هل كان دخول المسلمين إلى الأندلس فتحا؟

هل كان دخول المسلمين إلى الأندلس فتحا؟

اعذروني على هذا السؤال؛ فهو إن لم يكن وجيها بالنسبة لكم، فهو وجيه بالنسبة لي، لأني لا أحب أن أسمي الأشياء بغير أسمائها، ولا أحب أن ألقى الله وأنا أكذب عليه، ولا أحب أن أجلس بين الناس مسلمين وغير مسلمين، وأحدثهم عن أمجاد الأندلس، وفي نفس الوقت أشعر بأني أمارس كل أنواع التضليل والخداع، ولا أحب أن أردد تلك المقولة التي وصلتني كما وصلت إلى آذانكم، والتي يخاطب فيها ذلك القائد ـ الذي يسمونه فاتحا ـ المحيط الأطلسي قائلا له: لو أعلم أن هناك أرضا خلفك لسرت إليها بجيوشي حتى أفتحها.

وطبعا لم يكن في ذلك الحين يعلم بوجود أمريكا.. ولكنه كان يعلم بوجود إفريقيا.. وأنها أرض يمكن أيضا أن تفتح، من دون أن يغرق أحد في مستنقعاتها، ذلك أنه لم يكن فيها إلا أرضا مستوية، وسكانا بسطاء.. وكان المسلمون في ذلك الحين قادرين على أن يفتحوها جميعا، وعلى بكرة أبيها من غير جيوش جرارة، ولا عدد ولا عدة.. بل كان يمكنهم أن يحولوها قارة إسلامية من شمالها إلى جنوبها، لو أنهم جمعوا تلك الأموال التي صرفوها على قصور الملوك والأمراء، وأرسلوا بها مع جيوش من الصالحين التقاة الذين يحملون الحجة لا السلاح، والسلام لا العنف.

وهكذا كان يمكنهم أن يفتحوا أوروبا جميعا، لا الأندلس فقط.. كان في إمكانهم أن يفتحوها من غير سيوف، وأن يتركوا فيها من الأثر ما تركه أولئك التجار البسطاء في الهند والسند وأندونيسيا وماليزيا والصين.. والتي دخل مئات الملايين منها من غير أن يسمعوا صليل السيوف، ولا سنابك الخيل.

لكن الأندلس التي بقي فيها المسلمون ما يقارب ثمانية قرون.. وخرجوا منها بعد ذلك، وهم يجرون أذيال الخيبة لم يفعلوا فيها شيئا.. سوى أن تركوا سمعة سيئة، وشوهوا الإسلام، وبقيت أوروبا إلى اليوم تلعن ذلك اليوم الذي رأت فيه أولئك المسلمين الذين كانوا حجابا بينها وبين الحق.

لذلك كنت أدعو كل حين إخواني من المسلمين إلى الاعتذار إلى الأوروبيين على تدنيس جيوشنا لأرضهم، وقتلنا لشعبهم.. لكن المغرّر بهم والمخدوعين، كانوا يجيبونني بغضب قائلين: هل نسيت حضارة الإسلام في الأندلس؟.. وهل نسيت دورنا في تربية أوروبا وتطويرها من خلال فتحنا للأندلس؟

وأنا أعجب من هذه الإجابة، لأنها تؤكد لي أن ما حصل في الأندلس لم يكن فتحا، وإنما كان نوعا بغيضا من أنواع الاستعمار، ذلك أن المستعمر نفسه يردد نفس الكلمات؛ فعندما يطالب الجزائريون المستعمر الفرنسي بالاعتذار والتعويض يذكر لهم أنهم كانوا متخلفين، وأنه كان السبب في تطويرهم، بدليل ما تركه من عمران.

وكذلك نحن نقول للأندلسيين: أنسيتم قصر الزهراء، وجدرانه من المرمر المزين بالذهب.. ذلك الذي وضعت في جوانبه التماثيل والصور البديعة، والذي يوجد في كل جانب من جوانبه الأبواب المصنوعة من العاج والأبنوس المرصع بالذهب والجوهر؟

ونذكر لهم قصر الحمراء بغرناطة، والذي بناه الملك أبو عبد الله محمد الأول، المعروف باسم ابن الأحمر في آخر معاقل المسلمين بالأندلس، مملكة غرناطة، خلال النصف الأخير من القرن العاشر الميلادي، والذي يعد ـ كما تذكرنا كتبنا ـ معلمة فنية شاهدة على عظمة فن العمارة الإسلامي، حتى أنه لُقِّب باسم [عليل النفوس]

وننسى أن نذكر لهم ماذا كان يملأ تلك القصور من كل أنواع الموبقات، التي غلفت بغلاف الإسلام، والفتح الإسلامي.. وننسى أن نذكر لهم الجماجم التي سقطت وهي تحمي تلك القصور الممتلئة بكل أنواع الاستبداد.

فهل ذهب المسلمون للأندلس ليبنوا القصور؟.. أم ذهبوا إلى هناك لتخليصهم من المستبدين كما تذكرون؟.. فإن كانوا قد فعلوا ذلك، فلم استبدلوا مستبدين يحملون الصليب، بمستبدين يحملون المصاحف، وأيهم أشد شناعة ذلك الذي يستبد بين قومه وعلى قومه، أم ذلك الذي يزعم أنه جاء ليحررهم؛ فملأ أرضهم فجورا ودماء، وقتل كل أخضر ويابس، وأولهم إخوانه الذين اختلف معهم في تقسيم الكعكة.

لذلك أنا أبكي كل حين على الأندلس.. لا على ضياعها، فذلك شيء معلوم وثابت في سنن الله تعالى، وإنما على دخول المسلمين إليها.. لأنهم لم يفعلوا سوى أن زرعوا العداوة والأحقاد في نفوس الأوربيين على الإسلام، بعد أن احتلوا أرضهم، ولم يعملوا على احتلال عقولهم وقلوبهم.

لذلك لم يكن احتلال الصليبيين لبلاد المسلمين في العصور الوسطى، ولا استعمارهم في العصر الحديث إلا نوعا من العقوبة على تلك الجريمة الكبرى التي فعلها أسلافهم في الأندلس، وكان في إمكانهم بدلها أن يحولوا من الأندلسيين والأووربيين أناسا مثل الماليزيين والأندونيسيين وغيرهم من الذين فتحوا قلوبهم وعقولهم من غير أن يرسلوا أي جيشهم إلى أرضهم.

طبعا هذا كلام لن يقبله أحد.. وحتى أنا لو عرض علي لن أقبله، فلا يمكن لشخص أن يتحدث في التاريخ دون أن يستعمل المنهج التاريخي، ويعتمد المصادر التاريخية، ولذلك سأذكر هنا نماذج تثبت حقيقة ما حصل في الأندلس، وما هي الأدوار التي مارسها المسلمون هناك، وهل كانت أدوار الفاتحين، فنسمي حينها ما حصل للأندلس فتحا، أم كانت غير ذلك؛ فلا نسميها بما لا تستحقه.

1 ـ الفاتحون.. والسلب والنهب:

من أول المغالطات التي نواجهها عندما نستفهم عن سر ذهاب المسلمين إلى الأندلس بجيوشهم الجرارة، لا بعلمائهم وصالحيهم، قول المبررين لذلك الدخول في المستنقع الأندلسي الذي دام ثمانية قرون كاملة: إن الغرض من ذلك هو تحريرهم، وبناء على طلبهم.

ولا بأس؛ فنحن يمكن أن نصدق هذا بسهولة، فالدول قد يحتاج بعضها إلى بعض، بل إن الله تعالى أمرنا أن نتدخل لإنقاذ المستضعفين إذا ما طلبوا منا ذلك، أو كان لنا القدرة على نجدتهم حتى لو لم يطلبوا؛ فقد قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

لكنّ تحرير المستضعفين شيء، والاستيلاء على أرضهم واغتصابها شيء آخر.. وهذا من المعلوم بالفطرة والبداهة، فهل يمكن للشرطي الذي تدعوه لإنقاذك من اللص، ألا يكتفي بطرد اللص، وإنما يطردك أنت أيضا، ثم يستولي على ممتلكاتك، وقد يعرضك أنت أيضا للبيع إن كان هناك سوق نخاسة؟

وهل يمكن أن نقبل في العصر الحالي من أمريكا التي زعمت أنها دخلت بجيوشها لتحرر العراق من الاستبداد، أو أفغانستان من المتطرفين، أن تمكث فيها بعد ذلك، أم أننا نعتبر ذلك عدوانا مشينا يجوز رده، بل يجب رده؟

وهذا ما حصل بالضبط في الأندلس، فنحن قد نقرّ أن دخول المسلمين إليها كان بدوافع إنسانية، وأن الأندلس كانت حينها محتلة مضطهدة، وأن المسلمين لم يكونوا هم المبتدئين للاحتلال، وإنما كان دورهم قاصرا على إخراج الظالم المحتل([1]).

ولكن كان يمكن للمسلمين بعد الانتهاء من دورهم الإنساني أن يتركوا البلاد لأهلها، ويمكنهم أن يستأذنوا في أن يبقوا ضيوفا عندهم.. وطبعا لن يرفض الأندلسيون ذلك، بل سيرحبون به، بل سيطالبون الفاتحين حينها بأن يمكثوا معهم، ليحموهم، وليتعلموا منهم تلك الأخلاق الرفيعة التي جعلتهم يضحون بنفوسهم في سبيل نجدتهم.. وحينها كان يمكن بسهول كبيرة أن يدخل الأندلسيون في دين الله أفواجا، بعد أن يروا ورع الفاتحين وزهدهم وأخلاقهم العالية..

وكان يمكن كذلك أن تهبّ جميع الممالك الأوروبية لطلب نجدتهم في إنقاذهم من المستبدين الذين يحكمونهم، عندما يرون ما فعله المسلمون في الأندلس.. وحينها يمكن أن يتحقق الفتح الإسلامي الحقيقي ليس للأندلس فقط، وإنما لأوروبا جميعا.

لكن كل ذلك للأسف لم يحصل، مع أنه كان يمكن أن يحصل لو أن قادة الفاتحين اتبعوا الرؤية القرآنية، ولم يتبعوا رؤية الإسكندر المقدوني ونابليون وغيرهم من المجرمين..

وسبب ذلك هو أن مطامع قادة المسلمين وخلفاءهم، لم تكن لتقنع بذلك.. ذلك أنهم لم يكونوا يختلفون كثيرا عن المستعمرين والطغاة في كل العصور؛ فهم لم يضيفوا لأنفسهم سوى لقب الإسلام، وتصووروا أنه يمكنه أن يخول لهم استعمار ما شاءوا من الأراضي، واستعباد من شاءوا من البشر، ونهب ما شاءوا من الأموال.

ولهذا لم يقنعوا بما قاموا به من تحرير، بل تحولوا مباشرة من محررين إلى مستعمرين، ومن مدافعين مخلصين إلى مغتصبين سارقين.. والدليل على ذلك كل تلك الحملات العسكرية الكثيرة التي لم تكف أبدا عن المسلمين، تواجههم، وتستعمل كل الوسائل لطردهم، وكان في إمكان المسلمين أن يحترموا أنفسهم، ويخرجوا من الأرض التي لا يملكونها بعزة نفس.. لكنهم لم يفعلوا إلا بعد أن قدموا مئات آلاف الضحايا، إن لم نقل ملايين الضحايا، ذلك أن الحروب لم تكن لتهدأ حتى تبدأ من جديد.

ولو أنهم نفذوا تعليماته صلى الله عليه وآله وسلم المرتبطة بتحريم اغتصاب الأراضي، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين)([2])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أخذ شبرا من الأرض بغير حق خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين)([3])

فهذه الأحاديث الشريفة تحرم اغتصاب الأراضي مطلقا، سواء كانت ملكا لمسلم، أو غير مسلم، ما دام غير محارب ولا مغتصب لأراضي غيره، ولم يكن الأندلسيون محاربين للمسلمين، وإنما استنجدوا بهم فقط، والمنجد لا يجوز له أن يأخذ ما ليس له، وإنما يكتفي بنجدته.

بناء على هذا سأذكر هنا ما حصل إبان فتح المسلمين للأندلس، ودوافعهم لذلك، لا من خلال كتابات (خوان غويتسولو)، أو (كلاوديو سانشيث البرنوث)، أو (إميليو جاريا جومث)، أو (أنطونيو غالا)، أو (أنطونيو مونيوز مولينا).. وغيرهم من المستشرقين.. وإنما من خلال ما كتبه الطبري والذهبي وابن كثير والمقري وغيرهم من المؤرخين المسلمين، وفي المصادر المعتمدة للتاريخ.

وسأكتفي هنا بنماذج مما ذكره المؤرخ الإسلامي الكبير، والمعتمد لدى المدرسة السلفية، شمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ) في كتابه الشهير [تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام]، ولمن شاء أن يتأكد من النصوص التي أذكرها يمكنه الرجوع إليه، وسيرى أني حاولت أن ألطف الأمر كثيرا، وأن الأمر أخطر بكثير مما أذكره.

وقد بدأ الذهبي كعادته في التأريخ المرتبط بالفتوح بالتعريف بالمحل الذي تحقق فتحه، وقد قال في ذلك: (وافتتح إقليم الأندلس، وهي جزيرة عظيمة متصلة ببر القسطنطينية من جهة الشمال، والبحر الكبير من غربيها وقد خرج منه بحر الروم من جنوبيها، ثم دار إلى شرقيها، ثم استدار إلى شماليها قليلا، وهي جزيرة مثلثة الشكل، افتتح المسلمون أكثرها في رمضان منها على يد طارق أمير طنجة، من قبل مولاه أمير المغرب موسى بن نصير، وطنجة هي أقصى المغرب، فركب طارق البحر، وعدى من الزقاق لكون الفرنج اقتتلوا فيما بينهم واشتغلوا، فانتهز الفرصة)([4])

وهنا نرى أن فاتحي الأندلس بحسب الرؤية التي رجحها الذهبي ليس هي النجدة، ولا الفتح، وإنما كانت استغلال لفرصة الصراع الداخلي بين الفرنجة، مثلما فعل الصليبيون عندما استغلوا فرص الصراع الداخلي بين المسلمين، ليحتلوا أرضهم.

لكنه لم يبتعد قليلا حتى ذكر بداية الصراع بين قادة الفتح أنفسهم، وهو ما يثبت أن الهدف لم يكن فتحا، ولو كان كذلك لما حصل الصراع، يقول الذهبي: (وقيل: بل عبر بمكاتبة صاحب الجزيرة الخضراء ليستعين به على عدوه، فدخل طارق واستظهر على العدو، وأمعن في بلاد الأندلس، وافتتح قرطبة، وقتل ملكها لذريق، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح العظيم، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح، وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، وسار مسرعا بجيوشه، ودخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فتلقها طارق وقال: إنما أنا مولاك، وهذا الفتح لك)([5])

وأرجو أن يعيد القارئ المخدوع بالمجد المزيف قراءة هذا النص جيدا، لأننا كثيرا ما ننسى أولئك الجنود البسطاء، ونتذكر فقط من نسميهم قادة الفتح، ونتصور أنه لولاهم لما تحقق الفتح.. مع أنهم كانوا بتلك الصورة التي رسمها الذهبي، والتي جعلتهم لا يكتفون بالسرقات المادية فقط، وإنما يضيفون إليها السرقات المعنوية؛ وهذا ما حصل في أكثر ما نراه من فتوح ابتداء من فتوح الشام والعراق.

وقد ذكر ابن خلدون السبب الذي جعل موسى بن نصير يحقد على طارق بن زياد، فقال: (وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح وبالغنائم، فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعّده بأنه يتوغّل بغير إذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، واستخلف على القيروان ولده عبد الله وخرج معه حسين بن أبي عبد الله المهدي الفهري. ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر، ووافى خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس. وتلقّاه طارق وانقاد واتبع، وتمّم موسى الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق، وأربونة في الجوف وصنم قادس في الغرب، ودوّخ أقطارها وجمع غنائمها. وجمع أن يأتي المشرق على القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس ويخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانيّة مجاهدا فيهم مستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة)([6])

وهذا النص الذي ذكره ابن خلدون ومثله كل المؤرخين كاف في الدلالة على دوافع الفتح، وأنها لم تكن نجدة ولا شهامة، وإنما كان للمغنم الدور الأكبر فيها، بل كان هو المحرك الأساسي لها، كما ذكر الذهبي ذلك، فقال: (وأقام موسى بن نصير غازيا وجامعا للأموال نحو سنتين، وقبض على طارق، ثم استخلف على الأندلس ولده عبد العزيز بن موسى، ورجع بأموال عظيمة، وسار بتحف الغنائم إلى الوليد)([7])

ثم ذكر بعض ما غنمه، وسار به إلى الخليفة ليقنعه بالفتح بعد أن رآه مترددا في ذلك، فقال: (ومما وجد بطليطلة لما افتتحها: مائدة سليمان عليه السلام، وهي من ذهب مكللة بالجواهر، فلما وصل إلى طبرية بلغه موت الوليد وقد استخلف سليمان أخاه، فقدم لسليمان ما معه، وقيل: بل لحق الوليد وقدم ما معه إليه، وقيل: إن هذه المائدة كانت حمل جمل) ([8])

وذكر كذلك أن تلك الدوافع لم تكن مرتبطة بالقادة فقط، وإنما بالجند أيضا، والذين وجد بعضهم الفرصة للسلب والنهب، فقد قال: (وفيها توجه طائفة من عسكر موسى بن نصير في البحر إلى جزيرة سردانية، فأخذوها وغنموا، ولكنهم غلوا، فلما عادوا سمعوا قائلا يقول: اللهم غرق بهم، فغرقوا عن آخرهم، ثم استولى عليها الفرنج) ([9])

وهكذا ذكر شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (المتوفى: 1041هـ) في كتابه [نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب] ما حصل من العداوة بين طارق بين زياد وموسى بن نصير، من خلالها يمكن اكتشاف دوافع الفتح، فقد قال: (توجّه الأمير موسى من ماردة عقب شوال من العام المؤرخ يريد طليطلة، وبلغ طارقاً خبرهن فاستقبله في وجوه الناس، فلقيه في موضع من كورة طلبيرة؛ وقيل: إن موسى تقدّم من ماردة فدخل جلّيقية من فج نسب إليه، فخرقها حتى وافى طارق بن زياد صاحب مقدمته بمدينة استرقة، فغض منه علانية، وأظهر ما بنفسه عليه من حقد، والله أعلم؛ وقيل: لمّا وقعت عينه عليه نزل إليه إعظاماً له، فقنّعه موسى بالسوّط، ووبّخه على استبداده عليه ومخالفته لرأيه، وساروا إلى طليطلة، فطالبه موسى بأداء ما عنده من مال الفيء وذخائر الملوك، واستعجله بالمائدة، فأتاه بها وقد خلع من أرجلها رجلاً وخبأه عنده، فسأله موسى عنه، فقال: لا علم لي به، وهكذا أصبتها، فأمر موسى فجعل لها رجل من ذهب جاء بعيد الشبه من أرجلها يظهر عليه التعمّل، ولم يقدر على أحسن منه، فأخلّ بها. جاء بعيد الشبه من أرجلها يظهر عليه التعمّل، ولم يقدر على أحسن منه، فأخلّ بها)([10])

ثم قال يصف رجوعه إلى الخليفة، بما معه من الأموال حتى يرغبه في الإذن له بفتح الأندلس: (ثم سار إلى قرطبة، ثم قفل عن الأندلس سنة أربع وتسعين، فأتى إفريقية، وسار عنها سنة خمس وتسعين إلى الشام يؤمّ الوليد بن عبد الملك يجرّ الدنيا بما احتمله من غنائم الأندلس من الأموال والأمتعة يحملها على العجل والظّهر، ومعه ثلاثون ألف رأسٍ من السبي)([11])

وكان يرجو من وراء كل تلك الغنائم أن يثبته على قيادة الجيوش، ويأذن له باستكمال فتح الأندلس أو ربما أوروبا جميعا، لكنه مات قبل أن يصل إليه، فحصلت النكبة له، أو كما قال المقري: (فلم يلبث أن هلك الوليد بن عبد الملك وولي سليمان، فنكب موسى نكباً أداه إلى المتربة)

ونحب أن نذكر أن هذا الخادم المخلص لأصحاب الملك العضوض الذين توهمنا أنهم فتحوا الأرض ليخلصوها من المستبدين، وينشروا الإسلام، كان قد ارتكب قبل ذلك بالمغرب جرائم بشعة لا يمكن تصورها.. ومنها ما ذكره المقري في [نفح الطيب] بقوله: (إن موسى بن نصير ولي إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين فقدمها ومعه جماعةٌ من الجند، فبلغه أن بأطراف البلاد من هو خارجٌ عن الطاعة، فوجّه ولده عبد الله، فأتاه بمائة ألف رأسٍ من السبايا، ثم ولده مروان إلى جهةٍ أخرى، فأتاه بمائة ألف رأسٍ، وقال الليث بن سعد: بلغ الخمس ستين ألف رأس، وقال الصّدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير)([12])

وهذا ما ذكره الذهبي مشيدا به في ترجمة موسى بن نصير، فقد قال: (وقال الليث بن سعد: إن موسى بن نصير بعث ابنه مروان على جيش، فأصاب من السبي مائة ألف، وبعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مائة ألف أخرى، فقيل لليث: من هم؟ قال: البربر، فلما جاء كتابه بذلك، قال الناس: إن ابن نصير والله أحمق، من أين له عشرون ألفا يبعث بهم إلى أمير المؤمنين في الخمس؟ فبلغه ذلك، فقال: ليبعثوا من يقبض لهم عشرين ألفا، فلما فتحوا الأندلس جاء رجل فقال: ابعث معي أدلك على كنز، فبعث معه فقال لهم: انزعوا ها هنا، فنزعوا فسال عليهم من الياقوت والزبرجد ما أبهتهم، فقالوا: لا يصدقنا موسى، فأرسلوا إليه، فجاء ونظر، قال الليث: إن كانت الطنفسة لتوجد منسوجة بقضبان الذهب، تنظم السلسلة الذهب باللؤلؤ والياقوت، فكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيقسمانها، ولقد سمع يومئذ مناد ينادي ولا يرونه: أيها الناس، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم)([13])

ولكن مع كل هذه الجرائم نرى الذهبي يصور موسى بن نصير بصورة الرجل الصالح الذي تنفتح له عوالم الغيب، ومن ذلك ما ذكره من اكتشافاته العلمية التي أخبر بها الخلفاء، فقد قال: (وقال جرير بن عبد الحميد، عن سفيان بن عبد الله: إن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير عن أعجب شيء رآه في البحر، فقال: انتهينا إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء، مختومة بخاتم سليمان – عليه السلام – فأمرت بأربعة منها فأخرجت، وأمرت بواحدة فنقبت، فإذا شيطان يقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض، ثم نظر، فقال: والله ما أرى بها سليمان ولا ملكه، فانساخ في الأرض، فذهب، فأمرت بالبواقي فردت إلى مكانها) ([14])

ولكنه لم ينس في نفس الوقت أن يذكر المصير المؤلم الذي صار إليه بعد كل ذلك التزلف لبني أمية كما هي العادة في تعامل الملوك مع المخلصين معهم، فقد قال: (ولما افتتح موسى أكثر الأندلس رجع إلى إفريقية وله نيف وستون سنة، وهو راكب على بغل اسمه كوكب، وهو يجر الدنيا بين يديه جرا، أمر بالعجل تجر أوقار الذهب والجواهر والتيجان والثياب الفاخرة ومائدة سليمان، ثم استخلف ولده بإفريقية، وأخذ معه مائة من رؤساء البربر، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم، وقدم مصر في أبهة عظيمة، ففرق الأموال، ووصل الأشراف والعلماء، ثم سار يطلب فلسطين، فتلقاه روح بن زنباع، فوصله بمبلغ كبير، وترك عنده بعض أهله وخدمه، فأتاه كتاب الوليد بأنه مريض، ويأمره بشدة السير ليدركه، وكتب إليه سليمان بن عبد الملك يبطئه في سيره فإن الوليد في آخر نفس، فجد في السير، فآلى سليمان إن ظفر به ليصلبنه، وأراد سليمان أن يبطئ ليتسلم ما جاء به موسى، فقدم قبل موت الوليد بأيام، فأتاه بالدر والجوهر والنفائس وملاح الوصائف والتيجان والمائدة، فقبض ذلك كله، وأمر بباقي الذهب والتقادم فوضع ببيت المال، وقومت المائدة بمائة ألف دينار، ولم يحصل لموسى رضا الوليد، واستخلف سليمان فأحضره وعنفه وأمر به فوقف في يوم شديد الحر ـ وكان سمينا بدينا ـ فوقف حتى سقط مغشيا عليه)([15])

وهكذا ذكر في ترجمته ما يدل على ذلك الجشع الاستعماري الذي لا يمكن أبدا أن نطلق عليه لقب الفتح الإسلامي، فقد قال: (ولما قدم مصر سنة خمس وتسعين توجه إلى الوليد، فلما جلس الوليد يوم جمعة على المنبر أتى موسى وقد ألبس ثلاثين رجلا التيجان، على كل واحد تاج الملك وثيابه، ودخل بهم المسجد في هيئة الملوك، فلما رآهم الوليد، بهت ثم حمد الله وشكر، وهم وقوف تحت المنبر، وأجاز موسى بجائزة عظيمة، وأقام موسى بدمشق حتى مات الوليد واستخلف سليمان، وكان عاتبا على موسى، فحبسه وطالبه بأموال عظيمة.. وروي أن موسى قال لسليمان يوما: يا أمير المؤمنين لقد كانت الشياه الألف تباع بمائة درهم، ويمر الناس بالبقرة لا يلتفتون إليها، وتباع الناقة بعشرة دراهم، ولقد رأيت العلج الفاره وامرأته وأولاده يباعون بخمسين درهما) ([16])

هذه مجرد نماذج عن بعض ما ذكره المؤرخون المسلمون أثناء عرضهم لفتح الأندلس، وهي كافية للدلالة على أغراض الفتح، وخلوها تماما من أي دوافع دينية، أو إنسانية، بل هي دوافع لا تختلف عن جشع المستعمرين..

بل قد ورد التصريح بذلك من الخلفاء الذين كانوا يرسلون أمثال تلك الجيوش أنفسهم، فقد روى الحاكم عن هشام، عن الحسن، قال: بعث زياد الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان فأصابوا غنائم كثيرة، فكتب إليه: أما بعد، فإن أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء، والصفراء، ولا تقسم بين المسلمين ذهبا ولا فضة، فكتب إليه الحكم: (أما بعد، فإنك كتبت تذكر كتاب أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإني أقسم بالله لو كانت السماوات والأرض رتقا على عبد فاتقى الله لجعل له من بينهم مخرجا، والسلام)، فأمر الحكم مناديا فنادى أن اغدوا على فيئكم فقسمه بينهم، وأن معاوية لما فعل الحكم في قسمة الفيء ما فعل وجه إليه من قيده وحبسه، فمات في قيوده ودفن فيها، وقال: (إني مخاصم)([17])

بالإضافة إلى ذلك، فقد كان هدف آخر، لكنه لا يتعلق بتحرير المستضعفين أو الدعوة للإسلام، وإنما هو قمع المعارضة وتفريقها، وقد روى الطبري في ذلك عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري، قصة طويلة، ومما جاء فيها: (فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمي، وإلى عبد الله بن عامر، فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه، وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم، وأشيروا علي، فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته، وقمل فروه)([18]) إلى آخر القصة.

هذا ما ورد في أغراض تلك الفتوح، ولست أدري هل يمكن من الناحية الشرعية أن نسمي فتوحا؟.. وهل يمكن اعتبار بيع أولئك الأحرار الذين استنجدوا بالمسلمين في أسواق النخاسة شهامة وإنسانية؟.. وهل يمكنهم أن يقتنعوا بالإسلام، والواحد منهم ـ كما قال الذهبي ـ يباع مع امرأته وأولاده بخمسين درهما؟

أرجو أن نسأل عقولنا لنعرف الحقيقة، ونشهد لله بها.. ذلك أن الكثير يصور أن ما حصل في الأندلس كان فتحا عظيما، وأن المشكلة لم تبدأ مع الفاتحين، وإنما بدأت مع ملوك الطوائف، والأمر ليس كذلك.. فلو كانت البداية طيبة، وفي سبيل الله، لما كانت النهاية كذلك.

2 ـ الفاتحون.. والشدة والعنف:

لم يكتف من يسمون أنفسهم فاتحين، أو قادتهم على الأقل، بما سلبوه ونهبوه من أموال وأراض، وغيرها، وإنما راحو يستعملون كل الوسائل التي تمكنوا منها للقضاء على ذلك الشعب الذي جاءوا لتحريره.

ولم يقتصر الأمر على الفترة التي بدأوا فيها أعمالهم التحريرية، كما يذكرون، وإنما شمل كل الفترة التي تواجدوا فيها، وقد ذكر لنا المؤرخون المسلمون، لا المستشرقون الكثير من المشاهد الدالة على ذلك، والتي تقشعر لها الأبدان، ولكنهم يروونها بكل برودة، لأن القتلى فيها ليسوا مسلمين.

ولست أدري ما تصورهم للإسلام، ولرسالة الإسلام المملوءة بالرحمة والسماحة والعدالة، والتي حولوها بجرائمهم إلى رسالة للقتل والحرق والإبادة، ثم الفخر بعد ذلك أنهم يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.

ولست أدري من يقبل كلمة الله، وهو يرى أهله أمامه بين قتيل وجريح، ويرى بناته وأطفاله سبايا، قد تحولوا إلى عبيد يباعون في الأسواق، هل يمكن لمن يرى ذلك أن يقتنع بكلمة الله؟

ولذلك ذكرنا أن أولئك المستبدين أصحاب الملك العضوض، لم يفعلوا ـ بما سموه فتوحا ـ سوى أن ملأوا قلوب أهل الأرض أحقادا على المسلمين والإسلام، وذلك ما ترجم بعد ذلك بالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والاستعمار وغيرها.

ونحن وإن كنا نلوم الغرب في ذلك، إلا أننا نلوم كذلك المسلمين لكونهم ارتكبوا نفس الجرائم، وباسم الإسلام للأسف، والإسلام منهم بريء.. ولذلك كان ما فعله المستعمرون من الناحية المعنوية أقل خطرا مما فعله من يسمون أنفسهم فاتحين، ذلك لأن المستعمر لم يستعمل الدين في جرائمه، بينما ذلك الذي يدعي الفتح استعمل الدين، وراح يضرب به خصومه، ويفخر به عليهم.

ومثلما ذكرنا بعض نماذج السلب والنهب، سنذكر هنا نماذج عن الشدة والعنف، ومن أزمنة متفرقة تصور بعض ما حصل للسكان الأصليين للأندلس بسبب من يدعون أنهم جاءوا لتحريرهم ودعوتهم للإسلام.

وسنعتمد مثلما اعتمدنا سابقا، وفي كل مرة المصادر الكبرى المعتمدة في التاريخ الإسلامي، من أمثال تاريخ الإسلام للذهبي، وتاريخ الطبري وابن خلدون، وغيرها، حتى لا يشنع علينا من يذكر أن هذا كلام المستشرقين.

وقبل أن نذكر ذلك نشير إلى أمر مهم جدا، لا نجد من يذكره أو يركز عليه، وهو ما أشار إليه ابن خلدون من أن عمر بن عبد العزيز وكبار التابعين كانوا من المعارضين لبقاء المسلمين في الأندلس، فقد قال: (وقد كان عمر بن عبد العزيز رأى أن يخرج المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم، وبعدهم عن الصريخ، وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأيا، واعتزم عليه لولا ما عاقه من المنية وعلى ذلك)([19])

وذكر سبب ذلك، وهو أن الاقتتال لم يكن يكف أبدا في الأندلس، ذلك أن أهلها لم ييأسوا أبدا عن المقاومة، يقول في ذلك: (كانت عدوة الأندلس منذ أوّل الفتح ثغرا للمسلمين، فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم. وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف، وبين الظفر والناب من أسود الكفر لتوقر أممهم جوارها وإحاطتهم بها من جميع جهاتها، وحجز البحر بينهم وبين إخوانهم المسلمين) ([20])

وقد كان هذا الموقف كافيا للعقلاء أن يخرجوا من تلك البلاد بأقل الخسائر، ذلك أنه لا جدوى من الاقتتال الدائم الذي لا يفعل سوى أن يشوه الإسلام والمسلمين، ولا يؤتي في نفس الوقت أي نتيجة..

لكن للأسف لم يطبق ذلك الرأي الوجيه الذي حاول عمر بن عبد العزيز تنفيذه؛ وسبب ذلك هو أن كل الخلفاء الذين جاءوا بعده كانوا محتاجين كل حين لمن يرسل لهم المزيد من الأموال والسبايا، ولو أن الحرب توقفت وعاد المسلمون إلى ديارهم، لتوقف سيل الغنائم.

لكن ابن خلدون الذي ذكر هذا هو نفسه الذي كان يشيد كل حين بما يسميه انتصارات المسلمين في الأندلس.. وهي انتصارات وهمية، ليس الغرض منها إلا المزيد من القتل والدمار والغنائم، أما من الناحية الاستراتيجية، فإنها لم تكن تحقق أي نتيجة، ذلك أنه سرعان ما ينهض السكان الأصليون للأندلس من جديد ليستعيدوا ما سلب منهم، وليأخذوا الثأر من المسلمين أضعافا مضاعفة.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في تاريخه بإعجاب كبير تحت عنوان [الخبر عن شأن الجهاد، وظهور السلطان أبي يوسف على النصارى وقتل زعيمهم ذننه وما قارن ذلك]([21])، وهو نص طويله مملوء بالجثث وروائح الدماء.. ولن أذكره جميعا هنا، ولكني سأكتفي ببعض مشاهد بطولات هذا السلطان، وإحيائه لما سماه فريضة الجهاد.

وقد قدم لذلك بذكر ما حصل من ذل للأندلسيين بعد عزهم القصير، فقال: (فكان للإسلام فيه اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر، بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن، وكانت نهاية عزّهم وسورة غلبهم أيام بني أمية بها، الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئات من السنين أو ما يقاربها، حتى انتثر سلكها بعد المائة الرابعة من الهجرة، وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب) ([22])

ثم ذكر كيف حاول البربر أن يستعيدوا الانتصارات في الأندلس، والمقاتل العظيمة التي أصابوا بها سكان الأندلس الأصليين، فقال: (واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم، وجاءت دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقا بالمغرب من كلمة الإسلام. وتمسكوا بالسنّة وتشوّقوا إلى الجهاد، واستدعاهم إخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم، فأجازوا إليهم وأبلوا في جهاد العدوّ أحسن البلاء، وأوقعوا بالطاغية ابن أدفوش يوم الزلّاقة وغيرها. وفتحوا حصونا واسترجعوا أخرى واستنزلوا الثوّار ملوك الطوائف، وجمعوا الكلمة بالعدوتين. وجاء على أثرهم الموحّدون سالكين أحسن مذاهبهم، فكان لهم في الجهاد آثار على الطاغية أيام، منها يوم الأرك ليعقوب بن المنصور وغيره من الأيام) ([23])

وبعد هذه المقدمات وغيرها، والتي نحتاج إلى قراءتها قراءة تدبرية حتى نفهم المدى الذي وصل إليه المسلمون في علاقتهم بغيرهم من الذين كلفوا بدعوتهم، راح يسرد ما حصل من انتصارات، فقال: (.. واستدعى من الغد صاحب سبتة في السفن لإجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الأساطيل، فأجاز العسكر ونزل بطريف، وأراح ثلاثا، ودخل دار الحرب وتوغّل فيها، وأجلب على ثغورها وبسائطها. وامتلأت أيديهم من المغانم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار، حتى نزل بساحة شريس، فخام حاميتها عن اللقاء وانحجروا في البلد، وقفل عنها إلى الجزيرة وقد امتلأت أيديهم من الأموال وحقائبهم من السبي وركائبهم من الكراع والسلاح) ([24])

ثم ذكر تأثير تلك الانتصارات في أهل الأندلس، فقال: (ورأى أهل الأندلس قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطاعة الكبرى على أهل الكفر، واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه.. ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع، ودعا المسلمين إلى الجهاد. وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحّدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابرة وأهل المغرب من المرتزقة والمطّوعة. وأهاب بهم وشرع في إجازة البحر، فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين وستمائة واحتلّ بساحة طريف) ([25])

ثم راح يذكر بنشوة مشاهد أخرى لتلك الانتصارات، فقال: (.. وعقد لولده الأمير أبي يعقوب على خمسة آلاف من عسكره. وسرّح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزرع وتحطّم الغروس، وتخرّب العمران، وتنتهب الأموال، وتكتسح السرح، وتقتل المقاتلة، وتسبي النساء والذرّية، حتى انتهى إلى المدور وتالسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنوة. وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها. وقفل والأرض تموج سبيا إلى أن عرس بأستجة من تخوم دار الحرب. وجاء النذير باتباع العدو وآثارهم لاستنقاذ أسراهم وارتجاع أموالهم. وأنّ زعيم الروم وعظيمهم ذنّته خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه. فقدّم السلطان الغنائم بين يديه وسرّح ألفا من الفرسان أمامها، وسار يقتفيها، حتى إذا طلّت رايات العدو من ورائهم كان الزحف، ورتّب المصاف وحرّض وذكّر. وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحرّكت هممها، وأبلت في طاعة ربّها والذبّ عن دينها. وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها، ولم يكن إلّا كلّا ولا، حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية، وقتل الزعيم ذنّنه والكثير من جموع الكفر. ومنح الله المسلمين أكتافهم، واستمرّ القتل فيهم. وأحصي القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف، واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده. ونصر الله حزبه وأعزّ أولياءه ونصر دينه. وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملّة وقيامها بنصر الكلمة) ([26])

ثم ذكر ما حصل بعد ذلك الانتصار العظيم، والذي لم نشم فيه رائحة كلمة واحدة من الدعوة إلى الله، أو أخلاق المنتصرين، فقال: (.. وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته، فقسّم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوّهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم، بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنّة ليصرفه في مصارفه. ويقال: كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا، ومن الأسارى سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين، ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة، وأمّا الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة، حتى لقد زعموا بيعت الشاة في الجزيرة بدرهم واحد، وكذلك السلاح) ([27])

ثم ذكر تأثير ذلك النصر والغنائم التي ارتبطت به في فتح شهية الأمير للجهاد ـ فيما سماه سبيل الله ـ فقال: (وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياما ثم خرج لجمادى غازيا إلى إشبيليّة فجاس خلالها وتقرّى نواحيها وأقطارها، وأثخن بالقتل والنهب في جهاتها وعمرانها. وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح) ([28])

وهكذا أرخ الذهبي لموقعة الزلاقة؛ فقال: (خبر وقعة الزلاقة بالأندلس: وهو أن الأدفونش – لعنه الله – تمكن وتمرد، وجمع الجيوش فأخذ طليطلة، فاستعان المسلمون بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش، فبادر وعدى بجيوشه، واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وتهيأ عسكرها وعسكر قرطبة، وأقبلت المطوعة من النواحي. وسار جيش الإسلام حتى أتوا الزلاقة – من عمل بطليوس – وأقبلت الفرنج، وتراءى الجمعان، فوقع الأدفونش على ابن عباد قبل أن يتواصل جيش ابن تاشفين، فثبت ابن عباد وأبلى بلاء حسنا، وأشرف المسلمون على الهزيمة، فجاء ابن تاشفين عرضا، فوقع على خيام الفرنج فنهبها وقتل من بها، فلم تتمالك النصارى لما رأت ذلك أن انهزمت، فركب ابن عباد أقفيتهم، ولقيهم ابن تاشفين من بين أيديهم، ووضع فيهم السيف، فلم ينج منهم إلا القليل، ونجا الأدفونش في طائفة)([29])

ثم ذكر تفنن الفاتحين في ذلك الحين بقطع الرؤوس واللعب بها، فقال: (وجمع المسلمون من رؤوس الفرنج كوما كبيرا، وأذنوا عليه، ثم أحرقوها لما جيفت) ([30])

وذكر عظم القتل الذي أصاب السكان الأصليين للأندلس، في نفس الوقت الذي امتلأت فيه جيوب المسلمين بالغنائم الكبيرة التي حاول الذهبي كعادته عدها، فقال: (وكانت الوقعة يوم الجمعة في أوائل رمضان، وأصاب المعتمد بن عباد جراحات سليمة في وجهه. وكان العدو خمسين ألفا، فيقال: إنه لم يصل منهم إلى بلادهم ثلاثمائة نفس، وهذه ملحمة لم يعهد مثلها، وحاز المسلمون غنيمة عظيمة، وطابت الأندلس للملثمين، فعمل ابن تاشفين على أخذها، فشرع أولا، وقد سار في خدمته ملك غرناطة، فقبض عليه وأخذ بلده، واستولى على قصره بما حوى، فيقال: إن في جملة ما أخذ أربعمائة حبة جوهر، فقومت كل واحدة بمائة دينار)([31])

وقد ذكر المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان (المتوفى: 1406هـ) في كتابه [تاريخ دولة الإسلام في الأندلس] بعض التقديرات حول خسائر السكان الأصليين للأندلس ناقلا لها من المصادر الكبرى في التاريخ الإسلامي، فقال: (وتذهب في تقدير خسائر النصارى إلى حد قولها إنهم بلغوا نحو ثلاثمائة ألف، بيد أن هناك أقوالا أكثر اعتدالا، فيروى مثلا أن أمير المسلمين أمر بقطع رؤوس القتلى من النصارى فقطعت وجمعت، فاجتمع منها تل عظيم، أذن من فوقه للصلاة، واجتمع منها بين يدي المعتمد بن عباد أربعة وعشرين ألفاً، وأن رؤوس القتلى التي وزعت على قواعد الأندلس بلغت أربعين ألفاً، وأنه أرسل إلى المغرب أربعين ألفاً أخرى، لتوزع على قواعده. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن الروم (القشتاليين) وكانوا ثمانين ألف فارس، ومائتي ألف راجل، فقتلوا أجمعين ولم ينج منهم إلا ألفنش في مائة فارس، ومن الغريب أن هذه الأرقام نفسها هي التي وردت في خطاب الفتح الرسمي الذي بعث به يوسف إلى المغرب)([32])

لكن ذلك الزهو، وتلك النشوة التي أصابت ابن خلدون أو الذهبي أو غيرهما عند نقلهم لأبناء تلك الانتصارات سرعان ما تحولت إلى آلام شديدة بسبب انتكاسات وهزائم لا تقل عن تلك الانتصارات التي حصلت في تلك الموقعة.

وقد عبر الذهبي عن تلك الهزيمة في موقعة العقاب بقوله: (وفيها كانت الوقعة المشهورة بوقعة العقاب بالأندلس بين محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالناصر، وبين الفرنج، ونصر الله الإسلام، واستشهد بها خلق كثير)([33])

واكتفى بذلك، لكن عنان ذكر ما حصل بالضبط من خلال المصادر الكثيرة، فقال: (من المسلم أن خسائر المسلمين في معركة العقاب كانت فادحة جداً. والروايات الإسلامية تجمع كلها على أن الجيش الموحدي، قد هلك معظمه. بيد أنها تذهب أحيانا إلى تقديرات لا يستسيغها العقل، ومن ذلك ما يقوله صاحب روض القرطاس أنه لم ينج من الجيش الموحدي إلا الواحد من الألف، فإذا ذكرنا أنه يقدر جموع الجيش الموحدي بأكثر من نصف مليون، فمعنى ذلك أنه لم ينج من الموحدين في المعركة سوى خمسمائة جندى، وهذا منتهى الإغراق. ثم هو من جهة أخرى يقول لنا بأن سبب هذه الكثرة الفادحة من القتلى، يرجع إلى أن ملك قشتالة أمر أن ينادى في جيشه بأن لا أسر إلا القتل، ومن أتى بأسير قتل هو وأسيره، ويصف صاحب الحلل الموشية الموقعة بالهزيمة العظمى التي فنى فيها أهل المغرب والأندلس. ويقول صاحب [الذخيرة السنية] مشيراً إلى الموقعة أنه قتل من المسلمين خلق كثير لا يحصر، وفيها فنى جيوش المغرب والأندلس)([34])

هذه مجرد نماذج عن بعض الدماء التي سالت في الأندلس من المسلمين وغيرهم طيلة ثمان قرون كاملة، وهي تفسر لنا سر انتشار الإسلام في إفريقيا وآسيا، وعدم انتشاره في أوروبا، ذلك أن ما حصل فيها من مقاتل ـ سماها المسلمون انتصارات ـ كانت أكبر حجاب بينهم وبين الإسلام، وقد كان يمكن للمسلمين تفاديها وعدم الوقوع فيها لو أنهم فقهوا القرآن الكريم، وتخلوا عن دين الفئة الباغية، وأصحاب الملك العضوض.

كان يمكنهم أن يرجعوا إلى ديارهم بمجرد تحريرها، وحينها لن تسيل دماؤهم، ولا دماء الأندلسيين أو غيرهم، وحينها سيكون للمسلمين تاريخ آخر أكثر إشراقا وجمالا.

لكن ذلك للأسف لم يحدث، والمشكلة الأكبر ليس في تلك الأحداث، وإنما في الفخر بها، فلا زال الكثير من المسلمين إلى الآن يحلم بالعودة للأندلس، وهو يحمل السيف ليحررها من أهلها من جديد، مثلما فعل سلفه.

3 ـ الفاتحون.. والفتن والصراع:

عندما نقرأ المواقف التمجيدية لما يسمونه [الحضارة الإسلامية في الأندلس]، أو ما يعبرن عنها بـ [الفردوس المفقود]، نشعر بتلك العلمانية التي يعاني منها العقل المسلم، وهو يدرس الأحداث التاريخية بمعزل عن القرآن الكريم، أو السنة المطهرة، أو القيم النبيلة التي خزنها الله في فطرنا وعقولنا التي لم يصبها الاختلاط.

فالله تعالى أخبر أن علامة مجد هذه الأمة وخيريتها هو تمسكها بالقيم، ودعوتها إليها، وتضحيتها في سبيلها بكل المصالح، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]

وهكذا أخبرنا أن هذه الأمة ستفتن وتختبر مثلها مثل سائر الأمم، حتى يثبت كل فرد أو مجموعة منها مدى خيريته؛ فالخيرية ليست في المجموع، وإنما في الأفراد الذين تحلوا بشروط الخيرية، وأول تلك الشروط البحث عن قيم المعروف والالتزام بها والدعوة إليها، والبحث عن قيم المنكر والنفور والتنفير منها، يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [آل عمران: 142]

وهكذا أخبر القرآن الكريم عن الفتن التي ستحصل للأمة، وحذر خصوصا من فتنة السراء، واعتبرها من الاختبارات اللازمة للأمم، فقال: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94، 95]

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا النوع من الفتن ستبتلى به الأمة، كما أخبر أن هناك الكثير ممن سيرسب في هذا الاختبار، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)([35])

وقد شهد الجيل الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن تلك الفتنة حصلت، وأنهم رأوها بأم أعينهم، كما شهدوا أن هناك من رسب فيها، ففي الحديث عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (ابتلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر)([36])

فإذا كان الجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عينه، عاجزا عن الصبر عن فتنة السراء؛ فكيف بالأجيال التالية، والتي أثرت فيها الانحرافات التي دخلت الدين تأثيرا كبيرا.

ولهذا فإن الباحث الصادق في التاريخ، والذي يستعمل المنهج القرآني والنبوي في التعامل مع الأحداث سيرى أن كل ما حصل في الأندلس ليس سوى مصداق من مصاديق فتنة السراء.

ولعل أعظم دليل على ذلك تسميتهم لها [الفردوس المفقود]، لأنها بدت لهم بصورة الجنة، خاصة بعد أن عمروها بالقصور التي ملأوها بالجواري، وأجروا تحتها الأنهار، وصار بعضهم يدفع الجزية للنصارى، ويستعين بهم على إخوانه من أجل أن تبقى له قصوره، وما فيها من متاع الدنيا.

ولذلك، فإن القارئ الصادق للتاريخ، ومن المصادر الإسلامية يكتشف بسهولة أن وجود المسلمين في الأندس ابتداء وانتهاء لم يكن له غاية إلا الدينا، ذلك أن أهل البلاد الأصليين كانوا أشد الناس نفورا منهم، وكانوا يستعملون كل الوسائل لحربهم، ومع ذلك لم يخرجوا.

وقد قال محمد عبد الله عنان في كتابه عن تاريخ الأندلس يذكر ذلك، مع العلم أنه ليس من المستشرقين، بل هو مصري، ويرجع في كل النصوص التي ينقلها للمصادر التاريخية المعتبرة: (في فترة قصيرة لا تتجاوز نصف القرن، تقلبت الأندلس بين مرحلتين متباينتين كل التباين؛ فهي في منتصف القرن الرابع الهجري وحتى أواخر هذا القرن، تبلغ ذروة القوة والتماسك، في ظل رجال عظام مثل عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر، والحاجب المنصور؛ ثم هي منذ أوائل القرن الخامس، تنحدر فجأة إلى معترك لا مثيل له، من الاضطراب والفتنة والحرب الأهلية المدمرة، لتخرج من هذه الغمار بعد فترة قصيرة، أشلاء لا تربطها أية رابطة مشتركة)([37])

ثم وصف بعض ما حصل في ذلك التاريخ الأندلسي الطويل المملوء بالصراع والفتن، فقال: (إنه لمنظر مروع مؤس معاً، ذلك الذي تقدمه إلينا الأندلس في تلك الفترة العصيبة من تاريخها، منظر القواعد والمدن الأندلسية، التي كانت من قبل تلتئم في عقد منتظم واسطته مدينة قرطبة العظيمة، وتسطع في ظل حكومة الخلافة القوية، وتلتف حول عرش الخلفاء المؤثل، وهي تغدو حبات متفرقة منفردة حائرة، تقوم في كل منها حكومة محلية هزيلة، على رأسها متغلب من أهل العصبية أو الرياسة، يسيطر على أقدارها لحساب نفسه. ثم هي بعد ذلك كله، تخوض غمار سلسلة لا نهاية لها من الفتن والحروب الأهلية الصغيرة، وتنسى في خلال هذه الفترة الخطيرة المؤسية من حياتها أو تتناسى، قضية الأندلس الكبرى، قضية الحياة والموت، أو بعبارة أخرى قضية الصراع ضد العدو الخالد، أعني اسبانيا النصرانية) ([38])

وللأسف؛ فإن الذين يدافعون عما يسمونه فتح الأندلس، أو يتباكون على فقدها، يقتطعون من فيلم الأندلس المرعب كل الأجزاء التي لا تحلو لهم، ويختارون فقط ما يشتهون من لقطات، مع أن المتأمل في تلك الأجزاء نفسها يرى أنها لم تكن سوى مقدمة وتحضير للبلاء الذي يستدرج الله به عباده، كما قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178]

وقد أشار محمد عبد الله عنان إلى هذا، حين ذكر أن فترة القوة في الأندلس لم تكن إلا مقدمة لفترات الفتن الكثيرة فيها، فقال: (بيد أن انتثار شمل الأندلس على هذا النحو لم يكن سوى نتيجة طبيعية للعوامل السياسية والاجتماعية التي توالت في الحقبة السابقة، بل نستطيع أن نرجع هذه العوامل إلى بداية قيام الدولة الأموية ذاتها، أعني إلى عهد عبد الرحمن الداخل، فقد رأينا هذا الزعيم القوي، بعد أن استولى على تراث الأندلس، واستتب له الأمر، يعمل بكل ما وسع للاستئثار بالسلطة، وإخماد النزعة القبلية، وتحطيم الزعامات والرياسات العربية المحلية. وقد حذا خلفاؤه من أمراء بني أمية حذوه في تتبع العصبية العربية والقضاء عليها. وقد بلغ هذا الصراع بين السلطة المركزية، وبين المنتزين عليها، ذروته في أواخر القرن الثالث الهجري، إبان اضطرام الفتنة الكبرى، وتفاقم ثورة المولدين والعرب، في عهد الأمير عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن (275 – 300 هـ)، حينما اندلع لهيب الثورة، في كل ناحية من نواحي الأندلس، وظهر الزعماء العرب والبربر في معظم النواحي، واستقلت معظم الكور والمدن الكبيرة عن قرطبة. وقد استطاع عبد الله أن يخمد الثورة في كثير من النواحي، وأن ينقذ سلطان بني أمية من الخطر الداهم، ثم جاء من بعده عبد الرحمن الناصر، فأتم المهمة، وقضى على جذور الفتنة من أساسها، وعمل على تدعيم سلطانه بكل الوسائل، فاشتد في مطاردة القبائل والأسر العربية ذات البأس والعصبية، وقضى على رياستها وزعامتها المحلية، ومال إلى اصطناع الموالي والصقالبة، وأولاهم النفوذ والثقة، فاستأثروا في عهده بأرفع المناصب في القصر وفي الحكومة والجيش، وكان من جراء ذلك أن انصرفت القبائل العربية عن الولاء له، وكان تخاذلها في نصرته يوم موقعة الخندق الشهيرة (327 هـ)، يرجع من وجوه كثيرة، إلى سخط الزعماء العرب لسياسته، في إذلالهم وسحق نفوذهم ومكانتهم)([39])

وهكذا أسس الأمويون لفتن المغرب، بعد أن أسسوا لفتن المشرق، فقد كان لتلك النزعات العنصرية أثرها في تحويل الأندلس إلى الشكل الذي كانت عليه القبائل العربية قبل الإسلام، حيث كان الصراع بينها شديدا، ولم يكن الفرق بينهما سوى أن الصراع الأول كان من أجل ناقة أو فرس، بينما كان الصراع الثاني من أجل رئاسة أو قصر.

وقد ذكر محمد عبد الله عنان بعض مشاهد ذلك، فقال ـ وهو يتحدث عن فترة القوة الأندلسية القصيرة، والتي حضرت لكل الفتن التي جاءت بعدها ـ: (ولم يحد المنصور بن أبي عامر، حين استولى على السلطان، عن هذه السياسة في تدعيم الحكومة المركزية، وسحق كل سلطة محلية وبالرغم من أنه ينتمي إلى بيت من أكرم البيوتات العربية، فإنه عمل على سحق العصبية العربية، وعمل في نفس الوقت على سحق عصبية الفتيان الصقالبة، ولم يستبق منهم إلا أقلية مخلصة. وآثر أن يعتمد في الجملة على ولاء البربر، فكان منهم معظم قادة الجيش، وكان منهم خلفاء المنصور وعماله في المغرب. وفضلا عن ذلك فقد كان من جراء نظام الطغيان المطلق الذي فرضه المنصور على الأندلس، قرابة ثلاثين عاماً، أن توارت معظم الزعامات والعناصر النابهة في المجتمع الأندلسي من الميدان، ولكنها لبثت في مكانها وعزلتها، ترقب فرص الظهور والعمل، ومن جهة أخرى فقد كان هذا النظام المطلق، الذي فرضه المنصور على الأمة الأندلسية، يخفي في ثنياته كثيراً من عوامل الهدم والانتقاض. فقد كانت سائر العناصر التي تعاونت في إقامته وتدعيمه، يتربص بعضها ببعض، ويخشى كل منها على مركزه وسلطانه. وكانت ثمة معارك خفية تجري بين البربر وخصومهم من الصقالبة، في القصر وفي الحكومة. وكان بنو أمية يميلون إلى الصقالبة مواليهم القدماء، ويكرهون البربر، إذ كانوا سنداً للمنصور في استلاب سلطانهم، وكانت البطون العربية تكره هؤلاء وهؤلاء، ولكنها ترى في البربر خصمها الأساسي، وهو من آثار الخصومة القديمة، التي لبثت تضطرم بين العنصرين منذ عصر الفتح)([40])

وبعد أن ذكر الزعامات الكثيرة التي ظهرت، وراح يشكل كل واحد منها دولته المستقلة، علق عليها بقوله: (وأضحت الأندلس في أواخر النصف الأول من القرن الخامس الهجري، تقدم إلينا ذلك المنظر المدهش الذي أشرنا إليه فيما تقدم: منظر الصرح الشامخ، الذي انهارت أسسه، وتصدع بنيانه، وقد اقتصت أطرافها، وتناثرت أشلاؤها، وتعددت الرياسات في أنحائها، لا تربطها رابطة، ولا تجمع كلمتها مصلحة مشتركة؛ لكن تفرق بينها بالعكس، منافسات وأطماع شخصية وضيعة، وتضطرم بينها حروب أهلية صغيرة، والأندلس خلال ذلك كله تفقد مواردها وقواها القديمة تباعاً، ويحدق بها خطر الفناء من كل صوب.. وهذه الدول الصغيرة، المتخاصمة المتنابذة، التي قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى، تعرف بدول الطوائف، ويعرف رؤساؤها بملوك الطوائف وهم ما بين وزير سابق، وقائد من ذوي النفوذ والصحب، وحاكم لإحدى المدن، وشيخ للقضاء، وزعيم من ذوي المال والحسب. وقد ظهروا جميعاً إبان الفتنة، وبسط كل سلطانه، على ما أتيح له من المدن والأراضي، وأخذ يعمل على تدعيم ذلك السلطان وتوسيعه، وتأسيس الملك لبنيه)([41])

وقد أشار إلى ما ذكره، بل صرح به كبار العلماء والأدباء الأندلسيين بصيغ مختلفة، ومنهم لسان الدين بن الخطيب الذي قال: (وذهب أهل الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق، إلى حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعبّاد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب. اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار، وجبوا العمالات والأمصار، وجندوا الجنود، وقدموا القضاة، وانتحلوا الألقاب، وكتبت عنهم الكتاب الأعلام، وأنشدهم الشعراء، ودونت بأسمائهم الدواوين، وشهدت بوجوب حقهم الشهود، ووقفت بأبوابهم العلماء، وتوسلت إليهم الفضلاء، وهم ما بين محبوب، وبربري مجلوب، ومجند غير محبوب، وغفل ليس في السراة بمحسوب، ما منهم من يرضى أن يسمى ثائراً، ولا لحزب الحق مغايراً، وقصارى أحدهم يقول: (أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه)، ولو جاءه عمر بن عبد العزيز لم يقبل عليه، ولا لقي خيراً لديه. ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعماراً، وخلفوا آثاراً، وإن كانوا لم يبالوا اغترارا، من معتمد ومعتضد ومرتضى وموفق ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور وناصر ومتوكل)([42])

وقد عبر عن هذا المعنى الذي ذكره ابن الخطيب أبو الحسن بن رشيق القيرواني، فقال([43]):

مما يزهدني في أرض أندلس.. أسماء مقتدر فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها.. كالهر يحكي انتفاخاً صَوْرَة الأسد

كما عبر عنه ابن حيان، والذي عاصر تلك الفتن، فقال في مقدمة تاريخه الكبير: (فركبت سنن من تقدمني، فيما جمعت من أخبار ملوك هذه الفتنة البربرية، ونظمته وكشفت عنه، وأوعيت فيه ذكر دولهم المضطربة، وسياستهم المنفرة، وأسباب كبار الأمراء المنتزين في البلاد عليهم، وسبب انتقاض دولهم، حال فحال بأيديهم، ومشهور سيرتهم وأخبارهم، وما جرى في مددهم وأعصارهم، من الحروب والطوائل، والوقائع والملاحم، إلى ذكر مقاتل الأعلام والفرسان، ووفاة العلماء والأشراف، حسب ما انتهت إليه معرفتي ونالته طاقتي)([44])

وفوق هؤلاء ذكر محمد عبد الله عنان ـ وهو المؤرخ المختص الذي درس الواقع الأندلسي بدقة شديدة، ومن خلال المصادر الكثيرة ـ أن كل التاريخ الأندلسي ابتداء من أيام الفتح، وانتهاء إلى خروج المسلمين منها لم يكن سوى تاريخ مطول للصراع والفتن، ابتدأ بالصراع بين طارق بن زياد وموسى بن نصير، وانتهى بما ذكره التاريخ من المأساة الكبرى للمسلمين، وقد خرجوا يجرون أذيال الخيبة.

يقول ـ عند ذكره لملوك الطوائف ـ: (ونستطيع القول بأن تمزق الأندلس على هذا النحو، كان ضربة، لم تنهض الأندلس من آثارها قط، بل كان بداية عهد الانحلال الطويل الذي لبثت تتقلب فيه بعد ذلك زهاء أربعة قرون أخرى، وبالرغم من أن عهد الطوائف الحقيقي لم يطل أكثر من سبعين عاماً، وبالرغم من أن الأندلس، قد التأم شملها بعد ذلك في ظل المرابطين ثم الموحدين من بعدهم، وبالرغم من أنها استطاعت أن تسترد تفوقها العسكري القديم في شبه الجزيرة الإسبانية في فترات قصيرة: بالرغم من ذلك كله، فإن الأندلس لم تستطع أن تسترد وحدتها الإقليمية القديمة، ولا تماسكها القديم قط، بل لبثت بالعكس، خلال صراعها الطويل مع اسبانيا النصرانية، تفقد قواها ومواردها تباعاً، وتنكمش رقعتها الإقليمية تدريجياً. حتى إذا كان منتصف القرن السابع الهجري، رأينا رقعة الوطن الأندلسي، ترتد إلى ما وراء نهر الوادي الكبير، وتنحصر في مملكة غرناطة الصغيرة، ورأينا قواعد الأندلس القديمة الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وسرقسطة وبلنسية ومرسية وغيرها، تغدو مدناً إسبانية نصرانية، ويغدو ميزان القوى في شبه الجزيرة الإسبانية بيد مملكة قشتالة الكبرى)([45])

ولم يتوقف أمر الفتن في الأندلس على الفترة التي كان للمسلمين فيها بعض السلطة والسطوة، بل تعدتها إلى ما بعد خروجهم، حيث آثر الكثير من المسلمين البقاء في ذلك الفردوس الذي لم يستطيعوا الخروج منه.. لكنهم دفعوا مقابل ذلك كل شيء ابتداء من كرامتهم، وانتهاء بدينهم.

وللأسف كان للفقهاء الذين لا يعرفون القيم القرآنية دور كبير في بقائهم، فقد أورد المؤرخ الكبير علي بن محمد المنتصر بالله الكتاني (المتوفى: 1422هـ) في كتابه [انبعاث الإسلام في الأندلس] عند حديثه عن اضطهاد المسلمين فيها بين 1502 – 1567 م فتوى لمفتي وهران، أحمد بن بوجمعة المغراوي، وهو أندلسي من بلدة المغرو بمقاطعة قلعة رباح، سنة 910 هـ، يقول فيها مخاطبا أولئك الممتحنين في دينهم، لأجل دنياهم: (إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم فيما لقوا في ذاته، وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته، وارثو سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى التراق. نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا. بعد السلام عليكم من كتابه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد بن بوجمعة المغراوي ثم الوهراني، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار)([46])

ثم راح بعد تلك المقدمة يفتي لهم الفتاوى العجيبة، فيقول: (مؤكدًا عليكم في ملازمة دين الإسلام، آمرين به من بلغ من أولادكم إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم. فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى. فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع، وأن الملك الله ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. فاعبدوه، واصطبروا لعبادته. فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء. لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم. والغسل من الجنابة ولو عومًا في البحور. وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحًا بالأيدي للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء والصعيد، إلا أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء.. وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام، أو حضور صلاتهم، فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام، وإن أجبروكم على شرب الخمر، فاشربوه لا بنية استعماله. وإن كلفوا عليكم خنزيرًا، فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرّم. وإن زوجوكم بناتهم فجائز لكونهم أهل الكتاب، وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه، وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام، فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقي إن تبتم لله تعالى، وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا. وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك. وإن قالوا اشتموا محمدًا، فإنهم يقولون له ممد، فاشتموا ممدًا، ناوين أنه الشيطان، أو ممد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أي عبد الله مريم معبود بحق. وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراهًا، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به. هان قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل ثم فارقها قبل البناء.. وإن قالوا عيسى توفي بالصلب، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وأمانته وصلبه وإنشاء ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو)([47])

وهكذا استطاع هذا الفقيه الجهبذ أن يعطيهم المخارج الشرعية، التي اختصر فيها الدين في تلك الألفاظ والطقوس، دون التفات منه للأجيال التي لن تجد لها ما يدلها على دينها، أو يثبتها عليه.

ولو أن هذا المفتي قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، لوجد لهم المخرج القرآني الذي كان يمكنه بسهولة أن ينهي المشكلة من أساسها، خاصة وأن الاسبان كانوا يطلبون من المسلمين كل حين الخروج إلى البلاد التي جاءوا منها، مثلما نطلب نحن الآن من اليهود في فلسطين أن يعودوا إلى بلادهم، فلا يجوز شرعا لأي شعب أن يخرج شعبا آخر من أرضه.

لكنه للأسف لم يفعل، بل اعتبرهم مجاهدين ومرابطين مع أنهم لم يمكثوا هناك إلا لأجل الدنيا التي اجتذبتهم، ولم يستطيعوا الفكاك من حبالها، وقد ذكر الكتاني كيف كان يعيش المسلمون في تلك الفترة، فقال: (وهكذا تظاهر المسلمون مكرهين بقبول دين النصارى، يقومون بما يجبرون عليه من الترداد إلى الكنائس وتعميد الأطفال. لكنهم ظلوا مسلمين سرًّا يقومون بشعائر الإسلام من صلاة وصيام وتحاشي المنكرات. فكانوا يغسلون أبناءهم من التعميد، ويقومون بالزواج الإسلامي بعد الزواج في الكنيسة، ويربون أبناءهم سرًّا على الإسلام. وعملوا جهدهم للتكيف مع هذا الوضع الشاذ الحرج الخطر إلى أن يأتي الله بفرج من عنده)([48])

لكن ذلك لم يدم طويلا إذا أن الاسبان ابتدعوا وسائل أخرى لتنصير المسلمين لم تعد تجد فيها فتوى ذلك الوهراني شيئا، ومن أهمها فرض الضرائب الكبيرة على المسلمين، حتى يستردوا من خلالهم كل ما أخذه أجدادهم من غنائم، يقول الكتاني: (أخذ فراندو الكاثوليكي يتنكر للوعود التي قطعها على نفسه بمعاملة النصارى الجدد في موضوع الضرائب معاملته للنصارى القدامى حتى قبل سنة 1510 م حيث طبق على المورسكيين ضرائب خاصة بهم سميت ب [الفارضة] تنقسم إلى أربعة أجزاء، ثلاثة منها تسمى بالفارضة العظمى، وتضم غرامة سنوية قدرها 21.000 دوقة ذهبية، وأخرى فوق العادية قدرها 5.000 دوقة، وضريبة من 10.000 دوقة لبناء قصر للملك في غرناطة. والفارضة الرابعة، وتسمى الفارضة الصغرى، أو فارضة البحر لتمويل حراس البحر، ومات فراندو الكاثوليكي، وهو يوصي أولاده بالقضاء على الإسلام وتحطيم بقايا الديانة المحمدية في إسبانيا، بعد أن ذاقت الأمة الأندلسية من ظلمه وغدره وتعسفه الأمرين)([49])

ونحب أن نشير إلى أن استرداد الإسبان لأموالهم التي أخذها منهم المسلمون في بداية الفتح غنائم لهم، لم تتم فقط بعد الخروج من الأندلس، وإنما كانت تتم قبل ذلك، فقد كان ملوك الطوائف وغيرهم، يسلمون الجزية والضرائب الكثيرة للمالك الاسبانية حتى لا تغير عليهم، أو حتى يستعينوا بها على غيرهم من المسلمين.

ولم يقتصر الأمر على المال، فقد استعمل الإسبان كل الوسائل لتنصير المسلمين تنصيرا كاملا، وحصل لهم الكثير مما أرادوا، يقول الكتاني في ذكر بعض مشاهد ذلك: (في سنة 1518 م أصدر الملك أحكامًا قاسية بحق المسلمين فأوفد الأندلسيون للملك وفدًا للشكوى من تظلمهم. فلم يأت ذلك بطائل. وصدر مرسوم جديد في 12/ 3 / 1524 م يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه وإخراج كل من أبى التنصير من إسبانيا، وأن يعاقب كل من أبى التنصير أو الهجرة في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس. فأرسل المورسكيون وفدًا إلى الملك بمجريط (التي أصبحت عاصمة إسبانيا الجديدة) يلتمسون منه من جديد حمايته وعدله ويستغيثون به. فانتقل كارلوس الخامس في يونيو عام 1526 م إلى غرناطة وبقي فيها إلى غاية ديسمبر من نفس السنة لمتابعة الموضوع بنفسه وإيجاد حل له، فندب الملك محكمة كبرى مكونة من النواب والقساوسة والقادة وقضاة التفتيش برئاسة المفتش العام لتنظر في ظلامة المورسكيين، ولتقرر فيما إذا كان تنصير المسلمين قسرًا صحيحًا وملزمًا أم لا. فإذا كان هذا التنصير صحيحًا عوقب المخالف بالموت حرقًا كمرتد. وقد قدمت المحكمة تقريرها في سبتمبر عام 1526 م أكدت فيه أن المورسكيين هم فعلاً ضحية اعتداءات متواصلة من طرف النصارى القدامى الذين يشتمونهم في الطرقات ويستغلونهم شر استغلال ويهينونهم رجالاً ونساء دون حماية القانون. لكن المحكمة قررت كذلك أن تنصير المسلمين القسري صحيح ولا طعن فيه)([50])

ومما سنه ذلك الملك من قوانين: (أن تبقى بيوت المورسكيين مفتوحة على الدوام ليرى الجميع ماذا يجري فيها، وأن تزيل المورسكيات حجابهن) ([51])

ولكن مع ذلك لم يفروا بدينهم من الفتن، وإنما استمر بقاؤهم فيها، واستمر أولئك الذين لا يقرؤون القرآن في تشجيعهم على ذلك، ولذلك راح الإسبان في كل مرة يستعملون وسائل جديدة، ويطلبون أموالا كثيرة، وقد ذكر الكتاني ذلك، فقال: (ثم التمس المورسكيون مرة أخرى من الملك الرأفة، ودفعوا له 80.000 دوقة ذهبية، فوافق على وقف تنفيذ هذه الإجراءات لمدة أربعين سنة، يحتفظ خلالها المورسكيون بلغتهم العربية وثيابهم الإسلامية وبعض التسهيلات الأخرى مقابل دفع ضريبة سنوية. وكان يجمع من هذه الضريبة أموالاً طائلة)

لكن ذلك أيضا لم يطل؛ فبعد أن قبضوا الأموال الضخمة راحوا يخرقون العهود، ويتلاعبون بأولئك الذين رضوا بالذل، والتفريط في دينهم من أجل السراب.

وقد كان في إمكان المورسكيين أن يتركوا استفتاء أولئك الفقهاء الذين لا يقرؤون القرآن، ويستمعوا بدلهم لذلك الشاعر الناصح الذي ذكره المقري في [نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب]، فقال: (من أول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة 475، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال:

يا أهل أندلس حثوا مطيكم.. فما المقام بها إلا من الغلط

الثوب ينسل من أطرافه وأرى.. ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط

ونحن بين عدو لا يفارقنا..كيف الحياة مع الحيات في سفط)([52])

وكان الشاعر الآخر الذي ذكره المقري أكثر دقة في التعبير حينها وصف الأندلس بأنها أرض معارة للمسلمين وليست حقا لهم، فقال([53]):

يا أهل أندلس ردوا المعار..فما في العرف عارية إلا مردات

ألم تروا بيدق الكفار فرزنه..وشاهنا آخر الأبيات شهمات

4 ـ الفاتحون.. والاستبداد والطغيان:

يتصور الكثير من الناعقين بالأمجاد المزيفة أن ذلك الذي يسمونه فردوسا مفقودا كان لجميع المسلمين، عامتهم وخاصتهم، وذلك غير صحيح، والمصادر التاريخية تؤكد أنه لم ينعم في الأندلس بالرخاء والرفاه سوى أولئك المستبدين الطغاة الذين قسموا الأرض بينهم كما تقسم الكعكعة.

وهم يذكرون أن ما كان من آثار في الأندلس لا يزال يوجد بعضها إلى اليوم، ليس سوى أثر من آثار ذلك الاستبداد والظلم، ذلك أن تلك القصور، بنيت على عرق كثير، ودماء كثيرة، سالت لترفع كل لبنة من لبناتها، ويسكن بعدها صعلوك من الصعاليك، ومعه غلمانه وجواريه.

وبما أن الكثير يلتمس كل السبل ليفر من الحقيقة، فلن أذكر هنا ما قال المؤرخون، وإنما سأذكر بعض ما ورد في رسالة لابن حزم الأندلسي القرطبي (384 هـ – 456 هـ)، يصور فيها حال الاستبداد الذي كان يعيشه عامة سكان الأندلس، وهي من رسالة له بعنوان [التلخيص لوجوه التخليص]، وقد أجاب فيها على بعض المسائل الدينية والفقهية، ومنها ما يرتبط بالواقع الذي كان يعيشه، وعن كيفية التورع في المطعم والملبس والمكسب.

وقد بدأ هذه الإجابات بقوله: (وأما ما سألتم عنه من أمر هذه الفتنة وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امتحنا به، نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم)([54])

فهذه الشهادة لابن حزم الفقيه الكبير، وليست لمستشرق أو مستغرب، وهو سني ظاهري متشدد مع المخالفين مبدع لهم، وليس رافضيا ولا مجوسيا، ولا من أي طائفة من الطوائف التي تتهمونا بالطعن في رموز السنة.. وهي واضحة في الدلالة على أن تواجد المسلمين هناك لم يكن في مصلحة أحد، لا في مصلحة الإسبان السكان الأصليين، ولا في مصلحة عوام المسلمين، ولا في مصلحة الإسلام نفسه.

ولم يكتف ابن حزم بذلك، بل راح يخاطب الناعقين بالمجد المزيف، وكأنه يعيش بيننا، ليدعوهم للاعتراف بالحقيقة، وعدم الكذب على أنفسهم، وعدم الوقوع في تلك التلبيسات التي يلبس بها أولئك الفقهاء الذين صاروا سندا للمستبدين في استبدادهم، فقال: (فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وجاء في بعض الأحاديث: ليس وراء ذلك من الإيمان شيء، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم؛ وجاء في الأثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب)، واعلموا رحمكم الله انه لا عذاب أشد من الفتنة في الدين، قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191])([55])

ثم بين وجوب النهي عن المنكر، وأنه لا تقية فيه، فقال: (فأما الغرض الذي لا يسع أحداً فيه تقية، فأن لا يعين ظالماً بيده ولا بلسانه، ولا أن يزين له فعله ويصوب شره، وعاديهم بنيته ولسانه عند من يأمنه على نفسه، فإن اضطر إلى دخول مجلس أحدهم لضرورة حاجة أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن مسلم، أو لإظهار حق يرجو إظهاره، او الانتصاف من ظالم آخر، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] أو لصداقة سالفة، فقد يصادق الإنسان المسلم اليهودي والنصراني لمعرفة تقدمت، أو لطلب يعانيه، أو لبعض ما شاء الله عز وجل، فلا يزين له شيئاً من أمره ولا يعنيه ولا يمدحه على ما لا يجوز، وإن أمكنه وعظه فليعظه، وإلا فليقصد إلى ما له قصد غير مصوب له شيئاً من معاصيه، فإن فعل فهو مثله، قال الله تعالى: { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113])([56])

ثم ذكر مدى انتشار المحرمات في الأندلس تلك البلاد التي يصور المغفلون أن المسلمين ذهبوا إليها ليعطوا صورة جميلة عن الإسلام ترغب أهلها في الدخول إليه، فقال: (وأما ما سألتم عنه من وجه السلامة في المطعم والملبس والمكسب، فهيهات أيها الإخوة، إن هذا لمن أصعب ما بحثتم عنه وأوجعه للقلوب وآلمه للنفوس. وجوابكم في هذا ان الطريق ها هنا طريقان: طريق الورع، فمن سلكه فالأمر والله ضيق حرج. وبرهان ذلك أني لا أعلم لا أنا ولا غيري بالأندلس درهما حلالاً ولا ديناراً طيباً يقطع على أنه حلال، حاشا ما يستخرج من وادي لاردة من ذهب، فإن الذي ينزل منه في أيديهم، يعني أيدي المستخرجين له بعد ما يؤخذ منهم ظلماً فهو كماء النهر في الحل والطيب، حتى إذا ضربت الدراهم وسبكت الدنانير فاعلموا أنها تقع في أيدي الرعية فيما يبتغونه من الناس من الأقوات التي لا تؤخذ إلا منهم، ولا توجد إلا عندهم من الدقيق والقمح والشعير والفول والحمص والعدس واللوبيا والزيت والزيتون والملح والتين والزبيب والخل وأنواع الفواكه والكتان والقطن والصوف والغنم والألبان والجبن والسمن والزبد والعشب والحطب. فهذه الأشياء لابد من ابتياعها من الرعية عمار الأرض وفلاحيها ضرورة. فما هو إلا أن يقع الدرهم في أيديهم، فما يستقر حتى يؤدوه بالعنف ظلماً وعدواناً بقطيع مضروب على جماجمهم كجزية اليهود والنصارى، فيحصل ذلك المال المأخوذ منهم حق عند المتغلب عليهم، وقد صار ناراً، فيعطيه لمن اختصه لنفسه من الجند الذين استظهر بهم على تقوية أمره وتمشية دولته، والقمع لمن خالفه والغارة على رعية من خرج من طاعته أو رعية من دعاه إلى طاعته، فيتضاعف حر النار، فيعامل بها الجند التجار والصناع، فحصلت بأيدي التجار عقارب وحيات وأفاعي، ويبتاع بها التجار من الرعية، فهكذا الدنانير والدراهم كما ترون عياناً دواليب تستدير في نار جهنم، هذا ما لا مدفع فيه لأحد، ومن أنكر ما قلنا بلسانه فحسبه قلبه يعرفه معرفة ضرورية، كعلمه أن دون غد اليوم، فإذا فاتنا الخلاص فلا يفوتنا الاعتراف والندم والاستغفار، ولا نجمع ذنبين: ذنب المعصية وذنب استحلالها، فيجمع الله لنا خزيين وضعفين من العذاب، نعود بالله من ذلك) ([57])

ثم راح يذكر أنواع الإتاوات والضرائب التي كانت تنزل على رؤوس عامة الناس كل حين، فقال: (وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه، فإنما هو باب أغلق فرقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله، لأن الغايات إنما هي جزية على رؤوس المسلمين يسمونها بالقطيع، ويؤدونها مشاهرة وضريبة على أموالهم من الغنم والبقر والدواب والنحل، يرسم على كل رأس، وعلى كل خلية شيء ما، وقبالات ما، تؤدى على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد، هذا كل ما يقبضه المتغلبون اليوم، وهذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل) ([58])

ثم يقسم أن تلك الدويلات والحكام الذين يحكمونها لم يكن لهم أي علاقة بالدين، فيقول: (والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه) ([59])

وهكذا ذكر ابن بسام الشنتريني (450 هـ – 542 هـ) في كتابه [الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة]، والذي يعتبر من أهم المراجع الأدبية والحضارية في بلاد الأندلس، وثائق هامة عن الاستبداد الذي كان يطغى على حكام الأندلس، ومن ذلك كيفية جمعهم للضرائب، التي يسلمون أكثرها للإسبان رجاء حمايتهم، أو ترك حربهم.

ومنها وثيقة رآها بأحد بيوت الأشراف خوطب بها العمال في استعجال قبض الأموال، على لسان المعتمد يقول فيها: (الحال مع العدو قصمه الله بينة لا تحتاج إلى جلاء ولا كشف، معروفة لا تفتقر إلى نعت ولا وصف، ومن لا يمكن مقاواته ومخاشنته، فليس إلا مداراته وملاينته، وقد اعتقد الخروج في هذا العام إلى بلادنا، عصمها الله، بأكثف من جموعه في العام الفارط وأحفل، وأبلغ في استعداده وأكمل، إلا أن الله تعالى يسر من إنابته إلى السلم ما يسر، ونظر لنا من حيث لا نستطيع أن ننظر، ووقع الاتفاق معه على جملة من المال، تقدم إليه ويستكف بها الشر المرهوب لديه. فكم حال كانت بخروجه نتلف، ونعمة بأيدي طاغية تنتسف، والرعية حاطها الله في هذا العام على ما يقتضيه، ما عم البلاد من الفساد، وشملها من جائحة القحط والجراد تكليفها أداء شيء من المال الذي التزم مرتفع، وأخذها بالمعونة على ما ناب ممتنع، فلم يبق إلا أن نميل بهذه الكلفة على الخدمة ميل العموم، ونجريهم فيها على أحسن مجاري التحرير والتقويم، وهي حال تقتضي من كل من أحسن التأمل المعونة فيها، والمبادرة بحسب طاقته إليها، وقد أدرجت طي رقعتي هذه قنداقاً تسمى الخدمة قبلك فيه، ورسم على كل واحدٍ منهم ما توجبه حاله وتقتضيه، فتقدم في ما نصصته من الحال إليهم، وكلمهم بما يخفف الحال عندهم ويسهلها لديهم، ولتقبض ذلك كله في أعجل ما يمكن، فالحاجة إليه وكيدة، والضرورة حافزة شديدة)([60])

وحتى لا يبقى ما ذكره ابن حزم وابن بسام وغيرهما نظريا محضا، فسأذكر نموذجا عن بعض الطغاة من ملوك بني عباد على إشبيلية في الأندلس، وكيف تعامل مع رعيته، ومع أهوائه، وهو المعتضد بالله أبو عمرو عبَّاد بن محمد بن إسماعيل اللخمي([61]) (407 هـ – 461 هـ)، وهو ثاني ملوك بني عباد على إشبيلية، وقد خلف أباه، وقام بحروب كثيرة مع سائر المدن الأندلسية، من أجل توسيع إمارته، وقد نجح في ذلك حيث وسعها إلى مناطق كثيرة إلى أن استولى على قرطبة

وقد جمع له الذهبي بطريقته في الجمع بين المتناقضات بين الثناء العريض، مع ذكره لجرائمه التي كانت تستحق الذم لا المديح، فقد قال في ترجمته في [سير أعلام النبلاء]: (المعتضد بالله صاحب الأندلس.. قاضي إشبيلية، ثم ملكها.. حكم على المدينتين قرطبة وإشبيلية.. وكان شهما، صارما، داهية، ذبح جماعة من أعوان أبيه، وصادرهم، وعلا شأنه، ودانت له الأمم)([62])

وهذه من عجائب الذهبي وغيره من المترجمين للأعلام، والذين لا يزنونهم بالموازين القرآنية، حيث أنه ذكر شهامته في نفس الوقت الذي ذكر فيه ذبحه لجماعة من أعوان أبيه ومصادرته لأموالهم في سبيل الوصول إلى الحكم.. ولست أدري كيف تجتمع الشهامة مع الذبح والسرقة.

ثم ذكر مبلغ العتو والاستكبار الذي بلغه، والذي جعله يقتل ابنه، ويتفنن في قتل من يخاف منهم على ملكه، فقال: (غرز خشبا في قصره، وعممها برؤوس كبار وملوك، وكانوا يشبهونه بالمنصور العباسي، ورام ابنه إسماعيل اغتياله، فأخذه، وضرب عنقه، وعهد إلى ابنه المعتمد، وقيل: سمه طاغية الفرنج في ثوب فاخر، أهداه له) ([63])

ثم ذكر بعض مظاهر عتوه مع عامة الناس؛ فقال: (ومن جبروته وعتوه أنه أخذ مالا لأعمى، فحج وجاور بمكة، فبلغ المعتضد أنه يدعو عليه، فندب رجلا أعطاه جملة دنانير مطلية بسم، فسار إلى مكة، وأوصله الذهب، فقال: يظلمني بإشبيلية، ويصلني هنا!؟، ثم وضع منها دينارا في فمه كعادة الأضراء، فمات من الغد.. وهرب منه مؤذن إلى طليطلة، فبقي يدعو عليه في السحر، فنفذ من جاءه برأسه) ([64])

ثم ذكر جمعه بين الاستبداد والانحلال الخلقي، كما كان سائدا في ذلك الحين، والذي أصبحت فيه الخمر، وكأنها من الطيبات لا من الخبائث، فقال: (وقد سكر ليلة، وخرج في الليل معه غلام، وسار مخمورا، حتى وافى قرمونه، وصاحبها إسحاق البرزال، وبينهما حروب، وكان يشرب أيضا في جماعة، فاستأذن المعتضد، ودخل، فزاد تعجبهم، فسلم وأكل، وأل من سكره، وسقط في يده، لكنه تجلد، ثم قال: أريد أن أنام، ففرشوا له، فتناوم، فقال بعضهم: هذا كبش سمين، والله لو أنفقتم ملك الأندلس عليه ما قدرتم، فقال معاذ بن أبي قرة: كلا، رجل قصدنا، ونزل بنا مستأمنا، لا تتحدث عنا القبائل أنا قتلنا ضيفنا، ثم انتبه وقام، فقبلوا رأسه، وقال للحاجب: أين نحن؟ قال: بين أهلك وإخوانك. قال: هاتوا دواة، فكتب لكل منهم بخلعة ومال وأفراس وخدم، وأخذ معه غلمانهم لقبض ذلك، وركب، فمشوا في خدمته. لكن أساء كل الإساءة؛ طلبهم بعد أشهر لوليمة، فأتاه ستون منهم، فأكرمهم، وأنزلهم حماما، وطينه عليهم سوى معاذ، وقال لمعاذ: لم ترع، حضرت آجالهم، ولولاك، لقتلوني، فإن أردت أن أقاسمك ملكي، فعلت، قال: بل أقيم عندك، وإلا بأي وجه أرجع، وقد قتلت سادات بني برزال، فصيره من كبار قواده، وكان من كبار قواد المعتمد) ([65])

هذا هو الواقع الأندلسي كما ترسمه كتابات المؤرخين والفقهاء المسلمين، وأولهم سكان الأندلس نفسها، والذين ذكروا معاناتهم مقارنة بذلك الرفاه الذي يعيشه الحكام والمستبدون، والذين لم يكتفوا بظلم السكان الأصليين، وإخراجهم من أرضهم، وإنما أضافوا إلى ذلك ظلمهم لإخوانهم من المسلمين الذين جلبوهم باسم الفتح، فلم يجدوا إلا الاستبداد.

5 ـ الفاتحون.. واللهو والمجون:

لم يكتف أولئك المستبدون الذين حكموا الأندلس بالحديد والنار، بتلك الجرائم التي كانوا يمارسونها مع المسلمين وغيرهم، وإنما أضافوا إليها إشاعة الانحرافات الأخلاقية في البيئة الأندلسية، والتي تأثرت كثيرا بالبيئات المنحرفة التي كانت موجودة في الأندلس قبل دخول المسلمين إليها، وأضافت إليها أشياء جديدة.

وهذا أكبر ما يُرد على اعتبار دخول المسلمين إلى الأندلس فتحا، ذلك أن من أول علامات الفاتح أن ينقل ثقافته وقيمه وأخلاقه إلى البلاد التي فتحها، لا أن يحدث العكس، وللأسف فقد حصل العكس عند ما يسمونه فتح الأندلس، كما أشار ابن خلدون إلى ذلك عند حديثه عن القاعدة التي وضعها في مقدمته، والتي عبر عنها بقوله: [المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده]،وحاول أن يدافع عنها بما أطاق، لكنه اصطدم بتقليد الغالبين في الأندلس للمغلوبين؛ فراح يضع قاعدة أخرى عبر عنها بقوله: (حتّى أنّه إذا كانت أمّة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التّشبّه والاقتداء حظّ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنّك تجدهم يتشبّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتّى في رسم التّماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتّى لقد يستشعر من ذلك النّاظر بعين الحكمة أنّه من علامات الاستيلاء والأمر للَّه. وتأمّل في هذا سرّ قولهم العامّة على دين الملك فإنّه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرّعيّة مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلّمين بمعلّميه)([66])

وهذا يدل على أن الذين كانوا يحكمون الأندلس لم يكن لهم أي حظ من الدين، ولا أي هدف رسالي، بل كان هدفهم فقط الدنيا وشهواتها، والتي وجدوا منها في الأندلس ما لم يجدوه في بلادهم، مثلما يفعل أمراء الخليج في هذ العصر عندما يذهبون إلى أوروبا وأمريكا، وينسون كل ما يمت إلى قيمهم بصلة.

بل إن الأمر بلغ بالمسلمين حينها ـ بسبب إفراطهم في الشهوات ـ إلى مرتبة دون مرتبة أعدائهم من الإسبان أنفسهم، كما عبر الشاعر عن ذلك متهكما بجيش المسلمين عند مواجهته لجيش الإسبان:

لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم.. حلل الحرير عليكم ألواناً

ما كان أقبحهم وأحسنكم بها.. لو لم يكن ببطرنة ما كانا ([67])

وهكذا نجد الأدباء يعبرون عن سر مقام المسلمين بالأندلس على الرغم من الحروب الشديدة التي كانت تحصدهم أو تحصد أعداءهم كل حين، ومن ذلك ما نقله المقري عن أبي عمران موسى بن سعيدٍ في جوابه لأبي يحيى صاحب سبتة لما استوزره مستنصر بني عبد المؤمن، وكتب إلى المذكور يرغبه في النقلة عن الأندلس إلى مرّاكش، قال له: (وأمّا ما ذكر سيّدي من التخيير بين ترك الأندلس وبين الوصول إلى حضرة مراكش، فكفى الفهم العالي من الإشارة قول القائل: والعزّ محمودٌ وملتمسٌ.. وألذّه ما نيل في الوطن، فإذا نلت بك السماء في تلك الحضرة، فعلى من أسود فيها؟ ومن ذا أضاهي بها؟.. وبعد هذا، فكيف أفارق الأندلس وقد علم سيّدي أنها جنّة الدنيا بما حباها الله به من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرّة عينٍ وقرار نفسٍ.. أفقٌ صقيلٌ، وبساطٌ مدبّجٌ، وماءٌ سائحٌ، وطائرٌ مترنمٌ بليلٌ، وكيف يعدل الأديب عن أرضٍ على هذه الصفة؟)([68])

وقد أدرك الإسبان طبائع المسلمين في وقت مبكر، ولذلك سهل عليهم التعامل معهم، إما بقتلهم، وإما بفرض الجزية والإتاوات الثقيلة عليهم كل حين، حتى صار المسلمون، وكأنهم عمال مسخرون للإسبان في نفس الوقت الذي نتوهم فيه أنهم كانوا أصحاب المجد والغلبة.

وقد أشار إلى هذا ملك قشتالة [الفونسو السادس]، حين قال لرسول المعتمد بن عباد لما قدم إليه: (كيف أترك قوماً مجانين، تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفاً.. وكيف يحل لبشر أن يقر منهم على رعيته أحد وأن يدعها بين أيديهم سدى)([69])

وهكذا قال [فرناندو بن شانجه] ملك جليقية أثناء حصاره لمدينة طليطلة سنة 478هـ، والذي خاطب أهلها الذين خرجوا يطلبون الصلح معه مقابل الأموال الكثيرة التي يسددونها: (ما أجيبكم إلى سلم، ولا أعفيكم من حرب.. فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم فقد سكنتموها ما قضي لكم، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم ـ يعني بلاد المغرب ـ واتركوا لنا بلادنا، فلا خير في سكناكم معنا بعد اليوم)([70])

وهكذا قال [الفونسو السادس ششنندو (مسنندو)] لمسلمي غرناطة قبيل سقوط مدينة طليطلة سنة 478 هـ: (إنما كانت الأندلس للروم في أول الأمر حتى غلبهم العرب وألحقوهم بأنخس البقاع جليقية فهم الآن عند التمكن طامعين بأخذ ظلاماتهم فلا يصح ذلك إلا بضعف الحال والمطاولة حتى إذا لم يبق مال ولا رجال أخذناها بلا تكلف)([71])

ولذلك كان في الإمكان الإسبان أن يحرروا بلادهم بعد فترة قصيرة من الفتح، وخاصة في ظل ملوك الطوائف، لكنهم لم يفعلوا طمعا في المغانم الكثيرة التي كانوا يفرضونها على المسلمين، والذين أسرتهم الأهواء إلى الحد الذي صار خصومهم من الإسبان يتهكمون بهم، ويسخرون منهم.

يقول محمد عبد الله عنان: (كان ملوك الطوائف يتسمون بضعف الإيمان والعقيدة، والاستهتار بأحكام الدين، وكان الكثير منهم يجاهرون بالمعاصي، وارتكاب الأمور المحرمة.. وقد كانت قصورهم المترفة الأنيقة، كما تزدان بمجالس الشعر والأدب، تحفل في الوقت نفسه بمجالس الأنس والطرب، والنساء والغلمان والخمر، وهي أمور تشغل حيزاً كبيراً في آداب العصر وشعره. وكانت مجتمعات الطوائف المرْهقة المنحلة، تتأثر بهذه الروح الإباحية، وتجنح إلى اجتناء المتعة المادية والملاذ الحسية بمختلف ضروبها، وكان هذا الانحلال الشامل يجتاح يومئذ سائر طبقات المجتمع الأندلسي)([72])

وللأسف فإن الذين يذكرون أمجاد المسلمين في الأندلس وحضارتهم فيها بعيدا عن المعايير القرآنية لا يلتفتون لهذا، بل يتوهمون أن تلك الانحرافات الأخلاقية كانت السبب في تلك الأمجاد الحضارية، وربما يكون محمد عبد الله عنان وقع في هذا عند ذكره لتلك الأمجاد بعد حديثه عن تلك الانحرافات الأخلاقية، فقد قال: (على أن النهضة الأدبية والفكرية التي امتاز بها عصر الطوائف، ترتفع مع ذلك فوق مستوى هذا الانحلال وتبرز قوية وضاءة. ولقد كانت هذه القصور المترفة المرحة نفسها، أكبر مبعث لهذه النهضة، وكان أولئك الملوك المستهترون أنفسهم دعاتها وحماتها، وكانت قصور الطوائف تتنافس في هذا الميدان وتتسابق، شعوراً منها بما تجتنيه من وراء ذلك من فخار ومجد، وما تسجله روائع المنظوم والمنثور من ذخر وذكر. وكان من بين هذه القصور ثلاثة امتازت بنوع خاص، بمشاركتها في النهضة الأدبية والشعرية، هي بلاط بني عباد بإشبيلية، وبلاط بني الأفطس ببطليوس، وبلاط بني صمادح بألمرية)([73])

وللأسف، فإن هذه الأمجاد الأدبية التي يذكرها مملوءة بالمجون والخمر والتشجيع على الرذائل، بل يوجد فيها التشجيع على الشذوذ بأنواعه، ولست أدري كيف يجوز لشخص يقرأ القرآن الكريم، ويقرأ ما نزل في حق قوم لوط عليه السلام، أن يعتبر ما كان في الأندلس من انهيار أخلاقي حضارة.

أما إن كان يقصد ظهور بعض الأدباء أو الفلاسفة أو العلماء، فهذا موجود في كل مكان في الدنيا، ولا علاقة له بالأندلس.. بل قد يوجد في أردأ البيئات، وفي أردأ أزمنة الضعف.

لكن محمد عبد الله عنان نفسه يذكر عن ذلك العصر، تلك الطبقية التي يعيشها المجتمع بين فقر مدقع، وغنى فاحش، ومعه كل أصناف المحرمات، يقول: (وقد قاسى الشعب الأندلسي في ظل طغيان الطوائف، كثيراً من ضروب الاضطهاد والظلم، ولم يكن ذلك قاصراً على متاعب الفوضى الاجتماعية الشاملة، التي كان يعيش في غمارها، وانقلاب الأوضاع في سائر مناحي الحياة، وتوالي الفتن والحروب الداخلية، ولكنه كان يقاسي في نفس الوقت من جشع أولئك الأمراء الطغاة، الذين كانوا يجعلون من ممالكهم ضياعاً خاصة، يستغلونها بأقسى الوسائل وأشنعها، ويجعلون من شعوبهم عبيداً يستصفون ثرواتهم، وثمار كدهم، إرضاء لشهواتهم في إنشاء القصور الباذخة، واقتناء الجواري والعبيد، والانهماك في حياة الترف الناعم، والإغداق على الصحب والمنافقين، هذا فضلا عن حشد الجند، لإقامة نيرهم، وتدعيم طغيانهم. وقد ترتب على ذلك أن انهارت المعايير الأخلاقية، واختلط الحق بالباطل، والحلال بالحرام، ولم يعد الناس يعتدون بالوسيلة، بل يذهبون إلى اقتضاء الغاية، وتحقيق الكسب بأي الوسائل)([74])

وعرض ابن بسام الذي عاش في الأندلس بعض النماذج لذلك، ومنها هذان النموذجان اللذان يمكن اعتبارهما ـ باللغة القرآنية ـ قارونين من هذه الأمة، يقول: (وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور، والتناهي في عليات الأمور، إلى أبعد الغايات، ومنتهى النهايات، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعدهما. واشتمل هذا الرأي ايضا على جميع أصحابهما، ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء، فهاموا منه في ترهات مضلة، وتسكعوا في أشغال متصلة، لاهين عما كان يومئذ فيه الأمة، كأنهم من الله على عهد لا يخلفه، واتسع الحدس في عظم ذلك الإنفاق، فمنهم من قدرت نفقته على منزله مائة ألف دينار وأقل منها وفوقها، حسب تناهيهم في سروها: من نضار الخشب ورفيع العمد ونفيس المرمر، مجلوبا من مظانه، وجلب إليهم سني الفرش من سائر الحلي والحلل، فنفق سوق المتاع بعقوتهم، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجارها أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية وفوق ملء فؤاد الأمنية، فما شئت من طرف رائع، ومركب ثقيل، وملبس رفيع جليل، وخادم نبيل، وآلات متشاكلة، وأمور متقابلة، تروق الناظرين، وتغيظ الحاسدين، حرسها لهم المقدار إلى مدة)([75])

ثم ذكر سبب كل ذلك الترف، وآثاره، فقال: (وكان لمبارك ومظفر جملة ذلك النعيم، وفازا بقبض الخراج، ولم يعرضهما عارض إنفاق بتلك الآفاق، فانغمسا في النعيم إلى قمم رؤوسهما وأخلدا إلى الدعة وسارعا في قضاء اللذة، حتى أربيا على من تقدم وتأخر)([76])

ونقل عن ابن حيان قوله: (فمثل دهرنا هذا فرس بهيم الشية ما إن يباهي بقرحة فضلا عن شدوخ غرة، قد غربل أهليه أشد غربلة فسفسف أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفه أحلامهم، وخبث ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، واقتطعهم الزيف، وأركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغي بأقوياء، شاء من الناس هامل، يعللون نفوسهم بالباطل، من أدل الدلائل على فرط جهلهم بشانهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية رسوله نبيهم عليه السلام، وذهولهم عن النظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى لظل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبحبح عراص ديارهم، ويستقرئ بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفا منهم ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا ومحفل من محافلنا مذكر بهم أو داع لهم، فضلا عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منا، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء، بخلنا بالغناء، عجائب مغربة فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، فلله عاقبة الأمور، وإليه المصير)([77])

وذكر المقري نماذج كثيرة لتلك الانحرافات، ومنها هذا النموذج الذي يجمع بين جميع الجرائم في سلة واحدة، حيث ذكر عند ترجمته لـ [الحكم بن هشام] بعض جرائمه، فقال: (وولي بعده ابنه الحكم بعهدٍ منه إليه، فاستكثر من المماليك، وارتبط الخيل، واستفحل ملكه، وباشر الأمور بنفسه، وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين، وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة، فأثخنوا فيها، وخالفهم العدو إلى المضايق، فرجع على التعبية، وظفر بهم، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافراً)([78])

ثم ذكر كيفية تعامله مع الفقهاء الذين ثاروا عليه، فقال: (وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض من قرطبة لأنّه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة، مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما، فثاروا به، وخلعوه، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة، وكان محلّةً متصلةً بقصره، فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم، ولحقوا بفاس من أرض العدوة، وبالإسكندرية من أرض المشرق، ونزل بها جمع منهم، ثم ثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر للمأمون بن الرشيد، وغلبهم، وأجازهم إلى جزيرة أقريطش، فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم بعد مدّة)([79])

هذا بعض ما ذكره المؤرخون المعايشون لذلك الواقع، ولو ذهبنا إلى الأدباء، أو إلى الكتب التاريخية نفسها، لوجدنا العجب العجاب من المنكرات التي يعف اللسان عن ذكرها.

لكني مع ذلك، وبسبب أن الكثير لا يقتنع بالجمل، بقدر ما يقتنع بالتفاصيل، فسأذكر ما ذكره بعض الباحثين الممجدين لتاريخ المسلمين في الأندلس([80])، والذي نقل بنفسه من المصادر التاريخية ما يدل على ذلك الواقع البعيد كل البعد عن الإسلام وجميع قيمة.

وقد قدم لذلك بقوله: (وقد أسهب المؤرخون في الحديث عن هذا الأمر، فقد ذكر ابن حيان أن قرطبة حاضرة المسلمين هناك أصبحت مرتعاً خصباً لمزاولة تلك الرذائل، حيث كان ملوك الطوائف إذا احتاجوا إلى شيء من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة للبحث والتنقيب عن الأوصاف التي يريدونها من الجواري، وأنه في شوال سنة 422هـ ورد على أبي الوليد بن جهور في قرطبة رسول المظفر بن الأفطس يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهن فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار واشتراهما له)([81])

وذكر أن المعتضد بن عباد ـ والذي ذكرنا بعض جرائمه في المطلب السابق ـ كان له كلف بالنساء وخلط في أحباسهن فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد نظرائه، كما أن المعتمد بن عباد كان مولعاً بالنساء حيث خلع ثمانمائة امرأة من أمهات الأولاد وجواري المتعة وإماء الخدمة)([82])

 وذكر أن مجاهد العامري ـ صاحب دانية والجزر الشرقية ـ كان ذا شخصية مزدوجة (فطوراً كان ناسكاً، وتارة يعود خليعاً فاتكاً لا يساتر بلهو ولا لذة، ولا يستفيق من شراب وبطالة، ولا يأنس بشيء من الحقيقة، له ولغيره من سائر ملوك الطوائف في ذلك أخبار مأثورة([83])، أما هذيل بن خلف بن رزين صاحب شنتمرية فقد كان من أرفع ملوك الطوائف همة في اقتناء القينات حيث اشترى جارية بثلاثة آلاف دينار([84]).

أما شرب الخمر في قرطبة وغيرها من بلدان ملوك الطوائف فيبدو أنه أصبح أمراً لا غرابة فيه في ذلك العصر، ولهذا لما حاول ابن جهور منعها مدحه الشعراء ومنهم ابن زيدون وعبد الرحمن بن سعيد المصغر([85]).

 ولهذا نجد التغني بالخمر في دواوين الشعر الأندلسي شيئا عاديا، حتى قال أحدهم([86]):

فجل حياتي من سكرها  جرت مني الخمرة مجرى دمي

ولم يكن هذا الأمر قاصراً على فئة معينة من الناس، بل كان كثير من الناس يقضون لياليهم أيقاظاً يجتمعون على الكؤوس حتى الصباح ([87]).

بالإضافة إلى ذلك كله ذكر ما أورده المؤرخون من الشذوذ بمختلف أصنافه، والذي بدا في كتب الشعر والأدب، وكأنه قيمة من القيم الأخلاقية التي لا يستحيا منها.


([1])  كما قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه [العلاقات الدولية في الإسلام، ص83] معبرا عن موقف الإسلام من هذه الناحية: (الإسلام ينظر إلى الرعايا الذين يُحكَمون بالظلم ويُقيدون في حرياتهم نظرة رحيمة عاطفة ، ينصرهم إذا استنصروه ، ويرفع عنهم نير الطغيان إن هم استعانوا به)

([2])  رواه البخاري 5 / 76 ، ومسلم رقم (1610)

([3])  رواه البخاري 5 / 76..

([4])  تاريخ الإسلام (2/ 1038)

([5])  المرجع السابق، ص:1039.

([6])  تاريخ ابن خلدون (4/ 150).

([7])  تاريخ الإسلام (2/ 1039).

([8])  المرجع السابق، (2/ 1039).

([9])  المرجع السابق، (2/ 1039).

([10])  نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب، (1/ 271).

([11])  المرجع السابق، (1/ 271).

([12])  المرجع السابق، (1/ 239).

([13])  تاريخ الإسلام، (2/ 1176)

([14])  المرجع السابق، (2/ 1176)

([15])  المرجع السابق، (2/ 1177)

([16])  المرجع السابق، (2/ 1179)

([17])  المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 500)

([18])  تاريخ الطبري (4/ 333)

([19])  تاريخ ابن خلدون، (7/ 250)

([20])  المرجع السابق، (7/ 250)

([21])  المرجع السابق، (7/ 250)

([22])  المرجع السابق، (7/ 250)

([23])  المرجع السابق، (7/ 251)

([24])  المرجع السابق، (7/ 254)

([25])  المرجع السابق، (7/ 254)

([26])  المرجع السابق، (7/ 255)

([27])  المرجع السابق، (7/ 255)

([28])  المرجع السابق، (7/ 255)

([29])  تاريخ الإسلام ،(10/ 320).

([30])  المرجع السابق، (10/ 320).

([31])  المرجع السابق، (10/ 320).

([32])  دولة الإسلام في الأندلس (2/ 326)

([33])  تاريخ الإسلام، (13/ 26).

([34])  دولة الإسلام في الأندلس (4/ 314).

([35])  رواه البخاري: 3158، 4015، 6425، ومسلم: 7614.

([36])  رواه الترمذي (2464).

([37])  دولة الإسلام في الأندلس (2/ 11).

([38])  المرجع السابق، (2/ 11)

([39])  المرجع السابق، (2/ 12)

([40])  المرجع السابق، (2/ 13)

([41])  المرجع السابق، (2/ 15)

([42])  أعمال الأعلام، ص 144..

([43])  المعجب للمراكشي، ص 4.

([44])  نقله ابن بسام في الذخيرة، 2/ 88.

([45])  دولة الإسلام في الأندلس (2/ 16)

([46])  انبعاث الإسلام في الأندلس، علي بن محمد المنتصر بالله الكتاني (المتوفى: 1422هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1426 هـ – 2005 م، (ص: 70)

([47])  المرجع السابق، (1/71).

([48])  المرجع السابق، (1/73).

([49])  المرجع السابق، (1/73).

([50])  المرجع السابق، (1/74).

([51])  المرجع السابق، (1/74).

([52])  نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (4/ 352).

([53])  المرجع السابق، (4/ 352).

([54])  رسائل ابن حزم (3/ 173)

([55])  المرجع السابق، (3/ 174)

([56])  المرجع السابق، (3/ 175)

([57])  المرجع السابق، (3/ 175)

([58])  المرجع السابق، (3/ 176)

([59])  المرجع السابق، (3/ 177)

([60])  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (3/ 252)

([61])  انظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان: 5/ 21، والعبر 3/ 321، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي 5/ 157، وشذرات الذهب لابن العماد 3/ 386.

([62])  سير أعلام النبلاء (14/ 126).

([63])  المرجع السابق، (14/ 127)

([64])  المرجع السابق، (14/ 127)

([65])  المرجع السابق، (14/ 128)

([66])  تاريخ ابن خلدون (1/ 184).

([67])  نفح الطيب ج 1 ص 181..

([68])  المرجع السابق،  (1/ 182).

([69])  ابن الكردبوس: تاريخ الأندلس ص 89..

([70]) ابن عذاري: البيان المغرب ج 3 ص 282.

([71]) التبيان ص 73.

([72])  دولة الإسلام في الأندلس (2/ 424).

([73])  المرجع السابق، (2/ 424)

([74])  دولة الإسلام في الأندلس (2/ 421).

([75])  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (5/ 17)

([76])  المرجع السابق، (5/ 17)

([77])  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (5/ 189).

([78])  نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب، (1/ 338).

([79])  نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (1/ 339).

([80])  أثر الضعف الخلقي في سقوط الأندلس، حمد السحيباني، موقع مداد، 8/11/2007.

([81]) ابن عذاري: البيان المغرب ج 3 ص 212

([82]) ابن الأبار: الحلة السيراء ج 2 ص 43، 53.

([83]) البيان المغرب ج 3 ص 308.

([84]) المرجع السابق ج 3 ص 308.

([85]) الذخيرة ق 1 ج 1 ص 388، كما ذكر المقري أن وادي اشبيلية لا يخلو من جميع أدوات الطرب وأن شرب الخمر فيه غير منكر،  نفح الطيب ج 4 ص 199.

([86]) ابن سعيد: المغرب ج 1 ص 396.

([87]) العلاقات بين الأندلس الإسلامية وإسبانيا النصرانية، رجب محمد عبد الحليم: ج 1 ص 300.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *