاء مبرما.. فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسب ويلعن ويجلد كما نص علىه الحديث الذي رواه أبو هريرة، وراحوا يطبقونه على الطلقاء.. أم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ينطق عن الهوى، ولم يكن سبابا ولا لعانا ولا شتاما كما نص على ذلك كل شيء؟

وقد قال الشيخ الألباني في الرد على من طعن في الحديث أو انتقده أو دعا إلى إعادة النظر فيه: (قد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنزيهه عن النطق به، ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة، وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر، وورد من حديث سلمان، وأنس، وسمرة، وأبي الطفيل، وأبي سعيد وغيرهم، وتعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعظيما مشروعا إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم صحيحا ثابتا، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم عبدا ورسولا دون إفراط ولا تفريط، فهو صلى الله عليه وآله وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقا بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه صلى الله عليه وآله وسلم)([109])

أبو هريرة.. وباطن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

من الأحاديث الخطيرة التي رواها أبو هريرة، والتي تصور حقيقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البشرية، وأنه كان لها علاقة بالشيطان في أوائل حياته قبل النبوة، ما رواه أبو نعيم في (دلائل النبوة) عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان حريصا أن يسأله عن الذي لا يسأله غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ فقال: إذ سألتني إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم فأخذاني فلصقاني بحلاوة القفا، ثم شقا بطني، فكان جبريل يختلف بالماء في طست من ذهب، وكان ميكائيل يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فإذا صدري فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعا، ثم قال: اشقق قلبه فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه فأخرج شبه العلقة فنبذه، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه، فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد فرجعت بما لم أغد به من رحمتي على الصغير ورقتي على الكبير)([110])

وهذا الحديث عجيب، ومتناقض تماما مع سنة الله تعالى في اختبار عباده.. فإذا كان الغل والحسد والقسوة والغلظة مرتبطين بخلايا أو أنسجة موجودة في الجسم، فلم لا يريح الله عباده منها بإتاحة مثل هذه العمليات لهم؟

فإن قيل: إن التكليف والابتلاء يستلزمان وجود كل ذلك.. فكيف خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك دون سائر الناس؟

وكيف اعتبره القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب خلق عظيم مع أن الخلق العظيم الذي حصل له لم يبذل فيه أي جهد، ولم يعان في سبيل تحصيله أي عناء، بل الفضل للملائكة الذين طهروره من تلك الأدواء، ووضعوا بدلها الرأفة والرحمة كما ورد في الرواية.

وإذا كان الأمر كما قالوا، فلم ورد في القرآن الكريم التهديدات الشديدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يلتزم بأوامر الله مثله مثل سائر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾ [الحاقة: 44 – 47]

وإذا كان الأمر كما قالوا، فلم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد الناس خشية لله، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله تعالى، وأشدهم له خشية)([111]).. أم أن تلك الخشية أيضا قد غرست في صدره صلى الله عليه وآله وسلم مع ما غرس من الرأفة والرحمة؟

ثم كيف نثبت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل تلك الكمالات، ونحن نقول بهذا، لأن القول بهذا وحده كاف لإخراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مضمار السباق الذي جعله الله بين عباده ليرى أحسنهم عملا.. لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاعتبار يشبه ذلك العداء الكسول المحتال الذي يتحدى غيره أن يلحقوا به وهو يستعمل المنشطات..

ثم بعد القول بهذا كيف يأمرنا الله تعالى باتخاذه أسوة، لأن أي شخص من الناس يمكنه أن يقول: يا رب.. كيف تأمرنا بالاقتداء برجل قد أجريب له عملية نزعت من الشيطان القدرة على التأثير فيه، بينما لم تجر لنا نفس العملية.. فكيف يمكننا أن نتأسى برجل أوتي ما لم نؤت؟

نطرح هذه الأسئلة وغيرها، ونحن نتألم ألما شديدا أن يتعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذه الإهانات، وهذا التحقير، بحيث يصبح مغلوبا على أمره، لولا أن ينقذه الله بإخراج حظ الشيطان منه..

أبو هريرة.. وتردد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسيانه:

من خلال تأمل الروايات الكثيرة التي يصف فيها أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجده يغلب فيه جانبه البشري على جانبه النبوي، والمشكلة ليس في هذا، وإنما في طغيان الجانب البشري المشوه لا المكرم.

ومن أمثلة ذلك هذا الحديث الخطير الذي يتناقض تماما مع أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل يتناقض مع أبرز وصف فيه، وهو الرحمة والرأفة اللتان وصفه بهما الله تعالى، بالإضافة إلى إبراز تردده الذي يتنافى مع صفات كماله.

لكن أبا هريرة خالف ذلك الوصف بهذه الرواية الغريبة التي رواها البخاري، والتي عبر فيها عن تلك المعاني الخطيرة بقوله: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى بعث فقال إن وجدتم فلانا وفلانا – لرجلين من قريش – فاحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أردنا الخروج إنى كنت قد أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله عز وجل فإن وجدتموهما فاقتلوهما)([112])

ولسنا ندري كيف نعلق على هذا الحديث.. وماذا لو أن هؤلاء الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسرعوا بالذهاب قبل أن يتراجع.. ثم هل هذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الممتلئ بالرحمة، من يأمر بالحرق بالنار؟

لقد كانت هذه الأحاديث وغيرها هي المصدر الذي يستقي منه الإرهاب الموسوم باسم الإسلام على مدار التاريخ.. فهذه النصوص ليست مجرد أحاديث، وإنما هي قنابل تنفجر كل لحظة لتشوه قيم الدين وأخلاقه العالية، وتشوه قبل ذلك رسول الرحمة والإنسانية ومن بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

ومن تلك الأحاديث التي رواها أبو هريرة كما رواها غيره من الصحابة، والتي لا تتناسب مع علاقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بربه، واجتهاده في طاعته، وخصوصا في قيام الليل، ولا تتناسب كذلك مع ما ورد في الأحاديث الصحيحة من كون قلبه لا ينام أبدا، وإنما تنام عيناه فقط هذا الحديث الذي رواه مسلم وغيره.

ونصه ـ كما رواه أبو هريرة ـ (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولهم استيقاظا، ففزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أي بلال، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: (من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14])([113])

ومن الملاحظات التي يمكن توجيهها للحديث، والتي لا تتناسب مع ما وصف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حرصه على الصلاة، وخصوصا صلاة الليل، وخصوصا ثلث الليل الأخير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة فيه خصوصا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

والحديث كذلك لا يتناسب مع ما ورد في الأحاديث الصحيحة من كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وقد

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما في حديث المعراج: (والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نائمةٌ عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)([114])

وقد ذكر العلماء من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم أنه (كان لا ينام قلبه، ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه)([115])، كما رووا من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لايبطل وضوؤه بالنوم لأنه تنام عينه ولاينام قلبه([116])، بل رووا أن الدجال نفسه تنام عينه ولاينام قلبه([117]).. فهل يكون الدجال أكثر قوة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

من الملاحظات الموجهة للحديث، والتي تصطدم مع ما جبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رحمة وحرص على أصحابه تكليف بلال بأن يكلأ لهم الليل، مع أن النعاس أصابه كما أصابهم جميعا، وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليفعل ذلك، وهو الذي كان يقتحم كل شديدة دونهم.

وقد ورد في الحديث عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، قال: ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق قبل الصوت، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعا قد استبرأ لهم الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، وفى عنقه السيف، وهو يقول للناس: لم تراعوا، لم تراعوا، وقال للفرس: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر ([118]).

ومن تلك الأحاديث التي تصطدم بما آتى الله رسوله من خصائص ما يسمى بحديث سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي رواه أبو هريرة، فقال: بينما أنا أصلى صلاة الظهر، سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم تقصر ولم أنسه، قال: يا رسول الله، إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، قال: فقام فصلى بهم ركعتين آخرتين) ([119])

وقد ذكرنا سابقا أن هذا الحديث من غرائب أبي هريرة، لكون ذي اليدين استشهد في بدر، وأبو هريرة لم يره.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديث لا يتناسب مع معرفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالله، فلا يجوز عليه الغفلة ولا النسيان وخاصة فيما يتعلق بعلاقته بربه، فكيف يفعل ذلك، وهو الذي كان دائما معه، منشغلا به انشغالا كليا.

أما تبرير ذلك، بكونه نسي ليعلمهم.. فالتعليم لا يحتاج إلى الفعل، بل يكفي فيه القول، فيكفي أن يشرح لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماذا يمكن أن يفعلوا في حال نسيانهم.. وإلا لو شرطنا الفعل للبيان لوقعنا في حرج كبير.

ومن تلك الأحاديث العجيبة التي لا تتناسب تماما مع تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لشعائر الله ما روي عنه أنه قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه([120]).

وهذا سلوك عجيب لا يتناسب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا يتناسب مع آحاد الناس، فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهل يمكن لأحد أن يقدم على عبادة الله، بل إلى إمامة الناس بالصلاة من غير أن يكون متأكدا من توفر جميع الشروط، وانتفاء جميع الموانع.

أبو هريرة.. وقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

من أعظم ما اجتهدت الفئة الباغية في تنفيذه عبر رجالها الذين اعتمدتهم من الرواة، سواء كانوا من المقربين إليها من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم، ممن وقفوا معها ضد السابقين من المهاجرين والأنصار هو الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أقاربه الأدنين، وذلك أعظم نصب.

ومن أولئك الأقارب الذين مستهم إذية أبو هريرة أو الراوين عنه أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد روى مسلم وغيره عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر، أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: (استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم بالموت)

وللأسف فإن هذا الحديث الخطير المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضعه أصحاب كتب الحديث تحت عنوان: [باب زيارة قبر المشرك]([121])

وهكذا فعل شيخ المفسرين السلفيين ابن جرير الطبري في تفسيره، حيث قال: (أهل الشرك من أهل الجحيم، وأن أبويه كانا منهم)([122])

وقال البيهقي: (وكيف لا يكون أبواه وجده بهذه الصفة في الآخرة وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا)([123])

وبهذا نطق كل السلفية المتقدمين والمتأخرين، بل إنهم وضعوا ذلك من عقائد أهل السنة.. فمن عقائدهم تكفير أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. واعتبار أنهم في جهنم.. وأن شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تشمل كل شيء تضيق بهما.

ولن نناقشهم في هذا المحل في هذا، ولكنا ندعوهم إلى مطالعة ما ورد في مصادرهم التي يعتمدونها من أحاديث حول هذه الأم الطاهرة.. أشرف أم في الدنيا.

فمن تلك الأحاديث هذا الحديث الذي يبين مكانتها العظيمة عند الله، والتي أهلتها لأن تكون أما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الحديث عنها قالت: (ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت ثقله كما تجد النساء.. وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي: هل شعرت أنك حملت؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها.. وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا)([124])

وفي حديث آخر روي أنها حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاها آت من ربها، فقال: (إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: (أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد)([125])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ذكر بعض ذلك، فقال مجيبا لمن سأله عن نفسه: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)([126])

لكنهم ـ بسبب ما لفقوه من وسائل لرد ما شاءوا من أحاديث ـ يمكنهم أن يتلاعبوا بأمثال هذه النصوص، فيذكرون أن في رواتها شيعة.. مع العلم أنهم في عصر الرواية لم يكن يقصد بالشيعة إلا من كان مع علي في صفين، أو كان مع ابنه الحسن، أو الحسن، أو كان مع أولئك الذين ثاروا على الفئية الباغية.

ولكن مع ذلك كان يمكنهم أن يقرؤوا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]، فإذا كانت نجاسة المشركين تحول بينهم وبين القرب من المسجد الحرام، فكيف تقبل العقول أن يكون الرحم الذي آوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشهرا معدودات نجسا؟

وكيف تقبل العقول أن يكون أول لبن تغذى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجسا؟

وليتهم أعملوا عقولهم، وأعملوا القياس الذي يعملونه لتفريق صف الأم.. فقد رووا عن بعض سلفه قوله: (وفُضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([127])

كان في إمكانهم لو طبقوا هذا على أنفسهم.. لا بسؤال اليهود والنصاري.. فقد يكذبون.. وإنما بسؤال القرآن نفسه.. لا عن أصحاب موسى، فقد أخبر الله عما فعلوه به.. ولا عن أصحاب المسيح، فقد أخبر القرآن عن انحرافهم عنه.. وإنما يسألوا القرآن الكريم نفسه عن أم موسى وعيسى.. فإذا سألوه فسيجيبهم بأن أم موسى أوحى لها الله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7] وأما أم المسيح، فقد أوحى لها الله: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]

ليتهم يعملون القياس الذي تعودوا أن يعملوه في كل شيء، ليروا أنفسهم أسوأ من اليهود والنصارى في موقفهم من أم نبيهم.. مع العلم أن أم أي شخص في الدنيا أقرب إليه وأعز من كل أصحابه..

ونفس العداوة التي وجهها حديث أبي هريرة إلى أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهها لأشرف عم في الدنيا أبو طالب.. ذلك أن الفئة الباغية أعلنت الحرب عليه، لأسباب كثيرة أهمها أنه كان أكبر حصن حمى الإسلام وحمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجه آباء وأجداد الفئة الباغية التي كانت تريد أن تستأصل الإسلام من جذوره.

ولهذا لما أتيحت لها الفرصة راحت ترفع من شأن أبي سفيان، وتعتبره صحابيا جليلا يحرم الحديث عنه، أو الطعن فيه، وتجعل من هند امرأة جليلة، بل صحابية جليلة، لا يمرون على ذكرها، إلا ويترضوا عليها، بينما أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تلقى في سبيله كل أنواع الأذى رموه في جهنم، وجعلوه يعذب خالدا مخلدا فيها.

ومع أن أبا هريرة لم ير أبا طالب، لكنه روى عنه هذه الرواية التي لا شك في كونه تلقاها من أحدهم.. لكن من هو.. لسنا ندري.. ولا يهتم السلفية بأن يدروا لأن كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندهم ولو من بعيد.. ولو مرة واحدة.. عدل يؤخذ الدين عنه، حتى لو مارس كل أنواع الموبقات.

فقد روى أبو هريرة وغيره هذا الحديث الذي اتفق المحدثون على كون المقصود منه أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلى منهما دماغه يوم القيامة)([128])

رابعا ـ أحاديث أبي هريرة.. وعوالم الغيب

لم تكتف الروايات التي رواها أبو هريرة بتشويه الجوانب المرتبطة بالعقائد في الله وفي رسله عليهم الصلاة والسلام، بل تعدتها إلى سائر العقائد الإسلامية، وخاصة ما يرتبط منها بالجوانب الغيبية المحضة، كالإيمان بالملائكة، واليوم الآخر.

فقد أضافت أحاديث أبي هريرة إلى العقائد الجميلة الواضحة المرتبطة بها في القرآن الكريم عقائد كثيرة يختلط فيها المقدس بالمدنس، وتمتزج الحقيقة بالأسطورة، لتخرج لنا كيانا مشوها مليئا بالغرابة.

وسنذكر هنا نماذج عن تلك الروايات مما يتعلق بعالم الملائكة، وأحداث اليوم الآخر، ونقارن بينها وبين ما ورد في القرآن الكريم، لنرى مدى التشويه الذي حصل للعقائد الإسلامية بسبب أمثال تلك الروايات.

أبو هريرة.. والملائكة:

من الأحاديث التي رواها المحدثون عن أبي هريرة، والتي تتعلق بالعقائد المرتبطة بالملائكة عليهم السلام، ما رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (أتاني ملك برسالة من الله عز وجل، ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء، ورجله الأخرى ثابتة في الأرض لم يرفعها) ([129])

فهذا الحديث الذي أراد من خلاله أبو هريرة أن يصور عظمة خلقة الملائكة، حتى أنهم يسيرون في السموات، كما نسير نحن على درج السلم، يخالف ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1]

ومن رواياته حول الملائكة عليهم السلام، والمخالفة للقرآن الكريم، هذه الرواية المرتبطة بمعصية الملائكة لربهم، وعدم طاعتهم له، وهي قوله: (لما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم، بعث ملكا من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذى أرسلك أن لا تأخذ منى اليوم شيئا يكون للنار منه نصيب غدا فتركها، فلما رفع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتي بما أمرتك؟ قال: سألتنى بك فعظمت أن أرد شيئا سألنى بك فأرسل لها آخر فقال مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك فقال: إن الذي أرسلنى أحق بالطاعة منك، فأخذ من وجه الأرض كلها من طيبها وخبيثها، فجاء به إلى ربه، فصب عليه من ماء الجنة، فصار حما مسنونا، فخلق منه آدم)([130])

فهذا الحديث يخالف قوله تعالى في حق الملائكة عليهم السلام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

ومن الأحاديث التجسيمية الممتلئة بالغرابة التي أراد بها أبو هريرة أن يصور عظمة الملائكة، ما رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة، والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت، وأين تكون) ([131])

والسلفية يستدلون بهذا الحديث على إثباب المكان لله، كما يستدلون به على عظمة العرش، وعلى عظمة ما يحمله، كما شرحنا ذلك بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

ومن تلك الروايات المشوهة لخلقة الملائكة، ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، ورأسه مثنية تحت العرش، وهو يقول: (سبحانك ما أعظمك)، فيرد عليه: (ما علم ذلك من حلف بى كاذبا) ([132])، مع أن القرآن الكريم يذكر جمال خلق الملائكة، وأنهم من عالم آخر ممتلئ بالقداسة، كما قال تعالى على لسان النسوة، وأقرهم عليه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]

ومن تلك الروايات التي رواها أبو هريرة، وهي تصطدم مع ما ورد في القرآن الكريم من عظم خلق الملائكة، وقوتهم، وتصطدم مع رواياته نفسها التي رواها حولهم، ما رفعه إلى رسول الله من قوله في الحديث الذي سبق ذكره، والذي دافع السلفية عنه دفاع المستميت: (جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر) ([133])

فهذا الحديث لا يدنس النبوة فقط، بل يدنس ما ورد في القرآن الكريم من الحقائق حول الملائكة عليهم السلام، وقوتهم العجيبة، وكونهم من عالم مختلف تماما عن عالمنا، ولذلك لا يصيبهم ما يصيبنا، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: 5، 6]

وأخبر عن عدم حاجتهم للأكل والشرب وكل مقتضيات الطبيعة الجسمانية، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 69، 70]

أبو هريرة.. واليوم الآخر:

عند الاطلاع على الروايات التي رواها أبو هريرة حول اليوم الآخر، وما يرتبط به من أحداث، نرى الفوارق الكبيرة بين ما يعرضه القرآن الكريم من مشاهد تنسجم مع العقل والفطرة السليمة، ومع سنن الله في الكون والحياة، ومع كل شيء.. في نفس الوقت الذي نرى فيه روايات أبي هريرة تنافي ذلك كله، بل تصور أحداث اليوم الآخر بصورة أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع.

وسأقتصر هنا على مشاهد من حديث طويل يورده السلفية في كل محل، ويستدلون به، وإن كان بعضهم يضعفه، أو يتكلم في صحته.. ولكنا كما ذكرنا لا يهمنا تلك الحيل والخدع، لأن مجرد روايته في كتب التفسير والعقيدة ونشره بتلك الصورة، بل تخصيص كتب حوله كاف في نشر ما يرتبط به من عقائد وأفكار، وإن عقبوا على ذلك بأي تعقيب، فإنه لا معنى له.

وسنذكر الرواية التي رواها الطبري وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم، ونقلها عنهم ابن كثير في [النهاية في الفتن والملاحم]، مع كونه ـ كما يذكر ـ قد خصص كتابا كاملا حوله، وهو يذكره كثيرا في تفسيره، كما يذكره غيره من المحدثين.

وسنقتصر ـ بسبب طوله ـ على بعض المشاهد الواردة فيه ([134]):

فمن تلك المشاهد، ذلك المشهد الذي يصور فيه بصورة غريبة كيفية إماتة جميع الأحياء، بما فيهم الملائكة، وهي صورة تصطدم مع كل المعارف العقدية التنزيهية لله، لأنها تصور الله تعالى بصورة الجبابرة الطغاة الذين يقضون على كل منافسيهم ليبقوا وحدهم.

فقد ورد في الرواية التي تنتشر كثيرا، ويرددها الكثير من الخطباء غير عارفين لمدلولاتها، وآثارها العقدية الخطيرة: (ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق؟ فيصعق أهل السموات والأرض؟ إلا من شاء الله؟ فإذا هم خمدوا، جاء ملك الموت إلى الجبارة فيقول: يا رب: مات أهل السموات والأرض إلا من شئت، فيقول الله: وهو أعلم بمن بقي؟ فمن بقي؟ فيقول: يا رب: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا؟ فيقول الله: ليمت جبريل وميكائيل، فينطق الله العرش فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار عز وجل فيقول: يا رب: قد مات جبريل وميكائيل؟ وبقيت أنا وحملة العرش، فيقول الله: فليمت حملة عرشي فيموتون، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك فيقول: وهو أعلم بمن بقي، فمن بقي؟ فيقول يا رب: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد كان آخرا كما كان أولا، طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب ثم دحاها ثم لفها ثلاث مرات، وقال: أنا الجبار ثلاثا. ثم هتف بصوته: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لله الواحد القهار)

هذا هو المشهد الأول، وهو لا يحتاج مني أي تعليق، فهو يمثل الله تعالى بصورة تجسيمية ممتلئة بالدنس.. وكأن الله تعالى أمات كل شيء، ليردد بصوته ـ كما ـ يذكر الحديث: (لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لله الواحد القهار)

ومن المشاهد التفصيلية الواردة في الحديث، والتي تدل على ذلك الحس اليهودي المغرم بالتفاصيل هذا المشهد: (ويبدل الأرض غير الأرض والسموات، فيبسطها، ويسطحها، ويمدها مد الأديم العكاظي، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في مثل ما كانوا فيه في الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليكم من ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت، قال الله: ليحيي جبريل وميكائيل، فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا، والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله: (وعزتي وجلالي، ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها سراعا إلى ربكم تنسلون.. حفاة، عراة، غلفا غرلا)

وهذا المشهد المملوء بالتفاصيل يذكرنا بروايات كعب الأحبار التي تتحدث عن سفينة نوح عليه السلام، وطولها وعرضها، ومن ركب فيها من البشر والحيوانات ونحو ذلك.

ويذكرنا قبله بنهي الله تعالى عن البحث عن تفاصيل الأشياء التي لا يهم كثيرا معرفة تفاصيلها، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 22]

ومن المشاهد الواردة في الحديث، والتي تخالف التصوير القرآني لأحداث اليوم الآخر هذا المشهد: (ثم تقفون موقفا واحدا، مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماء وتعرقون حتى يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم، أو يبلغ الأذقان، فتضجون، وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا ليقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا، فيأتون آدم، فيطلبون إليه ذلك، فيأبى، فيقول: ما أنا صاحب ذلك، ثم يسعون للأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا أبى عليهم.قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حتى تأتوني، فأنطلق، حتى آتي الفحص، فأخر ساجدا. قال أبو هريرة: يا رسول الله: ما الفحص قال: موضع قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا، فيأخذ بعضدي، فيرفعني، فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم لبيك يا رب، فيقول ما شأنك؟ – وهو أعلم- فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك، فاقض بينهم، فيقول شفعتك، أنا آتيكم، فأقضي بينكم)

فهذا المشهد التجسيمي، والذي يجعل الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم يستوون في ذلك الموقف والتألم فيه لمدة سبعين سنة يتنافى مع ما ورد في النصوص المقدسة من اختلاف مواقف الناس في القيامة، كما قال تعالى، وهو يصور نفس ذلك المشهد: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)﴾ [الواقعة: 1 – 11]

فقد أخبرت الآيات الكريمة أن الناس يوم القيامة مختلفون اختلافا شديدا في ذلك الموقف، وأن من صفات القيامة أنها خافضة رافعة.. وذلك لا يستوي أبدا مع ما رواه أبو هريرة.

ويتنافى كذلك مع هذا المشهد القرآني الذي صور النفخ في الصور، وما يحصل بعده، فقد قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)﴾ [الزمر: 68 – 71]

وبعدها أخبر الله تعالى مباشرة عن القرار الذي يقر فيه كل شخص بحسب عمله، فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾ [الزمر: 71 – 74]

ومن المشاهد التجسيمية الواردة في الحديث، والتي يتعلق بها السلفية مع تنافيها التام مع ما ورد في القرآن الكريم من تنزيه الله، هذا المشهد الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يقول فيه: (فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذا سمعنا حسا من السماء شديدا، فينزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام والملائكة، ويحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجرهم والعرش على مناكبهم، لهم زجل من تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يهتف بصوته، فيقول: يا معشر الجن والإنس، إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي، فإنما هي أعمالكم، وصحفكم، تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)

فهذا المشهد يصور الله تعالى راكبا في الغمام، ثم يجلس على الكرسي، وعلى الأرض، ثم يخاطب عباده بحرف وصوت.. وهي جميعا مشاهد يغرم بها السلفية، لأنهم لا يستطيعون أن يؤمنوا بإله ليس كمثله شيء.

وفي مشهد تجسيمي آخر يصور الله تعالى بصورة قاض جالس على الكرسي، ويبدأ بخلقه واحدا واحدا على الترتيب، وكأنه لا يستطيع الحكم بينهم جميعا في نفس الوقت.

يقول أبو هريرة في هذا المشهد: (فيميز الله الناس، وينادي الأمم داعيا لكل أمة إلى كتابها، والأمم جاثية من الهول.. فيقضي الله بين خلقه إلا الثقلين، الإنس والجن، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقيد الجماء من ذات القرن، فإذا فرغ الله من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله لها: كوني ترابا، فعند ذلك ﴿يَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40])

وهذا مشهد غريب، ولا يتناسب مع عدالة الله.. فالله تعالى أعدل وأرحم وأكرم من أن يحول الحيوانات إلى تراب، لأنه بذلك ينزلها عن مرتبتها التي كانت عليها من غير ذنب ارتكبته.. والله أرحم من أن يفعل ذلك، كيف وهو رب العالمين.. فمن معاني الربوبية النماء والرفعة والبركة.. أي أنه سبحانه وتعالى ينقل الأشياء من حالة أسوأ إلى حالة أحسن.. إلا لمن رضي لنفسه أن ينحدر وينزل، وذلك لا يكون في الحيوانات التي لم يكلفها الله تعالى.

وفي مشهد تجسيمي آخر، يصور أبو هريرة مشهدا من مشاهد القضاء والحساب، فيقول: (ثم يقضي الله بين العباد، فيكون أول ما يقضى فيه الدماء، فيأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول الله تعالى وهو أعلم: فيم قتلته؟ فيقول: قتلته يا رب لتكون العزة لك، فيقول الله: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور السموات، ثم تسبقه الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من كان يقتل على غير ذلك ويأمر من قتل فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول الله وهو أعلم: فيم قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لي، فيقول الله: تعست، ثم ما تبقى نفس قتلها قاتل إلا قتل بها، ولا مظلمة إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه)

وهذا مشهد لا يشوه أحداث اليوم الآخر فقط، بل يشوه قيم الدين أيضا، لأنه يبرر تلك الجرائم التي كانت تمارس بأن المراد منها هو أن تكون العزة لله.. وكأن الله أمر بسفك الدماء لتعود العزة إليه..

والحديث بعد ذلك يصور أن أولئك المجرمين القتلة الذي توعدهم الله تعالى بالعذاب المخلد في الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]

يصور الحديث هؤلاء بصورة أصحاب الجرائم البسيطة الذين هم في (مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه)، وكأن تلك القوانين الإلهية الواردة في القرآن الكريم لغو ولا قيمة لها.

ومن هنا نشأت تلك المقولة الخطيرة التي تتناقض مع عدالة الله وحكمته في خلقه، وهي [جواز تعذيب المطيع ودخوله النار، وثواب العاصي ودخوله الجنة]، وكأن كل تلك القوانين التي وضعها الله في كتابه لمن يدخل الجنة والنار، والشروط المرتبطة بهما لغو لا قيمة لها.

ومن مشاهد القيامة التي وردت في حديث أبي هريرة هذا المشهد الغريب الممتلئ بالتجسيم: (ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم، فقال: ليلحق كل قوم بآلهتهم وماكانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له الهيئة بين يديه، فيجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى، فيتبع هذا اليهود، ويتبع هذا النصارى ثم قادتهم آلهتهم إلى النار.. فإذا لم يبق إلا المؤمنون، فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئة، فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم، وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إلا الله، ما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم- وهو الله- فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس، ذهب الناس، فالحقوا بآلهتكم، وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون به أنه ربهم، فيخرون سجدا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم)

وهذا يدلنا على مبلغ التجسيم الذي تسرب من اليهودية إلى الإسلام، بل تحول إلى أحاديث مرفوعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تتحدث عن الله كحديثها عن أي ملك من الملوك، أو كائن من الكائنات.

ومن مشاهد القيامة في الحديث هذا المشهد التجسيمي الذي يصور الله، وكأنه ساكن من سكان الجنة: (فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا، فيأذن الله لي من حمده ومجده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول لي الله: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع، وسل تعط، فإذا رفعت رأسي قال الله، وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة، يدخلون الجنة، فيقول الله عز وجل: قد شفعتك، وأذنت لهم في دخول الجنة)

ثم أخذ أبو هريرة يصف الجنة بمثل تلك الأوصاف التي نسمعها من الخطباء السلفيين، والتي تخالف المنهج القرآني في وصف الجنة ونعيمها، فقد ورد فيه قوله: (فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة كما ينشئهن الله، واثنتين آدميتين، لهما فضل على من شاء الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة، على سريرمن ذهب مكلل باللؤلؤ، له سبعون درجة من سندس واستبرق، ويضع يده بين كتفيها، ثم ينظر من صدرها ما وراء ثيابها من جلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى لحم ساقها، كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوتة، كبده لها مرآة وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها، لا يملها ولا تمله إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل، ولا تمل، إلا أن لك أزواجا غيرها، فيخرج، فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك)

ثم يذكر مشهدا إرجائيا خطيرا يحول من كل تلك التشديدات القرآنية لغوا لا قيمة لها، فقد جاء فيه قوله ـ رافعا له إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (ثم يأذن الله لي في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة الدينار إيمانا، فيخرج أولئك، حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع الله فيقول أخرجوا من وجدتم في قلبه إيمانا ثلثي دينار، ثم يقول: وثلث دينار، ثم يقول: قيراطا، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط، وحتى لا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس ليتطاول لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول الله: بقيت أنا، وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حب فيبثهم الله على نهر يقال له نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، مما يلي الشمس أخضر، ومما يلي الظل منها أصفر، فينبتون حتى يكونوا أمثال الدر، مكتوبا في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن عز وجل يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب، ما عملوا الله خيرا قط، فيبقون في الجنة)

هذه مشاهد من حديث أبي هريرة حول أحداث القيامة، ومن أحاديثه الأخرى الغريبة والتي تميل إلى التفصيل هذا الحديث الذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة جردا، مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طول ستين ذراعا في عرض سبعة أذرع)

وهذا الحديث يتناقض مع ما دلت عليه الحفريات القديمة، لأنه إذا (كان طول الإنسان ستين ذراعا يلزم أن يكون طول الجمجمة أكثر من ذراعين، ولكن جماجم الإنسان البدائي في القرون الأولى التي تم كشفها والعثور عليها في علم الحفريات لم تكن بينها وبين جمجمة الإنسان في العصر الحالي اختلاف كثير وتفاوت كبير، وحتى أنه لم يعثروا إلى هذا التاريخ على أية جمجمة تكون على حجم ذراعين، ولم يحصلوا على أي أثر يدل على وجود إنسان ذي الستين ذراع)([135])

ويتناقض أيضا مع الخلقة السوية للإنسان، لأنه (إذا كان طول الإنسان ستين ذراعا، ولكي تتناسب أعضاؤه يجب أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعا وسبع الذراع، لا سبعة أذرع. لأن العرض إذا كان سبعة أذرع يجب أن يكون طوله أربعة وعشرين ذراعا ونصف الذراع، لأن عرض الإنسان الطبيعي مع استواء خلقته بمقدار سبعي طوله.. وبناءا على هذا، فإذا أخذنا الحسابات الأبو هريرية بنظر الاعتبار يمكننا أن نتصور أن آدم عليه السلام كان قبيح الهيكل وكريه المنظر أو أنه لم يكن مخلوقا مستوي الخلقة، وهذا الاحتمال الأخير نقيض للنص القرآني المنزل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4])([136])

ومن الأحاديث التي رواها أبو هريرة في وصف الجنة، والتي كثيرا ما نسمع الخطباء يرددونها، مع أنها تشوه الجنة وتصورها على خلاف الصورة القرآنية، هذا الحديث: (قصر في الجنة من لؤلؤة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطي الله عز وجل المؤمن من القوة ما يأتي عليهن في غداة واحدة)([137])

وهذا الحديث وأمثاله والذي يربط الجنة فقط بالعوالم البهيمية هو الذي يستعمله أولئك المجرمون للتحريض على الإرهاب والعنف، والقيام بالعمليات الانتحارية الإجرامية، لتلاقيهم ـ حسب أوهامهم ـ هذه الهدايا الإلهية التي صورها لهم حديث أبي هريرة.

خامسا ـ أحاديث أبي هريرة.. والملاحم والفتن

من الأحاديث التي تحدث بها أبو هريرة، ورفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تحتاج إلى المزيد من التحقيق والنظر أحاديثه المتعلقة بالفتن والملاحم وما سيحصل آخر الزمان.

ذلك أن هذا النوع من الأحاديث يرتبط بجانب النبوة في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحصول أي خطأ في تلك النبوءات يمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدرجة الأولى، ويذهب بمصداقيته، ولذلك كان التحري والتحقيق، أو على الأقل وضع أحاديثه في هذا الجانب موضع شك، أصلا من الأصول المهمة التي تحمى بها النبوة من شبهات المشككين.

وسنضرب أمثلة على أحاديثه المرتبطة بهذا الجانب في هذا المبحث، لنرى مدى مصداقيتها.

أبو هريرة.. وأحاديث فتح القسطنطينية:

من الأحاديث التي حدث بها أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تخبر عما سيحصل في المستقبل ما يمكن تسميته أحاديث فتح القسطنطينية.

ومن تلك الأحاديث ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشأم خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) ([138])

فهذا الحديث الغريب يربط فتح القسطنطينية بالدجال، بل يجعله علامة من علامات الساعة الكبرى من خروج الدجال، ونزول المسيح.. وذلك مما لم يحصل في الواقع التاريخي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديث يبرر كل تلك السلوكات العدوانية التي مورست باسم الفتح مع أن الهدف هو الغنائم، فقد ورد في الحديث (فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون)، ولست أدري كيف يتناسب اسم الفتح مع اقتسام الغنائم، وهل الذي يقوم بإنقاذ الناس يستل ما في جيوبهم.

ومن الأحاديث المتعلقة بهذا ما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (سمعتم بمدينة، جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها – قال ثور بن يزيد: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر – ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون([139]).

وهذا الحديث الذي رواه مسلم أيضا يتناقض مع الحديث السابق، وقد استفاد منه المحدثون أن الروم أو الأتراك من بني إسحاق، مع أن ذلك لا يدل عليه أي شيء.

ومن عجائب الحديث أن هؤلاء يفتحون هذه المدينة ذات الجيش القوي بدون سلاح، بل بأذكار يرددونها فقط.

والحديث لا ينسى كسابقه اقتسام المغانم باعتبارها هدفا من الأهداف الكبرى..

والحديث يربط مثل سابقه فتح القسطنطينية بظهور الدجال.. ولست أدري هل ما حصل قبل قرون من فتح القسطنطينية وتحولها إلى عاصمة للخلافة الإسلامية، وامتلائها بالمساجد ليس فتحا، فإن كان كذلك فليس هناك أي أرض مفتوحة للمسلمين.

وقد حاول السلفي الكبير أحمد شاكر أن يتلاعب بمعنى الفتح في هذا الحديث، فقال: (فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله عز وجل، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([140])

وحديثه هذا يتناقض مع ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله)([141])

فقد ذكر فتحا واحدا لجزيرة العرب ولفارس وللقسطنطينية.. لكنهم في سبيل تصحيح أحاديث أبي هريرة، وعدم القبول بنقدها يخترعون العجائب.

أبو هريرة.. وأحداث آخر الزمان الغريبة:

من الأحاديث التي رواها أبو هريرة، والتي يميل فيها إلى الإغراب الذي يملأ مستمعيه دهشة ما حدث به عن المستقبل.. ولسنا ندري ما مدى صحة ذلك.. ولكنا متأكدون أن الذي برزت منه كل تلك الأغلوطات لا يمكن الثقة بما يقوله.

والكثير منها للأسف يردده الخطباء، ويحفظه الناس، وكأنه حقائق مطلقة.. مع أن الذي ذكر ذلك لا يمكن اعتباره من مصادر الحقائق المطلقة.

ومن تلك الأحاديث ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه) ([142])

ومثل هذا حصل في كل الأزمنة، ففيها جميعا كان هناك من يتمنى الموت، بسبب الآلام التي تصيبه في الحياة، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه نهى عن ذلك، كما ورد في الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)، وقد عقب أنس على هذا الحديث بقوله: (لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت، لتمنيته)([143])

ومن تلك الأحاديث الغريبة التي حدث بها أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ندري معناها، ولا نثق فيه ثقة مطلقة، قوله: (لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرا لا تكن منه بيوت المدر، ولا تكن منه إلا بيوت الشعر) ([144])

ومنها حكايته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا.. وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة، لا يخاف إلا ضلال الطريق) ([145])

ومنها حكايته عن رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وليأتين على أحدكم زمان لأن يرانى أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله) ([146])

ومنها حكايته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودى يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله) ([147])

ومنها حكايته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر (أحمد، والبخارى عن أبى هريرة) ([148])

ومنها إخباره عن طلوع الشمس من مغربها، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾[الأنعام: 158])([149])

ومثل هذا الحدث الكوني العظيم يقتضي أدلة أقوى، وأسانيد أكثر، ولا يجدي فيه أمثال أبي هريرة.. بالإضافة إلى أن الحديث مما يستدل به السلفية على أن الشمس تدور حول الأرض.

ومن أحاديثه المرتبطة بهذا الباب، والتي أثارت جدلا كبيرا بين الشراح حكايته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا أنجو) ([150])

و في رواية (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) ([151])

وفي رواية (لا تذهب الدنيا حتى ينجلي فراتكم عن جزيرة من ذهب، فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون) ([152])

وقد اختلف شراح الحديث كثيرا في بيان الزمن الذي يحسر فيه الفرات عن جبل الذهب، وأكثرهم خصه بزمن نزول المسيح عليه السلام، وفي الزمن الذي يكثر فيه المال، كما ذكر أبو هريرة.

وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن معنى حسر الفرات عن الذهب، المراد به البترول.

وقد رد السلفية على هذا الوجه ردودا كثيرة.

منها أن النص جاء فيه جبل من ذهب نصا لا يحتمل التأويل، والبترول ليس بذهب على الحقيقة فإن الذهب هو المعدن المعروف.

ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب، فيراه الناس، والنفط أو البترول يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.

ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن كثيرة متعددة.

ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز، ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئا([153]).

وإلى الآن لا زالوا يبحثون في معناه.. ولو أنهم كانوا صادقين مع أنفسهم، ومع ما أعطاهم الله من أموال، لاشتروا بعض الأجهزة، أو لاستعاروها، ليتأكدوا من ذلك، لعلهم يحمون البشر من المجازر التي قد تحصل في نهر الفرات بسبب ذهبه.

سادسا ـ أحاديث أبي هريرة.. وقيم الجاهلية

لا تكتفي أحاديث أبي هريرة بتلك الجوانب العقدية المحضة، والتي ساهمت في تحريف العقائد الإسلامية، وتقريبها من الأسطورة والخرافة، بل ضمت إليها الكثير من القيم الجاهلية التي كان لها إفرازاتها الخطيرة على نظرة المسلمين لقوانين الحياة، وسنن الله في الأكوان والمجتمعات.. كما كان لها إفرازاتها الخطيرة على السلوك الإسلامي.

ومن بين أهم تلك القيم التي أشاعتها أحاديثه هذه القيم التي سنتعرض لها في هذا المبحث على ضوء رواياته:

أبو هريرة.. وموازين الجزاء:

عندما نقارن بين ما ورد في القرآن الكريم، وبين الكثير من أحاديث أبي هريرة المرتبطة بالجزاء الأخروي، نجد فوارق كبيرة، لها آثارها الكبيرة على تصور حقيقة الدين، وحقيقة عدالة الله تعالى.. بالإضافة إلى آثارها السلوكية بعد ذلك.

فالقرآن الكريم يخبرنا في آيات كثيرة جدا أن هناك موازين في الآخرة توزن فيها الأعمال دقيقها وجليلها، بل يوزن فيها أصحاب الأعمال أنفسهم، وأنه لا تتم رحمة عبد ولا نجاته من النار، ولا دخوله الجنة إلا بعد التحقق من وزن كل ذلك.. وإتاحة الفرصة له للمناقشة والمناضلة عن نفسه.. وبعدها يتم الجزاء.

كما قال تعالى في الآية المحكمة التي تفسر على ضوئها جميع آي القرآن:﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء:47)

وقال عند ذكر دقة الموازين الإلهية:﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (الزلزلة)

وهذه الموازين ـ كما ورد في القرآن الكريم ـ تعتمد على الأعمال التي أحصاها الله تعالى على عباده، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة، كما قال تعالى في موعظة لقمان u لابنه:﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:16)

وقد أخبر تعالى عن مقالة المكلفين حين يبصرون دقة موازين الله، فقال:﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (الكهف:49)

ولذلك فإن الإنسان يرى في القيامة كل ما كسبت يداه ابتداء من مثاقيل الذر، وهذا من العدل الذي يجعل المتهم مبصرا لجرائمه وذنوبه التي يحاكم على أساسها، قال تعالى:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7 ـ 8)

وقد أخبر تعالى أن ثقل هذه الموازين بالأعمال الطيبة هو الكفيل بالنجاة، قال تعالى:﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لأعراف:8)، وقال تعالى:﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المؤمنون:102)

وبخلافه من خفت موازينه، قال تعالى:﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (لأعراف:9)، وقال تعالى:﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:103)

ومن مظاهر العدل الإلهي التي لا يمكن وصفها أن الله تعالى لا يزن الأعمال فقط، كما نفعل في الدنيا حين نكتفي بتقييم الأعمال دون نظر إلى ما يحيط بها من ملابسات، فنقع بذلك في أخطاء كثيرة وجور عظيم، لكنه ـ بعدله ـ يزن العمل، وكل ما يرتبط بالعمل من قريب أو من بعيد، ولهذ ورد التعبير عن الميزان في القرآن الكريم بلفظ الجمع.

وبخلاف هذا نجد أحاديث أبي هريرة تتناقض تماما مع هذه الموازين، فهي إما تميل إلى الرحمة المحضة التي لا تضر معها أي سيئة متعدية كانت أوغير متعدية، وإما إلى الشدة المحضة.

وسنعرض نماذج هنا عن كلتا الناحيتين المتناقضتين:

وأولها حديثه الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يقول فيه: (دخلت امرأة النار في هرة: ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)

وهو من الأحاديث التي صححتها عائشة لأبي هريرة، واعترضت على طريقة إيراده لها، فقد حدث علقمة، قال: كنا عند عائشة فدخل عليها أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة، أنت الذي تحدّث: (إن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها»، فقال أبو هريرة: سمعته منه، يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت عائشة: أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا. قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانظر كيف تحدِّث)([154])

وهذا الحديث يرينا الفرق بين من يستخدم القرآن الكريم في فهم الحديث، وبين من يكتفي بالرواية المجردة، حتى لو ضرب بها كل القيم القرآنية والعقلية وغيرها.

وفي مقابل هذا نجده يروي رواية أخرى، تحض على بعض أعمال الخير، ولكنها في نفس الوقت تشجع على كثير من أعمال الشر.

والحديث هو ما رواه البخاري ومسلم عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته، فغفر لها به)([155])

فهذا الحديث يتناقض مع كل تلك النصوص التي ترتبط بموازين العدالة الإلهية.. فهذه المرأة، وإن أحسنت بسلوكها مع الكلب، لكنها أساءت بكونها مومسا.. وهي جريمة متعدية، وليست قاصرة.. ولذلك فإن عدالة الله تعالى تقتضي أن توقفها في موقف الحساب، لتزن حسناتها وسيئاتها جميعا.

بالإضافة إلى أن النصوص الكثيرة تدل على وجوب التوبة من الكبائر، مع الشروط الكثيرة المرتبطة بها.. وهذا الحديث يرفع عن هذه المرأة إصر ذلك كله.. فبمجرد سقيها للكلب تخلصت من كل ذنوبها حتى المتعدية منها.

وهذا الحديث للأسف ينتشر بكثرة.. بل يستدل به الكثير من الفساق على فسقهم.. وأن أمر الآخرة بسيط.. متجاهلين كل تلك النصوص القرآنية التي تبين خطورة الأمر.. وأن كل شيء سيوضع في الموازين، كما قال تعالى:﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر:18)، وقال تعالى:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ (النساء:123)، وقال تعالى:﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة:48)، وغيرها من آيات القرآن الكريم.

ومثله أو قريب منه ما رفعه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أسرف رجلٌ على نفسه، فلما حضره الموتُ أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت، فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذرُوني في الريح في البحر، فوالله لئن قدَر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه به أحدًا، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدِّي ما أخذتِ، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملكَ على ما صنعتَ؟ فقال: خشيتُك يا رب – أو قال: مخافتك – فغفر له بذلك)([156])

وهذا الحديث أكثر من الذي سبقه مناقضة لموازين العدالة الإلهية، فالرجل كما ورد في الحديث أسرف على نفسه، أي أذنب الذنوب الكثيرة، ثم عندما مات كان يعتقد في عجز الله.. فمشكلته ليست فقط في السلوك، وإنما في الاعتقاد أيضا.

ومع ذلك كله عطل الحديث كل موازين العدالة الإلهية، وأخبر أنه غفر له من غير أن يحاسب على كل ذنوبه المتعدية والقاصرة.. بل من غير حاجة لأي شفعاء يشفعون له.

وهذا الحديث من أحاديث الإرجاء الكثيرة التي صورت بساطة الأمر في الآخرة، وأنه يكفي مجرد الخشية أو الإيمان من غير سلوك.. وهو ما أشاعته الفئة الباغية، ومن تبعها، ولهذا يستدلون بخواتم أولئك الذين ملأوا الأرض خرابا، وسفكوا الدماء، ليصوروا أن نهايتهم كانت طيبة، وأنه غفر لهم.

وفي مقابل ذلك نجد أبا هريرة نفسه يصور أن الله تعالى أدخل النار ناسا مارسوا الكثير من الأعمال الصالحة، مع عدم الإخلاص فيها من غير أن يزن أعمالهم.. ومن غير أن يعاملهم بمثل ما عامل به المسرف على نفسه، وكأن المسرف على نفسه كان مخلصا في إسرافه.

والحديث هو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة، وأتى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، قال: فأول من يدعى رجل جمع القرآن، ورجل قاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى، ورجل كثير المال، فيقول الله عز وجل للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمتك؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله عز وجل له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال، فيقال له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد، قال: بلى يا رب قال: فما عملت فيما آتيتك قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقال: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويؤتى بالرجل الذي قتل في سبيل الله، فيقال له: فيما قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قتلت، فيقول الله عز وجل له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ركبتي، فقال: (يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)([157])

وهذا الحديث من الأحاديث التي استخدمتها الفئة الباغية لمحاربة السابقين الصادقين من المؤمنين لتصور أنهم أول من تسعر بهم النار بدعوى أنهم لم يكونوا مخلصين في أعمالهم.

وهو لا يتناسب مع تلك النصوص الكثيرة التي رواها أبو هريرة نفسه، والتي جعلت رحمة الله تتسع لكل شيء.. ولكنها تضيق بمن مارس كل الأعمال الصالحة مع تقصيره في الإخلاص فيها.

ومن تلك الأحاديث ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (حضر ملك الموت عليه السلام رجلا يموت فلم يجد فيه خيرا، وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئا، ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله، فغفر الله له بكلمة الإخلاص)([158])

ومثله نجد هذا الحديث الذي يحطم كل السنن والقوانين الضابطة لمغفرة الله وتوبته على عباده، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: (إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب أذنبت فاغفره فقال ربه أَعَلِمَ عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدى ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا فقال رب أذنبت ذنبا آخر فاغفر لى قال أَعَلِمَ عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء)([159])

وهو حديث إرجائي خطير، ذلك أنه يرفع القلم عمن استغفر الله مرتين.. ولا يصح أن يقال بأن ذلك خاص بالرجل، فموازين العدالة الإلهية تطبق على الجميع، وعلى حد سواء.

وهي مخالفة للواقع وللقرآن الكريم.. فما أكثر من يذنبون مئات المرات، ثم يستغفرون كل مرة، وقد يموتون بعدها، وهم مسرفون على أنفسهم.. فهل نطبق على هؤلاء حديث أبي هريرة في أنهم غفر لهم كل شيء؟

وهكذا ينص القرآن الكريم على الشروط الكثيرة لقبول التوبة والتي هونت منها أمثال هذه الروايات، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]، ويقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: 67]

وهذه الآية وحدها كافية لبيان الفرق الكبير بين سنن الله في المغفرة والتوبة كما يعرضها القرآن الكريم، وكما تعرضها أحاديث أبي هريرة.

أبو هريرة.. وسنن التواكل:

من القيم الخطيرة التي دخلت البيئة الإسلامية بأسماء مختلفة، وكان لبعض أحاديث أبي هريرة دورها فيها ما يمكن تسميته بالتواكل.. وهو مفهوم خاطئ للتوكل، يستدعي ترك العمل، وانتظار المدد الغيبي.

وقد رأينا في الفصل السابق بعض ما يسند هذا النوع من التواكل من حياة أبي هريرة، وفي الفترة التي صحب فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان يظل في المسجد، وينتظر معونات الناس.

وهو تشويه ليس لشخصه فقط، بسبب تركه العمل والاكتفاء بالسؤال، وإنما لشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بتصويره طول وقته في المسجد، ينتظر هو الآخر معونات الناس.

وهذا غير صحيح، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي تلك الفترة الحرجة التي حضر فيها أبو هريرة إلى المدينة كان مشغولا بدعوة كل الدول المحيطة به إلى الإسلام، وكان يرتب كل ما يلزم لفتح مكة المكرمة.. ثم حصل الفتح.. ثم جاءت بعدها غزوة حنين وتبورك.. ثم كان الحج الأكبر.. وكلها كانت تستدعي سيرا لمسافات طويلة جدا.. ولست أدري كيف أغفل أبو هريرة كل ذلك حين زعم أنه كان ملازما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجل بطنه، وأن ذلك كان في صفة المسجد.

وإليكم بعض تلك الأحاديث التي يقبلها السلفية، ويعتبرونها من مناقب أبي هريرة، ولا يعرفون الخفايا التي تحملها، لأنهم يكتفون بالرواية من دون إعمال عقولهم بالدراية.

فمن تلك الروايات قوله: أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة، فجعلت سقط. فجعل الصبيان يقولون: جن أبو هريرة. قال: فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين، حتى انتهينا إلى الصفة. فوافقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بقصعتين من ثريد. فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قام القوم وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة. فجمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصارت لقمة، فوضعه على أصابعه فقال لي: (كل، بسم الله)، فوالذي نفسي بيده، ما زلت آكل منها حتى شبعت([160]).

ومنها قوله: (كنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني)([161])

ومنها قوله: (إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واني كنت ألزمه بشبع بطني حتى لا أكل الخمير ولا ألبس ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وكنت استقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته..) ([162])

ومنها قوله ـ يصف حادثة من الحوادث ـ: (والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، فعرف ما في وجهي وما في نفسي، فقال: (أبا هريرة) قلت له: لبيك يا رسول الله، فقال: (الحق)، واستأذنت فأذن لي؛ فوجدت لبنا في قدح. قال: (من أين لكم هذا اللبن؟) فقالوا: أهداه لنا فلان – أو آل فلان -. قال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (إنطلق إلى أهل الصفة فأدعهم لي). قال: – وأهل الصفة أضياف الإسلام، لم يأووا إلى أهل ولا مال، إذا جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدية أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها -. قال: وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى به بقية يومي وليلتي. وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم؛ وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد. فانطلقت فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت. ثم قال: (أبا هر، خذ فأعطهم) فأخذت القدح فجعلت أعطيهم، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح، حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ القدح فوضعه في يده بقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال: (أبا هر) قلت: لبيك رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت). فقلت؛ صدقت يا رسول الله، قال: (فاقعد فاشرب) قال: فقعدت فشربت، ثم قال لي: (شرب)، فشربت؛ فما زال يقول لي: (إشرب)، فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له في مسلكا قال: (ناولني القدح)، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة([163]).

وغيرها من الأحاديث التي تصطدم ـ كما ذكرنا سبقا ـ مع الكثير من النصوص المقدسة التي تحث على العمل، وخاصة فيمن كان حاله كحال أبي هريرة في شبابه، وقوته، وقدرته على العمل.

وقد روى هو نفسه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبلا، فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكفّ اللّه بها وجهه خير من أن يسأل النّاس أعطي أم منع)([164])

بل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبايعونه على عدم السؤال، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله، وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله، قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه([165]).

ومن أحاديث أبي هريرة التي نشم منها رائحة الدعوة إلى التواكل تلك القصة الغريبة التي حدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي قال فيها: (كر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فاتخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وأتى بألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي جئت به، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدا)([166])

وأول ما يتنافى معه هذا الحديث ما ورد في النصوص المقدسة من الاهتمام بالإشهاد، والدعوة إليه، وتوفير كل الضمانات التي ترتبط بحقوق الناس، بل إن أطول في القرآن الكريم [آية الدين] تدعو إلى هذا، وتدعو إلى الكتابة والإشهاد، وبالصيغ المختلفة.

بينما هذا الحديث يتناقض معها في هذا، بل يدعو إلى الاكتفاء بشهادة الله وكفالته، وكأن الذي يشهد الناس لا يعلم بشهادة الله أو كفالته، أو لا يؤمن بذلك.. وهذا معنى مناقض للمراد القرآني.. بل هو مناقض أيضا للفطرة البشرية التي أبدعت الشهادة والكفالة ونحوهما لضمان الحفاظ على الحقوق.

وهو أيضا يتنافى مع ذلك السلوك الساذج الذي مارسه من حاول أبو هريرة أن يصوره بصورة الأمين، وهو رمي المال في البحر.. وهو سلوك محرم، وغير مجد.. فالمؤمن مطالب بأن يعمل في واقع الحياة وفق سنن الله، لا وفق هواه، ولا وفق الخوارق التي قد يفتح الله بها، وقد لا يفتح.

ولذلك كان الأجدى بذلك الأمين أن يستودعه عند من يرجو أن يسلمها لصاحبها إن عاد.. أو كان الأجدى به أن ينتظر عودته، وقد ورد في الحديث أنه عاد، أو أن يتصدق بها عنه في حال عدم عودته.

وهكذا فتحت هذه القصة الغريبة الباب واسعا نحو أمثال هذه السلوكات التي تدعو إلى التعامل مع الواقع الذي كلفنا التعامل معه وفق سنن الله، معاملة أخرى خارجة عن تلك السنن.

أبو هريرة.. ومكانة المرأة:

من أخطر القيم التي تعرضت لها أحاديث أبو هريرة، وكان لها دورها الكبير في تحريف الدين وتشويهه وتشويه العدالة الإلهية، أحاديثه المرتبطة بالمرأة، والمخالفة تماما لما ورد في القرآن الكريم عنها.

فهو في أحاديثه يشوه أولئك النسوة الذين ذكروا في القرآن الكريم كنماذج للعقل أو الدين ليصورهم بغير الصورة التي صورها بهم الله تعالى.

ففي الحديث الذي يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن ملكة سبأ التي ورد الثناء على عقلها وحكمتها في القرآن الكريم: (كان أحد أبويها جنبا، يعني ملكة سبأ)([167])

وهذا الحديث وأمثاله هو الذي تعلق به ابن تيمية والسلفية في إمكانية حصول الزواج بين الإنس والجن، مع أن القرآن الكريم يذكر أن كلا العالمين مختلفين تماما عن بعضهما، وأنه لا يمكن التواصل بينهما في هذا الجانب.. وأن كل علاقة الجن بالإنس محصورة في الوسوسة.

ومن تلك الأحاديث تشويهه لمريم عليها السلام عن طريق هذا الحديث الذي لا معنى له، والذي يقول فيه: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجراد فقال: (إن مريم سألت ربها تبارك وتعالى أن يطعمها لحما ليس فيه دم فأطعمها الجراد)([168])

وهذا تشويه لشخصية مريم عليها السلام التي قضت حياتها في عبادة الله، وفي أرقى درجات الرقي الروحي، وهو كذلك تشويه للكرام الإلهي الذي نص عليه قوله تعالى في حق مريم عليها السلام: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]

فهل يمكن أن يكون هذا الرزق العجيب الذي رآه زكريا عليه السلام، وانبهر له، جرادا؟

ومن تلك الأحاديث التي تعرضت للنماذج الطاهرة التي ذكرها القرآن الكريم حديثه عن حواء أم البشر جميعا، والتي وصفها بالخيانة، وأن كل خيانة تقوم بها امرأة في الدنيا لزوجها نتيجة لخيانتها.

ونص الحديث كما حدث به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لولا بنو إسرائيل، لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر)([169])

وقد كان هذا الحديث بشقيه مثار سخرية كبيرة من لدن الكثير من الحداثيين وغيرهم، بل حتى المواقع المسيحية واللادينية جعلت منه مادة دسمة للتهكم من الإسلام والسخرية منه، وسنرى نماذج عن مواقفهم من شقه الأول في المبحث الأخير من هذا الكتاب.

أما شقه الثاني المرتبط بالمرأة، بل بحواء خصوصا، وخيانتها، وكون خيانتها سببا لخيانة النساء، فهو أعظم إساءة للمرأة ولحواء التي برأها القرآن الكريم من أن تكون سببا فيما حصل من الأكل من الشجرة، فالله تعالى قال في ذلك: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 120، 121]

فقد أخبرت الآيتان الكريمتان على أن الوسوسة تمت لآدم، وأنه هو الذي عصى بالأكل من الشجرة، وأن حواء شاركته في ذلك.. ولم يذكر القرآن الكريم أي دور لحواء في إغراء آدم للأكل من الشجرة على خلاف ما نص عليه الكتاب المقدس، والذي تتلمذ عليه أبو هريرة أكثر من تلمذته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي الإصحاح الثالث (1-7) من سفر التكوين: (وكانت الحية أحيَلَ جميع حيوانات البرية. فقالت للمرأة أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة… فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل… فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رَجُلَها… فقال آدم للرب: المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت… ثم ذكر أن اسمها حواء)

ومن الذين وقفوا بشدة في وجه ذلك الحديث والتحريفات التي يحملها الشيخ محمد الغزالي في كتابه [السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث]، والذي قال فيه: (ما خانت حواء آدم، ولا أغرته بالأكل من الشجرة، هذا من أكاذيب التوراة! والقرآن صريح وحاكم في أن آدم هو الذي عصى ربه! ولكنكم دون مستوى القرآن الكريم، وتنقلون من المرويات ما يقف عقبة أمام سير الدعوة الإسلامية)

ومنهم الشيخ محمد سعيد حوى في مقالة له في جريدة الرأي الأردنية، تناول فيها هذا الحديث كنموذج للأحاديث الواردة في الصحيحين، التي تعارض القرآن؛ ومما جاء في بحثه قوله حول هذا الحديث: (إن التوراة المحرفة هي التي تقرر أن سبب وقوع آدم في المعصية، حواء. ولقد جاء النص هنا موافقاً للتوراة مع ما يتضمن النص المنسوب لرسول الله من: أ. تحميل حواء المسؤولية. ب. إنها هي سبب الغواية. ت. توريث الخطيئة لذريتها. وكل هذا مخالف للقرآن وموافق للتوراة؛ فالقرآن نجده إما يحمّل آدم المسؤولية ابتداء، أو يحملهما معاً، ونجد القرآن يبين أن سبب الغواية هو إبليس، وأن الوسوسة توجهت إلى آدم وزوجه سواء بسواء، كما يبين القرآن أن التوبة حدثت وتمت وانتهى الأمر..)

ثم عقب على ذلك بقوله متسائلا: (إن كل حقائق القرآن تأبى أن تحمل حواء مسؤولية الغواية أو الخيانة، أو إنها هي سبب الغواية، أو أن ذلك موَّرث لبناتها. ولنا أن نتساءل: لماذا لم يورث آدم الخيانة إلى أبنائه الذكور؟ ولماذا الإناث دون الذكور؟ تلك فكرة التوراة)

وقال آخر: (فهذا الحديث يثبت أن الخيانة في النساء هي شيء طبيعي، وذلك موروث غريزي من خلال الأم الأولى حواء. والمفروض حسب الحديث أن لا تلام أية أنثى على فعل الخيانة، لأن ذلك هو من طبعها الذي جبلت عليه! والسؤال المطروح ما هي خيانة حواء؟ والجواب التقليدي هو أنها زيّنت لآدم وشجعته على الأكل من الشجرة التي نهى الله عن الأكل منها. فعلى افتراض صحة القصة أين فعل الخيانة في الموضوع؟ إذا تمّ الأكل من الشجرة لكليهما. وآدم عندما استجاب لها فذلك لهوى في نفسه، وقد انقاد للفعل بإرادته دون إجبار أو إكراه، فهو المسؤول الأول والأخير ولا علاقة لها بذلك أبداً)([170])

وقال آخر([171]): (وبراهين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث تتبين في.. أولاً: إن حواء لم تكن خائنة لزوجها في يوم من الأيام، وإنما هي شريكة له في الطاعة الدائمة، وفي المعصية الوحيدة التي اقترفاها في الجنة. ولم تكن مسيطرة على آدم فحرضته على الأكل من الشجرة كما يقال، وإنما يعتبر آدم مسؤولاً قبلها وصاحب المسؤولية الأولى لقوله تعالى:(فعصى آدم ربه فغوى) ولم يقل فعصت حواء ربها فغوت. وإن كان هذا لا يعفيها لأنها شريكة فقط وليست خائنة كما يقول هذا الحديث، الذي لا يمكن أن يصدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحال من الأحوال. وإنما كان آدم من اللحظة الأولى هو القوّام عليها كما هي سنة الله.. ثانياً: إن خيانة الزوجات لأزواجهن لم تكن من نوعٍ فعلته حواء مع آدم طوال حياتها. وإنما تكون الخيانة الزوجية في العقيدة أو العِرْض أو المال. وأهمها خيانة العقيدة كما وصف الله امرأة نوح وامرأة لوط في سورة التحريم. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بتلك الحقيقة عن حواء أم المؤمنين والمؤمنات من الآدميين.. ثالثاً: عجيب أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه وصف حواء بصفة الخائنة الأولى، الرائدة في خيانتها لكل الخائنات، وكأنما أعطاها صفة أحط وأدنى من صفة امرأة نوح وامرأة لوط، بل كأنه حمّلها وزر القيادة والأسوة السيئة لهاتين الخائنتين، وكل الخائنات من النساء، مع أن الله -تبارك وتعالى- لم يذكرها في كتابه مع الخائنات؛ لأنها لم ترتكب خيانة تذكر، ولهذا الاعتبار، فإن للعقلاء الحق أن يسألوا، ومن أين جاءته صلى الله عليه وآله وسلم تلك الحقيقة ما دامت لم تأته في القرآن الكريم؟ والحق أنها لم تأته ولم يقلها لأنه صاحب أعف لسان، وإنما هي الإسرائيليات أعداؤه وأعداء دينه، وعلينا أن نرفضها)

ومن الأحاديث التي أساء بها أبو هريرة للمرأة ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)([172])

وفي رواية: (لا تستقيم لك المرأة على خليقة واحدة، وإنما هي كالضلع، إن تقمها تكسرها، وإن تتركها تستمتع بها وفيها عوج)

وفي رواية: (المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)

وهذا حديث خطير لا يرمي المرأة فقط بالنقص، بل يرمي خالقية الله وإبداعه في كونه، فهو يناقض قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، فالإنسان في الآية الكريمة يشمل الرجل والمرأة.

وهو يناقض قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 3، 4]، فليس في خلق الله عوج ولا تفاوت ولا فطور.

وهو يتناقض فوق ذلك مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]

وغيرها من الآيات الكريمة التي تجعل النساء شقائق الرجال، ولا فرق بينهم وبينهن في الإنسانية.

بل إن هذا الحديث هو الذي فتح القول بأن المرأة لم تخلق أصالة، وإنما خلقت لأجل الرجل.. وأن دورها فقط إسعاد الرجل، وخدمته.. وهي بذلك لا تختلف عن طعامه وشرابه ولباسه.. وكل ذلك مناقض لما ورد في القرآن الكريم من الحديث عن المرأة.

ومن أحاديثه عن المرأة، وتحقيره لها حكايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)([173])

وهذا حديث خطير، ولا يتناسب مع كرامة المرأة، ولا مع وظائفها التي أخبر عنها القرآن الكريم، والتي صورها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسلوكه أحسن تصوير.

وهو من الأحاديث التي تعلق بها من تصوروا أن المرأة مجرد نعمة من النعم التي وفرها الله للرجل، كما وفر له الطعام والشراب.

ومن أحاديثه عن المرأة، وتحقيره لها حكايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) ([174])

وقد ذكرنا سابقا موقف عائشة من هذا الحديث، وكيف أنكرت عليه إنكارا شديدا، حيث ردت عليه بقولها: (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنسل من عند رجليه) ([175])

وفي رواية قالت: (إن المرأة لدابة سوء، لقد رأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي)

ومثل ذلك ردت عليه ما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار) بغضب شديد، وصفه الراوي بقوله: (فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض)، ثم قالت: (والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]) ([176])

هذه بعض النماذج عن روايات أبي هريرة التي تشكلت من خلالها مواقف السلفية من المرأة، وعلى أساسها انحرف الدين انحرافا شديد في جميع جوانبه ابتداء من عدالة الله تعالى في خلقه.

سابعا ـ أحاديث أبي هريرة.. والمغالطات العلمية

لا ترتبط أحاديث أبي هريرة بالحقائق الدينية فقط، بل إنها تضم إليها بعض الحقائق العلمية المرتبطة بالكون والحياة ونحوهما، والسلفية بناء على قولهم بعصمة الراوي، والتي يحتالون عليها بلقب [العدالة]، وبناء على قولهم بعصمة الرواية، والتي يحتالون عليها بـ [الصحة والحسن]، راحوا يقبلون كل ما ذكره من روايات ترتبط بالحقائق الكونية، حتى لو كشف العلم كونها مغالطات وأكاذيب وخرافات.

وسأذكر هنا باختصار بعض النماذج عن ذلك، ومدى حرص السلفيين عليها، حتى لو أثبت العلم خلافها.

أبو هريرة.. وعلم الفلك:

من الروايات التي يستند إليها السلفية في معارفهم الفلكية هذه الرواية التي رووها عن أبي هريرة، والتي يقول فيها: بينما نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه العنان، هذه روايا الأرض، يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه، ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف، ثم قال: هل تدرون ما بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك سماءين، بعد ما بينهما خمسمائة سنة، ثم قال كذلك، حتى عد سبع سموات، ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى، لهبط على الله، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3])([177])

وهذه الرواية قريبة من رواية أخرى رووها عن كعب الأحبار، وقد تلقوها بالقبول كذلك، مثلما تلقوا رواية أبي هريرة، فقد قال جوابا لمن سأله: أين ربنا؟ ـ:(سألت أين ربنا، وهو على العرش العظيم متكئ، واضع إحدى رجليه على الأخرى، ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة ومن الأرض إلى الأرض مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، حتى تمّ سبع أرضين، ثم من الأرض إلى السماء مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، والله على العرم متكئ، ثم تفطر السموات.. ثم قال: إقرؤوا إن شئتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: 5])([178])

وبعض السلفية الذين ينتقدون رواية أبي هريرة، لا ينتقدونها لأجل ما ذكر فيها من معارف تتعلق بالكون، لأنهم يؤمنون بكل ذلك من خلال روايات أخرى تؤيدها، وإنما ينكرون منها هذا المقطع: (لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى، لهبط على الله) لا لدلالته على التجسيم، وإنما لمنافاته للعلو الذي اعتبروه أصل أصول العقائد.

ولهذا حاولوا أن يبرروا ذلك المقطع من الحديث بكل ما أوتوا من صنوف الحيلة لتوجيهه لينسجم مع العلو، ولعل آخرها ما ذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين عند ذكره للحديث، فقد قال: (هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، والذين قالوا: إنه صحيح يقولون: إن معنى الحديث لو أدليتم بحبل لوقع على الله عز وجل لأن الله تعالى محيط بكل شيء، فكل شيء هو في قبضة الله سبحانه وتعالى وكل شيء فإنه لا يغيب عن الله تعالى، حتى إن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن عز وجل كخردلة في يد أحدنا.. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون دالا على أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، أو على أن الله تعالى في أسفل الأرض السابعة فإن هذا ممتنع شرعا، وعقلا، وفطرة، لأن علو الله سبحانه وتعالى قد دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والإجماع، والعقل، والفطرة)([179])

وقبله قال ابن تيمية: (قوله: (لو أدلي أحدكم بحبل لهبط على الله) إنما هو تقدير مفروض ؛ أي لو وقع الإدلاء لوقع عليه لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا ؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى لكن بتقدير فرض الإدلاء يكون ما ذكر من الجزاء. فهكذا ما ذكره السائل: إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة كان هو سبحانه يسمع كلامه وكان متوجها إليه بقلبه لكن هذا مما تمنع منه الفطرة ؛ لأن قصد الشيء القصد التام ينافي قصد ضده ؛ فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافي قصده من أسفل وكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية – لأنها عالية – فترد الهابط بعلوها كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها – وهو المركز – لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز)([180])

إلى آخر كلامه، وهو يدل على الصورة المشوهة التي يحملونها على الكون وعن موقع الأرض فيه، والتي عبر عنها ابن تيمية بقوله: (ومن علم أن الأفلاك مستديرة وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه ـ وهو قعر الأرض ـ هو سجين واسفل سافلين علم من مقابلة الله بين أعلى عليين وبين سجين)([181])

فالأرض وفق هذه الرؤية هي المركز.. وفوقها السموات السبع، وفوقها العرش، وفوقها الله سبحانه وتعالى..

وقد قال التويجري شارحا التصور الفلكي للكون وفق الرؤية السلفية: (وقد جعل الله تبارك وتعالى الأرض مركزا ومستقرا للأثقال من جميع جهاتها. فلو سقط من السماء شيء ثقيل من أي جهة كانت لما استقر إلا في الأرض. وكذلك ما يسقط من الأثقال مما بين السماء والأرض فمقره الأرض. وقانون الجاذبية للأثقال ينتهي إلى المركز في جوف الأرض وهو وسط الأرض السابعة السفلى)([182])

ثم نقل عن ابن كثير قوله ـ بعد أن ساق عدة أحاديث في إثبات سبع أرضين ـ: (فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع) ([183])

ونقل عن ابن تيمية قوله: (إذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى)([184])، وقوله: (ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز) ([185])، وقوله: (أهل الهيئة يقولون لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعا في المركز ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز) ([186])

ولهذا تجد المدرسة السلفية تشتد على من يخالف هذه الرؤية، بل تقول بتكفيره.

يقول التويجري بعد نقله النقول الكثيرة عن ابن تيمية وغيره: (ولما ظهر أهل الهيئة الجديدة في آخر القرن العاشر من الهجرة وما بعده وهم كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من فلاسفة الإفرنج أصحاب الرصد والزيج الجديد أظهروا خلاف ما كان عليه المسلمون فقالوا إن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وإنها مركز العالم وأن الأرض والنجوم تدور عليها وقد قلدهم في ذلك كثير من ضعفاء البصيرة من العصريين فخالفوا ما كان عليه جماعة المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زماننا، وهؤلاء ينبغي أن يوضح لهم الحق الذي جاء به القرآن والسنة فمن أصر منهم بعد ذلك على المخالفة فهو كافر حلال الدم والمال لأنه قد عاند الحق على بصيرة وأصر على تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)([187])

وهم لم يكتفوا باستنباط هذه الحقائق الفلكية من الحديث، بل ضموا إليها حقائق أخرى ترتبط بالأبعاد بين الأفلاك المختلفة، والتي ورد في حديث أبي هريرة أنها خمسمائة سنة، من غير تحديد هل هي بمسير الأقدام، أم الإبل، أم الخيل، أم غيرها من وحدات القياس.

ومع أن هناك روايات أخرى ترتبط بتلك الأبعاد تختلف مع هذه الرواية، إلا أنهم استطاعوا بذكائهم الحاد أن يوفقوا بينها جميعا، وأن يحسبوا بدقة المسافة التي تبعد بها الأرض عن كل سماء من السموات السبع، بل حسبوا المسافة التي تبعد بها الأرض عن العرش نفسه.

فقد قال ابن القيم في حل ذلك الإشكال الذي يعرض من ناحية الاختلاف في الحساب بين الروايات: (..فإن المسافة يختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها، فسير البريد مثلاً يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات، وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيراً قاصداً في عشرين يوماً يقطعه البريد في ثلاثة، فحيث قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد، وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب، فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته)([188])

وبناء على هذا فإن وحدة الحساب التي اعتمدها أبو هريرة في حديثه هي سير الإبل والركاب، كما ذكر ابن القيم.. ويمكن للرياضيين أن يعتمدوا ذلك، ليصلوا إلى التحديد الدقيق وفق الوحدات التي نستعملها في عصرنا الحاضر، وخاصة في علم الفلك الذي استغنى عن مسيرة الإنسان ومسيرة الراحلة بمسيرة الضوء..

وحتى نرى الفوارق بين حساب حديث أبي هريرة للمسافة بين السموات والحسابات الفلكية الحديثة نستعرض بعض ما قاله علماء الفلك الحديث في ذلك.

فقد ذكروا أن المسافة بيننا وبين جارنا القريب القمر تبعد 384 ألف كم، ويحتاج الضوء إلى ثانية وثلث الثانية فقط ليقطع كل هذه المسافة من القمر إلى الأرض.

 أمّا الشمس التي تبعد عنا حوالي 150 مليون كم تقريباً، فإنّ الضوء يحتاج إلى 8.3 دقيقة ليصل منها إلى الأرض.

أمّا أقرب النجوم إلينا بعد الشمس وهي نجمة ألفا قنطورس فإنّها تبعد عنا 4.22 سنة ضوئية، وحيث إنّ السنة الضوئية (المسافة التي يقطعها الضوء في سنة) تساوي 9.46 مليوم مليون كم. فهذا يعني أن أقرب النجوم إلينا بعد الشمس تبعد عنا نحو 40 مليون مليون كم.

أمّا النجم القطبي الذي لطالما استخدمه الناس للإهتداء عن الجهات، فإنّه يبعد عنا 433 سنة ضوئية، أي أنّ الضوء يحتاج إلى 433 سنة حتى يصل إلينا منه، وهذا يساوي نحو 4 آلاف مليوم مليون كم.

أمّا أقرب مجرة إلينا وهي المرأة المسلسلة والتي يمكن رؤيتها بالعين المجردة من مكان مظلم كبقعة غبشاء بحجم أي نجمة أخرى تقريباً فإنّها تبعد عنا 2.5 مليون سنة ضوئية، أي نحو 24 مليون مليون مليون كم..

أما أبعد جرم سماوي يمكن رؤيته بالعين المجردة ـ في الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات ـ فهي مجرة المثلث فإنها تبعد عنا 3 ملايين سنة ضوئية، وما زال في كوننا ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وحتى ندرك جيدا مدى ضحالة العقل التي يتقبل مثل تلك الرواية وأخواتها نذكر نموذجا مصغرا ذكره الفلكيون لنظامنا الشمسي وجيرانه في حديقة ما، فإذا كان حجم الأرض بحجم كرة السلة، فإنّ القمر سيكون بحجم كرة التنس الأرضي تقريباً، وسنضع القمر (كرة التنس) على بعد 7.4 متر من الأرض (كرة السلة). أمّا الشمس فسيكون قطرها 26 متراً (حجم منزل) وستقع على بعد 2.8 كم من الأرض (كرة السلة). أمّا نجم ألفا قنطورس (أقرب النجوم إلينا) فإنّه سيقع على بعد 177 ألف كم من الأرض (كرة السلة). أما مجرتنا درب التبانة وهي الحديقة التي سنضع فيها نظامنا الشمسي فسيكون طولها 17.6 مليون مليون كم.

ولست أدري أين نضع الأرقام الهزيلة التي وضعها حديث أبي هريرة.. والتي تجعل الكون جميعا بعرشه وبفرشه لا يتجاوز المجموعة الشمسية في أحسن الأحوال.

أبو هريرة.. والجغرافيا:

من العلوم التي اهتمت بها أحاديث أبي هريرة، وكان لها إبداعاتها فيها، والتي تحتاج إلى المزيد من التحقيق والنظر بعض المعلومات الجغرافية المهمة التي لم يكتشفها العالم بعد.

ومنها ما رووه عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (كلم الله عز وجل البحر الشامي فقال: يا بحر، ألم أخلقك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب. قال: كيف تصنع إذا حملت عليك عبادا لي يسبحوني، ويحمدوني، ويهللوني، ويكبروني؟ قال: أغرقهم. قال: فإني جاعل بأسك في نواحيك، وجاعلهم على يدي. قال: ثم كلم البحر الهندي فقال: يا بحر، ألم أخلقك، وأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب. قال: فكيف تصنع إذا حملت عليك عبادا لي يسبحوني ويحمدوني، ويهللوني، ويكبروني؟ قال: أسبحك معهم، وأحمدك معهم، وأهللك معهم، وأكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري، وبطني. قال: فآتاه الله عز وجل الحلي والصيد والطيب)([189])

وهذا الحديث بالإضافة إلى ما فيه من تجسيم، حيث ذكر أن الله تعالى خص ركاب البحر الشامي بأن يحملهم في يده.. وبالإضافة إلى ما فيه من نواح علمية جغرافية نتركها للمختصين في علوم البحار.. فإن فيه نواح عقدية لا تتناسب مع ما ورد في النصوص المقدسة القطعية من طاعة كل شيء لله، وائتماره بأوامره.

فلا البحر ولا الريح ولا أي شيء آخر يملك من أمر نفسه شيئا، بل هو مسير بيد الله يحركه كيف يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (لأعراف:57)

وبمثل ذلك جاء تعبير (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) بدل تعبير (فشربتم) في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر:22)

وبمثل ذلك جاء تعبير (فَأَحْيَيْنَا) بدل (حيت) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (فاطر:9)

وهكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن ربه تعالى: (قال الله تعالى ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب)([190])

وهذا الحديث يصطدم تماما مع حديث أبي هريرة الذي يصور أن البحر هو الذي اختار السلوك الذي يقوم به مع من يركب عليه..

ومن تلك الأحاديث الجغرافية التي رواها أبو هريرة هذا الحديث الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي ندعو المختصين من العلماء ليبحثوا عن هذه الأرض الغريبة التي ذكرها أبو هريرة، بل ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أخبره عنها.

ففي الحديث عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن لله تعالى أرضا من وراء أرضكم هذه، بيضاء نورها، وبياضها مسيرة شمسكم هذه أربعين يوما). قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني مثل الدنيا أربعين مرة، فيها عباد لله تعالى، لم يعصوه طرفة عين. قالوا: يا رسول الله، أمن الملائكة هم؟ قال: (ما يعلمون أن الله خلق الملائكة). قالوا: يا رسول الله، أفمن ولد آدم هم؟ قال: (ما يعلمون أن الله عز وجل خلق آدم). قالوا: يا رسول الله، أفمن ولد إبليس هم؟ قال: (ما يعلمون أن الله عز وجل خلق إبليس). قالوا: يا رسول الله، فمن هم؟ قال: (هم قوم يقال لهم الروحانيون، خلقهم الله عز وجل من ضوء نوره)([191])

ومن تلك الأحاديث ما أخبر به عن أنهار الجنة الموجودة على الأرض، ومنها قوله: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن النيل يخرج من الجنة، ولو التمستم فيه حين يمج لوجدتم فيه من ورقها)([192])

ومنها روايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة)([193])

ولست أدري ما هي وجوه الاختلاف بين أنهار الأرض جميعا، وبين هذه الأنهار، ولم خصت هذه الأنهار وحدها بكونها من أنهار الجنة، مع العلم أن هناك أنهار أطيب وأعذب وأكثر ماء.. ومع العلم أن الله تعالى في القرآن الكريم ذكر البحار والأنهار، ولم يخص أحدا منها بشيء.. وهذا هو الفرق بين الطرح القرآني المقدس، والذي يتناسب مع كل البيئات، وبين الطرح البشري المدنس، والذي يفاضل بين بقاع الأرض، بل حتى بين أنهارها وبحارها.

وعندما نبحث عن مصدر هذا الحديث في الكتاب المقدس، نجده بسهولة في [سفر التكوين: الإصحاح الثاني، الفقرات 7-14]، ففيها: (وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس – اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب – وذهب تلك الأرض جيد هناك المقل وحجر الجزع – واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع أرض كوش – واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور، والنهر الرابع الفرات)

وهو يتناسب تماما مع التصورات اليهودية للجنة، والتي تحصرها في عالم الدنيا، فامتلاك الدنيا عندهم والتسلط عليها وعلى أهلها هي الجنة.

أبو هريرة.. وعالم الجراثيم:

من الأحاديث التي اهتم بها السلفية كثيرا، وألفوا فيها الرسائل والكتب، وتعاملوا بقسوة مع كل من تعرض لها بالنقد ما يسمونه حديث الذباب المروي عن أبي هريرة، والذي يروونه في محال كثيرة منها المحال المتعلقة بالطب، كما فعل البخاري.

ولم يكتفوا لأجل إثباته بما تعودوا عليه من الرواية والدراية المرتبطة بالحديث، بل راحوا ـ وللعجب، ولعله لأول مرة ـ إلى ما يقوله علماء الجراثيم، معتبرين أن في الحديث سبقا علميا كبيرا، ولهذا لا نجد مقالا أو كتابا يتعرض لهذا الحديث إلا ومعه صور علمية حول الذبابة وجناحيها.

ولست أدري كيف تخلوا عن مواقفهم السلبية من الإعجاز العلمي، ومع القضايا العلمية القطعية التي لا شك فيها من أمثال مراحل الجنين ونحوه.. وراحوا يقفون موقفا إيجابيا، لكن تخونه الدقة العلمية.

وقبل أن نناقش ما أوردوه حول الحديث نذكر نصه، مع بعض رواياته، وهو ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا وقع الذبابُ فى شرابِ أحدِكم فَلْيَغْمِسْهُ ثم لِيَنْزِعْهُ فإنَّ فى أحدِ جناحيه داءً وفى الآخرِ شفاءً)([194])

وفي رواية أخرى أكثر تفصيلا: (إذا وقع الذبابُ فى إناءِ أحدِكم فليغمِسْه فإنَّ فى أحدِ جناحيه داءً وفى الآخرِ شفاءً وإنه يتقى بجناحِهِ الذى فيه الداءُ فليغمِسْه كلَّه ثم ليَنْزِعْه)([195])

وفي رواية أخرى: (إذا وقع الذبابُ فى إناءِ أحدِكم فَلْيَمْقُلْهُ فيه فإنَّ فى أحدِ جناحيه سُمًّا وفى الآخرِ شفاءً وإنه يقدمُ السمَّ ويؤخرُ الشفاءَ)([196])

وقد وقف الكثير من المتنورين من هذا الحديث موقفا سلبيا متشددا، لخطورة انتشار مثل هذه التعاليم على النواحي الصحية أولا.. وخطورته على تشويه الإسلام، وتصويره كدين يشجع على الأوساخ والقاذورات، بل ينصح بالتداوي بها.

وللأسف فإن هؤلاء الذين قبلوا هذا الحديث ودافعوا عنه هم الذين قبلوا حديث التداوي بأبوال الإبل، بل حولوا منها أدوية يبيعونها للناس من غير أن تمر على المحال الطبية المحترمة لترى مدى جدوى ذلك.

وقد ذكر الشيخ محمد الغزالي بأسف تلك الشدة التي قابل بها السلفيون دعاة التنوير بسبب إنكارهم للحديث، بل تكفيرهم لمنكره، فقال: (لا نريد أن ننتقل إلى مباحث فقهية مفصلة، وإنما نريد أن نقول: هب أن رجلاً قال: لا أستطيع قبول رواية (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء)، أيكون من الكافرين؟ كلا!! فلم يقل أحد أن أركان الإسلام تضم الإيمان بالله واليوم الآخر وغمس الذباب في الشراب إذا سقط فيه.. وحديث الآحاد ليس مصدر عقيدة شرعية أو حكم قاطع، بيد أني من باب استكمال البحث العلمي فقط أسأل: هل الحديث مردود؟ إن بعض علماء الحشرات قرر أن هذه الحشرة تفرز الشىء والشىء المضاد له، فإن استقر هذا الرأى الفني فالحديث صحيح، وإن ثبت قطعاً أن الذباب مؤذ فى جميع الأحوال التى تعرض له ومن بينها الحالة المروية في الحديث رددته دون غضاضة، وليس بقادح هذا في ديني ولا يقيني، وقد روى البخاري أحاديث صحيحة السند لكن أئمة الفقه عملوا بغيرها لأدلة أقوى عندهم منها)([197])

ومن أوائل المتنورين الذي ردوا على الحديث محمد توفيق صدقي في بعض محاضراته العلمية التي نشرتها مجلة المنار، والتي هدفت من خلالها إلى التوعية الصحية للمسلمين الذي كانت تفتك بهم في ذلك الحين الكثير من الأوبئة الخطيرة، بسبب نقص الوعي الصحي.

فقد ذكر عند حديثه عن القاذورات والنجاسات وخطورتها الصحية وحرمتها الشرعية حديث الذباب، وعلق عليه بقوله: (هذا الحديث مشكل؛ إن كان سنده صحيحًا، فكم في الصحيحين من أحاديث اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها كحديث (خلق الله التربة يوم السبت) مثلاً وغيره مما ذكره المححقون، وكم فيهما من أحاديث لم يأخذ بها الأئمة في مذاهبهم، فليس ورود هذا الحديث في البخاري دليلاً قاطعًا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله بلفظه مع منافاته للعلم، وعدم إمكان تأويله، على أن مضمونه يناقض حديث أبي هريرة وميمونة وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان جامدًا فاطرحوها وما حولها وكلوا الباقي، وإن كان ذائبًا فأريقوه، أو لا تقربوه)، فالذي يقول ذلك لا يبيح أكل الشيء إذا وقع فيه الذباب؛ فإن ضرر كل من الذباب والفئران عظيم، على أن حديث الذباب هذا رواه أبو هريرة، وفي حديثه وتحديثه مقال بين الصحابة أنفسهم خصوصًا فيما انفرد به، كما يعلم ذلك من سيرته، وغاية ما تقتضيه صحة السند في أحاديث الآحاد الظن، فلا قطع بأن هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا يروون الحديث بالمعنى، فيجوز أن يكون لفظ الراوي لم يؤد المعني المراد)([198])

لكنه للأسف عقب على هذا تعقيبا خطيرا يريد أن يرضي به من يعظمون الرواة على حساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال بعد كلامه السابق: (وهب أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك حقيقة فمن المعلوم أن المسلم لا يجب عليه الأخذ بكلام الأنبياء في المسائل الدنيوية المحضة التي ليست من التشريع، بل الواجب عليه أن يمحصها، ويعرضها على العلم والتجربة؛ فإن اتضح له صحتها أخذ بها والأعلم أنها مما قاله الأنبياء – عليهم السلام – بحسب رأيهم، وهم يجوز عليهم الخطأ في مثل ذلك وقد حقق هذه المسألة القاضي عياض في كتابه الشفاء فليراجعه) ([199])

وهذا كله ناتج من تأثير المحدثين وتعظيمهم للصحابة إلى الدرجة التي يجوزون فيها الخطأ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل أن يبقى جنابهم محميا لا يتعرض لأي نقد أو تخطئة أو طعن.

وقد حاول الشيخ محمد رشيد رضا باعتباره محدثا أن يدافع عن أبي هريرة لا عن حديثه بسبب الضجة التي أثارها هذا الحديث في ذلك الوقت، فقال: (أقول: إن أبا هريرة (رضي الله عنه) كان من أحفظ الصحابة، وهو صادق في تحديثه. ولكن إسلامه كان في سنة سبع من الهجرة، فصحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين ونيفًا، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما سمعها من الصحابة والتابعين، فإن كان جميع الصحابة عدولاً في الرواية كما يقول جمهور المحدثين، فالتابعون ليسوا كذلك، وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار، وأكثر أحاديثه عنعنة)([200])

هذا موقف المتنورين المتأخرين، أما موقف السلفية، فقد انتصروا للحديث انتصارا شديدا، بل راح متقدموهم ومتأخروهم يعتبرونه إعجازا علميا باهرا، وبناء عليه أخذوا يتحدثون في العلوم المختلفة، ويطوعونها رغم أنفها لتستسلم لمقتضياته.

فقد قال ابن قيم الجوزية تعليقا على الحديث: (واعلم أن فى الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكمة العارضة عن لسعة، وهى بمنزلة السلاح، فإذا أسقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه فى جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله فى الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدى إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به، بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحى إلهى خارج عن القوة البشرية([201]).

بل إنه راح يعمل القياس في الحديث ليشمل كل الحشرات المشابهة للذباب، فقال: (هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي، وأمر طبي فأما الفقهي فهو دليل ظاهر الدلالة جداً على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع فإنه لا ينجسه، وهذا قول جمهور العلماء، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بمقله، وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك ولا سيما إذا كان الطعام حارا فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد الطعام وهو صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمر بإصلاحه، ثم عدا هذا الحكم إلى كل مالا نفس له سائل كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك إذ الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته)([202])

وقال آخر: (فيه من الفقه: أن أجسام الحيوان طاهرة، إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما لحق به فى معناه، وفيه دليل:على أن ما لا نفس له سائلة إذا مات فى الماء القليل لم ينجسه، وذلك أن غمس الذباب فى الإناء قد يأتى عليه، فلو كان نجسه إذا مات فيه، لم يأمر بذلك، لما فيه من تنجس الطعام، وتضييع المال)([203])

وبهذه الاستنباطات العجيبة لم يبق الأمر محصورا في الذباب، بل شمل كل الحشرات، كالزنبور والعنكبوت وغيرهما كما يذكر ابن القيم.

وكما وقف المتأخرون من المتنورين بشدة بسبب الحديث، فكذلك فعل المتقدمون، وقد قال ابن حجر في هذا:: (وقال الخطابى: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال كيف يجتمع الشفاء والداء فى جناحى الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الداء، ويؤخر جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قلت: وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان.. وقال ابن الجوزى: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها فى الترياق الذى يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر)([204])

وهكذا حشر الفقهاء والمحدثون أنفسهم في هذه العلوم الخطيرة التي تتوقف عليها حياة الناس، بل أتاحوا لهم أن يجتهدوا ويقيسوا ويستحسنوا كما يشاءون من غير الرجوع إلى المختصين من العلماء.

وخير من هذا الموقف الذي وقفه هؤلاء ما ذكره بعضهم بإيمان عجيب، وكأنه بين يدي آية قرآنية، أوحديث متواتر، فقد قال مخاطبا المتوقفين في صحة الحديث: (هل يتوقف إيماننا بصدق كل حديث ورد فيه أمر طبى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدقة أو بطلانه؟ وأين إيماننا إذن بصدق نبوة رسول الله e، ووحى الله إليه؟! إن حديث رسول الله r، برهان قائم بنفسه لا يحتاج إلى دعم خارج عنه، فعلى الأطباء بل والناس جميعاً التسليم بما جاء فى هذا الحديث والتصديق به إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا كذلك فليزمهم التوقف إن كانوا عقلاء. والمسلم لا يهمه كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب ما دام ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([205])

وقال الألباني: (إن كثيراً من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو الشراب علقت به تلك الجراثيم والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: وفي الآخر شفاء، فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب الإيمان به وإن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم وإن كانوا عقلاء علماء ! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه؛ نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالات كثيرة في مجالات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه، تأييداً أو رداً، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]، ولا يهمنا كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي، ومع ذلك فإن النفس تزداد إيماناً حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح)([206])

وبناء على هذا ترك السلفيون تشددهم مع العلوم الحديثة، ومع عرضها على النصوص المقدسة، وراحوا إلى كل قشة يجدوها ليستمسكوا بها في نصره هذا الحديث.

ومن ذلك ما عبر عنه بعضهم بقوله: (وقد شاء ربك العالم بما كان وما يكون أن يظهر سر هذا الحديث، وأن يتوصل بعض نطس الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب، فيغمسه في الإناء تكون هذه المادة سبباً في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقة به، وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون – تجويزاً – حقيقة مقررة)([207])

ولست أدري كيف عرف، وهو الباحث المتخصص في الحديث أن بحثا واحدا أومجموعة أبحاث يمكنها أن تقرر في مثل هذه المسألة الخطيرة، مع العلم أن هناك جراثيم لا حدود لعددها، ومثلها أنواع كثيرة من الذباب، فهل يصدق ذلك مع الجميع؟

ولست أدري هل يمكن أن يجربوا مثل هذه التجارب على أنفسهم، فيغمسوا الذباب في أنواع مختلفة من الميكروبات، ثم يغسمونها في الطعام، لينظروا مدى فاعلية ذلك، قبل أن ينصحوا به الناس، وقبل أن يتكلموا فيه بمثل هذه الأحكام الخطيرة التي قد تتوقف عليها حياة الناس.

لن أسترسل في ذكر ما استدلوا به من أدلة في هذا الباب من بحوث يصفونها بالعلمية، لكننا عندما نبحث في مصادرها لا نجدها كذلك، بل هي أقرب إلى اللغة العاطفية منها إلى اللغة العلمية، وهي أشبه بتلك البحوث التي حاولوا أن يثبوا بها أن الأرض ساكنة، أو الشمس تطوف حولها.

وللأسف، فقد كانت بحوثهم في هذا المجال مدعاة للسخرية من كثيرمن المواقع اللادينية أو التبشيرية وغيرها، وليتها اكتفت بالرد على الحديث، أو على أبي هريرة، بل راحت ترمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بالجهل والدعوة للقذارة، وادعاء علم الطب وغيرها من الدعاوى الخطيرة التي جلبها هذا الحديث الذي يكاد يخرب الإسلام من جذوره.

ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه بعضهم في موقع تبشيري تحت عنوان: [الذباب بين العلم والفكر اليهودي والاسلامي]، فمما ورد فيه: (العلم يخبرنا بأن الذباب حشرات ضارة، وهي تعيش في الأماكن القذرة، وتتوالد فيها، وهي عباره عن ماكينه نقل أمراض، فهي تنقل كما ضخما من الأمراض) ([208])

ثم راح يثبت ذلك بالأدلة العلمية الكثيرة، وبعدها راح يستعرض ساخرا مما يدعيه أولئك المحدثون الذين تعلقوا بكل قشة ليصححوا الحديث.

ومن ذلك تلك المواقع والمجلات العلمية التي زعموا أنها تردد ما ذهبوا إليه، وكشف أنها كلها ألاعيب وأكاذيب لا حظ لها من العلم.

أبو هريرة.. وعالم البكتريا:

من المغالطات العلمية الخطيرة التي توقعنا فيها أحاديث أبي هريرة المرفوعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الحديث المرتبط بعالم البكتريا، وقوانينها، والذي يقول فيه: (لولا بنو إسرائيل، لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر)([209])

وهو يحوي مغالطة خطيرة جدا تخص هذه العوالم، فهو يذكر أنها لم تكن موجودة قبل بني إسرائيل.. أي أن ما يتعرض له الطعام من تغير، وما يتعرض له اللحم من خنز لم يكن موجودا قبل بني إسرائيل.

وهذا يعني أحد أمرين: إما أن البكتريا أو الجراثيم أو غيرها لم تكن موجودة أصلا.. أو أنها كانت موجودة، ولكنها لا تتعرض للطعام أو اللحم حتى جاء الإسرائيليون فخزنوا الطعام، فعوقب البشر جميعا على سلوكهم هذا.

وقد كان هذا الحديث سببا في تهكم الكثير من الحداثيين وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه أو على راويه، أو على العقول التي قبلته وطالبت جماهيرها بقبوله.

ومن تلك التعليقات قول بعضهم: (اللحم يخنـز ويفسد بسبب البكتيريا وليس بسبب بني إسرائيل، وهذا يعرفه تلاميذ المرحلة الابتدائية، وإن كان هناك رجال دين لا يعرفون ذلك، فهم من يحتاج للتعلم، لا أن يطلبوا من الناس أن يشاركوهم جهلهم. أما أن يكون سبب الزنى هو حواء، فهو اعتقاد يهودي، مما يظهر بوضوح أن مختلق الحديث إما يهودي، أو أنه متأثر بتراث كتب اليهود) ([210])

وقال آخر: (فساد اللحم وعفانته لا علاقة له بدين ولا بجهة ولا بلون، وإنما تخضع لعوامل قررها العلم الحديث من بكتيريا وفيروسات وغير ذلك مما هو مقرر عند علماء العلوم الحديثة، ولعل شطر هذه الرواية منتج من منتجات العنصرية الدينية والملّية؛ لأن رائحة التدافع الملّي بين المسلمين وغيرهم خاصة اليهود واضحة وجلية فيه)

وعلى هذا المنوال نجد الكثير من الأقلام التي تستثمر في هذا الحديث لتشوه به النبوة، ومنها مقال نشره موقع (الأقباط) منتدى منظمة أقباط الولايات المتحدة تحت سلسلة (من هو الكذاب)، وبعنوان (لولا اليهود لما وجدت البكتيريا، ولولا حواء لما خانت النساء)، وقد جاء فيه ما يلي: (أمامنا حلقة جديدة من سلسلة: من هو الكذاب! والتي نستعرض فيها أحاديث صحيحة جداً واردة في صحيحي البخاري ومسلم، وهما أعلى كتب الصحاح بالدقة والصحة بعد قرآنهم، في حين أنها تتعارض مع العقل أو المنطق أو التاريخ… وبذلك يضربون بأيديهم أحد مصادر دينهم الموحى بها أي: السنة، وكذلك يهدمون أسس ما يعرف عندهم بـعلم الجرح والتعديل، ويشككون بأسانيد الأحاديث الصحيحة ورواتها العدول والثقات… مما يدخل الظن والريبة فيهم جميعاً… مما يجعلنا نطرح هذا السؤال الخطير: من هو الكذاب في الحديث؟ هل أحد الرواة العدول الثقات… أو الصحابي أو محمد نفسه؟)

ثم استعرضوا الحديث، وعقبوا عليه متهكمين بقولهم: (الحديث يحمل اليهود حقيقة فساد اللحم… وأنه لولا أن بني إسرائيل قد خزنوه لما فسد اللحم وتحلل! ويحمل حواء كل خيانات قامت وتقوم بها كل زوجة.!… وهكذا نجد بأن كل مصائب الدنيا تنـزل إما على رأس اليهود أو على المرأة. اليهود! والنساء! فهما أساس البلاء عند المسلمين ومصدر كل بلوى ومشكلة! هذا الحديث أوضح نموذج لما يسمى بنظرية المؤامرة! أو مخططات بني صهيون. كما أن كل مصيبة يلقونها على المرأة!)

وراحوا يفصلون أكثر قائلين بسخرية: (مسألة فساد اللحم.. بسبب اليهود! تخريف نبوي !حتى فساد اللحم… ألقى محمد سببه على رأس اليهود، وكأن اليهود -بمؤامراتهم الخبيثة- هم من اخترعوا البكتريا التي تحلل وتفسد اللحوم، أو ربما استنسخوها، وهذا يعد هراء علمي بكل المقاييس… فالبكتيريا موجودة قبل الإنسان… وما تسببه موجود حتى قبل وجود الحيوانات، فالبكتريا هي أقدم الكائنات الحية على سطح كوكب الأرض، فاللحم كان يفسد بالطبع قبل أن يوجد في الدنيا بنو إسرائيل وقبل إبراهيم… فما يقوله محمد مجرد تشويش اختلط في ذهنه من جراء ما كان يسمعه متناثراً مغلوطاً من التوراة المقدسة دون تأكد ولا فحص! وأسأل: من الذي أخبر محمد بهذه المعلومة العلمية جداً!؟ هل أخبره بها ربه بالوحي؟ إن كان هذا قد حدث، فهذا يثبت بأن رب محمد لا يدرك أبسط القواعد الطبيعية عن عمل الجسيمات والإنـزيمات المؤثرة في الخلية… وتحلل اللحوم وبهذا تسقط ربوبيته…مع نبوة رسوله الأمي المرسل إلى الأعراب الأشد كفراً ونفاقاً… وجهلاً… وهم أمة لا تكتب ولا تحسب… كما اعترف محمد مفاخراً… فهل اليهود من أوجدوا البكتريا؟!)

بناء على هذا راح بعض الباحثين المحققين المتنورين يدعو إلى إعادة النظر في قبول مثل هذا الحديث وأمثاله، من أمثال الدكتور محمد سعيد حوى، الذي تناول هذا الحديث في مقالة له في جريدة الرأي الأردنية، باعتباره نموذجاً للأحاديث الواردة في الصحيحين، التي تعارض القرآن الكريم، وقد جاء فيه قوله: (من هذه النماذج التي تؤكد ضرورة التحري والبحث في بعض أحاديث الصحيحين لمعارضتها لظاهر كتاب الله حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا بنو إسرائيل لم يَخنْــزَ اللحم (أو قال الطعام) ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر).. ففساد اللحم مخالف لما يعلم علمياً من قانون أجرى الله الكون وفقه، بأن اللحم يفسد إذا تعرض للهواء وغيره من المؤثرات. ويخالف النص القرآني أيضاً. ومما يدل على مخالفة هذا النص للقرآن؛ أن القرآن قصَّ لنا قصة الذي أتى على قرية وهي خاوية على عروشها، ولم يبين القرآن متى ولا من ولا ممن، ولا يعنينا مطلقاً البحث في ذلك، والشاهد أنه قال له: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259]، أي إن الله أقام أمامه جملة من الآيات الخارقة للعادة، منها حفظ طعامه وشرابه، خلاف العادة مع المكث الطويل، ومنها كيف أراه خلق الحمار ونشز العظام، فلو كان القانون الذي كان سائداً، والذي جرت به العادة أن الطعام لا يفسد، لما كان في ذكر هذه الآية هنا أي معنى. وهكذا أستطيع الجزم بلا تردد -واستغفر الله من أي خطأ- أن هذا من النصوص الإسرائيلية التوراتية، وليست من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبداً. وسيبقى السؤال الكبير ذي الحرج الشديد والحساسية المفرطة عند المحدثين: كيف تردُ حديثاً روي من أربعة طرق على الأقل عن أبي هريرة وبعضها في الصحيحين؟ ومن أين جاء الخلل إلى هذا الحديث الذي ثبت أنه لا يمكن أن يكون حديثا من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ لعلي أستطيع الإجابة عن ذلك فيما بعد)

أبو هريرة.. وسلطة الشيطان:

كما استفاد السلفية من أحاديث أبي هريرة في تفسيرهم للكون والحياة ونحوهما، استفادوا منه في معرفة العلاقة بين الشيطان والإنسان، والتي تضيف أشياء كثيرة جديدة إلى تلك المعاني التي وردت في القرآن الكريم.

ومن أحاديث أبي هريرة التي لها علاقة بهذا، كما أن لها علاقة بمواضع أخرى كثيرة ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه)([211])

وهذا حديث يذكره السلفية ليبينوا كرامة المسيح وأمه عليهما السلام، وينسون أنه يهين جميع الأنبياء، بل جميع البشر الذين لم يجعل الله للشيطان عليهم أي سبيل، كما قال الله تعالى مخبرا عن قدرات الشيطان، وعلى لسانه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (ابراهيم:22)

وهكذا نرى القرآن الكريم يحصر تسلط الشيطان على الإنسان في الوسوسة وما يرتبط بها من التزيين والإغراء والترغيب والترهيب.. دون أن يكون لكل ذلك علاقة بجسد الإنسان، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ (النساء:120)، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:43) وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (لأعراف:20)، وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ (طه:120)، وغيرها من الآيات الكريمة.

لكن ذلك النص الذي رووه عن أبي هريرة يخرب كل تلك المعاني، ويجعل للشيطان سلطة على جسد الإنسان، كما أن له القدرة على التواصل مع روحه.

وبناء على هذا راحوا يفسرون الكثير من الأمراض الحسية بعلاقتها بالشيطان، وكمثال على تلك الفتوحات التي فتحت للسلفية من وراء حديث أبي هريرة هذا، بحث تحت عنوان [الشيطان وعلاقته بالثدي والرضاعة]، وقد قال صاحب البحث في مقدمة بحثه: (تكلمنا في المراحل السابقة عن علاقة الشيطان بالإنسان منذ كان حيوانا منويا يسبح في بحيرة هائلة من السائل، والذي يعد غذاؤه في هذه المرحلة الأولى، ثم انتقلنا إلى المرحلة التالي وهو جنين في بطن أمه يتغذى عل ما تجود به المشيمة ذلك الجهاز العملاق العجيب الصنع، وانتقلنا في الدراسة والبحث إلى خط سير المواد السحرية دخل جسم الإنسان، وكيف يتحرك معها الشيطان للسيطرة على آلة الجسم الهائلة، واليوم على التوالي نبدا لنتكلم في مرحلة ما بعد الولادة إلى مرحلة الفطام، ألا وهي مرحلة الرضاعة، وعلاقة الشيطان بالثدي ولبن الرضاعة وكيف يسيطر الشيطان على غذاء الوليد)([212])

ثم راح يبين أهمية الدراسة، وأنها تساعدنا (على فهم عمل الشيطان وتأثيره في رضاعة الطفل خصوصا، وتحديد أماكن تجمع أسحارهم داخله، حيث تتواجد معظم العقد الليمفية خاصة عند الإبط، أما بالنسبة للعلاج الروحاني؛ فهي تساعد على تحديد موضع إجراء (الحجامة الجافة)، للتخلص من الأورام الحميدة والخبيثة قبل بداية نشأتها، هذا إلى جانب تواجد الغدد اللبنية، ويعرف ذلك بوجود آلام تبدو طفيفة قبل الضغط عليها للتأكد من وجودها..)

إلى آخر الدراسة الطويلة التي فتحها حديث أبو هريرة لهؤلاء الدجالين الذين عز عليهم أن يجتهدوا مثلما اجتهد غيرهم في البحث العلمي، فراحوا يرجمون بظنونهم، ويستعينون بكل خرافة لتأييد ذلك.

وبناء على هذا فتح السلفية الكثير من عيادات الدجل تحت اسم الرقية لعلاج جميع أنواع الأمراض الحسية والنفسية بكل ما تعلموه من سلفهم، وخصوصا ابن تيمية من أنواع الشعوذة.

ولم يكتفوا بالاستفادة العملية من الحديث، بل راحوا يضمون إليه معارف أخرى يفسرون بها سبب استهلال الصبي صارخا عند مولده، وهم ينقلون في ذلك عن ابن القيم قوله: (فإن قيل: فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار؟ قيل: ههنا سببان: سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء؛ وسبب ظاهر. فأما السبب الباطن: فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ولد آدم شيطانا، فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به، فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه، وتغيظا، واستقبالا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما، فيبكي المولود من تلك الطعنة، ولو آمن زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يرده، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان. وفي الصحيحين من حديثه أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه. وفي لفظ آخر: كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته؛ إلا مريم وابنها. وفي لفظ البخاري: كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب. والسبب الظاهر الذي لا تخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس، ومعرفتهم له من غيرهم هو: مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب، فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد، ومكان لم يألفه، فيستوحش من مفارقته وطنه ومألفه)([213])

بالإضافة إلى هذا كله فإن الحديث يتعارض مع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39، 40]، وقد اتفقت الأمة جميعا على أن جميع رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم من المخلصين الذين لا يطيق الشيطان الاقتراب منهم أو إغواءهم، وهذا الحديث يتعارض مع ذلك المعنى، ويجعل للشيطان سلطة على الجميع.

وقد كان هذا من الأسباب التي جعلت جار الله الزمخشري يطعن في الحديث، كما ذكر ابن حجر ذلك في قوله: (وقد طعن صاحب الكشاف في معنى هذا الحديث، وتوقف في صحته، فقال إن صح هذا الحديث فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39، 40].. واستهلال الصبي صارخا من مس الشيطان تخييل لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه، وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس نخسهم لامتلأت الدنيا صراخا) ([214])

أبو هريرة.. وعلم الحيوان:

من العلوم التي اهتمت بها روايات أبي هريرة [علم الحيوان]، والإبداع الذي جاءت به روايته في هذا المجال، وهي مما اتفق عليه البخاري ومسلم، هي عكس ما تنص عليه نظرية داروين التي ترى بأن الإنسان تطور من حيوان.. لكن حديث أبي هريرة ينص على أن من الحيوانات من كان أصله إنسانا.

والحيوان الذي ذكره كنموذج لهذه الظاهرة الغريبة في علم الحيوان هو الفأر.. وقد استدل له بالمنهج التجريبي المعتمد في أمثال هذه البحوث.

وكم تمنينا لو أن أبا هريرة احتفظ ببراءة هذا الاكتشاف العظيم لنفسه، ولم ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. إذن لما اهتممنا بالأمر، ولعددناه من جملة الخرافات التي تلقاها من أستاذه الكبير البروفيسور كعب الأحبار.. ولكنه للأسف راح ينسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ليشوهه تشويها عظيما من خلالها.

والرواية هي ما رواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فقدت أمة من بني إسرائيل، لم يدر ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لا تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته)، قال أبو هريرة: حدثت بهذا الحديث كعبا، فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقلت: نعم، فقال لي ذلك مرارا، فقلت: أتقرأ التوراة؟!)([215])

وفي رواية: قال: (فقد سبط من بني إسرائيل، وذكر الفأرة، فقال: ألا ترى أنك لو أدنيت منها لبن الإبل لم تقربه، وإن قربت إليها لبن الغنم شربته)، قال: أكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أفأقرأ التوراة؟!.

وفي رواية، قال: (الفأرة مما مسخ، وآية ذلك أنه يوضع لها لبن اللقاح فلا تقربه، وإذا وضع لها لبن الغنم أصابت منه)، قال: فقال له كعب: سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (فأنزلت علي التوراة!!)

وموقف السلفية من هذا الحديث عجيب جدا، وهو دليل على تعظيمهم لأبي هريرة وغيره من الصحابة أكثر من تعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.

ذلك أنه يتناقض ويتعارض معارضة تامة مع حديث آخر يروونه، وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن عبدالله. قال: قالت أم حبيبة، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم أمتعني بزوجي، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودات، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئا قبل حله،أو يؤخر شيئا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر، كان خيرا وأفضل)، قال: وذكرت عنده القردة. قال مسعر: وأراه قال: والخنازير من مسخ. فقال: (إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً. وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك)([216])

ومن البديهيات عند العلماء جميعا، بما فيهم أعلام السلفية أنفسهم أنه لا يقع التعارض بين الأخبار؛ لأنه لو تعارض خبران كان أحدهما كذباً لا محالة، كما صرح بذلك الطيب الطبري في قوله: (كل خبرين عُلِم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم بهما فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهراهما متعارضين… لأنه يوجب كون أحدهما صدقاً والآخر كذباً إن كانا خبرين؛ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منزَّه عن ذلك، ومعصوم باتفاق كلِّ مثبت للنبوة)([217])

ومثله قال ابن قدامة في [روضة الناظر]، وهو كتاب معتمد عند الكثير من السلفيين: (اعلم أن التعارض هو التناقض؛ ولا يجوز ذلك في خبرين؛ لأن خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون كذباً؛ فإن وُجِدَ ذلك في حكمين، فإما أن يكون أحدهما كذباً من الراوي، أو يكون الجمع بينهما بالتنزيل على حالين، أو في زمانين، أو يكون أحدهما منسوخاً)([218])

وقد كان بإمكان السلفية بعد تعرفهم على التعارض الموجود بين هذين الحديثين أن يستدلوا على منهج أبي هريرة في الرواية، وكان يمكنهم لو كانوا أشجع وأجرأ أن يرفعوه من خانة الرواة الثقاة.. لكنهم للأسف لم يفعلوا.

وعندما التمسوا حلا لدرء التعارض أدى بهم إلى أن المخطئ في الحديث ليس أبا هريرة، وإنما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.. ذلك أنهم كما يذكرون: اجتهد في ذلك، ولم يقل عن علم أو وحي..

وقد عبر عن هذا المعنى الشيخ عبد العزيز الراجحي، فقال ـ تعليقا على الحديث ـ: (يعني: أن الفأر مسخ، لأمة من بني إسرائيل مسخوا فأرا، وهذا قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بظنه واجتهاده، حيث قال: ولا أراها -بضم الهمزة- أي: أظنها. وهذا قاله قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، وإنما مسخ بنو إسرائيل قردة وخنازير ثم لم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام كما قال الله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أما الفأر فهو أمة من الأمم، وكذا القردة أمة، وكذا الخنازير والكلاب أمة، أما الممسوخون فإنهم لم يكن لهم نسل ولا عقب، بل ماتوا بعد ثلاثة أيام)([219])

وقبله قال قال بن حجر: (وذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم القردة والخنازير فقال أن الله لم يجعل للمسخ نسلاً ولا عقباً وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لا أراها إلا الفأر وكأنه كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي) ([220])

وهذا التعليل السلفي المشوه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عجيب جدا، لأنه يتناقض مع كل تلك القيم التي دعا إليها لقرآن الكريم، وقد كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن.

وأولها تناقضه مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]

ويتناقض مع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]

ويتناقض مع كل تلك الأحاديث الصحيحة المتواترة، التي سبق ذكرها، والتي تبين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول إلا حقا، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله، إنى أسمع منك أشياء أفأكتبها؟ قال: نعم. قلت: فى الغضب والرضا؟ قال: (نعم، فإنى لا أقول فيهما إلا حقا)([221])

ومن الأحاديث التي رواها أبو هريرة، والتي ترتبط بعالم الحيوان ما حدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (صوت الديك وضربه بجناحه ركوعه وسجوده)([222])

ومنها ذلك الحديث الذي يستشهد به السلفية في بيان فضائل أبي بكر وعمر، ونصه كما يرويه أبو هريرة، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: بينا رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم؟ فقال: إني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (بينما راع في غنمه، عدا الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال [له]: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري؟ فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر)، وما ثم أبو بكر وعمر([223]).

والحديث واضح في كونه من الأحاديث التي تقرب بها أبو هريرة لبني أمية الذين اهتموا بالرفع من شأن أبي بكر وعمر على حساب باقي الصحابة السابقين..

ولا يدري السلفية أنهم بتأييدهم لهذا الحديث ونشرهم له، يتهمون باقي الصحابة في التوقف عما يخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار الغيب.. فهل يمكن لمثل بلال وعمار وخباب وأبي ذر وغيرهم من الذين أوذوا في الله أن ينكروا شيئا قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة مع هذا الأمر البسيط، وهم يعلمون أن قدرة الله لا يحدها شيء.

ولعل تخصيصه عمر بن الخطاب بتحديث الملائكة له دون سائر الصحابة يدخل في هذا الباب، لأن الفئة الباغية تعظم عمر أكثر من غيره من الصحابة، بل تعتبره ولي نعمتها، فهو الذي ولى معاوية على الشام، ولذلك بالغت كثيرا في تفضيله حتى على من سبقه إلى الإسلام من الصحابة متخلين عن نظريتهم في كون الأفضل هو الأسبق.

فقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لقد كان فيمن كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر)([224])

ومثله ذلك أحاديثه المرتبطة بمناقب عثمان، ومنها قوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: (إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا)، أو قال: (اختلافا وفتنة)، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: (عليكم بالأمين وأصحابه)، وهو يشير إلى عثمان بذلك([225]).

ولا شك أن أصحابه الذين يقصدهم هنا هم مروان ومعاوية وغيرهما من الفئة الباغية.

أبو هريرة.. ومراحل الخلق:

من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكفي أصحاب العقول المفعلة في الشك في أحاديث أبي هريرة، ذلك الحديث الذي رواه مسلم عنه، قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: (خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) ([226])

ومع كون الحديث رواه مسلم في صحيحه، ومع كون أبي هريرة يقول فيه: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي) إلا أن الكثير من سلف السلفية وخلفهم يؤكدون أن الحديث ليس مرفوعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هو موقوف على أبي هريرة، وأنا أبا هريرة بدل أن يقول: أخذ كعب الأحبار بيدي، قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي.

والسبب في إنكارهم لرفع الحديث هو كونه متعارضا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54]، بينما هذا الحديث يجعل الأيام سبعة.

وليتهم طبقوا هذه القاعدة مع سائر أحاديثه.. وليتهم طبقوها مع جميع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تتعارض مع القرآن الكريم.. لكنهم لا يفعلون ذلك، ولا يتركون من يفعل، لأن الدين مبني عندهم على المزاج وعلى الرجال، لا على الحقائق.

وأنا موقن تماما أنه لولا تشكيك البخاري في الحديث لما تجرأ أحد منهم على التشكيك.. بل إنهم سيحاولون حينها، وبكل صنوف الحيل الجمع بينه وبين الآيات الكريمة.. وإذا اضطروا إلى التكذيب، فإنهم سيكذبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويزعمون أنه أخطأ في اجتهاده، مثلما فعلوا مع حديث الفأر.

والعجب ليس في هذا كله، وإنما في بعض ردود السلفية المعاصرين على مقتضيات الحديث التي تتنافى مع كل ما اكتشفه العلم الحديث في شأن مراحل الخلق.

فقد قال مجيبا على إشكال حول ذلك: (إذا لم يثبت أن هذا الحديث قد قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا ننشغل بكلام الملحدين عليه، لأن الجدال إنما يكون في شيء قد ثبت أنه من الدين، وهذا الحديث ليس كذلك.. وعلى افتراض صحته وثبوته: فخلق الشجر يوم الاثنين لا ينافي خلق النور يوم الأربعاء، ومن زعم أنه ينافيه لاحتياج الشجر إلى النور للنمو فقوله غير صحيح، لما يأتي: أن هذا خلق الله، يخلق ما يشاء، فلا تحكمه قوانين الطبيعة لأنه سبحانه على كل شيء قدير، وقد خلق هذا الخلق الهائل من العدم، وهذا خلاف على خلاف ما يعهده الناس ويعلمونه.. وهذه القوانين التي تحكم الكون والمخلوقات كلها، الذي جعلها قوانين ثابتة مطردة هو الله تعالى، فإذا أراد أن يفعل شيئا خلاف هذه القوانين فمشيئته تعالى نافذة لا يقف أمامها شيء، وقد فعل الله تعالى ذلك، عملناه وعلمه الناس.. وأيضا لا يمكن – عن طريق العلم الحديث أو غيره – إثبات أن أول الخلق كانت تحكمه القوانين التي يعرفها الناس لأن كل هذه المخلوقات ؛ السموات والأرض والجبال والبحار والبشر والحيوانات والنباتات… إلخ، كل ذلك قد وجد من عدم، فلم يمر بمراحل خاضعة لقوانين معينة حتى وجد على هذه الصورة)([227])

وهكذا نراهم يحاربون العلم ومكتشفاته، ويدافعون حتى على ما ثبت لديهم بالدليل القاطع أنه من الإسرائيليات المكذوبة.. وهل هناك جهل مركب أكثر من هذا؟

هذا الكتاب

لا نريد من خلال هذا البحث رمي أحاديث أبي هريرة، ولا طرحها، ولا تكذيبها جميعا، وإنما ندعو إلى تمحيصها حتى نميز السم عن العسل، والصدق عن الكذب، والإلهي عن البشري، والمقدس عن المدنس.

ذلك أن الكثير من الروايات التي رواها أبو هريرة نجدها مروية من طرق غيره من الصحابة، بل نجدها عند الشيعة أو غيرهم من فرق المسلمين بأسانيدهم الخاصة بهم.

لكن غيرها، وخاصة مما اختص به، نحتاج فيه إلى تحقيق كبير، ذلك أن أبا هريرة لم يكن من الصحابة السابقين، ولا من الذين اكتفوا بالتلمذة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كان تلميذا نجيبا لغيره، وخاصة لكعب الأحبار، ولذلك اختلطت ـ باتفاق العلماء والمحدثين ـ أحاديثه التي رواها عن كعب بأحاديثه التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان له فوق ذلك اجتهاداته في بعض روايات الحديث، حيث كان يروي الحديث، ثم يضيف له بعض الإضافات التي يسميها العلماء إدراجا، ويعبر عنها هو بأنها من كيسه..


([1]) البخاري (3326. 6227). ومسلم (2841). وابن خزيمة في التوحيد (1 / 93 – 94) وابن حبان (6162) وابن منده في الرد على الجهمية ص (41 – 42) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (711. 712) والبيهقي في الأسماء والصفات (635. 636) والبغوي في شرح السنة (3298).

([2]) مسلم (2612). وأحمد (2 / 244). وابنه عبدالله في السنة (496) وابن حبان (5605). والآجري في الشريعة (721). والبيهقي في الأسماء والصفات (638). وفي السنن (8 / 327).

([3])  ) فتح الباري (5/183).

([4])  ) ميزان الاعتدال (1/603).

([5])  ) تأويل مخلف الحديث ص (318).

([6]) عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (1/ 40)

([7])  رواه عبد الله بن أحمد في السنة 1/176، رقم 218. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/571، رقم 908.

([8]) إبطال التأويلات (ص: 115)

([9]) السنة لابن أبي عاصم (1/ 258).

([10]) رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي، انظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1/ 270)

([11]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 216)

([12]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 216)

([13]) السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص26.

([14]) ابن أبي عاصم في السنة (206). وابن حبان (6167). والحاكم (1/64) وصحَّحَه. وعنه البيهقي في (الأسماء والصفات (2/56). والحديث حسَّنه الألباني في تخريجه لـ (السنة)

([15]) كتاب التوحيد (1/159).

([16]) كتاب التوحيد (1/197).

([17]) طبقات الحنابلة لأبي يعلى: (1/313).

([18]) مسلم(758).

([19]) رواه مسلم (1014).

([20]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 138)

([21]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 162)

([22]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 162)

([23]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 166)

([24]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 207)

([25]) رواه البخاري (4830) وغيره.

([26]) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/383).

([27])   مختصر الصواعق (2/257-258).

([28])   مجموع الفتاوى 8/23

([29])   مجموع الفتاوى 5/565

([30]) أورده الذهبي في العلو (ص65) وعزاه للعسال في كتاب المعرفة. وأورده ابن كثير في النهاية (2/205)

([31]) الرد على الجهمية (ص: 91).

([32]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 295)

([33])    الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال (ص: 55)

([34]) رواه ابن ماجه واللفظ له (صحيح سنن ابن ماجه/652). وأحمد في المسند (8332). والطيالسي (2334). والحاكم (1/213)

([35]) إبطال التأويلات (1/243).

([36])   رواه مسلم في صحيحه 3/1504، 1505.

([37]) إبطال التأويلات (ص: 217)

([38]) البخاري (6308 و6309)، ومسلم (4927- 4933).

([39]) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 234).

([40]) شرح العقيدة الواسطية (ص 166).

([41])   أورده الذهبي في العلو: ص 86.

([42]) البخاري (1339)، ومسلم (2372) (157). وابن أبي عاصم في السنة (599) عن سلمة بن شبيب، والنسائي 4/118.

([43]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 269)

([44]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 269)

([45]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 355)

([46]) التوحيد لابن خزيمة (1/ 403)

([47])  البخاري (4712)، ومسلم (194)، والترمذي (2434)

([48])  رواه أحمد (3/387، رقم 15195) قال الهيثمى (1/174): رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار.

([49])  رواه الطبرانى (11/374، رقم 12047). قال الهيثمى (10/214): رواه الطبرانى والبزار، وإسناده حسن.

([50])  رواه أحمد (1/380، رقم 3608)، والبخارى (3/1148، رقم 2981)، ومسلم (2/739، رقم 1062)

([51])  البيهقى فى دلائل النبوة (5/58)

([52]) الترمذي (3076). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2683) وأخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 325 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([53])  التوحيد لابن خزيمة (1/ 160)

([54])  رواه أحمد (2/264، رقم 7578)، والبخارى (3/1251، رقم 3228)، ومسلم (4/2043، رقم 2652)، وأبو داود (4/226، رقم 4701)، والترمذى (4/444، رقم 2134)، وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه (1/31، رقم 80). وابن حبان (14/55، رقم 6179)، والتوحيد لابن خزيمة (1/ 120)

([55])  مسلم 8/50 (6837)

([56])  الفوائد لابن القيم (ص: 35)

([57]) رواه البخاري 6 / 277 – 280، ومسلم رقم (2371)، وأبو داود رقم (2212)، والترمذي رقم (3165)، وأحمد (2/403) والنسائي في فضائل الصحابة (268)

([58]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (6/ 451)

([59]) صحيح مسلم، الحديث رقم 6290

([60]) تفسير الطبري (21/ 81).

([61]) تفسير الطبري (21/ 82).

([62]) تفسير الطبري (21/ 86).

([63]) تفسير الطبري (21/ 86).

([64]) أحمد (2/269). والبخاري (2/113) وفي (4/191) ومسلم (7/99) والنسائي (4/118)

([65]) انظر: الشريعة، أبو بكر الآجري، (2/ 94). التمهيد، (7/ 147، 148).

([66]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص533..

([67]) صحيح ابن حبان (14/ 112)..

([68]) توضيح طرق الرشاد، ص196 بتصرف.

([69]) الأنوار الكاشفة، ص215..

([70]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص538.

([71]) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، ص538.

([72]) رواه البخاري 8 / 15 ومسلم رقم (2444) أحمد (6/274)

([73]) رواه البخاري 8 / 15 ومسلم رقم (2444) أحمد (6/274)

([74]) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (ص:26 – 29)

([75]) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (ص:26 – 29)

([76]) السلسلة الصحيحة (7/من 826 إلى 835)

([77]) السلسلة الصحيحة (7/من 826 إلى 835)

([78]) المرجع السابق.

([79]) المرجع السابق.

([80]) المرجع السابق.

([81]) روى الحكيم الترمذي في النوادر أنه موسى u وبذلك جزم الكلاباذي في معاني الأخبار والقرطبي في التفسير، انظر: فتح الباري لابن حجر (6/ 358)

([82]) أحمد (2/402) والبخاري (4/75) ومسلم (7/43)

([83]) أحمد (1/396) (3763) وفي (1/423) (4018) والبخاري في «الأدب المفرد» (382) وأبو داود (2675 و5268)

([84]) البخاري (1/107)، مسلم (1/267، 4/1841)، أحمد (2/315)

([85]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u، د. الشريف حاتم بن عارف العوني، رقم السؤال 174330، موقع الألوكة، المجلس العلمي.

([86]) مع العلم أن هذا الرجل يهودي، وهو أخو وهب بن منبه، ومعقل بن منبه، وغيلان بن منبه، الذين تروى عنهم الروايات الإسرائيلية.

([87]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([88]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([89]) حديث فرار الحجر بثوب موسى u.

([90])  رواه مرفوعا: البخاري (6263) والنسائي (الكبرى 4772) وأبو عوانة (4857) واللالكائي، ورواه موقوفا: البخاري (4944) ومسلم (1654)، وأبو عوانة (4855)

([91]) صحيح البخاري (3424)، صحيح مسلم (1654)، سنن النسائي (3831)، مسند أحمد بن حنبل (2/506)

([92]) فتح الباري (6 / 460.

([93]) فتاوى اللجنة الدائمة (4/ 295).

([94]) فتاوى اللجنة الدائمة (4/ 294).

([95]) فتاوى اللجنة الدائمة (4/ 296).

([96]) رواه عبد الرزاق في مصنفه: (7 / 507) رقم (14052)، وابن خزيمة في صحيحه: (1 / 426) رقم (233)..

([97]) صحيح ابن خزيمة: (5 / 423) رقم (1225)

([98]) عمدة القاري: (21 / 244 ـ 245).

([99]) جامع البيان: (6 / 133)..

([100]) عمدة القاري: (21 / 242 ـ 243)..

([101]) كشف المشكل من حديث الصحيحين: (1 / 332).

([102])  هذا الحديث ورواياته التالية في: أحمد (2/162) (6510) و(2/192) (6802). والدارمي (490) وأبو داود (3646)، وابن خزيمة (2280)، وغيرهم.

([103])   البداية والنهاية: 8/ 128.

([104])    المنهاج: 16/156.

([105])  رواه أحمد (2/174) (6622)، والبخاري (3/87). وفي الأدب المفرد (246)

([106])  رواه أحمد 3/126 (12299) وفي 3/144 (12490) والبخاري: 8/15 (6031) وفي 8/18 (6046)، وفي (الأدب المفرد) 430.

([107])  رواه أحمد 3/195 (13052) وفي 3/197 (13065) والبخاري: 8/17 (6038)، ومسلم: 7/73 (6077) وفي (6078)

([108])  رواه البخاري في الأدب المفرد:  321، ومسلم: 6705، وأبو يعلى: 6174.

([109])  السلسلة الصحيحة: (رقم/84)

([110])  دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 220)

([111])  رواه البخاري في الأدب المفرد.

([112])  أحمد (2/307، رقم 8054)، والبخارى (3/1079، رقم 2795) والترمذى (4/137 رقم 1571) وقال: حسن صحيح.

([113])  مسلم(2/138)وأبو داود(435) وعنه أبو عوانة (2/253) والبيهقي (2/217)، وابن ماجة (697)

([114])  رواه البخاري:4/168و:8/203، (ونحوه في:1/43، و208و:2/47)، ومسلم:2/180، وأحمد:6/73، والحاكم:2/431)

([115])  انظر: تهذيب الأسماء للنووي:1/64.

([116])  رواه البخاري:1/44.

([117])  أحمد:5/49، والترمذي:3/353.

([118])  رواه أحمد 3/147 (12522) وفي 3/185 (12953) والبخاري: 4/27 (2820) وفي 4/37 (2866) و8/16 (6033)

([119]) رواه الحميدي (984) و(ابن أبي شيبة) 2/37 (4510) وفي (4511)، و(أحمد)  2/386 (8998) وفي 2/423 (9458)، و(البخاري) و(مسلم) و(أبو داود) و(النسائي)  3/23، وفي (الكبرى)  565 و1151.

([120])  رواه البخاري 1 / 329، ومسلم رقم (605)، والموطأ 1 / 48، وأبو داود رقم (234)، والنسائي 1 / 81 و82.

([121])  من الأمثلة على ذلك النسائي صاحب السنن: إذ روى حديث الاستئذان (2032)، وترجم له بعنوان [باب زيارة قبر المشرك]، ومثله صنع ابن ماجة حيث روى حديث الاستئذان (1572)، وعنون عليه: باب ما جاء في زيارة قبور المشركين..

([122])  تفسير الطبري (1/516).

([123])  دلائل النبوة (1/192 – 193).

([124])  رواه ابن سعد، والبيهقي وغيرهما.

([125])  رواه محمد بن إسحاق.

([126])  رواه الحاكم وصححه والبيهقي.

([127])  منهاج السنة: ج/1-ص/27.

([128])  رواه الحاكم (4/624، رقم 8729) وقال: صحيح على شرط مسلم، أحمد (4/274، رقم 18437)، والبخارى (5/2400، رقم 6194)، والترمذى (4/716، رقم 2604) وقال: حسن صحيح..

([129]) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 729)

([130]) رواه ابن جرير، والبيهقى في الأسماء والصفات، وابن عساكر، انظر: الحبائك في أخبار الملائك (ص: 37)

([131]) رواه عثمان بن سعيد، وأبو يعلى بسند صحيح، انظر: الحبائك في أخبار الملائك (ص: 56)

([132]) رواه الطبرانى في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم، انظر: الحبائك في أخبار الملائك (ص: 80)

([133]) البخاري (1339)، ومسلم (2372) (157). وابن أبي عاصم في السنة (599) والنسائي 4/118.

([134])  انظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (1/ 270)، وقد ذكر ابن كثير أنه رواه جماعات من الأئمة في كتبهم، كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات، والحافظ البيهقي في كتابه: البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضا من طرق متعددة عن إسماعيل ابن رافع قاص أهل المدينة.

([135])  أضواء على الصحيحين – الشيخ محمد صادق النجمي ص 169.

([136])  أضواء على الصحيحين – الشيخ محمد صادق النجمي ص 169.

([137])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (3/ 1117)

([138]) رواه مسلم في صحيحه (8/175)رقم (2897) في الفتن، باب فتح قسطنطينية، ونزول عيسى ابن مريم.

([139])  رواه مسلم في الفتن (18: 33)

([140]) حاشية عمدة التفسير 256 / 2 تحقيق أحمد شاكر.

([141])  مسلم وأحمد وابن ماجه وغيرهم.

([142]) رواه البخاري 6 / 75 في الجهاد، باب قتال اليهود، ومسلم رقم (2922) في الفتن.

([143]) رواه البخاري 10 / 107 و108، ومسلم رقم (2680)

([144]) أحمد (2/262، رقم 7554). قال الهيثمى (7/331): رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا: نعيم بن حماد (2/646، رقم 1812)

([145]) الحاكم (4/524، رقم 8472) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصحح إسناده الأرناؤوط في تخريج مسند أحمد (14/ 427).

([146]) رواه ابن أبى شيبة (7/476، رقم 37353)، والبخارى (3/1070، رقم 2770)، ومسلم (4/2233، رقم 2912)، وأبو داود (4/112، رقم 4304)، والترمذى (4/497، رقم 2215) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2/1371، رقم 4096).

([147]) رواه البخارى (3/1070، رقم 2768)، ومسلم (4/2239، رقم 2922)

([148]) رواه أحمد (2/319، رقم 8223)، والبخارى (3/1315، رقم 3395). وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق عن معمر فى الجامع (11/374، رقم 20782)، وابن حبان (15/144، رقم 6743)، والحاكم (4/523، رقم 8470) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([149]) رواه أحمد (2/231، رقم 7161)، والبخارى (4/1697، رقم 4359)، ومسلم (1/137، رقم 157)، وأبو داود (4/115، رقم 4312)، وابن ماجه (2/1352، رقم 4068). وأخرجه أيضًا: النسائى فى الكبرى (6/343، رقم 11177)، وابن حبان (15/252، رقم 6838)

([150]) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن (8 / 100) باب خروج النار، ومسلم في كتاب الفتن (برقم 2894) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب

([151]) أبو داود (برقم 4313) والترمذي (برقم 2572)

([152]) رواه حنبل بن إسحاق في كتابه الفتن (ص 216) بسند صحيح.

([153])  انظر: إتحاف الجماعة (2 / 185 186) فقد ذكر الشيخ حمود التويجري وجوها كثيرة للرد على هذا.

([154])  أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ص199)، ورواه أحمد في «مسنده» (2/519) عن أبي داود الطيالسي به. وأورده الزركشي في كتاب «الإجابة فيما استدركنه عائشة على الصحابة»، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/116): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط أثناء تعليقه على المسند: إسناده حسن.

([155])  رواه أحمد (2/507) والبخاري (4/211) ومسلم (7/44)

([156])  رواه أحمد (2/269، رقم 7635)، والبخارى (3/1283، رقم 3294)، ومسلم (4/2110، رقم 2756). وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (2/1421، رقم 4255)

([157])  ابن المبارك (1/159، رقم 469)، والترمذى (4/591، رقم 2382) وقال: حسن غريب. والحاكم (1/579، رقم 1527) وقال: صحيح الإسناد. وابن جرير فى تفسيره (12/13). وأخرجه أيضًا: ابن خزيمة (4/115، رقم 2482)، وابن حبان (2/135، رقم 408)

([158])  رواه الديلمي (2/97)، والضياء في المختارة (10/98/1)

([159])  رواه أحمد (2/405 رقم 9245)، والبخارى (6/2725، رقم 7068)، ومسلم (4/2112، رقم 2758)، وابن حبان (2/388، رقم 622). وأخرجه أيضًا: البيهقى (10/188، رقم 20553)

([160]) رواه ابن حبان في صحيحه، انظر: حياة الصحابة (1/ 379)

([161]) رواه البخاري.

([162]) رواه البخاري.

([163]) البخاري؛ والترمذي وقال: صحيح.

([164]) رواه البخاري.

([165]) رواه مسلم

([166])  رواه البخاري تعليقا في (2/159 و3/124 و156 و164 و258 و8/72)، وقد وصله أحمد في المسند:  2 / 348 و349.

([167])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (5/ 1654)

([168])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (5/ 1795)

([169])  رواه البخاري رقم (3152) 3 / 1212، ورقم (3218) 3 / 1245، ومسلم رقم (1470) 2 / 1092، وأحمد رقم (8019) 2 / 304، ورقم (8155) 2 / 315، ورقم (8581) 2 / 349، وابن حبان في صحيحه رقم (4169) 9 / 477، وأبو عوانة رقم (4502- 4503) 3 / 143، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم رقم (3449) 4 / 143.

([170])  انظر مقالا في الموضوع بعنوان: نحو منهجية للتعامل مع الأحاديث المنتقدة في الصحيحين حديث [لولا حواء لم تخن أنثى زوجها نموذجاً] نشر: مجلة إسلامية المعرفة.

([171])  هو صالح أبو بكر في كتابه الأضواء القرآنية.

([172])  رواه الحميدي (1168) وأحمد 2/449 (9794) والبخاري 5184 ومسلم 3637..

([173]) ابن ماجة (1853)

([174]) مسلم (1/365، رقم 511)

([175]) رواه أحمد 6/41، والبخاري 1/136 ومسلم 2/60.

([176]) رواه أحمد: 6/150 وفي 6/240 وفي 6/246.

([177])  رواه أحمد (2/370)، والترمذي (3298)

([178])    تفسير الطبري (21/ 501).

([179])     مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين (1/ 89).

([180])     الرسالة العرشية (ص: 27)

([181])     مجموع الفتاوى [ 25/ 196ـ 197].

([182])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([183])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([184])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([185])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([186])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 59).

([187])     الصواعق الشديدة على اتباع الهيئة الجديدة (ص: 98).

([188])     حاشية ابن القيم13/8.

([189])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (4/ 1412)

([190])  رواه أحمد ومسلم والنسائي.

([191])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (4/ 1440)

([192])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (4/ 1420)

([193])  رواه مسلم (4/2183، رقم 2839)

([194])  رواه البخاري في – كتاب بدء الخلق – باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء- 3/1206 رقم (3142)، وفي – كتاب الطب – باب إذا وقع الذباب في الإناء 5/2180 رقم (5445)، وأبو داود في – كتاب الأطعمة – باب في الذباب يقع في الطعام 3/365 رقم (3844)، والنسائي في – كتاب الفرع والعتيرة – باب الذباب يقع في الإناء-7/178 رقم (4262)، وفي السنن الكبرى- كتاب الفرع والعتيرة – باب الذباب يقع في الإناء- 3/88 رقم (4588)، وابن ماجه في – كتاب الأطعمة – باب يقع الذباب في الإناء – 2/1159 رقم (3505)، والدارمي في – كتاب الأطعمة – باب الذباب يقع في الإناء – 2/135 رقم (2039)، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده 2/229 برقم (7141)، وابن خزيمة في صحيحه – كتاب الوضوء – باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه وفيه ما دل على أنه لا نجاسة في الأحياء – 1/ 56 برقم      (105)، وابن حبان في صحيحه – كتاب الطهارة – باب المياه ذكر ما يعمل المرء عند وقوع ما لا نفس له تسيل في مائه أو مرقته – 4/ 53 رقم (1246)، وفى كتاب الأطعمة – باب آداب الأكل ذكر الأمر بغمس الذباب في المرقة إذا وقع فيها ثم الإخراج والانتفاع بتلك المرقة – 12/ 55 رقم (5250)، كلهم عن أبي هريرة.

([195])  رواه أحمد (2/229، رقم 7141)، وأبو داود (3/365، رقم 3844)، وابن حبان (4/53، رقم 1246)

([196])  رواه أحمد (3/24، رقم 11205)، وعبد بن حميد (ص 279، رقم 884)، والنسائى (7/178، رقم 4262)، وأبو يعلى (2/273، رقم 986). وأخرجه أيضًا: الطيالسى (ص 291، رقم 2188)

([197])  محمد الغزالي (قذائف الحق) ص 102-103.

([198])  مجلة المنار (18/ 433)

([199])  مجلة المنار (18/ 433)

([200])  مجلة المنار (29/ 37)

([201]) زاد المعاد 4/112.

([202]) الطب النبوي 1/ 88، وزاد المعاد 4/111.

([203]) معالم السنن5/340-341،وانظر:زاد المعاد4/111-112،وشرح السنة للبغوى11/260.

([204]) انظر: فتح البارى 10/263 رقم 5782 وانظر: معالم السنن 5/341-342، وتأويل مختلف الحديث ص 210، 212.

([205]) انظر:سلسلة الأحاديث الصحيحة،المجلد1/61،وموقف المدرسة العقلية من السنة2/268،269 0

([206]) السلسلة الصحيحة 1/97 – 98.

([207]) ذكر الشيخ أبو شهبة أن هذا البحث نشر في مجلة الأزهر عدد رجب لسنة 1378هـ.

([208])  انظر مقالا علميا بعنوان: [الذباب بين العلم والفكر اليهودي والاسلامي] على الرابط التالي:

http://drghaly.com/articles/display/10660

([209])  رواه البخاري رقم (3152) 3 / 1212، ورقم (3218) 3 / 1245، ومسلم رقم (1470) 2 / 1092، وأحمد رقم (8019) 2 / 304، ورقم (8155) 2 / 315، ورقم (8581) 2 / 349، وابن حبان في صحيحه رقم (4169) 9 / 477، وأبو عوانة رقم (4502- 4503) 3 / 143، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم رقم (3449) 4 / 143.

([210])  انظر مقالا في الموضوع بعنوان: نحو منهجية للتعامل مع الأحاديث المنتقدة في الصحيحين حديث [لولا حواء لم تخن أنثى زوجها نموذجاً] نشر: مجلة إسلامية المعرفة.

([211])  رواه أحمد (2/233، رقم 7182)، وابن أبى شيبة (6/288، رقم 31496)، ومسلم (4/1838 رقم 2366)

([212])  انظر مقالا بعنوان: الشيطان وعلاقته بالثدي والرضاعة، الكاتب: بهاء الدين شلبي.

([213])  التبيان في أقسام القرآن (ص: 360)

([214])  فتح الباري لابن حجر (8/ 212)

([215])  رواه أحمد (2/234، رقم 7196)، والبخارى (3/1203، رقم 3129)، ومسلم (4/2294، رقم 2997) وأبو يعلى (10/420، رقم 6031)، والديلمى (3/126، رقم 4340)، وغيرهم.

([216])  فتح الباري 353/6.

([217])  الكفاية في علم الرواية: ص 606.

([218])  روضة الناظر: (2/208)

([219])  انظر موقعه على النت.

([220])  فتح الباري 353/6.

([221])  هذا الحديث ورواياته التالية في: أحمد (2/162) (6510) و(2/192) (6802). والدارمي (490) وأبو داود (3646)، وابن خزيمة (2280)، وغيرهم.

([222])  العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (5/ 1760)

([223])  رواه البخاري 7 / 42 في فضائل أصحاب النبي a، باب مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم رقم (2388) في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق، والترمذي رقم (3681) و(3696) في المناقب، باب مناقب أبي بكر، وباب مناقب عمر بن الخطاب.

([224])  رواه البخاري في باب (مناقب عمر) في: 2/194 من صحيحه.

([225])  أحمد 2/344 (8522)

([226]) مسلم (2789)

([227]) انظر موقع: الإسلام سؤال وجواب، للشيخ محمد الصالح المنجد، سؤال: كيف خلق الله الشجر قبل أن يخلق النور، مع أن الشجر يحتاج إلى النور لنموه؟

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *