هل كان المتوكل ناصرا للسنة.. أم عدوا لها؟

هل كان المتوكل ناصرا للسنة.. أم عدوا لها؟

من أهم الخلفاء الذين يحبهم التيار السلفي خصوصا، وينتصر لهم، أبو الفضل جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون بن المهدي بن المنصور (205-247 هـ)، فهو لا يلقب عندهم فقط بلقب المتوكل، وإنما يلقب أيضا بـ [ناصر السنة]، مع كونه ـ وباتفاق المؤرخين ـ كان أسوأ نموذج مثّل جميع الانحرافات الأخلاقية، والجرائم الإنسانية، والإبادات الطائفية.

 لكنهم لم ينظروا إلى كل ذلك، واكتفوا بما فعله قبله قسطنطين الأول أو القديس قسطنطين، الذي حكم الإمبراطورية اليونانية من 306 م إلى 337 م، واستطاع أن يفعل ما فعله المتوكل بعده من تحريف للمسيحية، وتحويلها من دين إلهي ممتلئ بالتنزيه والعقلانية إلى دين بشري ممتلئ بالتجسيم والخرافة، ولذلك نال هو الآخر لقبا لا يقل عن لقب [ناصر السنة] الذي لقب به المتوكل؛ فالكنيسة الأرثوذكسية الشرقية تسميه إلى الآن [القديس قسطنطين العظيم]، وتجعله في مرتبة واحدة مع رسل المسيح.

وهو نفس ما قام به التيار السلفي من اعتباره المتوكل أحد الثلاثة الذين حفظوا الدين؛ فقد قال بعضهم: (الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم)([1])

وقال آخر ناظما ذلك شعرا:

وبعد، فإن السنة اليوم أصبحت.. معزّزة حتى كأن لم تذلل

تصول وتسطو إذ أقيم منارها.. وحط منار الإفك والزور من عل

وولّى أخو الإبداع في الدين هاربًا.. إلى النار يهوى مدبرًا غير مقبل

شفى الله منهم بالخليفة جعفر.. خليفته ذي السنة المتوكل

خليفة ربي وابن عم نبيه.. وخير بني العباس من منهم ولي

وجامع شمل الدين بعد تشتت.. وفاري رءوس المارقين بمنصل

أطال بنا رب العباد بقاءه.. سليمًا من الأهوال غير مبدل

وبوّأه النصر للدين جنة.. يجاور في روضاتها خير مرسل([2])

وسبب ذلك كله هو نصرته للتجسيم، وتقريبه للمجسمة، وإتاحة الفرصة لهم لنشر رواياته ووضع أحاديثه والخرافات المرتبطة به في الأمة، وهو ما لا نزال نعيش آثاره إلى اليوم.

وفي مقابل ذلك راح يقتل الصالحين، ويمثل بهم، بل إنه لم يكتف بالأحياء منهم، وإنما راح لقبورهم يسويها بالأرض حتى يمنع الزائرين لهم، أو المتعلقين بهم من زيارتها، وهو ما زاد في حبه وتقريب السلفية له.

ولهذا كله نجدهم في كتبهم يمجدونه، ويعظمونه، ويعتبرونه مثالا للحاكم العادل، والخليفة الناصح، وناصر السنة، وقامع البدعة، كما قال الحـافظ خليفة بن خياط: (استخلف المتوكـل فأظهر السنة، وتكلـم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها)([3])

وقال الذهبي: (وفي سنة 234 هـ أظهر المتوكـل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكـتـب بذلـك إلى الأمصـار، واسـتقدم المحدثـين إلى سـامراء، وأجـزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات)([4])

وقال ابن كـثير: (وكان المتوكـل محببا إلى رعيته، قائما في نصرة أهل السـنة، وقـد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة لأنـه نصر الحق، ورده عليهم، حتى رجعوا إلى الدين، وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية، وقـد أظهر السـنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله)([5])

ولم يكتفوا بالثناء عليه في حياته، وإنما راحوا يذكرون أن الله تعالى غفر له كل جرائمه، وأنه مباشرة بعد انتهائه منها، وقتل ولده له، ذهب إلى الجنة، بلا حساب، ولا عقاب، وهم يستدلون لهذا بما رآه الإمام أحمد في بعض رؤاه الصادقة، والتي اتفق الرواة على حفظها عنه، والتي يقول فيها: (سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأن رجلًا يعرج بي إلى السماء وقائلًا يقول:

ملك يقاد إلى مليك عادل.. متفضل في العفو ليس بجائر

ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد)([6])

ولم تكن تلك الرؤيا الوحيدة التي يستدل بها السلفية على المنزلة الرفيعة التي نالها، وإنما يذكرون أن عمرو بن شيبان الجهنمي رآه في رؤيا أخرى، وفي نفس الليلة التي رآه فيها الإمام أحمد، فقد حفظ عنه الرواة قوله: (رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلًا يقول:

يا نائم العين في أوطار جسمان.. أفض دموعك يا عمرو بن شيبان

أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا.. بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟

وافى إلى الله مظلومًا تضج له.. أهل السموات من مثنى ووحدان

وسوف يأتيك أخي مسومة.. توقعوها لها شأن من الشان

فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم.. فقد بكاه جميع الإنس والجان)([7])

وهكذا صاروا يذكرون أن السماء ضجت لموته، وأن الحزن شمل الخلائق جميعا، حتى أولئك الجان الذين يذكرون أن المتوكل كان يقرهم بالرقاة، حزنوا عليه، وتألموا لما فعله ولده به.

وحرصا على الرؤى المتواترة التي تضمن له الجنان، وتجعله من المعصومين الذين لا يحل نقدهم، ولا الاقتراب من ساحتهم، تلك الرؤيا التي يروونها عن الإمام أحمد، والتي رآها بعد أشهر من قتل المتوكل، وحينها سأله عن حاله والحساب الذي حوسب به، وما فعل الله به، فقال: (غفر لي بقليل من السنة أحييتها)، فسأله الإمام أحمد: (فما تصنع ههنا؟)، فقال: (أنتظر محمدًا ابني أخاصمه إلى الله)([8])

وكما استولى المتوكل على قلوب الحنابلة، راح يستولي على قلوب الشافعية، ولم يفعل سوى أن ردد على مسامعهم هذه العبارات التي يتقن الساسة ترديدها ليستخفوا رعاياهم؛ فقد قال مخاطبا لهم: (واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده، وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهو يقول: أيها الناس إن محمد بن إدريس المطّلبي قد صار إلى رحمة الله وخلف فيكم علمًا حسنًا فاتبعوه تهدوا)

ثم ردد بعدها بخشوع: (اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك)([9])

وقد أعجب السيوطي المتمذهب بمذهب الشافعي بهذه الرواية إعجابا كبير، وراح يستنبط منها ما عبر عنه بقوله: (استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبًا بمذهب الشافعي، وهو أول من تمذهب من الخلفاء) ([10])

متناسيا أنه هو نفسه الذي روى عنه قوله مخاطبا يزيد المهلبي: (يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني) ([11])

لكن هذا المنهج لم يعتمده مع الجميع، بل اعتمده مع من يريد تحويلهم إلى مطايا يستعملها لضرب خصومه، والتمكين لنفسه.. ولذلك نال منه الحنفية والمعتزلة والشيعة كل ألوان البلاء..

وسنحاول هنا أن نذكر بعض ما قام به في فترة خلافته، لنجيب على ذلك السؤال الذي جعلناه عنوانا لهذا المقال، ونعرف من خلاله حقيقة انتصاره للسنة، وأي سنة انتصر لها، وأي بدع أخمدها أو حاول إخمادها.

1 ـ المتوكل.. وتحريف الدين:

من أكبر جرائم المتوكل التي لا تزال تتابعنا إلى هذا العصر ما وفره من أجواء ساعدت على تحريف الإسلام المحمدي الأصيل، وتحويله من دين ممتلئ بالعلمية والعقلانية والحضارة إلى دين ممتلئ بالدجل والخرافة والتخلف.

ولذلك، فإن المدرسة السلفية التي لقيت الحظوة لديه، انتشرت في عصره انتشارا شديدا، بل كان له الدور الأكبر في تحويلها إلى كيان قائم بذاته، لا يزال ممتدا إلى اليوم، بل يمكن اعتبار السلفيين المعاصرين المعجبين به ضحية من ضحاياه.

وقد أشار الشيخ حسن بن فرحان المالكي إلى ذلك، فقال: (أتى المتوكل عام 232 هـ؛ ومال مع العامة ضد الأتراك والثقافة السابقة برمتها؛ فعظم أهل الحديث ـ وعلى رأسهم أحمد ـ واضطهد المعتزلة والشيعة؛ وتعرض المعتزلة ومن شايعهم؛ من أهل الفلسفة والمنطق وعلوم اليونان؛ لاضطهاد أيضاً؛ حيث أحرقت كبتهم؛ ولاحقتهم السلطات؛ وكان الأثر على العامة كبيراً؛ وما زال أثر المتوكل قائماً إلى اليوم في التيار السلفي والأشعري معاً؛ فقد عظم المتوكل أهل الحديث؛ وأجزل لهم العطايا؛ وتشكلت العقائد من أيامه.. فالدين والعقائد والمذاهب، من آثار عصر المتوكل)([12])

ثم ذكر تلك النشوة التي أصابت السلفيين في ذلك العهد بعد أن أعطاهم المتوكل كل السلطات للقضاء على من يتهمونهم بالبدعة، فقال: (المتوكل لم يكن رجلاً صالحاً؛ حتى بمقياس أهل الحديث؛ فقد كان غارقاً في الشهوات، مبغضاً لعلي والحسين، قاتلاً ظالماً؛ إلا أنه نصر الإمام أحمد.. وأهل الحديث ـ وسط ما يشعرون به من انتصار سياسي ـ نسوا مظالم المتوكل، وسموه (ناصر السنة)؛ ونشطوا في هذه المرحلة؛ وغلوا وتطرفوا ضد الجميع؛ فهذه المرحلة هي التي دونت تكفير أبي حنيفة؛ وكان فيها الظلم كله؛ ونبش قبر الحسين؛ وأعلن بغض الإمام علي؛ وأهل الحديث ساكتون لأنه نصر أحمد!)([13])

وما ذكره الشيخ حسن بن فرحان المالكي ـ فك الله أسره ـ هو الحقيقة التي دلت عليها كل الوثائق التاريخية؛ والتي جمعت له بين الانحراف الأخلاقي، والتحريض الطائفي والصراع مع الصالحين وقتلهم بدم بارد، والإساءة لغير المسلمين.. ومع ذلك كله قبله السلفية لسبب بسيط، وهو أنه كان يقول بأن القرآن كلام الله خرج من فمه، وأنه جالس فوق عرشه، بالإضافة إلى كونه من المعتقدين بتلك الخرافات التي وجد السلفيون الفرصة لنشرها في عصره، والتي تمتلئ بها كتب الحديث والتفسير والعقائد وغيرها.

وهو لذلك يشبه كثيرا آل سعود الذين يعرف السلفية بذخهم وترفهم وجرائمهم في حق الأمة، وكونهم أبعد الناس عن الدين، ومع ذلك يقبلونهم، ويبايعونهم، ويدعون جميع المسلمين لذلك، بل منهم من يعتبرهم من الخلفاء الراشدين، لكونهم يمثلون المتوكل في عقائده وجرائمه، كما قال أبو بكر جابر الجزائري يصف السعودية باعتبارها الدولة الوحيدة الممثلة للإسلام: (لا يوجد مسلم صحيح الإسلام، ولا مؤمن صادق الإيمان وفي أي بلد إسلامي، كان، إلاّ ويتمنّى بكلّ قلبه أن يحكمه ابن السعود وإنّه لو يدعى إلى مبايعته مَلِكاً أو خليفةً للمسلمين لما تردد طرفة عين، كان ذلك من أجل أنّ هذه الدّولة تمثّل الإسلام وتقوم به وتدعو إليه…)([14])

ويقول عن دورها في تهديم الآثار والأضرحة: (وهيهات هيهات أن يتنكر آل سعود لمبدأ الحق الذي أقاموا ملكهم عليه، ووقفوا حياتهم على حمايته ونصرته ونصرة الدّاعين إليه!! والهادين إلى مثله!! إنه لو لم يبق إلاّ عجوزٌ واحدة من آل سعود لم يكن لها أن تتنازل عن مبدأ الحقّ)([15])

ولذلك لا غرابة أن يقبل سلف السلفية المتوكل على الرغم من كل الروايات التاريخية التي تذكر انحرافاته الأخلاقية، وجرائمه التي قام بها، ذلك أن القيمة الوحيدة عندهم هي العقائد التجسيمية، أما السلوك الأخلاقي، فلا قيمة له، وقد قال بعضهم: (قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدع أعداء الله)([16])

بناء على هذا سأذكر هنا نموذجين عما قام به المتوكل من توفير للأجواء التي ساعدت على تحريف الدين، وتحويله إلى الدجل والخرافة، أولهما في نشر روايات التجسيم، والثاني في الاهتمام بالرقية والخرافات المرتبطة بها.. وكلاهما لا نزال نراه إلى اليوم.

أ ـ المتوكل ونشر روايات التجسيم:

من المعروف أن ذلك العصر الذي عاش فيه المتوكل كان عصرا من عصور تدوين الروايات التي أسست للعقائد والتفسير وجميع العلوم الإسلامية، وهنا كانت خطورة المتوكل إذ أنه حاصر جميع المدارس الإسلامية، ولم يترك سوى المدرسة السلفية ـ ممثلة فيمن يسمون أنفسهم [أهل الحديث] ـ لتبث عقائدها في الأمة، وتركز خصوصا على المواضع التي تختلف فيها مع الشيعة والمعتزلة اللتين يبغضهما المتوكل بغضا شديدا.

وبما أن كلا من المعتزلة والشيعة كانا مهتمين بتنزيه الله تعالى عن التشبيه والتجسيم؛ فقد كان اهتمام سلفية ذلك العصر ـ بتحريض من المتوكل ـ نحو بث عقائد التشبيه والتجسيم، ولذلك شبهناه بقسطنطين الأول في المسيحية، والذي نصر التثليث على التوحيد، كما نصر المتوكل التجسيم على التنزيه.

وقد ذكر ابن كثير، ذلك مثنيا عليه بسببه، وإن كان يعترف في نفس الوقت بانحرافاته الأخلاقية، فقال: (وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبي دؤاد عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولى من جهته حيان بن بشر قضاء الشرقية، وسوار بن عبد الله قضاء الجانب الغربي)([17])

ومن عجائب الصدف أن آل السعود الذين يؤثرون في الفتوى ومناصب الدين أمثال ابن باز وعبد العزيز آل الشيخ، يقعون في نفس ما وقع فيه المتوكل، فقد كان كلا الشخصيتين اللتين انتدبهما لتلك المناصب الحساسة مصابين في بصرهما، حتى قال بعض أصحاب الحديث ـ كما يذكر ابن كثير ـ:

رأيت من العجائب قاضيين.. هما أحدوثة في الخافقين

هما اقتسما العمى نصفين قدا.. كما اقتسما قضاء الجانبين

ويحسب منهما من هز رأسا.. لينظر في مواريث ودين

ونحن لا يعنينا ـ طبعا عورهما أو عماهما المرتبط بالبصر ـ وإنما يعنينا عمى البصيرة؛ والذي دلت عليه الوثائق التاريخية التي ذكرت تلك المحاكمات الجائرة التي أصابت المعتزلة أو الشيعة أو الحنفية أو غيرهم ممن لم يؤمن بدين التجسيم والتشبيه، ولم يستسع عقله تلك الخرافات التي كان ينشرها مشايخ السلفية في ذلك الوقت.

وقد أشار الذهـبي إلى هذا عندما ذكر ما حصل لأحمد بن أبي دؤاد، والذي انتقم منه المتوكل شر نقمة، فقال: (وغضـب المـتوكـل عـلى أحمد بـن أبي دؤاد، وصادره وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف درهم، وافتقر هو وآله)([18])

وهكذا لم يكتف بأحمد بن أبي دؤاد، وإنما راح للمعتزلة يسجنهم، ثم يصادر أموالهم، إلى أن افتقروا.. وهم يذكرون هذا، ويشمتون بهم، دون أن يذكروا مصادرهم الشرعية في هذه الأحكام الجائرة.

والعجيب أنهم يعتبرون ما حصل للمعتزلة والشيعة من تنكيل عقوبة من الله لهم، ويظهرون الشماتة بهم، في نفس الوقت الذي يعتبرون فيه ما حصل لأحمد بن حنبل وغيره في عهد المأمون محنة إلهية، وأنه ابتلي كما ابتلي الأنبياء والأولياء، وهذا دليل على ازدواجية العقل السلفي، وميله مع الهوى الطائفي، وإلا فإن العاقل هو الذي ينكر امتحان الجميع في أفكارهم، لأن الدين لم يحجر على الفكر، وإنما حجر على الجريمة.

ويذكر الذهبي وكل المؤرخين أمرا أخطر من ذلك، وهو التشجيع على رواية أحاديث التجسيم ولو من غير الثقاة، وهو ما وفر لها الكثير من الوضاعين الكذابين الذين لم يجدوا مناسبة لنشر تضليلاتهم إلا في ذلك العصر، وتحت حماية السلطة الحاكمة، يقول الذهبي: (وفي سنة 234: أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء، وأجزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات)([19])

وقال ابن كثير: (فلما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد – وهو إسحاق بن إبراهيم – أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق بالإمام أحمد إليه فأكرمه وعظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن فقال له أحمد: سؤالك هذا سؤال تعنت أو استرشاد، فقال: بل سؤال استرشاد، فقال: هو كلام الله منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سر من رأى ثم سبقه إليه)([20])

وذكر ابن كثير وشاية حصلت من بعضهم على الإمام أحمد، وأنهم أرادوا أن يوقعوا بينه وبين المتوكل، لكنه نجا، بل زاد ذلك في تكريمه، وتكريم أهل الحديث، وسنذكر الحادثة كما ذكرها حرفيا، لنرى من خلالها السبب الذي جعل المتوكل يفضل أهل الحديث على غيرهم، فقد قال: (ثم إن رجلا من المبتدعة يقال له ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئا فقال: إن رجلا من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن. فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل. فلم يعشروا إلا والمشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالسا في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه فقال: (ليس عندي من هذا علم، وليس من ذا شئ ولا هذا من نيتي، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو الله بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، في كلام كثير)، ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها فلم يروا شيئا، فلما بلغ المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه علم أنهم يكذبون عليه كثيرا، فبعث إليه يقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة – وهو أحد الحجبة – بعشرة آلاف درهم من الخليفة، وقال: هو يقرأ عليك السلام ويقول: استنفق هذه، فامتنع من قبولها. فقال: يا أبا عبد الله إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه، والمصلحة لك قبولها، فوضعها عنده ثم ذهب فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله وقال: لم أنم هذه الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فلم يبق منها درهما)([21])

فهذه الرواية تبين سر موقف المتوكل، وأنه سياسي لا عدم علاقته بالدين، فقد كان هدفه الحفاظ على السلطة في وجه المعارضين، وقد وجد أن أكثر الناس خدمة له في هذا الجانب هذا الاتجاه، وخاصة مع ما ينشره من خرافات ودجل، وما ينشره معهما من تحذير من البحث العقلي.

وما ورد في الرواية أيضا يشير إلى أن الأموال والمناصب كانت تغدق على من يتبنى أمثال تلك الأفكار، وهو ما ساهم في انتشارها، فالناس ـ كما يقال ـ على دين ملوكهم.

وقد أشار الخطيب البغداد إلى هذا، فقال: (سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين، فكان فيهم مصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وعبد الله، وعثمان ابنا محمد بن أبي شيبة الكوفيان، وهما من بني عبس وكانا من حفاظ الناس، فقسمت بينهم الجوائز وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا من الناس، فأخبرني حامد بن العباس أنه كتب عن عثمان بن أبي شيبة، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدما من أخيه عثمان، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا)([22])

ونحب أن نذكر أن عثمان بن محمد بن أبي شيبة هو صاحب كتاب العرش، المملوء بأحاديث التجسيم والخرافة، والذي لقي عناية كبيرة من المدرسة السلفية الحديثة، ومن الروايات الواردة فيه، والتي كان ينشرها في عهد المتوكل ما أورده في تفسير قوله تعالى: { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} (هود:7) من روايات، ومنها: (ثم رفع بخار الماء ففتقت منه السموات، ثم خلق النون فدحيت، الأرض على ظهر النون، فتحرك فمادت، فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر عليها)([23])، وهي المعلومات التي لا يزال الكثير يتبناها، وعلى أساسها ينكر المعلومات الفلكية الحديثة.

وهكذا روى عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمرت سحابة، فقال: تدرون ما هذه، قالوا: سحاب، قال: والمزن، قا لوا: والمزن، قال: والعنان، ثم قال: تدرون كم بعد ما بين السماء والأراضين، قالوا: لا، قال: إما واحدة أو اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، ثم السماء فوق ذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك)([24])

وغيرها من الروايات التجسيمية الكثيرة التي ذكرنا بعضها في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

ب ـ المتوكل والتشجيع على الدجل:

إلى جانب ما قام به المتوكل من توفير لأجواء التشبيه والتجسيم والخرافات المرتبطه بهما، شجع المتوكل ظاهرة الرقية والدجل المرتبط بها، وهو مما لا نزال نعيشه إلى اليوم.

ومن الأمثلة على ذلك ما رواه القاضي أبو الحسن بن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي قال: سمعت أحمد بن عبيد الله قال: سمعت أبا الحسن علي بن علي بن أحمد بن علي العكبري قدم علينا من عكبرا في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة قال: حدثني أبي عن جدي قال: كنت في مسجد أبي عبدالله أحمد ابن حنبل، فأنفذ إليه المتوكل صاحبا له يعلمه أن له جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية، فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: امض إلى دار أمير المؤمنين وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له – يعني للجني – قال لك أحمد: أيما أحب إليك تخرج من هذه الجارية أو تصفع بهذه النعل سبعين، فمضى إليه وقال له مثل ما قال الإمام أحمد، فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا به.. وبه قال: خرجت أنا والصبيان ولي سبع سنين أو ثمان سنين نبصر أحمد ابن حنبل كيف يضرب. وخرج من الجارية.. وهدأت ورزقت أولادا، فلما مات أحمد عاودها المارد فأنفذ المتوكل إلى صاحبه أبي بكر المروزي وعرفه الحال.. فأخذ المروزي النعل ومضى إلى الجارية فكلمه العفريت على لسانها: لا أخرج من هذه الجارية ولا أطيعك ولا أقبل منك، أحمد بن حنبل أطاع الله فأمرنا بطاعته)([25])

وهذا ما شجع على هذه الظاهرة التي انتشرت بعد ذلك انتشارا شديدا، وكان أكثر الناس اهتماما بها، واستعمالا لها، ودعوة إليها الطائفة السلفية، التي اعتبرت هذه الرواية وأمثالها دينا تتعبد الله به.

ومن الأمثلة على ذلك ما قاله الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز جوابا لمن سأله عن جواز الضرب والخنق والتحدث مع الجن لمن يعالج المرضى بقراءة القرآن؟ فأجاب: (هذا قد وقع شيء منه من بعض العلماء السابقين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية – يرحمه الله تعالى – فقد كان يخاطب الجني ويخنقه ويضربه حتى يخرج، وأما المبالغة في هذه الأمور مما نسمعه عن بعض القراء فلا وجه لها)([26])

وقال الأستاذ وائل آل درويش مبينا كيفية التعامل مع الجن قبل عقوبته: (والحاصل أنه يؤمر – يعني الجني الصارع – بالمعروف وينهى عن المنكر فتبدأ معه بالترغيب والترهيب والنصح والإرشاد والعلم والتعريف ثم الزجر ثم قد يصل الأمر إلى الضرب والعقاب ثم الحرق بآيات الكتاب، إلا أنه ينبغي أن يتفطن المعالِج فلا يستخدم الضرب إلا عن بصيرة وقلب حاضر ونظر ثاقب، إذ من الجن من يفر ويهرب، وقد يترك الجسم ويخرج عند نزول الضرب عليه، فيقع الضرب على المريض فيشعر به، وهذا واقع مشاهد)([27])

2 ـ المتوكل.. والتنفير من الدين:

لم يكتف المتوكل ومن شايعه من رافضة الدين المحمدي الأصيل، والمتبعين لأهواء التجسيم والتشبيه، بتلك التحريفات التي حرفوا بها الدين، وحولوه من دين العلم والعقل والحضارة إلى دين الجهل والدجل والتخلف، بل أضافوا إلى ذلك تلك المعاملات القاسية التي عاملوا بها غير المسلمين، لينفروهم من الإسلام، وليضربوا سماحته في الصميم.

وللأسف فإن شيعة المتوكل المعاصرين، يثنون عليه ممارسته لتلك السلوكات، ويعتبرونها رمزا للولاء والبراء، ويضربون بها المثل في التطبيق المثالي للإسلام مع المخالفين.

وقد سبقهم إلى ذلك ابن القيم الذي عقد فصلا خاصا بالمتوكل، وموقفه من أهل الذمة، قال فيه: (وأما المتوكل فإنه صرف أهل الذمة من الأعمال، وغير زيهم في مراكبهم وملابسهم)([28])، واعتبر ذلك من حسناته.

ثم ذكر السبب الذي جعله ينتهج هذا المنهج معهم، فذكر أن شيخا من الصالحين لقيه في الحج، ربما لا يختلف كثيرا عن الحويني أو محمد حسين يعقوب أو غيرهم، ممن لا نزال نراهم، وقال له ناصحا: (قد اكتنفت دولتك كتاب من الذمة أحسنوا الاختيار لأنفسهم، وأساءوا الاختيار للمسلمين وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خفتهم ولم تخف الله وأنت مسئول عما اجترحوا وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفساد آخرته، واذكر ليلة تتمخض صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلة يخلو المرء في قبره بعمله)([29])

وذكر أن المتوكل حين سمع هذه النصيحة بكى إلى أن غشي عليه، ثم طلب الرجل فلم يوجد، وكان الأصل ـ إذا أراد أن يطبق حقيقة تلك النصيحة ـ أن ينظر في أهل الذمة([30])؛ فيحسن إلى محسنهم، ويعدل مع مسيئهم، لكن القرار الذي اتخذه حين أفاق من غشيته بعد بكائه الطويل هو ما عبر عنه ابن القيم مثنيا عليه بقوله: (فخرج أمره بلبس النصارى واليهود الثياب العسلية، وألا يُمكنوا من لبس الثياب لئلا يتشبهوا بالمسلمين، ولتكن ركبهم خشبا، وأن تهدم بيعهم المستجدة، وأن تطبق عليهم الجزية، ولا يفسح لهم في دخول حمامات المسلمين، وأن يفرد لهم حمامات خدمها ذمة، ولا يستخدموا مسلما في حوائجهم لنفوسهم، وأفرد لهم من يحتسب عليهم) ([31])

وما ذكره ابن القيم باختصار، ذكره الطبري بتفصيل في مواضع من تاريخه، وسنذكرها لنرى مدى الظلم الذي عامل به المتوكل من أمرنا بتأليف قلوبهم، وإعطائهم صورة جميلة عن الإسلام، ترغبهم فيه، ولا تنفرهم منه.

ومن ذلك ما ذكره في أحداث عام 235 هـ ـ وللتذكير، فإن عمر المتوكل حينذاك كان لا يتجاوز الثلاثة سنة ـ حيث قال: (وفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب، وبتصيير كرتين على مؤخر السروج وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه، وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره والأخرى منهما خلف ظهره، وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونهما عسليا. ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسلي، ومن خرج من نسائهم، فبرزت فلا تبرز إلا في إزار عسلي، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزنانير، وبمنعهم لبس المناطق) ([32])

ولم يكتف بكل هذه القوانين المنافية لكل القيم الأخلاقية، بل ذكر الطبري أنه راح يهدم كنائسهم، ويفرض عليهم غرامات كثيرة تنوء بها ظهورهم، فقال: (وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإذا كان الموضع واسعا صُّير مسجدا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدا صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى ان يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبا وأن يشمعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض لئلا تشبه قبور المسلمين)([33])

ولم يكتف بكل تلك الإجراءات التعسفية، بل إنه أمر في عام 239 هـ ـ كما يذكر الطبري ـ (بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على الأقبية والدراريع في المحرم منها، ثم أمر.. بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمر دون الخيل والبراذين) ([34])

وذكر في أحداث عام 242 هـ أنه: (قتل عطاردا، رجلا كان نصرانيا، فأسلم فمكث مسلما سنين كثيرة ثم ارتد، فاستتيب فأبى الرجوع الى الإسلام، فضربت عنقه لليلتين خلتا من شوال، وأحرق بباب العامة) ([35])

وهذا ما يبين المصادر التي تأخذ منها الجماعات الإرهابية أعمالها الإجرامية، ذلك أن المتوكل عندهم هو ناصر السنة، وهو الذي أثنى عليه ابن تيمية وابن القيم وجميع سلفهم وخلفهم، ولذلك صار قيامه بالحرق سنة متبعة.

ولم ينج من جرائم المتوكل عامة النصاري ولا خاصتهم، فقد ذكر الطبري أن الطبيب النصراني المشهور بختيشوع نال حظه من إضطهاد المتوكل، فقد ذكر في أحداث عام 244 هـ أن المتوكل (غضب على بختيشوع، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين)([36])، وذكر أن أعرابيا حينها راح يشمت بالطبيب، ويمدح المتوكل قائلا:

يا سخطة جاءت على مقدار

   ثار له الليث على اقتدار

منه وبختيشوع في اغترار

   لما سعى بالسادة الأقمار

بالأمراء القادة الأبرار

   ولاة عهد السيد المختار

وبالموالي وبني الأحرار

   رمى به في موحش القفار

بساحل البحرين للصغار

ولم يكتف بما فعله به في تلك السنة، بل أضاف إليه بتشجيع من المحيطين به، عام 245 هـ ما ذكره الطبري بقوله: (ضُرب بختيشوع المتطبب مائة وخمسين مقرعة وأثقل بالحديد وحبس في المطبق في رجب) ([37])

هذه بعض مظاهر التشويه التي قام بها المتوكل لصرف غير المسلمين عن الإسلام في البلاد الإسلامية، أما ما فعله خارجها، فلا يقل عما فعله هارون وغيره من المستبدين، الذين تصوروا أنهم شعب الله المختار، وأن علاقتهم بغيرهم هي أن يغزوهم، ليستولوا على أموالهم ونسائهم، متصورين أنهم بذلك يجاهدون في سبيل الله، بينما هم يجاهدون في سبيل شهواتهم.

وقد روى الطبري بعض ما فعله من جرائم خارج بلاد المسلمين، يندى لها الجبين، ومنها إحراقه لمدينة تفليس، وهي عاصمة جورجيا اليوم؛ والذي تسبب في إحراق خمسين ألف ساكن بها، يقول الطبري في أحداث عام 238هـ: (.. ووقف بغا على تل مطل على المدينة مما يلي صغدبيل، لينظر ما يصنع زيرك وأبو العباس، فبعث بغا النفاطين فضربوا المدينة بالنار، وهي من خشب الصنوبر، فهاجت الريح في الصنوبر، فأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة لينظر، فإذا النار قد أخذت في قصره وجواريه، وأحاطت به النار، ثم أتاه الأتراك والمغاربة فأخذوه أسيرا، وأخذوا ابنه عمرا، فأتوا بهما بغا، فأمر بغا به، فرد إلى باب الحسك، فضربت عنقه هناك صبرا، وحمل رأسه إلى بغا، وصلبت جيفته على الكر، وكان شيخا محدودا ضخم الرأس، يخضب بالوسمة، آدم أصلع أحول، فنصب رأسه على باب الحسك، وكان الذي تولى قتله غامش خليفة بغا، واحترق في المدينة نحو من خمسين الف انسان، واطفئت النار في يوم وليلة، لأنها نار الصنوبر، لا بقاء لها، وصبحهم المغاربة، فأسروا من كان حيا، وسلبوا الموتى)([38])

هذا هو ناصر السنة بالمفهوم السلفي، وهكذا تنصر السنة عندهم، ولذلك لا نعجب مما تفعله الجماعات المسلحة، التي خرجت من رحمهم؛ فهي ليست سوى ضحية للمتوكل والمحطين به من السلفية القدماء والمعاصرين، والذين تصوروا أن كونهم مسلمين يخول لهم أن يقضوا على كل شيء يخالفهم، وبما تملي عليهم غرائزهم المملوءة بالحقد والعدوانية.

3 ـ المتوكل.. والصراع مع الصالحين:

يتصور الكثير من المغترين بتاريخ المجد المزيف، أن من حسنات المتوكل، والتي جعلته يتحول إلى ناصر للسنة ذلك التقريب الذي قام به للعلماء، حيث أنه كان يستشيرهم في مصادره وموارده، وأنه لذلك كان يطبق الشريعة الإسلامية جراء تطبيقه لنصائحهم؛ وهذا وهم كبير، فلم يكن أحد من بني العباس أو بني أمية أو غيرهم يفعل ذلك.

بل كان الجميع ينتقون من العلماء من يعزف لهم الألحان التي يشتهون، ويُبعدون في أحسن أحوالهم من لا يشتهون، أما في أسوئها، وما أكثرها، فإنهم يحبسون أو يقتلون من لا يشتهون.

وقد كان من الألحان التي يشتهيها المتوكل بغض أهل بيت النبوة، أو ما اصطلح عليه بالنصب، مثلما كان يفعل جده هارون، أو غيره من بني العباس وبني أمية؛ فقد كانوا يعتبرون أهل بيت النبوة سواء من مات منهم أو ما زال حيا، شخصا ثقيلا يزاحمهم محبة الناس، ويزاحمهم قبل ذلك في الورقة التي تقدموا بها ليحكموا الناس، وهي النسب، فهم يذكرون للرعية أنهم بنو عمومة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بينما أهل بيت النبوة يذكرون أنهم أبناؤه وأحفاده.

وقد نص على كون المتوكل ناصبيا مبغضا لأهل بيت النبوة كل المؤرخين بمن فيهم أولئك الذين أثنوا عليه من أمثال الذهبي([39])، وابن العمـاد الحنبلي ([40])وغيرهما.

ولم يكن بغضه قاصرا على الأحياء منهم، وإنما تعداه لموتاهم وشهدائهم، وأولهم الإمام علي الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن حبه إيمان، وبغضه نفاق([41])، وقد قال ابن الأثير معبرا عن ذلك: (وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم)([42])

ثم ذكر من دلائل ذلك البغض وأمثلته أنه (كان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليا، والمتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يوما، والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفا منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام، وأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعا: غار الفتى لابن عمه رأس الفتى في.. أمه)([43])

وقد ذكر ذلك في أسباب قتله ابنه له، لأنه كان على العكس من أبيه في هذا الجانب، فقال: (فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل)([44])

وهكذا ذكر المؤرخون أن سبب قتله للعالم الأديب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق السِكّيت الأهوازي (186 ــ 244 هـ، مؤلف كتاب [إصلاح المنطق] وغيره من الكتب القيمة، تعلقه بأهل بيت النبوة، فقد روي أن المتوكل ألزم ابن السكيت تعليم ابنيه المعتز والمؤيد، ثم سأله بعد فترة بعد أن فطن لتعلقه بالإمام علي: (أيّهما أحبّ إليك ابناي هذان: المعتز والمؤيّد، أو الحسن والحسين؟) فقال ابن السكيت: (والله إن قنبرًا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك)، فقال المتوكل للأتراك: (سلو لسانه من قفاه)، ففعلوا، فمات([45]).

وقال ياقوت الحموي يذكر الحادثة، وينتصر للمتوكل: (وكان يعقوب يتشيع، فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه وداسوا بطنه وحمل إلى بيته فعاش يوما وبعض آخر)([46])

وللأسف فإن الذين يبالغون في محنة الإمام أحمد، يتغاضون عن محنة ابن السكيت، مع كونه تعرض لأضعاف الأذى الذي تعرض له الإمام أحمد، وكونه كذلك لا يقل عن الإمام أحمد في الخدمات العلمية الكبرى التي قدمها للأمة([47])، ولكن ازدواجية المعايير هي الحاكمة في المتعلقين بالمجد المزيف.

والمشهد الذي نقلناه عن المؤرخين في قتل ابن السكيت لا تقتصر العبرة فيه فقط على قتل المتعلقين بأهل بيت النبوة، فما أكثر من فعل ذلك من أهل الملك العضوض، ولكن العبرة فيه في التفنن في طريقة القتل، وهو ما يشجعه التيار السلفي خصوصا، حتى يشفي غليله وأحقاده، والتدين العدواني الذي ورثه من أسلافه.

ولهذا نجدهم عند حديثهم عن المخالفين لا يكتفون بالتحريض على قتلهم، وإنما يضيفون إليه الكيفية البشعة لذلك، كما روى ابن تيمة بسنده عن ابن خزيمة قوله: (من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته، فهو كافر به، حلال الدم يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل)([48])

وهكذا فعل مع بعض المحدثين لأنه روى حديثا في فضل أئمة أهل البيت، وكاد يقتله لولا أن تدخل بعضهم؛ فشفع له، قال الخطيب البغدادي بعد أن روى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أخذ بيد الحسن والحسين، وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة)([49]): (قال أبو عبد الرحمن عبد الله: لما حدث بهذا الحديث نصر بن علي، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه جعفر بن عبد الواحد وجعل يقول له: هذا الرجل من أهل السنة، ولم يزل به حتى تركه، وكان له أرزاق فوفرها عليه موسى)([50])

والعجيب أن الخطيب البغدادي في تعليقه على الحادثة، معتذرا عن ضرب المتوكل له، قال: (قلت: إنما أمر المتوكل بضربه لأنه ظنه رافضيا، فلما علم أنه من أهل السنة تركه) ([51])، أي أنه لو فعل ذلك مع الشيعة لكان فعلا مشروعا، بل مستحبا، بل واجبا.

وهذه الحادثة تشير إلى ذلك التضييق الذي مارسه المتوكل في حق الورايات المرتبطة بأهل بيت النبوة، في نفس الوقت الذي فتح فيه المجال لروايات التشبيه والتجسيم والخرافة، وقد قال الشيخ حسن بن فرحان المالكي يذكر ذلك: (كان أثر المتوكل واضحاً في هجر أحاديث أهل البيت؛ فعصر المتوكل نقطة تحول في الافتراق بين السنة والشيعة بسبب عصبية السياسة؛ لا بسبب المذهبين؛ ودراسة عصر المتوكل سيجيب على الأسئلة الكبيرة؛ مثل: لماذا أهل الحديث تركوا أحاديث أهل البيت؟ لماذا افترقت رواية السنة والشيعة؟ وغيرها) ([52])

وبعد أن ذكر مدى صحة ذلك الحديث الذي ضرب بسببه محمد بن نصر قال: (وهذا السند المسلسل بأهل البيت؛ هم ثقات أثبات عند أهل الحديث؛ متقدميهم ومتأخريهم؛ ولكنهم قللوا من الرواية عنهم بسبب الضغوط السياسية الناصبية؛ وقد بدأت المرحلة الأولى الشفوية في عهد معاوية.. ولو أن علماء السنة والشيعة؛ سلموا من السياسات الفاصلة بينهما؛ لكانوا إلى اليوم مذهباً واحداً؛ ولما شاعت الأحاديث الضعيفة والخرافات والتباعد؛ فالأثر السياسي كان كبيراً جداً على الثقافة وأهل الحديث والرواية؛ من جميع المذاهب؛ وإلا؛ فالأصل؛ أن المسلمين مذهبهم واحد؛ هو الإسلام)([53])

وهكذا، فإن الحقد الذي امتلأ به صدر المتوكل لآل بيت النبوة، جعله لا يكتفي بالقتل، وإنما ذهب لقبورهم يهدمها، ويسويها بالأرض، مثلما تفعل شيعته من السلفية تماما، يقول أبو الفرج الأصفهاني (المتوفى: 356هـ) في كتابه [مقاتل الطالبيين]، مصورا بعض ما حصل من ذلك: (كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، مهتماً بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره، يسئ الرأي فيهم، فحسَّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان من ذلك أن كَرَبَ قبر الحسين وعَفَّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له، لا يجدون أحداً زاره إلا أتوه به، فقتله، أوأنهكه عقوبة)([54])

وذكر سبب ذلك، وهو يشير إلى مدى انحرافه الأخلاقي، بالإضافة لانحرافه الديني، فقال: (حدثني أحمد بن الجعد الوشاء وقد شاهد ذلك، قال: كان السبب في كرب قبر الحسين أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب، فلما وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة، وكانت قد زارت قبر الحسين، وبلغها خبره، فأسرعت الرجوع، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها فقال لها: أين كنتم؟ قالت: خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها وكان ذلك في شعبان، فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين. فاستطير غضباً وأمر بمولاتها فحبست، واستصفى أملاكها) ([55])

وذكر جرائمه في حق المقام، فقال: (وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج وكان يهودياً فأسلم، إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه، وإخراب كل ما حوله، فمضى ذلك وخرب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله، نحومائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه! وأجرى الماء حوله، ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه) ([56])

وذكر الطبري (المتوفى: 310هـ) هذه الجريمة البشعة، فقال: (ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي: وفيها (سنة ٢٣٦) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه. فذُكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق [سجن مظلم تحت الأرض]، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحُرث ذلك الموضع، وزُرع ما حواليه) ([57])

وقد اتفق على ذم هذه الفعلة الشنيعة كل المسلمين ما عدا الطائفة الوهابية، التي أثنت على المتوكل بسبب هذه الجريمة وغيرها، واعتبروه ناصرا للسنة، وهو على خلاف ما ذهب إليه أهل السنة أنفسهم في ذلك العصر وبعده، فقد قال جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) بعد ذكره للحادثة: (فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك([58]):

بالله إن كانت أميةُ قد أتَتْ

  قتلَ ابن بنت نبيِّهَا مظلومَا

فلقد أتاهُ بنو أبيه بمثله

   هذا لعمري قبرُه مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

  في قتلهِ فَتَتَّبعُوهُ رميما

 لكن مع ذلك، ومع كل تلك التحذيرات والجرائم، ظل المسلمون يزورون القبر الشريف، وكل ما أحاط حوله من مشاهد، ويتحدونه على الرغم من المآسي الكبيرة التي حصلت لهم بسبب ذلك، وقد ذكر الطوسي ذلك، فقال في أماليه: (بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فأنفذ قائداً من قواده، وضم إليه كتفاً من الجند كثيراً، ليشعب قبر الحسين، ويمنع الناس من زيارته والإجتماع إلى قبره، فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فثار أهل السواد به، واجتمعوا عليه وقالوا: لوقتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منا عن زيارته، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة، فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة، مظهراً أن مسيره إليها في مصالح أهلها، والإنكفاء إلى المصر! فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين، فبلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين، وأنه قد كثر جمعهم كذلك وصار لهم سوق كبير، فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبر الحسين، ونَبَشَ القبر وحرث أرضه، وانقطع الناس عن الزيارة. وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة رضي الله عنهم، فقتل ولم يتم له ما قَدَّر)([59])

وقد عاصر هذه الأحداث الأليمة الإمام الهادي، ووقف في وجهها حاضا مواليه على الزيارة، مبينا أهميتها وضرورتها، وقد كان يقول لهم: (علامات المؤمن خمس: صلاة الإحدى والخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)([60])

ولم يكتف بكل ذلك، بل راح يستعمل كل وسائل التضييق على الأحياء من أهل بيت النبوة، وخصوصا من تعلق الناس بهم، ومن الأمثلة على ذلك ما قام به من إيذاء وتضييق على الإمام علي الهادي، بالإضافة إلى قتله الكثير منهم من أمثال محمد بن صالح بن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن بن جعفر بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن أبي طالب، والقاسم بن عبدالله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وغيرهم من الذين ذكرهم الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.

وقد ذكر الأصفهاني بعض ما حصل لمن لم يقتله منهم، فقال: (واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البـر بهم، وكان لا يبلغه أن أحدا أبر أحدا منهم بشيء وإن قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرما، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقعنه ويجلسن على معازلهن عواري حواسـر، إلى أن قتـل المتوكل، فعطـف المنتصر عليهـم وأحسن لهم)([61])

4 ـ المتوكل.. والتحريض الطائفي:

لم يكن الأمر في ذلك العصر الذي ولي فيه المتوكل قاصرا على بغض أهل بيت النبوة، ومن شايعهم، وانتصر لهم، بل إنه شمل الجميع ما عدا من يسمون أنفسهم أهل الحديث، وخاصة من غلب عليه النصب منهم، أما من عداهم؛ فقد أوذوا إيذاء شديدا، ليس من المتوكل فقط، وإنما من أولئك العلماء الذين أسند إليهم المتوكل أمور الدين، وخول لهم أن يعاقبوا من شاءوا بما شاءوا.

ومن الأمثلة على ذلك ما رواه البيهقي في [مناقب أحمد] عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن له، فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها أولى أم اليهود والنصارى؟ قال أحمد: (أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان بهم في بعض الأمور التي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم، قد استعان بهم السلف)، قال محمد بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان، ولا يستعان بالجهمي؟ قال: (يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون) ([62])

ونحب أن نذكر أن المراد من الجهمية هنا كل منزهة الأمة، بدليل أن القضايا التي ينكرونها على الجهمية هي نفس القضايا التي ينكرونها على جميع المدارس الكلامية بما في ذلك إثبات الجهة والمكان لله تعالى، أو إثبات الصورة والأعضاء وغيرها، مما ذكرناه بتفصيل في كتاب [السلفية والوثنية المقدسة]

وبما أن الأشاعرة والماتريدية لم يظهرا بعد في ذلك العصر([63])، فقد كان التشدد كبيرا مع الطائفتين اللتين تمثلان المنزهة ذلك الحين، وهما الشيعة والمعتزلة.

بل إن التشدد بلغ حتى أصحاب المذاهب الأربعة غير المذهب الحنبلي، وقد كان متوجها خصوصا للمذهب الحنفي، وإمامه أبي حنيفة، والذي كان يفتى في ذلك العصر بتكفيره.

وقد أورد عبد الله بن أحمد بن حنبل (213 هـ- 290 هـ) المعاصر للمتوكل في كتابه [السنة] نصوصا كثيرة في تكفيره، عنون لها بهذا العنوان [ما حفظت عن أبي وغيره من المشايخ في أبي حنيفة]، ونحب أن نذكر بعضها هنا كنموذج لتلك الروايات التي كانت تنتشر في ذلك العصر، لتقسم الأمة إلى طوائف يقتل بعضها، ويحتقر بعضها بعضا.

ومن تلك الروايات التي أوردها ما رواه عن إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يؤجر الرجل على بغض أبي حنيفة وأصحابه؟ قال: إي والله([64]).

وروى عن سعيد بن سلم، قال سألت أبا يوسف وهو بجرجان عن أبي حنيفة، فقال: (وما تصنع به مات جهميا)([65])، وقال: قلت لأبي يوسف أكان أبو حنيفة يقول بقول جهم؟ فقال: (نعم)([66])

وروى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، يقول: (هو دينه ودين آبائه يعني القرآن مخلوق)([67])

وروى عن حازم الطفاوي قال: وكان من أصحاب الحديث: (أبو حنيفة إنما كان يعمل بكتب جهم تأتيه من خراسان)([68])

وروى عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة، قال: أخبرني أبي حماد بن أبي حنيفة، قال: أرسل ابن أبي ليلى إلى أبي فقال له: تب مما تقول في القرآن أنه مخلوق وإلا أقدمت عليك بما تكره، قال: فتابعه قلت: يا أبه كيف فعلت ذا؟ قال: (يا بني خفت أن يقدم علي فأعطيت تقية)([69])

وروى عن سفيان الثوري قوله: قال لي حماد بن أبي سليمان: (اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة فقل له: إن كنت تقول: إن القرآن مخلوق فلا تقربنا)([70])

وروى عن سفيان الثوري، قال: سمعت حمادا، يقول: (ألا تعجب من أبي حنيفة يقول: القرآن مخلوق، قل: له يا كافر يا زنديق)([71])

وروى عن عبدة بن عبد الرحيم، قال دخلنا على عبد العزيز بن أبي رزمة نعوده أنا وأحمد بن شبويه وعلي بن يونس فقال لي عبد العزيز: يا أبا سعيد، عندي سر كنت أطويه عنكم فأخبركم، وأخرج بيده عن فراشه فقال سمعت ابن المبارك يقول: سمعت الأوزاعي يقول: (احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة العيوب حتى جاء السيف على أمة محمد k فلما جاء السيف على أمة محمد k لم نقدر أن نحتمله)([72])

وروى عن الأوزاعي، أنه ذكر أبا حنيفة فقال لا أعلمه إلا قال ينقض عرى الإسلام([73])

وروى عنه أيضا قوله: (أبو حنيفة ضيع الأصول وأقبل على القياس)([74])، وقوله: (ما ولد في الإسلام مولد أشر من أبي حنيفة وأبي مسلم وما أحب أنه وقع في نفسي أني خير من أحد منهما وأن لي الدنيا وما فيها)([75])، وقوله: (لو كان هذا الخطأ في أمة محمد k لأوسعهم خطأ، ثم قال: ما ولد في الإسلام مولد أشأم عليهم من أبي حنيفة)([76])

وروى عن سلام بن أبي مطيع قوله: (كنت مع أيوب السختياني في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قال لأصحابه: قوموا لا يعدنا بجربه، قوموا لا يعدنا بجربه)([77])

وروى عن أيوب قوله: (لقد ترك أبو حنيفة هذا الدين وهو أرق من ثوب سابري)([78])

وروى عن ابن عون قوله: (ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام من أبي حنيفة)([79])

وروى عن معرف قال: دخل أبو حنيفة على الأعمش يعوده فقال: يا أبا محمد لولا أن يثقل، عليك مجيئي لعدتك في كل يوم، فقال الأعمش: من هذا؟ قالوا: أبو حنيفة، فقال: (يا ابن النعمان أنت والله ثقيل في منزلك فكيف إذا جئتني)([80])

وروى عن سفيان بن سعيد قوله: (ما ابن يحطب بسيفه أقطع لعرى الإسلام من هذا برأيه يعني أبا حنيفة)([81])

وروى عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فذكره بكلام سوء وقال: (كاد الدين، وقال: من كاد الدين فليس من الدين)([82])، وقوله: (أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟) قلت: نعم، قال: (ما ينبغي لبلدكم أن يسكن)([83])، وقوله: (أبو حنيفة من الداء العضال.. أبو حنيفة ينقض السنن)([84])، وقوله: (ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة)([85])

وروى عن شريك بن عبد الله قوله: (لأن يكون في كل ربع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر خير من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة)([86])، وقوله: (أصحاب أبي حنيفة أشد على المسلمين من عدتهم من لصوص تاجر قمي)([87])

وروى عن أسود بن سالم قوله: (إذا جاء الأثر ألقينا رأي أبي حنيفة وأصحابه في الحش)، ثم قال لي أسود: (عليك بالأثر فالزمه أدركت أهل العلم يكرهون رأي أبي حنيفة ويعيبونه)([88])

وروى عن محمد بن جابر قوله: سمعت أبا حنيفة، يقول: (أخطأ عمر بن الخطاب، فأخذت كفا من حصى فضربت به وجهه)([89])

هذا مجرد نموذج عن موقف من علم واحد من أعلام المسلمين، وهو من المدرسة السنية، ومع ذلك قيلت فيه كل تلك الأقوال، فكيف بغيره، ممن تشم فيه روائح الولاء لأهل بيت النبوة، أو يشم فيهم بعض الاهتمام الفلسفي والعقلي.

5 ـ المتوكل.. والمال العام:

مثلما ذكرنا سابقا من أن الخلفاء الأمويين والعباسيين وغيرهم من أصحاب الملك العضوض، كانوا يعتبرون المال العام ملكا خاصا بهم، فقد راح المتوكل مثل غيره يتلاعب به، ويوزعه لمن شاء، ويحرم منه من شاء، ويستعمله وسيلة لتوطيد ملكه، وخنق كل من يعارضه.

وللأسف، فإن العلماء الذين يذكرون سيرته في هذا الجانب لا يوردونها في سيئاته، وإنما يوردونها في حسناته، واعتبرها من الكرماء أصحاب الجود، ولست أدري على أي دليل شرعي اعتمدوا على ذلك.

ومن الأمثلة على ذلك شمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ) تلميذ ابن تيمية، والذي اعتبر المتوكل ناصرا للسنة، وكان متشددا جدا مع المخالفين يرميهم بأقذر التهم لأتفه الأسباب، ومع ذلك لم يلتفت لكل ذلك الإسراف الذي كان عليه هذا الناصر للسنة.

فقد روى في [سير أعلام النبلاء] بعض مظاهر ذلك، ومنها ما عن الشاعر علي بن الجهم، وأنه دخل على المتوكل، وبيده درتان من المال يقلبهما، فأنشده قصيدة له، فأعطاه واحدة منها، فقلبها، فلما رآه يفعل ذلك، ظن أنه يستنقصها، فقال له: تستنقص بها.. هي والله خير من مائة ألف، فقال علي بن الجهم: لا والله، لكني فكرت في أبيات آخذ بها الأخرى، ثم أنشأ يقول:

بسر من رأى إمام عدل.. تغرف من بحره البحار

يرجى ويخشى لكل خطب.. كأنه جنة ونار

الملك فيه وفي بنيه.. ما اختلف الليل والنهار

لم تأت منه اليمين شيئا.. إلا أتت مثلها اليسار

فلما سمع ذلك المتوكل أعطاه الثانية، وقال: خذها، لا بارك الله لك فيها([90]).

والعجب أن الذين يروون هذه الحادثة لا يتهمون المتوكل ولا الشاعر بالشرك، مع أنهم ضللوا الناس جميعا، وحكموا عليهم بذلك، ولأتفه الأسباب.

ومثل ذلك روى عن مروان بن أبي الجنوب أنه مدح المتوكل بقصيدة، فوصله بمائة وعشرين ألفا، وثياب([91])، وقد ذكرنا سابقا أن هذه المبالغ ليست هينة، ذلك أن المائة ألف درهم من الفضة تساوي عشرة آلاف دينار من الذهب، وكل دينار يساوي تقريبا 4.25 غرام من الذهب، أي أنه أعطاه مقابل القصيدة أكثر من 42 كيلو غرام ذهب.

وهكذا ذكر الذهبي في [سير أعلام النبلاء] من غير تعقيب ولا عتاب ولا لوم كعادته، بعض ذلك الكرم الذي كان يغدق به المتوكل على كل من تقرب منه، فقال: (وقد أنفق المتوكل، فيما قيل على الجوسق، والجعفري والهاروني أكثر من مائتي ألف ألف درهم. ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع، وقتل، وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار، وسبعة آلاف ألف درهم، ولا يعلم أحد من رؤوس الجد، والهزل إلا وقد حظي بدولته، واستغنى، وقد أجاز الحسين بن الضحاك الخليع على أربعة أبيات أربعة آلاف دينار، وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي:

جاءت منيته والعين هاجعة.. هلا أتته المنايا والقنا قصد

خليفة لم ينل من ماله أحد.. ولم يصغ مثله روح ولا جسد)([92])

أما ما كان ينفقه من مال في شؤونه الخاصة، وما يرتبط بجواريه وقصوره، فلا يمكن عده، وقد ذكر الطبري وغيره من المؤرخين ما يسمى بالجوسق، والجعفري والهاروني، وهو بناء كلف مالا كثيرا، وقد بناه حين بلغ من العمر 40 سنة، ولم يبق له حينها من عمره إلا سنتان.

يقول الطبري في أحداث 245 هـ: (ففيها أمر المتوكل ببناء الماحوزة، وسماها الجعفري، وأقطع القواد وأصحابه فيها، وجد في بنائها، وتحول إلى المحمدية ليتم أمر الماحوزة، وأمر بنقض القصر المختار والبديع، وحمل ساجهما إلى الجعفري، وأنفق عليها ـ فيما قيل ـ أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القراء فقرؤوا، وحضر أصحاب الملاهي فوهب لهم ألفي ألف درهم، وكان يسميها هو وأصحابه الخاصة المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة، لم ير مثله في علوه، وأمر بحفر نهر يأخذ رأسه خمسة فراسخ فوق الماحوزة من موضع يقال له كرمى يكون شربا لما حولها من فوهه النهر إليها، وأمر بأخذ جبلتا والخصاصة العليا والسفلى وكرمى، وحمل أهلها على بيع منازلهم وأرضهم، فأجبروا على ذلك حتى تكون الأرض والمنازل في تلك القرى كلها له، ويخرجهم عنها، وقدر للنهر من النفقة مائتي ألف دينار، وصير النفقة عليه إلى دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائتين، وألقى في حفر النهر اثني عشر ألف رجل يعملون فيه، فلم يزل دليل يعتمل فيه، ويحمل المال بعد المال ويقسم عامته في الكتاب، حتى قتل المتوكل، فبطل النهر، وأخربت الجعفرية، ونقضت ولم يتم أمر النهر، فغضب بغا، وأمر بسحبها، وكان آخر العهد بها)([93])

وهذا النص الذي ذكره الطبري والذهبي وغيرهما من المؤرخين كاف وحده في رميه بكل أصناف التهم، ابتداء من اللصوصية واختلاس المال العام، وإجبار الناس على الخروج من بيوتهم، وتوفير الأماكن الخاصة باللهو والفجور.. وغير ذلك كثير، فكل لفظة في ذلك النص التاريخي تذكر جريمة من الجرائم.

 ولكن مع ذلك كله يذكرون أنه ناصر السنة، وقامع البدعة، ولست أدري هل قرأ هؤلاء ما ذكره القرآن الكريم عن قارون الذي لم تبلغ جرائمه معشار جرائم المتوكل، ذلك أن قارون كان صاحب ملك خاص، ولم يكن ملكا، ولا خليفة، ولم يكن تحت يده إلا ماله الذي زعم أنه أخذه بعلمه، ومع ذلك ذمه القرآن الكريم لترفه وزهوه وكبريائه.. أما المتوكل فقد أضاف إلى ذلك كله اغتصاب مال الأمة، والتلاعب به.. ولكنهم مع ذلك يظلون يذمون قارون، ويترضون على المتوكل.. ولست أدري المنطق الذي يجمع هذه المتناقضات.

6 ـ المتوكل.. والصراع مع القيم:

لم يكتف المتوكل العباسي بكل تلك الجرائم التي قام بها في حق الأمة الإسلامية، وإنما أضاف إليها ذلك الانحراف السلوكي الخطير، الذي أعطى أسوأ الأمثلة عن الحاكم المسلم الذي يجمع بين الاستبداد والفجور بكل معانيهما.

والمشكلة الأكبر من هذه اعتباره ناصرا للسنة؛ ولست أدري هل يمكن أن ينصر السنة رجل شهد له الجميع بالفسق والفجور، ابتداء من أولئك الذين يلقبونه بهذا اللقب، وانتهاء بابنه الذي قتله بسبب بعض ممارساته في الفسق والفجور؟

والمشكلة الأكبر من كل ذلك هي تحوله عند الكثير من المغفلين إلى رمز من رموز السنة، وإشادتهم به على المنابر، وفي كل محل، واتهامهم لمن ينتقده بكل أنواع التهم.. فإذا ما رجع العامة إلى هذه الشخصية التي كيلت لها كل تلك المدائح، وجدوها بتلك الصفات التي يتنزه عنها أبسط الناس.

وقبل أن أنقل بعض ما ذكره المؤرخون عنه أنقل هذه الكلمة من الشيخ حسن بن فرحان المالكي، وهي موجودة في كل المصادر التاريخية، لكني تعمدت نقلها عنه، لربطه لما ذكره المؤرخون بما نراه في العصر الحديث، فقد قال: (كان المتوكل من صباه يجالس المخنثين، ويلبس لبسهم، ويقص شعره قُصة أظنها تشبه قُصة مايكل جاكسون، وكان الخليفة الواثق ساخطاً عليه لهذا؛ وأخباره مع المخنثين كثيرة؛ في صباه وكهولته) ([94])

ثم ساق ما ورد في تاريخ الطبري عن محمد بن عبد الملك وزير الواثق أنه قال: أتاني جعفر بن المعتصم (هو المتوكل) يسألني أن أسال أمير المؤمنين الرضا عنه في زي المخنثين له شعر قفا، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، ومر من يجز شعر قفاه، ثم مر من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله؛ فذكر عن المتوكل أنه قال: لما أتاني رسوله، لبست سوادا لي جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنى، فقال: يا غلام، ادع لي حجاما، فدعي به، فقال: خذ شعره واجمعه، فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه، قال المتوكل: فما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حين أخذني على السواد الجديد، وقد جئته فيه طامعا في الرضا، فاخذ شعرى عليه)([95])

ثم علق على الحادثة بقوله: (فالرجل ما زال يتأسف على تأديب الواثق له، غير نادم على تخنثه؛ وفي خلافته ما هي أخباره تلك؟ هل تاب أو ارعوى أو ندم؟ للأسف؛ بقي على منادمة المخنثين حتى قتل وهو سكران مع عبادة المخنث؛ وهو مشهور)([96])

وما رواه الطبري وغيره للأسف صحيح عنه، وهو وارد في كل المصادر التاريخية، والذهبي وغيره يقرون بذلك، ولكنهم يدافعون عنه بسبب ما يتصورونه من سلامة عقيدته، فلا يهم عندهم أن يكون هذا الناصر للعقيدة شاذا أو منحرفا أو فاسقا، ما دام يذكر أن الله في السماء، وأن له ساقا ويدا وأنامل وأصابع وقدما.

وللأسف فإن السيوطي الذي عرف المتوكل بكونه (أظهر الميل إلى السنة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق)([97])، وأشاد به كثيرا هو نفسه الذي نقل عن المؤرخين قولهم عنه: (وكان منهمكًا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف، ووطئ الجميع)([98])

ومع أن كل الروايات تذكر الشراب، وتسميه بالخمر، وتربطه بالسكر إلا أنهم يتعللون لذلك بما ذكره ابن خلدون من أنهم كانوا يشربون النبيذ، وليس الخمر، أما آلاف الجواري، فيعتبرونهم ملك يمين.. وهكذا يجوزون كل ألوان الفجور، ويحتالون لها بالتلاعب بالشريعة من أجل أن يبقى لهم رمزهم سليما معصوما.

ولست أدري بماذا يبررون ميله إلى المخنثين المجاهرين بفسقهم، وهو ما نصت عليه كل كتب التاريخ، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره التنوخي في [نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة]، فقد قال: (وكان عبادة المخنث ينادم المتوكل، وكان عبادة مجاهرا بالعهر)([99])

ومما يدل على شيوع الإرجاء في ذلك العصر، وفي كل العصور التي انتشر فيها المذهب السلفي، الذي لا يهتم إلا بالخلافات العقدية، ما رواه أبو أبو العيناء عنه قال: (أقبل جحظة ذات يوم يعظ عبادة المخنث، فقال له عبادة: مخنث مسلم مقر، خير من زنديق فاجر مصر)([100])، فالعبرة عندهم بأن تكون مسلما سنيا، ولا يهم بعد ذلك سلوكك وأخلاقك.

وكان من عادة المتوكل كذلك، مثله مثل سائر أتباع الملك العضوض الاهتمام بالمضحكين والمهرجين، وفي مجالسه الخاصة، المرتبطة بالحكم، وقد ذكروا أنه كان له مضحكان، يقال لأحدهما شعرة، وللآخر بعرة([101]).

أما مجالس شرابه ولهوه، فقد نصت عليها كتب التاريخ والأدب، التي ألفها من يعظمونه ويحترمونه، ويؤمنون أنه ناصر للسنة، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ياقوت الحموي عن بعضهم قال: (كنت أرى علي بن يحيى بن علي المنجم فأرى صورته وصغر خلقته ودقة وجهه وصغر عينيه وأسمع بمحله من الواثق والمتوكل فأعجب من ذلك وأقول، بأيّ سبب يستظرفه الخليفة؟ وبماذا حظي عنده، والقرد أملح منه قباحة؟! فلما جالست المتوكل رأيت علي بن يحيى قد دخل على المتوكل في غداة من الغدوات التي قد سهر في ليلتها بالشرب، وهو مخمور يفور حرارة، مستثقل لكلّ أمر يخفّ دون ما يثقل، فوقف بين يديه، وقال: يا مولاي أما ترى إقبال هذا اليوم وحسنه وإطباق الغيم على شمسه وخضرة هذا البستان ورونقه، وهو يوم تعظّمه الفرس وتشرب فيه لأنه هرمز روز، وتعظّمه غلمانك وأكرتك مثلي من الدهاقين، ووافق ذلك يا سيدي أن القمر مع الزهرة، فهو يوم شرب وسرور وتخلّ بالفرح، فهشّ اليه وقال: ويلك يا عليّ ما أقدر أن أفتح عينيّ خمارا، فقال: إن دعا سيدي بالسواك فاستعمله وغسل بماء الورد وجهه وشرب شربة من ربّ الحصرم أو من مبنّة مطيبة مبرّدا ذلك بالثلج انحلّ كلّ ما يجد، فأمر باحضار كل ما أشار به، فقال عليّ: يا سيدي وإلى أن تفعل ذاك تحضر عجلانيتان بين يديك مما يلائم الخمار ويفتق الشهوة ويعين على تخفيفه فقال: أحضروا عليّا كل ما يريد، فأحضرت العجلانيتان بين يديه وفراريج كسكر قد صففت على أطباق الخلاف وطبخ حماضية وحصرمية ومطجنة لها مريقة، فلما فاحت روائح القدور هشّ لها المتوكل، فقال له: يا عليّ أذقني فجعل يذيقه من كلّ قدر بحرف يشرّبه فيها، فهشّ إلى الطعام وأمر باحضاره، فالتفت عليّ الى صاحب الشراب فقال لهم: ينبغي أن يختار لأمير المؤمنين شراب ريحاني ويزاد في مزاجه إلى أن يدخل في الشرب فيهنئه الله إياه إن شاء الله، قال: فلما أكل المتوكل وأكلنا نهضنا فغسلنا أيدينا وعدنا إلى مجالسنا وغنى المغنون فجعل عليّ يقول: هذا الصوت لفلان والشعر لفلان، وجعل يغني معهم وبعدهم غناء حسنا إلى أن قرب الزوال، فقال المتوكل: أين نحن من وقت الصلاة؟ فأخرج عليّ اصطرلابا من فضة في خفّه فقاس الشمس وأخبر عن الارتفاع وعن الطالع وعن الوقت، فلم يزل يعظم في عيني حتى صار كالجبل، وصار مقابح وجهه محاسن، فقلت: لأمر ما قدّمت، فيك ألفا خصلة: طيب مضحك، وأدب جليس، وحذق طباخ، وتصرف مغن، وفكر منجم، وفطنة شاعر، ما تركت شيئا مما يحتاج إليه الملوك إلا ملكته)([102])

وحكى ياقوت مجلسا آخر من مجالسه، جمع فيه بين اللهو والتلاعب بمال الأمة، فقد قال نقلا عن بعض المؤرخين: (حدثني رذاذ غلام المتوكل قال: شهدت عليّ بن يحيى المنجم وقد أمره المتوكل أن يغنيه، وكنت جالسا الى جانبه، فقال لي: قد وقعت وإن تمنّعت جدّ بي حتى أغني ثم لا يكون له موقع، والمبادرة إلى أمره وسرعة الطاعة له أصوب، اضرب عليّ، فضربت عليه وغنى:

زار من سلمى خيال موهنا.. حبذا ذاك الخيال الطارق

جاد في النوم بما ضنّت به.. ربما يغنى بذاك العاشق

فقال: زه أجدت والله يا عليّ، فقال له عليّ: قد فرّحتك يا سيدي ففرحني، فدعاه وحيّاه بمشمة عنبر كانت بين يديه في صينية ذهب عليها مكبة منها وأمر له بألف دينار وتخوت ثياب، فقال لي: يا أبا شريك أناصفك؟ فقلت: لا والله لا قبلت من ذلك لا الكلّ ولا النصف فبارك الله لك فيه)([103])

وهكذا روي ابن خلكان عند حديثه عن المحنة التي مر بها الإمام الهادي في عهده، والتي ذكر فيها أنه استقدمه إليه بعد الوشاية به، وقد كان المتوكل حينها في حال سكر شديد، قال: (كان قد سعي به إلي المتوكل وقيل إن في منزله سلاحاً وكتاباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه، فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، فأخد على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني منه، فأعفاه وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال: لابد أن تنشدني فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم.. غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم.. فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخٌ من بعد قبروا.. أين الأسرة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعمةً.. من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم.. تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا.. فأصبح بعد طول الأكل قد أكلوا قال: فأشفق من حضر على علي وظن أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب)([104])

وللأسف، فإن المدافعين عن المتوكل وغيره من أصحاب الملك العضوض لا ينظرون إلى جرائمه، ويكتفون ببكائه، وهو بكاء لا يسمن ولا يغني من جوع، ذلك أنه كان يفعل بعده كل ما يفعله قبله، وما فائدة البكاء حينئذ.

ونحن لا ننكر أن يكون في ذلك الحين الذي بكى فيه صادقا في بكائه، لكن ما فائدة البكاء من شخص استولت عليه نفسه وأهواؤه وشهواته، وصار أسيرا لها، إلى أن قتل كما يذكر المؤرخون وهو على تلك الحال.

وللأسف فإن أصحاب النظرات القاصرة يكتفون من أي شخص بمشهد من مشاهد الصدق، ولا ينظرون لما بعده، مع أن المواقف لا تتخذ إلا بعد الدراسة الشاملة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك عند بيانه لموقف الوليد بن المغيرة من القرآن الكريم، فلو أنا اكتفينا بذلك التأثر الذي بلغ به في لحظة من اللحظات أوجه، لاعتقدنا بإيمانه، وتقواه، وضممناه إلى جملة الصحابة العدول.. ولكن الموقف المرتبط بتأثره كان محدودا جدا، ولم يكن له أي أثر عملي.

فقد قال تعالى معلما لنا كيف ننظر نظرة كلية لا جزئية قاصرة: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } [المدثر: 11 – 25]


([1])  تاريخ الخلفاء (ص: 252)

([2])  المرجع السابق، (ص: 252)

([3])  سير أعلام النبلاء  (12/ 32)

([4])  المرجع السابق، (21/ 34) .

([5])  البداية والنهاية (10/ 387)

([6])  تاريخ الخلفاء (ص: 255)

([7])  المرجع السابق،  (ص: 255)

([8])  المرجع السابق،  (ص: 255)

([9])  المرجع السابق، (ص: 256)

([10])  المرجع السابق، (ص: 256)

([11])  المرجع السابق، (ص: 256)

([12])  انظر مقالا بعنوان: لسان حال السلطة : اعطوهم من هذا الدين حتى يشبعوا وينسوكم: المتوكل ناصر السنة، حسن بن فرحان المالكي، 22/10/2016.

([13])  المرجع السابق.

([14]) الإعلام بأن العزف والغناء حرام. أبوبكر جابر الجزائري، مكتبة دار الوفاء للنشر،  1407 ه ، ص 57.

([15]) وجاءوا يركضون مهلاً يا دعاة الضلالة، أبو بكر جابر الجزائري، دار الحرمين، 1413، ص17.

([16])  كتاب المنهج الأحمد، 296..

([17])  البداية والنهاية (10/ 348)

([18])  سير أعلام النبلاء  (12/ 36)

([19])  العبر في خبر من غبر، شمس الدين الذهبي، المحقق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية – بيروت، (1/ 325)

([20])  البداية والنهاية  (10/ 371)

([21])  البداية والنهاية  (10/ 371)

([22])  تاريخ بغداد (11/ 259)

([23])  العرش وما روي فيه  (ص: 304)

([24])  المرجع السابق،  (ص: 314)

([25])  أحكام الجان – نقلا عن طبقات أصحاب الإمام أحمد – ص 152..

([26])  الدعوة – العدد 1456- فتاوى العلاج بالقرآن والسنة – ص 69..

([27])  منة الرحمن في العلاج بالقرآن ص 44، 45..

([28])  أحكام أهل الذمة، (1/ 467)

([29])  المرجع السابق، (1/ 471)

([30])  سميناهم بهذه التسمية بناء على العرف الجاري في ذلك الحين، وإلا فإن الإسلام يعتبرهم مواطنين عاديين كسائر الناس، فلا فرق بين مسلم في الدولة الإسلامية المحمدية الأصيلة، وبين غيره.

([31])  المرجع السابق،(1/ 471)

([32])  تاريخ الطبري، (9/ 171)

([33])  المرجع السابق، (9/ 172)

([34])  المرجع السابق، (9/ 196)

([35])  المرجع السابق، (9/ 208)

([36])  المرجع السابق، (9/ 211)

([37])  المرجع السابق، (9/ 218)

([38])  المرجع السابق، (9/ 192)

([39]) سير أعلام النبلاء، ج10 ص 37 و47 و109.

([40]) شذرات الذهب، ج2 ص 86 و 114.

([41]) ففي الحديث عن الإمام علي عهد إلي النبي a (أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، وفي رواية: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي a إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق، رواه الحميدي (58) وأحمد 1/ 84 (642) ومسلم 1/ 60 (152) والنسائي 8/ 115 وغيرهم..

([42]) الكامل في التاريخ (6/ 130)

([43]) الكامل في التاريخ (6/ 130)

([44]) المرجع السابق، (6/ 130)

([45]) انظر: وفيات الأعيان، ج 6 ص 400-401.؛ بغية الوعاة، السيوطي، ج 2 ص 349؛ طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي، ص 202..

([46])  معجم الأدباء (6/ 2841)

([47])  قال الذهبي في السير(12/ 16): (شيخ العربية، يعقوب بن إسحاق البغدادي النحوي المؤدب مؤلف كتاب إصلاح المنطق دّين خيّر ، حجة في العربية)

([48]) شرح حديث النزول (ص: 50)

([49])  رواه أحمد 1/ 77 ورواه في فضائل الصحابة، 2/ 693..

([50]) تاريخ بغداد ، (15/ 389)

([51]) المرجع السابق، (15/ 389)

([52])  انظر مقالا بعنوان: لسان حال السلطة : اعطوهم من هذا الدين حتى يشبعوا وينسوكم: المتوكل ناصر السنة، حسن بن فرحان المالكي، 22/10/2016.

([53])  المرجع السابق.

([54]) مقاتل الطالبيين (ص: 478)

([55]) المرجع السابق (ص: 478)

([56]) المرجع السابق (ص: 478)

([57]) تاريخ الطبري (٩ / ١٨٥)

([58]) تاريخ الخلفاء، ص ٣٧٤.

([59]) أمالي الطوسي / ٣٢٨.

([60]) الحبل المتين: ص ٢٢٨، ومصباح المتهجد: ص ٧٨٨.

([61]) مقاتل الطالبيين، ص 599.

([62])  نقلا عن الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 256)

([63])  لأن الأشاعرة ينتسبون لأبي الحسن الأشعري (260هـ – 324هـ)، والماتريدية لأبي منصور الماتريدي (توفي 333 هـ )

([64]) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/180)

([65]) المرجع السابق، (1/181)

([66]) المرجع السابق ، (1/181)

([67]) المرجع السابق ، (1/182)

([68]) المرجع السابق ، (1/183)

([69]) المرجع السابق ، (1/183)

([70]) المرجع السابق ، (1/184)

([71]) المرجع السابق ، (1/184)

([72]) المرجع السابق ، (1/185)

([73]) المرجع السابق ، (1/186)

([74]) المرجع السابق ، (1/186)

([75]) المرجع السابق ، (1/187)

([76]) المرجع السابق ، (1/187)

([77]) المرجع السابق ، (1/188)

([78]) المرجع السابق ، (1/189)

([79]) المرجع السابق ، (1/189)

([80]) المرجع السابق ، (1/190)

([81]) المرجع السابق ، (1/198)

([82]) المرجع السابق ، (1/199)

([83]) المرجع السابق ، (1/199)

([84]) المرجع السابق ، (1/199)

([85]) المرجع السابق ، (1/200)

([86]) المرجع السابق ، (1/203)

([87]) المرجع السابق ، (1/203)

([88]) المرجع السابق ، (1/224)

([89]) المرجع السابق ، (1/224)

([90])  سير أعلام النبلاء (9/ 444).

([91])  المرجع السابق، (9/ 444).

([92])  المرجع السابق، (9/ 448).

([93])  تاريخ الطبري، (9/ 212)

([94])  انظر مقالا بعنوان: لسان حال السلطة : اعطوهم من هذا الدين حتى يشبعوا وينسوكم: المتوكل ناصر السنة، حسن بن فرحان المالكي، 22/10/2016.

([95])  تاريخ الطبري (9/ 157).

([96])  المرجع السابق.

([97])  تاريخ الخلفاء (ص: 252).

([98])  المرجع السابق، (ص: 255).

([99])  نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة (6/ 321)

([100])  البصائر والذخائر (6/ 50).

([101])  نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة (6/ 321)

([102])  إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (5/ 2015).

([103])  المرجع السابق، (5/ 2017).

([104])  وفيات الأعيان (3/ 273)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *