من أسقط بغداد: الخليفة أم وزيره؟

من أسقط بغداد: الخليفة أم وزيره؟

لا تتوقف أكاذيب الغارقين في أوحال الطائفية على ذلك التضخيم المزيف للأمجاد والفتوحات، أو تصوير الظلمة والمستبدين الذين حكموا بقوة الحديد والنار طيلة فترة الملك العضوض إلى اليوم بصورة الخلفاء العدول العادلين الممتلئين بالتقوى، وإنما تتعداها إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير.

وهو خطر لا يرتبط بالتاريخ وأحداثه فقط، وإنما يرتبط بالواقع أيضا، ليملأه بكل أصناف الجرائم والتزوير، وباسم الإسلام، حفاظا على المجد المزيف، وتحطيما للوحدة الإسلامية، وكل القيم النبيلة المرتبطة بها.

وقد اخترنا البحث الموضوعي عن جواب ذلك السؤال الذي لا يزال يكرر كل حين، ويُستعمل وسيلة لغرس الكراهية، ليكون نموذجنا المثالي على ذلك.

فلا زال رجال الدين والسياسة والإعلام وعوام الناس كلما ذكرت لهم سقوط بغداد([1])، نسوا سنن الله في سقوط القرى عندما تنحرف عن سبيله.. ونسوا معها كل جرائم العباسيين الذين سطوا على بغداد مثلما يسطو اللصوص، وتحكموا فيها أجيالا كثيرة.. ونسوا كل تلك السجون التي ملئت بها بغداد، وكل تلك الرؤوس التي قطعت، وكل تلك الأعراض التي انتهكت.. وراحوا يختصرون سقوط بغداد في رجل واحد، هو ابن العلقمي.. ذنبه الوحيد أنه كان شيعيا، وتولى الوزارة لخليفة المسلمين الأعظم الممتلئ بالسنة من مفرق رأس إلى أخمص قدميه.. وتسبب ذلك التوزير في سقوط بغداد.. وسقوط الخلافة العباسية.

وهم لا يكتفون بأن يكلوا التهمة لابن العلقمي في سقوط امبراطورية كاملة، وإنما يكلون الأمر لكل الشيعة، لا في ذلك الزمان فقط، وإنما في كل الأزمنة.

ولذلك لم يبق ابن علقمي معلقا في جدران التاريخ، وإنما دخل كتب التفسير والحديث والفقه.. وأصبح عوام الناس وخواصهم يعرفونه بكونه الشيطان الأكبر الذي سلم بغداد إلى هولاكو.. وأنه ليس الوحيد في ذلك، بل هناك مؤامرة من الشيعة لإسقاط كل الحكومات السنية العادلة، نتيجة بغضهم للسنة، وأهل السنة.

ولهذا كلما نطق الحكماء بالدعوة لوحدة المسلمين سنة وشيعة، وأن تتحالف كل الدول الإسلامية لمواجهة الصهيونية والشيطان الأكبر انبرى السفهاء، الممتلئين بالطائفية ليقولوا لك: كيف نتوحد مع أحفاد ابن العلقمي، وكيف لنا أن نضع أيدينا في أيديهم؟.. وينبري آخرون ليذكروا لك أن العدو ليس أمريكا ولا إسرائيل، وإنما هم أحفاد ابن العلقمي، ولذلك إن قدر لنا أن نتوحد، فلنتوحد ضدهم.

وهكذا يستعملون ابن العلقمي صيدا للتلاعب على العقول، والكذب عليها، وتصوير الشيعة أنهم أعداء الإسلام، في نفس الوقت الذي يهملون فيه كل أولئك الذين تحالفوا مع الصليبيين، وباعوا البلاد الإسلامية بأبخس الأثمان، لأنهم لم يكونوا شيعة، فلذلك يحرمون غيبتهم، ويوجبون كتمان جرائمهم.

وليت الأمر توقف على الصغار، بل إنه تعداه إلى الكبار، بل تعداه إلى من يعتبرونه شيخ الإسلام، والمتحدث الرسمي باسمه، ابن تيمية الذي راح ينسب لابن علقمي سقوط بغداد، وكل من قتل فيها من قتلى، ثم يستدل به على حقد الشيعة على الإسلام والمسلمين.

وقد ذكر ذلك، لا في كتاب تاريخ، وإنما في كتاب سماه [منهاج السنة النبوية]، والذي يحفظه أتباعه عن ظهر قلبه، ولذلك أصبح ابن العلقي عندهم ليس مجرد وزير من الوزراء، وإنما إلى عدو من أعداء السنة.

ولو أن ابن تيمية كُتب له أن يعيش في عصرنا، لراح ينسب سقوط بغداد عام 2003 لا إلى تهور صدام حسين وطغيانه واستبداده وغباءه.. وإنما إلى وزيره الشيعي محمد سعيد الصحاف، ويعتبره السبب في ذلك، ويكل كل الجرائم إليه..

هذا هو الواقع الذي سنعرفه عندما نجيب على ذلك السؤال، وحينها نكتشف أن ربط سقوط بغداد قديما بابن العلقمي، لا يختلف عن ربط سقوطها في العصر الحديث بمحمد سعيد الصحاف.. الأمر فقط يحتاج لرجل مثل ابن تيمية، ولكتاب مملوء بالحقد مثل [منهاج السنة]

لا تتعجبوا من ذلك، فنحن نرى ذلك اليوم بأم أعيننا، فلا نزال نسمع السلفيين والحركيين والكثير من الإعلاميين المتاجرين بأقلامهم، يذكرون أن غزو العراق وأفغانستان، كان بمساعدة إيرانية، وأن أمريكا لم تكن لتفكر في الغزو، لولا أن وسوس لها الإيرانيون، وساعدوها على ذلك.. وربما أمدوها بكل أنواع الأسلحة.

وهم يرددون هذا وأمثاله مع أنهم يرون بأعينهم الطائرات الأمريكية وغيرها ترتفع من القواعد الخليجية لضرب تلك البلاد الإسلامية.

ويرددون ذلك مع علمهم أن الفتاوى صدرت من هيئة كبار العلماء السعوديين، وغيرهم من الذين اشترتهم الأموال الخليجية.. لا من مراجع قم ولا النجف..

ويرددون ذلك مع علمهم أن تلك الطائرات والقواعد التي ضربت تلك الدول الإسلامية لا تزال جاثمة على أرض الجزيرة تمطر كل حين بلاد العالم الإسلامي بأنواع القتل والدمار.

وهكذا حصل مع ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي.. فقد برأ السلفية الخليفة وبرأوا قادة الجيش، وبُرأت جميع أجهزة الحكم، ثم بُحث عن رجل واحد كان من الشيعة لتُلصق جميع التهم به، وكأنهم كانوا بين يديه مجرد دمى يحركها كيف يشاء.

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل البحث عن أسرار هذه التهمة ودوافعها ومدى صدقها من خلال استعراضنا للمصادر التي أرخت لها.. وسيكون ذلك من خلال هذه العنوانين:

الأول: ابن العلقمي والحقد الطائفي.

الثاني: ابن العلقمي والمصادر التاريخية.

1 ـ ابن العلقمي والحقد الطائفي:

لم نكن لنهتم بابن العلقمي، ولو ربطوا به كل ما حصل في بغداد من زلازل وفتن في عصره أو قبله أو بعده.. فذلك مع كونه كذبا وزورا، إلا أنه لا يرتبط بالواقع.. بل يرتبط فقط بالتاريخ.. والله تعالى وحده من يحاسب الذي يزورون التاريخ.. ولعل ابن العلقمي أحد الخصوم الذين يقفون في وجههم يوم القيامة ليطالب باسترداد حقوقه في الكذب عليه.

ولكن المشكلة أكبر من ذلك.. ذلك أنهم يربطون ابن العلقمي بالشيعة.. ثم يربطون الشيعة بالتشيع.. ثم يحملون على التشيع من خلال حكمهم على فرد من أفراده، مع علمهم أن الشيعة لا يقولون إلا بعصمة اثني عشر إماما، وطبعا ليس من بينهم ابن العلقمي.

بل إن الشيعة في مراجعهم يذكرون الكثير من مثالب المنتسبين إليهم، ويروون عن أئمتهم أنه ليس كل منتسب إليهم صحيح النسبة، ومن الأمثلة على ذلك ما يروونه عن إمامهم الخامس محمد الباقر أنه قال مخاطبا جابر بن عبد الله: (يا جابر بلّغ شيعتي عني السّلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين اللّه عزّ وجلّ، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له.. يا جابر من أطاع اللّه وأحبنا فهو وليّنا، ومن عصى اللّه لم ينفعه حبّنا)([2])

وقال (ما شيعتنا إلّا من اتقى اللّه وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلّا بالتواضع والتخشع، وأداء الأمانة وكثرة ذكر اللّه والصوم والصلاة والبر بالوالدين وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء)([3])

وهكذا كان موقفهم من رجل عاصرهم، وصاحبهم، ولم يكن مع الفئة الباغية، ولا مع أعدائهم في الظاهر، ولكنه عندما كذب عليهم، حذروا منه، وبينوا عدم علاقتة بالشيعة، فقد قال الإمام الصادق: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي فاتقوا اللّه ولاتقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فإنّا إذا حدّثنا قلنا قال اللّه عزّ وجلّ وقال رسول اللّه)([4])

وهكذا نجدهم مثل غيرهم من مذاهب المسلمين يؤلفون الكتب في علم الرجال، فيوثقون الرواة أو يضعفونهم، أو يتهمونهم بالكذب أو التدليس، مع كونهم شيعة، وربما من المصاحبين للأئمة أنفسهم، وربما يكونون من أولئك الذين قدموا التضحيات بسبب انتمائهم، ولكن مع ذلك لا يعتبرهم أحد من الناس محمولين على الشيعة، أو التشيع.

فكيف بعد هذا يصبح ابن العلقمي ممثلا للشيعة، لا شيعة عصره فقط، بل في كل العصور، في نفس الوقت الذي لا نجد هؤلاء الذين يحمّلون ابن العلقمي وحده وزر عمله ـ في حال صحته جدلا ـ يحمّلون أحدا من أهل السنة ذنوب السياسيين أو غيرهم.

وقد رأينا في الفصل الخاص بالعثمانيين خيانات أقارب صلاح الدين الأيوبي، وكيف أعادوا القدس للصليبيين، بل كيف أعادوا الكثير من البلاد الإسلامية للصليبيين، ورأينا خيانات آل سعود وغيرهم للعثمانيين، وتحالفهم مع البريطانيين، ومع ذلك لم يقل أحد أنهم يمثلون السنة، على الرغم من كون علماء السنة هم الذين أفتوا لهم بكل ذلك.

ولذلك كان يمكننا قبول ربط ابن العلقمي بالشيعة والتشيع، ولكن بشرط أن تربط كل خيانة بالمذهب الذي ينتمي إليه الخائن.. ولذلك إن تحدثوا عن خيانة ابن سعود، وإعطائه فلسطين لليهود، لا يُقصرون الأمر عليه.. بل يعبرون عن ذلك باعتباره سنيا.. وأن السنة هم الذين باعوا فلسطين.

وأنا أجزم أنه لو كان الذي ثبتت عليه تلك الخيانات شيعيا، لذكروا أن الشيعة هم الذين تحالفوا مع الصهاينة، وأعطوهم فلسطين، أو عقدوا معهم كل أنواع الاستسلام والخيانة..

بل إنهم يقولون ذلك مع أن الشيعة هم الذين يحاربون إسرائيل، ويعينون إخوانهم من السنة في حربهم لها، في نفس الوقت الذي نجد هؤلاء الذين يدعون الانتساب للسنة يحكمون على تلك الحركات السنية المقاومة بكونها حركات إرهابية، بل إن بعضهم يتهمها بكونها رافضية شيعية مجوسية.

وسبب ذلك كله يعود لمرض الطائفيةالذي أعطاهم الكثير من المكاييل التي يتلاعبون بها على الحقائق، ليخدعوا بها أولئك الأتباع الذين لا يفكرون، ولا يحللون، وليس لهم من قدرة، سوى ترديد ما يقوله مشايخهم مثل الببغاوات.

وحتى لا يكون كلامي هنا أيضا مجرد دعوى، فسأذكر نماذج من كلامهم في ابن العلقمي، والذي لم يتركوه فقط في كتب التاريخ، بل وضعوه في كتب العقائد والفقه والتفسير، وكل المصادر؛ فبمجرد أن يُذكر الشيعة، يذكر ابن العلقمي، وكأنه إمامهم الأعظم، أو مهديهم المنتظر.

وأول من نبدأ به ابن تيمية الذي يطلقون عليه لقب [شيخ الإسلام]، والذي ذكره في كتابه [منهاج السنة] ليستدل به على خيانات الشيعة، حيث قال: (هم ـ أي الشيعة ـ يستعينون بالكفار على المسلمين.. وأما إعانتهم لهولاكو ابن ابنه لما جاء إلى خراسان والعراق والشام فهذا أظهر وأشهر من أن يخفى على أحد، فكانوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصاره ظاهرا وباطنا، وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له ابن العلقمي منهم، فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين، ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفهم، وينهى العامة عن قتالهم، ويكيد أنواعا من الكيد، حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال: إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان، أو أكثر أو أقل، ولم ير في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتر، وقتلوا الهاشميين وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين، فهل يكون مواليا لآل رسول الله k من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين؟)([5])

وهذه الكلمات التي رددها ابن تيمية من غير ذكر أي مصدر تاريخي، ولا أي تحقيق علمي، راح الجميع يرددها مثله، باعتبارها حقيقة علمية، لأن الذي قالها معصوم عندهم، لا يجوز عليه الكذب ولا الحقد ولا تلك الأمراض النفسية التي تجعل صاحبها لا يرى إلا ما يشتهي.

ولم يكتفوا بترديدها، بل راحوا يرسمون السيناريوهات التي تبين مدى دهاء ابن العلقي، وكيف استطاع وحده أن يقضي على دولة مترامية الأطراف، ومن الأمثلة على ذلك هذا السيناريو الذي رسمه ناصر بن عبد الله بن علي القفاري في كتابه (أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد)، فقد صور فيه الحادثة كما يلي: (وملخص الحادثة أن ابن العلقمي كان وزيراً للخليفة العباسي المستعصم، وكان الخليفة على مذهب أهل السنة، كما كان أبوه وجده، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ، فكان هذا الوزير الرافضي يخطط للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الرافضة، فاستغل منصبه، وغفلة الخليفة لتنفيذ مؤامراته ضد دولة الخلافة، وكانت خيوط مؤامراته تتمثل في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: إضعاف الجيش، ومضايقة الناس.. حيث سعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين، وضعفتهم.. المرحلة الثانية: مكاتبة التتار.. المرحلة الثالثة: النهي عن قتال التتار وتثبيط الخليفة والناس، فقد نهى العامة عن قتالهم وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة)([6])

وهكذا قال آخر في موسوعته التي خصصها لمواقف السلف في العقيدة والتربية، حيث أفاض في ذكر ابن العلقمي، واعتباره ممثلا للشيعة، ودليلا على خياناتهم، ومن أقواله في ذلك: (هل هناك درس أكبر من هذا الذي لقنه فضيلة الإمام ابن العلقمي مع فضيلة نصير الطوسي للمسلمين؟ هل يجوز للمسلمين أن يغفلوا هذه الحقائق التاريخية ويتجاهلونها ويأتي مثقفوهم ويقولون: الشيعة إخواننا والفرق بيننا وبينهم يسير كالفرق بين الشافعي والمالكي؟! وهذا أيضا فيه عقوبة للخليفة كيف يثق بهؤلاء ويقربهم إليه ويعتمدهم ويجعلهم في مرتبة الوزارة ولم يلتفت إلى خبث هذا المجرم وما يفعله بعسكر الخليفة؟)([7])

ثم راح يسقط تاريخ ابن العلقمي على الواقع الذي نعيشه، فقال: (سبحان الله! التاريخ تتكرر حوادثه وتتشابه أفعاله وأقواله، ويصرفها الله كيف يشاء، الآن الروافض يخدعون عامة المسلمين في كل البلاد: تعالوا نتعاون على إزالة إسرائيل من القدس. ولغفلة الناس يحسبونهم صادقين، والحقيقة: تعالوا معنا حتى نمحي السنة من وجه الأرض، ونقيم المجوسية متعاونة مع اليهودية والنصرانية والله المستعان)([8])

وهكذا قال آخر، ليس في كتاب تاريخي، وإنما في كتاب يتحدث عن الشيعة والتشيع، متغافلا عن كل أولئك الخانعين الذين سلموا بغداد إلى هولاكو، وكأنهم دمى لا عقول لها، واكتفى بنسبة التهمة فقط إلى ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي، فقال: (لقد وصلت الأمة الإسلامية في أواخر الخلافة العباسية إلى حالة من الضعف والهوان، وتكالبت عليها الأكلة، وكان جيش المغول أكبر خطر كاد أن يقضي على الأمة الإسلامية ويستبيح بيضتها، لولا لطف الله.. فقد اجتاحت جيوشهم العالم الإسلامي من شرق آسيا حتى وصلوا إلى بغداد، وملؤوا القلوب رعبا والبلدان دماء، ومسحوا مدنا كاملة عن آخرها.. لكن بقيت بغداد معقل الخلافة، ومعقر العالم الإسلامي.. وهنا لعب هذين الرجلين أكبر دور في هذه الهزيمة، وسجَّلا أعظم خيانة لطخت أيادي الشيعة بالدماء، قبل أن تلطخ جبين الأمة الإسلامية بالعار، إلى اليوم، فقد كان الطوسي وزيرا لهولاكو قائد التتر، وجاء معه في جيشه، وكان مقربا ومستشارا، فأشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل بغداد جميعا، بينما هيأ الوزير الشيعي ابن العلقمي الظروف من الداخل، فسرح الجيوش، متعللا بعدم الحاجة إليهم، حتى بلغوا من القلة والذلة والضعف إلى حد أنه لم يبق منهم إلا عشرة آلاف، مستغلاً ضعف الخليفة وانشغاله بالشهوات، وكان في خلال ذلك يكاتب المغول ليهون عليهم شأن الخلافة ويشرح لهم الحال، ويدلهم على العورات) ([9])

وهكذا قال آخر: (ففي سنة 656 هـ أي قبل ولادة الطوفي بعام واحد تقريبا تعرضت دار الخلافة بغداد لهجوم التتار الذي غير معالمها وجمالها وبهاءها، وألبسها ثوب الحزن والهوان، بعد أن كانت منارة إشعاع العلم والمعرفة، ومركز المدنية والحضارة، ودارا للخلافة أكثر من خمسمائة سنة، وكان دخولهم إليها بمساعدة وتدبير الرافضي الخبيث ابن العلقمي الذي كان وزيرا للمستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس في بغداد فقد كان متعصبا لطائفته متحاملا على أهل السنة، فجاء بالتتار ظنا منه أنه سيكسب بذلك التأييد لطائفته وستصبح له ولها السيادة والزعامة على غيرهم، ولكن الله أخزاه وفضحه فلم يظفر من خيانته بما يسره، بل لقد ندم أشد الندم، لأنه فقد ما كان فيه من الصولة والعزة التي كان يتمتع بها أيام الخليفة العباسي، وأهانته التتار)([10])

وقال آخر، وهو الذي يرجع إليه الطائفيون للأسف، ويعتبرونه من أهم مصادر التعريف بالتشيع، مع كونه ليس سوى بركان من براكين الحقد، لا على الشيعة فقط، بل على الصوفية، وأكثر المذاهب الإسلامية، وهو إحسان إلهي ظهير الباكستاني (المتوفى: 1407هـ)، فقد قال في كتابه [الشيعة والسنة] مخاطبا دعاة التقارب بين المذاهب الإسلامية: (يمكن الوحدة بترك الدس والكيد للمسلمين، فها هي بغداد مضرجة بدمائهم بجريمة ابن العلقمي، وها هي الكعبة جريحة بجريمة طائفة منكم، وها هي باكستان الشرقية ذهب ضحية بخيانة أحد أبناء تزلباش الشيعة يحيى خان في أيدي الهندوس، وها هو التاريخ الإسلامي مليء بمآثمكم، وخذلانكم المسلمين كلما حدثت لهم حادثة، ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة)([11])

وقال آخر: (ولا ينبغي كذلك أن ننسى ما يفعلونه اليوم والحرب تدور رحاها في لبنان ليلاً ونهاراً كيف تعامل أحزابهم الكثيرة المسلمين من أهل السنة بخصوصهم بكل قسوة وعنف وكيف تفننوا في التنكيل لهم كما تفعل اليهود أو أشد -كما يروي البعض- مع تظاهرهم بالإسلام وهم والنصيريون يد واحدة ذئاب شرسة على الإسلام والمسلمين، وهم على وتيرة واحدة سلفهم وخلفهم من أشد أعداء أهل السنة ومن أكثرهم تآمراً عليهم، ولقد كان المسلمون يُذبحون في بغداد ويحرقون بالألوف أمام ابن العلقمي والنصير الطوسي وهما يدلان التتار على عورات المسلمين، وعلى كتبهم وعلى أماكن اختبائهم، وكانا يظهران الفرح والشماتة بالمسلمين، ثم تلت ذلك أحداث لا حصر لها كان هؤلاء الشيعة أنكى الناس والملل كلها بالمسلمين، ولا غرابة في هذا منهم ماداموا قد أبغضوا خيرة أصحاب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ولعنوهم في كل صباح ومساء ورووا في مثالبهم ما لا يفعله الوثنيون، ويتنزه عنه الإباحيون، ويكفي أنهم حكموا عليهم بأنهم ارتدوا عن دين الإسلام، وأخفوا كثيراً من القرآن، وقذفوا أم المؤمنين)([12])

وقال آخر: (من أهم أسباب انهيار الحضارة الإسلامية وانتقالها للغرب هو سقوط دار العلم بغداد بيد المغول. هذا السقوط لم يكن ممكنًا لولا مساعدة الشيعة للمغول. ولا يخفى ـ علَى من له أدنى وعي بتاريخ الشيعة ـ الدور الخياني للوزير الشيعي ابن العلقمي في سقوط بغداد، عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك، وما جرَّه علَى المسلمين من القتل والخراب والذل والهوان، بالاتصال بهولاكو، وإغرائه بغزو العراق، وهيأ له من الأمور ما يمكنه من السيطرة)([13]).

وقال آخر: (لما قضى التتار على الدولة الخوارزمية، وعلى الإسماعيلية اتجهوا إلى بغداد. وقد وقعت في سنة 655 هـ فتنة مهولة ببغداد بين أهل السنة والرافضة وقتل عدد من الفريقين، ونهب الكرخ- موطن الرافضة وذوي ابن العلقمى- فحنق ابن العلقمي وزير المستعصم وكاتب التتار وأطمعهم في العراق، وعمل على تهيئة الأجواء فسرح جند الخلافة فلم يبق منهم إلا القليل، وحجب عن الخليفة الرسائل التي ترد إليه من صاحب الموصل وغيره، وبذلك تهيأت الأجواء لهؤلاء التتار، فجاءوا وأحاطوا ببغداد سنة 656 هـ فخرج إليهم ابن العلقمى واستوثق لنفسه من هولاكو، فرجع هو ونصير الدين الطوسى ـ وهما رؤوس الرافضة الخبثاء ـ إلى بغداد ليكملوا بقية دورهم في تخذيل الناس والخليفة بأساليب خادعة- حتى لا يبقى في وجه التتار مقاومة تذكر)([14])

وقال: (عودة الخلافة السنية كان بمثابة دعم قوي لما فعله نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي من إزالة الخلافة الفاطمية في مصر وإقامة دولة سنية، والقضاء على الفاطميين وإن كان قد مر عليه زمن طويل إلا أن هناك محاولات عديدة قام بها أفراد أو طوائف باطنية تدين بالولاء للدولة الفاطمية ومذهبها الباطني وذلك للعودة إلى الخلافة الشيعية، ومن هذه المحاولات ما فعله ابن العلقمي – في سقوط بغداد – الذي كان يطمع من خلال تعاونه وممالأته للتتار أن يقيم حاكما علويا بدل الخليفة العباسي السني، ولكنه فشل)([15])

وقال آخر: (وأما سقوط بغداد: فلم يكن سببه تقريب اليهود والنصارى، وإنما كان سببه تقريب المبتدعة والضلال، حتى إذا تمكنوا من وزارة الخلافة العباسية: كشفوا أسرارها، وأظهروا لعدو المسلمين عوارها، وشجعوه على النيل منها، فقدمت جيوشهم على حين غرة، فقتلوا الخليفة والعلماء والقضاة، وكثيرا من عامة المسلمين، حتى ذكر بعض العلماء: أن القتلى من المسلمين بلغوا ألف ألف نفس، أو نحو ذلك، وقال غيره: لم ينقص القتلى عن سبع مائة ألف، ولم يزيدوا على ألفي ألف نفس، فالمقل يقول: سبع مائة ألف نفس، والمكثر يقول: ألفي ألف نفس، وكان ذلك بسبب استوزار آخر خلفاء بني العباس المستعصم لابن العلقمي الرافضي، الذي كان يراسل هولاكو قائد جيوش المغول، ويشجعهم على غزو دار الخلافة بغداد -مع إكرام المستعصم له، وثقته الكبيرة به، ومنزلته في دولته-: فقدمت جيوش المغول، وأسقطت الخلافة الإسلامية فيها، وأبادوا أهلها، فشفى هذا اللعين نفسه الخبيثة من المسلمين ودولتهم، وسانده في ذلك رفيق دينه وشبيهه الرافضي الآخر المسمى بالنصير الطوسي، فكان منجما مقربا عند هولاكو، وكان هولاكو يستشيره قبل همه في كثير من أموره، فأشار عليه الطوسي بقتل العلماء والقضاة وأهل الحل والعقد، ولا يبقي فيها أحدا سوى أهل الصنائع والحرف فحسب! فأخذ هولاكو بمشورته، وأنفذ وصيته، فأباد أهل بغداد، وأتلف غالب كتبهم الشرعية، بل بلغ القتل بالنساء والأطفال، فتبدلت بغداد على عارفيها، وأصبحت أثرا بعد عين، فهل يعتبر المسلمون اليوم؟!)([16])

هذه مجرد أمثلة عن هذه المواقف، التي لا تستند لأي مصادر، ولا لأي تحليل علمي، ولا لأي منهج قرآني في التعامل مع الأحداث التاريخية، وأسباب سقوط القرى.. ذلك أن الذي أملاها ليس سوى الحقد المجرد؛ فهم يقبلون كل شيء، يرون فيه تشويها للشيعة، حتى لو رفضته كل مناهج البحث العلمي.

والمشكلة أن هذه المراجع التي ذكرناها جميعا، ليست كتبا في التاريخ، وإنما في العقائد والأخلاق، وهي تنتشر بكثرة، ليُستخدم ابن العلقمي طعما للتشويه والتضليل، ولكل أنواع الحروب الطائفية.

2 ـ ابن العلقمي والمصادر التاريخية

بناء على ما سبق، فإن ابن العلقمي لم يعد مجرد شخصية تاريخية تُدرس في كتب التاريخ، وتستعمل معها مناهج البحث التاريخي من التدقيق في المصادر والتحقيق فيها وتحليلها ونقدها خارجيا وداخليا.

ذلك أن مثل هذا البحث قد يجعل من ابن العلقمي شخصية عادية لا يمكن استثمارها في ذلك الهدف الذي يتنافى مع الأخلاق، والذي يجعل من الكذب والتزوير وسيلة لتلك الغايات التي لا تهدف إلا لتمزيق صف الأمة، والتحريش بين أبنائها.

فلذلك تم استبعاد كل المصادر التاريخية، والتي كتبها مؤرخون أكفاء، وفي كتبهم التي أرخوا فيها للأحداث وفق ما وصلتهم بعيدا عن الأهواء، وتم بدلها اعتماد كلام ابن تيمية أو تلميذه النجيب ابن كثير، أما سائر المصادر؛ فقد كتمت مثلما كتم اليهود كل البشارات المرتبطة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تكن تخدمهم.

ولهذا سنحاول في هذا المبحث أن نذكر بعض المصادر المغيبة، لنرى من خلالها حقيقة دور ابن العلقمي، وهل كان السبب في سقوط بغداد، وفي تلك الدماء الكثيرة التي سالت.

وحتى لا نتهم بتهمة انتقاء المصادر، فسنبدأ بما ذكره الذهبي([17]) (673 – 748 هـ)، وهو من المؤرخين المعتبرين لدى الطائفيين، بل كان له علاقة كبيرة بابن تيمية، ولذلك كان شديدا على من يخالف المدرسة السلفية، بل شديدا على ابن العلقمي نفسه، لكنا مع ذلك عندما ندرس ما ذكره بعيدا عن أحكامه الخاصة، فسنكتشف الحقيقة على لسان أعدائها، كما يقال.

فقد قال الذهبي في ترجمته له: (محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب، الوزير الكبير، الخنزير، المدبر، المبير، مؤيد الدين ابن العلقمي، البغدادي، الشيعي، الرافضي، وزير الخليفة الإمام المستعصم بالله، ولي وزارة العراق أربعة عشر سنة، فأظهر الرفض قليلا، ذكره بهاء الدين ابن الفخر عيسى الموقع يوما فقال: كان وزيرا كافيا، قادرا على النظم، خبيرا بتدبير الملك، ولم يزل ناصحا لمخدومه حتى وقع بينه وبين حاشية الخليفة وخواصه منازعة فيما يتعلق بالأموال والاستبداد بالأمر دونه، وقويت المنافسة بينه وبين الدويدار الكبير، وضعف جانبه حتى قال عن نفسه:

وزير رضي من بأسه وانتقامه.. بطي رقاع حشوها النظم والنثر

كما تسجع الورقاء وهي جماعة.. وليس لها نهي يطاع ولا أمر

فلما فعل ما فعل كان كثيرا ما يقول: وجرى القضاء بضد ما أملته)([18])

فهذا النص إن استبعدنا تلك الأحكام القاسية، والألفاظ البذيئة، واكتفينا بالمصدر الذي استند إليه، ووافقه، لوجدنا أن ذلك الوزير بنص الذهبي نفسه كان صاحب خبرة ودراية، ولكنه منع من أداء وظيفته، فلذلك راح ينشد تلك الأبيات.

وهذا يدل على عكس ما يصوره الطائفيون من أن الأمر كله كان له، وأنه هو الذي كان يصانع التتر ويراسلهم، مع أن الذهبي نفسه أخبر أن الذي كان يفعل ذلك هم العباسيون أنفسهم، فقد قال متحدثا عن والد المستعصم: (وكان المستنصر بالله (والد المستعصم) قد استكثر من الجند حتى بلغ عدد عساكره مائة ألف فيما بلغنا، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهاديهم ويرضيهم)([19])

بل إن الذهبي نفسه يشير إلى مدى صوابية رأي ابن العلقمي في التعامل مع هولاكو، ولكن الخليفة لم يسمع لرأيه، وهذا يدل على أن الأمر لم يكن له، كما رأينا ذلك في النص السابق، فقد قال: (وفي سنة خمس(655)سار هولاكو من همدان قاصداً بغداد، فأشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتحف النفيسة إليه، فثناه عن ذلك الدويدار وغيره وقالوا: غرض الوزير إصلاح حاله مع هولاكو فأصغى إليهم وبعث هدية قليلة مع عبد الله بن الجوزي فتنمر هولاكو، وبعث يطلب الدويدار وابن الدويدار وسليمان شاه فما راحوا، وأقبلت المُغُل كالليل المظلم. وكان الخليفة قد أهمد حال الجند وتعثروا وافتقروا وقطعت أخبازهم، ونظم الشعر في ذلك! فلا قوة إلا بالله)([20])

فهذا النص يظهر أن ابن العلقمي لم يكن سوى مستشار لا قيمة له، وأنه لم يكن بتلك السلطة أو السطوة التي يصوره بها الطائفيون، بل هو يشير إلى حسن تدبيره، وأن الخليفة لم يسمع له.

ويشير فوق ذلك إلى كون الملتفين بالخليفة لم يكونوا من الشيعة، وإنما كانوا من نفس مدرسة الخليفة، بدليل أنه أرسل ابن الجوزي، الفقيه والمحدث المعروف، ولا نجدهم يتحدثون عن هذا، أو يتهمون ابن الجوزي بكونه عميلا، مع أنه هو الذي تولى السفارة بين الخليفة وهولاكو.. ولو أنه كان شيعيا، لوضعوه مع ابن العلقمي في محل واحد، وجعلوه من المتآمرين على الخلافة السنية.

وقد ذكر ابن كثير ذلك في ترجمته لابن الجوزي، فقال: (وممن قتل مع الخليفة واقف الجوزية بدمشق أستاذ دار الخلافة محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي، المعروف بابن الجوزي.. ثم لم يزل متقدما في مناصب الدنيا، فولي حسبة بغداد مع الوعظ الفائق والأشعار الحسنة، ثم ولي تدريس الحنابلة بالمستنصرية سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكانت له تداريس أخر، ولي أستاذ دار الخلافة، وكان رسولا للملوك من بني أيوب وغيرهم من جهة الخلفاء)([21])

وذكره الذهبي أيضا، فقال: (وقد أرسله المستعصم إلى خراسان إلى هولاكو ثم رجع وأخبر بصحة عزمه على قصد العراق في جيش عظيم، فلم يستعدوا للقائه! ولما خرج المستعصم إليه طلب منه أن ينفذ إلى خورستان من يسلمها، فنفذ شرف الدين هذا بخاتم الخليفة فتوجه مع جماعة من المغول وعرفهم حقيقة الحال)([22])

وهذا يدل على أن الملتفين بالخليفة، والذي كان لهم الرأي والمشورة كثيرون، ولم يكن ابن العلقمي إلا واحدا منهم، بدليل المناصب الرفيعة التي كانت لابن الجوزي، والذي كان من الحنابلة، وكان له موقف شديد من الشيعة، ومع ذلك كان يلي أهم وظائف الدولة، هو وأولاده، وهي وظيفة الحسبة، كما قال ابن كثير: (وانتصب ابنه عبد الرحمن مكانه للحسبة والوعظ، ثم كانت الحسبة تتنقل في بنيه الثلاثة عبد الرحمن، وعبد الله، وعبد الكريم)([23])

وهكذا نستطيع أن نستنبط من خلال تأريخ الذهبي للواقعة أن ابن العلقمي لم يكن بتلك الصورة التي صوره بها ابن تيمية أو غيره من الطائفيين.

وهكذا إن ذهبنا إلى ابن كثير([24]) (701 – 774 هـ)، وحاولنا أن نقرأ الحادثة بعيدا عن تحليلاته وآرائه، فسنجد أيضا الكثير من المعاني التي تدلنا على حقيقة ما حصل، فقد ذكر أنه في الوقت الذي دخل فيه هولاكو بغداد، لم يكن الخليفة ـ كما يصور الطائفيون ـ يحيي سنة قيام الليل، أو يجلس في مجالس الوعظ، أو يبكي كما تعود الخلفاء أن يبكوا.. وإنما كان مستغرقاً في شرب الخمر، وبين يديه الجواري والراقصات.

فقد ذكر في أحداث سنة 656 هـ هذا الحدث الذي لو حلله العاقلون لوضعوا جريمة سقوط بغداد في عنق الخليفة المستهتر، لا وزيره المسكين، الذي لم يكن يملك من الأمر شيئا، وإنما كان مجرد شماعة لتغطية استهتارهم وفشلهم.

لقد قال في تاريخ تلك السنة المشؤومة: (ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها، واستهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئا، كما ورد في الأثر: (لن يغني حذر عن قدر)([25])

وكل هذه الأحداث لم يكن لابن العلقمي فيها أي دور، فلم يكن هو صاحب الموصل، ولا الذي أرسل الهدايا.. أما الخليفة فقد كان في ذلك الحين مشغولا من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، لا بإعداد العدة للمواجهة، ولا بالتواجد مع الجيش، وإنما بما عبر عنه ابن كثير بقوله: (وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه وكانت مولَّدَةً تسمى عَرَفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً! وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الإحتراز وكثرة الستائر(الجُدُر) على دار الخلافة) ([26])

هذا هو الخليفة السني الذي يتباكى عليه الطائفيون، والذي استشهد وهو منشغل بكل كيانه براقصته التي ملكت عليه عقله وقلبه وكل كيانه.. وفي تلك الأيام الشديدة.

وهذا هو الخليفة الذي أقام الطائفيون من أجله الدنيا، وراحوا يطالبون بثأره، واعتبروا كل الشيعة خونة بسبب ذلك الوزير المسكين الذي ابتلي بالوزارة في دولة العابثين والراقصين والماجنين، وكأنه هو الذي حال بين الخليفة وبين صيرورته زعيما حقيقيا، أو صيرورة قادة الجند أبطالا شجعانا.. لكن العقل الطائفي يقبل كل شيء، ويكذب على كل شيء.

ونحن لا ندافع هنا عن ابن العلقمي، ولا عن غيره.. ولكنا نتعجب من تلك العقول الممتلئة بالأحقاد، فلذلك تصدق كل ما يردها من دون تحليل ولا تحقيق ولا ورع، ثم لا تكتفي بالتعامل مع الحادثة، وكأنها حادثة فردية، بل تعممها على طائفة كبيرة محترمة، فإذا ما ذكر المخالف لهم قائدا أو حاكما أو وزيرا سنيا قام بخيانة في وقت من الأوقات ذكروا له أن ذلك الوزير لا يمثل إلا نفسه.. فكيف يستقيم أن يمثل الوزير السني نفسه فقط، بينما يمثل الوزير الشيعي جميع الشيعة في كل زمان ومكان؟

فإذا تركنا تلاميذ ابن تيمية وذهبنا إلى غيرهم من المؤرخين، فسنجد حقائق أكثر دقة، وخاصة من مؤرخين أقرب زمنا إلى الحادثة من تلاميذ ابن تيمية، ومن أمثلتهم المؤرخ الكبير أبو الفداء ([27]) (672 – 732 هـ)، والذي أشار في تأريخه إلى ابن العلقمي لم يكن له ذلك الدور الذي يصوره به الطائفيون، فقد قال: (ولما مات المستنصر اتفقت آراء أرباب الدولة مثل الدوادار والشرابي على تقليد الخلافة ولده عبد الله ولقبوه المستعصم بالله، وهو سابع ثلاثينهم وآخرهم، وكنيته أبو أحمد بن المستنصر بالله منصور، وكان عبد الله المستعصم ضعيف الرأي فاستبد كبراء دولته بالأمر، وحسنوا له قطع الأجناد، وجمع المال ومداراة التتر، ففعل ذلك وقطع أكثر العساكر)([28])

فهذا النص يبين أن كبار الدولة هم الذين اقترحوا عليه قطع رواتب الجند بسب كثرتهم، ولم يذكر ابن العلقمي، وقد ذكرنا سابقا ما ذكره الذهبي من شكى ابن العلقمي من عدم الاهتمام برأيه.

وهذا ما ذكره القلقشندي (756 – 821 هـ) مؤيدا له، فقد قال: (وأبطل أكثر العساكر، وكان التتر من أولاد جنكزخان قد خرجوا على بلاد الإسلام على ما تقدم، وملكوا أكثر بلاد الشرق والشمال.. وكان عسكر بغداد قبل ولاية المستعصم مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل الى التتر متحصل إقطاعاتهم! فصار عسكرها دون عشرين ألف فارس)([29])

وهذا ما ذكره ابن الطقطقي ([30]) (660 – 709 ه‍)، والذي كان مؤرخا معاصرا لابن تيمية، وكان الأصل أن يُعتمد قوله، لكن مرض الطائفية منع من ذلك، فقد قال واصفا ابن العلقمي: (وكان مؤيد الدين الوزير عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزهاً مترفعاً. قيل إن بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة، وقال: إن صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه، وقد حملته وأنا أسأل قبوله فَقَبل. ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئاً من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه ألا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك! وكان خواص الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه! وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبه وكثروا عليه عنده فكفَّ يده عن أكثر الأمور ونسبه الناس إلى أنه خامر(تآمر مع هولاكو) وليس ذلك بصحيح)([31])

فهذا نص صريح من مؤرخ معاصر لابن تيمية، وكان يمكن اعتماد قوله، أو كان يمكن أن يوضع قوله مع قول ابن تيمية ليترك الخيار للقارئ في اختيار ما يشاء، أو كان يمكن أن يتوقفوا في المسألة باعتبار أن هناك اختلافا فيها.. لكن الطائفية تمنع من كل ذلك.

وهكذا إن عدنا إلى مؤرخ آخر كان معاصرا للحادثة، وهو ابن العبري (المتوفى: 685هـ)، والذي ذكر في تاريخه أن ابن العلقمي حاول إنقاذ الخلافة فمنعوه.

فقد ذكر أنه عندما اقتربت حملة المغول استشار الخليفة وزيره ابن العلقمي فأشار عليه أن يرسل الى طاغيتهم هولاكو هدايا وفيرة، ويطمئنه بأنه يعترف به سلطاناً كالسلطان البويهي والسلجوقي، ليعترف هولاكو بالخليفة ولا يهاجم بغداد! وقد اقتنع الخليفة بهذا الرأي وأمرهم فباشروا بتهيئة الهدايا والرسل، لكن القائد السني الدويدار وبقية البطانة استكثروا الهدية ومنعوا الخليفة من إرسالها فأطاعهم، وأحبطوا بذلك محاولة إنقاذ الخلافة.

وقد عبر ابن العبري عن ذلك بقوله: (وفيها في شهر شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد، وكان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة قد سيَّر رسولاً إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة، فأراد أن يسيِّر ولم يقدر، لم يمكنه الوزراء والأمراء وقالوا: إن هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة وليس محتاجاً إلى نجدتنا، وإنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة. فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال! ولما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولاً آخر إلى الخليفة وعاتبه على إهماله تسيير النجدة، فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه. وعندما أخذوا في تجهيز مايُسَيِّرونه من الجواهر والمرصعات والثياب والذهب والفضة والمماليك والجواري والخيل والبغال والجمال، قال الدويدار الصغير وأصحابه: إن الوزير إنما يدبر شأن نفسه مع التاتار وهو يروم تسليمنا إليهم فلا نمكنه من ذلك! فأبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة، واقتصر على شئ نزر لا قدر له، فغضب هولاكو وقال: لا بد من مجيئه هو بنفسه أو يسيِّر أحد ثلاثة نفر: إما الوزير وإما الدويدار وإما سليمان شاه. فتقدم الخليفة إليهم بالمضي فلم يركنوا إلى قوله، فسيَّر غيرهم مثل ابن الجوزي وابن محيي الدين، فلم يُجديا عنه)([32])

وهكذا نجد الكثير من المتحررين المعاصرين يكتشفون هذه النتائج بسهولة، ومنهم باحث محترم كتب مقالا تحت عنوان [ابن العلقمي الخائن الغدار وابن خلدون العاقل الحصيف.. وحدة الفعل واختلاف الهوى]

وقد أشار فيه إلى ازدواجية التعامل بين ابن العلقمي الذي اتهم بتلك التهم الخطيرة في نفس الوقت الذي سكت فيه عن غيره، وقد قال في بداية مقاله: (كان مؤيد الدين محمد بن العلقمي وزيرا للخليفة العباسي المستعصم بالله كما كان وزيرا للخليفة الذي سبق المستعصم، وقد دامت وزارته لاكثر من ثلاثين عاما [626- 642هجرية]، ولم تكن الوزارة، يومذاك ولقرون قبلها ولقرون بعدها كذلك، تعني ماتعنيه اليوم، فقد كان الوزير، كما عرفه التاريخ العربي الاسلامي ليس سوى مستشار للخليفة يستأنس برايه ويستفيد من خبرته وكان الوزراء، في الأغلب الأعم ينتقون من ذوي الخبرة والمعرفة والعلم والكياسة، ولم تكن قوة الوزير يومذاك، أي وزير، تستند إلى قاعدة سوى رضا وموافقة واختيار الخليفة نفسه، فهو لم يكن يضاهي أو يقرب من قائد الجند أو صاحب الشرطة، أو غيرهم ممن كانت قوتهم تستند إلى قاعدة حقيقية مؤثرة قد تفرض نفسها وتملي إرادتها على الخلفاء وخصوصا الضعفاء منهم، كما كان حال خلفاء دولة بني العباس في مرحلة شيخوختها)([33])

ثم ذكر حقيقة ما وقع بعيدا عن تلك الكتابات الطائفية، فقال: (والحقيقة أن هولاكو كان قد اجتاح في طريقه إلى بغداد العشرات من المدن والممالك شرق وشمال بغداد، وكانت حملته تجري وفقا لخطة إمبراطورية كلفه بها أخوه الملك مونكو خان، حفيد جنكيز خان وقد تضمنت ثلاثة محاور أساسية هي القضاء على مملكة لورستان جنوبي إيران، وتدمير قلعة الاسماعيلية في آالموت، وتدمير مركز الخلافة العباسية في بغداد، كمرحلة أولى ثم التوجه إلى الشام ومصر وبلاد السلاجقة الروم وحتى البحر الابيض المتوسط كمرحلة ثانية ولم يكن بحاجة لمراسلات أو تحريضات من ابن العلقمي أو غيره)

ثم ذكر كيف تنقل هولاكو وفق لتلك الخطة، فقال: (وقد اجتاح هولاكو بالفعل بلاد خراسان واذربيجان ولورستان والعراق والموصل والجزيرة وديار بكر والشام وبلاد السلاجقة الروم ولم يوقفه الا المصريين في عين جالوت. وقد حاصر هولاكو، قبل بغداد، قلعة الاسماعيلية في آلموت، وعندما استسلمت له أرسل زعيم الإسماعيلية ركن الدين خورشاه مع أهله ورجاله إلى أخيه في عاصمة الدولة المغولية الذي أمر بقتلهم جميعا وقد استباح هولاكو قلعة الموت وأعمل فيها القتل الذريع حتى شمل النساء والأطفال، ثم توجه نحو بغداد التي وجه إلى الخليفة فيها، كعادته في إثارة الرعب لدى خصمه،رسالة شديدة اللهجة ينذره فيها بالدخول في طاعته أو مواجهة العواقب الوبيلة، ثم اقتحمها ولم يستطع الخليفة أو جيشه الضعيف له دفعا واعمل في بغداد حرقا ونهبا وقتلا واحرق، فيما أحرق، اضافة إلى جامع الخليفة، مرقد الامام موسى الكاظم، واستباح الرصافة، وكان جل أهلها من السنة، وأعمل في اهلها القتل مثلما استباح الكرخ، التي كان جل سكانها من الشيعة، وأعمل فيهم القتل الذريع)

ثم ذكر الرأي الذي طرحه ابن العلقمي، والذي أسيء فهمه، فقال: (وقد كان من رأي العلقمي أن تدخل بغداد في ملكه طوعا لا قسرا مما سيجنبها وأهليها الاستباحة والدمار، خصوصا وأن ليس لها أو لجيشها قبل بهذا الفاتح الذي اجتاح قبلها وفي طريقه إليها الممالك والمدن وأنه يحاصرها الآن من ثلاثة جهات بثلاثة جيوش إحدها جاءها من جهة الموصل، وآخر من جهة خوزستان، والآخر من جهة همذان وكان بقيادة هولاكو نفسه، وتقدر بعض المصادر التاريخية عديد جيشه ذاك بمئتي ألف مقاتل غير أن قائد جندها الشركسي الدوا دار وابن الخليفة رأوا غير هذا الرأي، وعند سقوطها واجتياحها أرجفوا هم وانصارهم بتلك الاشاعة ليجدوا كبش فداء وشماعة يعلقون عليها هزيمتهم وعجزهم، وكان من عوائد ذلك الزمان أن تختار المدن المحاصرة من قبل غاز لا قبل لها به وفدا من وجهائها وأعيانها وذوي الرأي فيها ليلتقي بالفاتحين عند أسوار المدينه ويسلمهم مفتاحا رمزيا يرمز إلى ان تلك المدينه ترغب في تجنب المواجهة والدخول في ملكهم طوعا. وهو الامر الذي بادرت اليه أتابكية الموصل ومملكة الارمن وانطاكية وطرابلس وأسرع صاحب حمص الايوبي بارسال الهدايا وطلب الامان والدخول في طاعة هولاكو وكذلك الملك المنصور صاحب حماه، وخرج من دمشق وفد برئاسة قاضيها محي الدين الزكي وسلمه مفاتيحها طلبا للامان، فخلع هولاكو على القاضي وعينه وكيلا له على دمشق في حين مانعت حلب ولم تستسلم فحاصرها هولاكو ودخلها بعد سبعة ايام فاعمل فيها قتلا ونهبا وسبيا) ([34])

وبعد أن ذكر كل هذه الأحداث التاريخية الموثقة، راح يتساءل: (فإذا كانت خيانة ابن العلقمي هي السبب في سقوط بغداد فما هو شان دمشق؟ وهل كان العلقمي وراء اجتياح واستباحة حلب؟ وماهو القول بشأن إرسال الملك الايوبي الاشرف صاحب حمص وحفيد أسد الله شيركوه الهدايا والمعونات لهولاكو وقبوله الدخول في طاعته، بل إن أتابك الموصل ركن الدين اسماعيل انضم إليه هو وجيشه ليحاصر معه ويستبيح حلب، وثمة واقعة شبيهة أخرى، ذات دلالة ساطعة، على المعنى والغرض، فبعد خمسة وثلاثين سنة من ذلك التاريخ اجتاح تيمور لنك، حفيد هولاكو المدن والممالك واقتحم بغداد، وعند أسوار دمشق تدلى له وفد من وجهاء دمشق كان على راسهم قاضي القضاة تقي الدين بن ابراهيم بن مفلح الحنبلي، بعد أن رفض بعض أهل دمشق وقادتها فتح الابواب لتيمور لنك، وفاوض، بمعية ابن خلدون، تيمورلنك على الصلح وأن تدخل دمشق في طاعته، فطلب الأخير أن تجمع له الأموال وأن يسلم إليه السلاح وتفتح لجنده الابواب وأن يدفع اليه كل المقاتلة والعساكر المصريين الذين جاءوا دمشق لنجدتها منه، فاجيب إلى ذلك وجمع له من المال ألوف ألوف الدنانير، ودفع له المقاتلة المصريين غدرا ليذبحهم، وخرج له وفد من أهالي دمشق يراسه الحنبلي وابن خلدون ومعهم مالذ وطاب من الماكل والمشرب والفراش والدواب والتحف وصار ابن مفلح الحنبلي يخذل الناس ويثني على تيمور ودينه وحسن اعتقاده ثناءا عظيما.. ويكف أهل دمشق عن قتاله وينادي أن من خالف ذلك قتل وهدر دمه.. ورغم ذلك فقد اجتاح تيمورلنك دمشق بذريعة أو اخرى واعمل في أهلها قتلا وذبحا وتمثيلا واستحيا نساءها، حتى أن كتب التاريخ لتروي ما تقشعر منه الابدان وتشمئز منه النفوس فعلا، ولكن بعد ان اعطى لقاضي القضاة الحنبلي امرا باقراره في منصبه وكذلك لصاحب الجند وكرم ابن خلدون على بلاغته وحذقه وحسن تدبيره) ([35])

هذه بعض الحقائق التاريخية التي أشار إليها الكاتب، والمغيبة للأسف بسبب مرض الطائفية الذي يُحل الكذب وشهادة الزور، وكل الجرائم.

 بعد كل هذا، نحب أن نختم هذه المصادر بالإشادة بباحث سعودي متحرر هو أ. د. سعد بن حذيفة الغامدي أستاذ التاريخ الإسلامي ودراساته الشرقية في كلية الآداب قسم التاريخ جامعة الملك سعود والذي رد على الكثير من الأوهام التي يتعلق بها الطائفيون في هذا الجانب، وذلك في كتابه (سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام)، والذي نال بسببه حظه من النقد والطرد والحرمان السلفي الذي لا يفرق في الطرد بين المسائل العقدية والتاريخية.. ولو أن الذي صنفوا الكتب الأولى في العقائد عادوا إلى الوجود لوضعوا قصة ابن العلقمي والطوسي من ضمن العقائد التي يكفر جاحدها.. ولو عاش علماء الجرح والتعديل ورأوا أهمية سيف بن عمر وغيره من الكتبة الكذبة لحولوه ثقة عدلا ضابطا لا يتكلم فيه إلا مبتدع.

 ومن أمثلة ذلك ما كبته سليمان بن صالح الخراشي في منتدى صيد الفوائد وردا على كتاب الدكتور الغامدي فقد كتب مقالا بعنوان: (دكتور في جامعة الملك سعود يردد أكذوبة شيعية)، ومما جاء فيه: (سقوط الدولة العباسية ودور الشيعة بين الحقيقة والإتهام) كتابٌ للأستاذ الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي أحد منسوبي جامعة الملك سعود قسم التاريخ، صدر قريبًا وكتب على طرته (دراسة جديدة لفترة حاسمة من تاريخ أمتنا)وهذا ما أغراني لاقتنائه منتظرًا ماسيجود به قلم الدكتور من جديد في هذه القضية، إلا أنني تفاجأت عندما رأيته يردد ما ردده الشيعة الرافضة من تكذيب لأي خيانة لأسلافهم، وهو ما تتابع عليه ثقات المؤرخين، فهذا الجديد عنده، يقول الدكتور محاولاً دفع تهمة الخيانة عن الرافضة: (ومع هذا فإن سؤالاً يتبادر إلى الذهن وهذا السؤال هو: هل كان هولاكو محتاجاً إلى مساعدة المسلمين الشيعة ضد المسلمين السنة حتى نقبل أنهم كانوا أحد العوامل التي أدت إلى سقوط بغداد؟ في الحقيقة لم يكن هولاكو محتاجاً إلى مساعدة من أي فرد شيعياً كان أم سنياً، لذلك فإننا نجد كما يظهر لنا أنه من غير المحتمل إن لم يكن من المستحيل أن يكون لهذه الطائفة من المسلمين أي دور فعال، سواء من داخل أو من خارج بغداد في هجوم المغول ضد العاصمة العباسية بغداد وخلافتها السنية)

ومما ذكره هذا الباحث الفاضل المتحرر: (إن للمرء أن يقول بأن هذه الإتهامات لاأساس لها من الصحة؛ إذ لم تدعم أو تثبت بأي دليل قاطع، يقوم أساساً على تقرير شاهد عيان معاصر؛ كما أنها لم تظهر هذه الإتهامات أو الشائعات بمعنى أدق إلا بعد سنوات طوال من بعد سقوط العاصمة بغداد، وانقراض أسرتها الحاكمة العباسية، جاءت هذه الإتهامات التي وجهت ضد أتباع المذاهب الشيعي عامة ووزير الخليفة المستعصم ابن العلقمي خاصة، في جميع المراجع السنية تقريباً والتي تسنى لنا الرجوع إليها، والتي كتبها مؤرخونا أولئك الذين جاؤا فيما بعد. إذ نجد أن كل مؤرخ يأخذ عن المؤرخ الذي سبقه ثم يضيف كما سبقت الإشارة إلى هذه الحقيقة إلى ما نقله من سلفه، ثم إضافة كلام من عنده هو إشاعات أكثر منه حقيقة تاريخية ثابتة، ولكننا نجد أن هذه الإتهامات تظهر أيضاً في مؤلف لمؤرخ غير مسلم وهذا المؤرخ هو المكين بن العميد جرجس المسيحي الديانة، حيث يقول بتآمر الوزير مع المغول ضد الخلافة العباسية، وقد أخذ بعض مؤرخينا الحديثين رواية ابن العميد تلك على أنها دليل قاطع بلا ريب أو شك عندهم، على أن الوزير مذنب! كان ابن العميد مؤرخاً مسيحياً معاصراً عاش في مصر وكتب تاريخه باللغة العربية عن بني أيوب. ولكننا عندما نرجع إلى حقيقة ما قاله ابن العميد في هذا الشأن فإن المرء سيجد أن هذا المؤرخ لم يكن على علم بما وقع فعلاً وأنه لم يكن يروي في كتابته عن هذه المسألة إلا مجرد شائعات وأقاويل جارية لم يثبتها تقرير من شاهد عيان، وفي هذا الخصوص يقول ابن العميد ما يلي: وقيل إن وزير بغداد كتب إلى هولاؤون(يعني بذلك هولاكو) بأن يصل إلى بغداد ويأخذ البلاد)([36])

هذه نماذج مما ذكرته المصادر والمراجع التاريخية، ونحن لا نطالب الطائفيين باعتمادها، ولكنا نطالبهم بأن يتقوا الله في التعامل مع الحقائق، وأن لا يتجاوزوا ما أمرنا به من العدل، حتى مع الأعداء، فكيف بإخوانهم المسلمين الذين ملأوا القلوب حقدا عليهم.

ويلحق بهذا أيضا تلك الأراجيف التي كذبوا بها على نصير الدين الطوسي من غير تحقيق ولا دراسة.. وإنما بمجرد الهوى الذي يستخدم شهادات الزور، كهذه الشهادة التي يذكر فيها ابن تيمية الطوسي بقوله: (هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنّه كان وزيراً الملاحدة الباطنية الاسماعيليّة في الالموت، ثمّ لمّا قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين، وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة، كان هذا منجّماً مشيراً لملك الترك المشركين هولاكو، أشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا، وأنّه استولى على الوقف الذي للمسلمين، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم. وأنّه لمّا بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين، كان أبخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين)([37])

هذا كلام ابن تيمية عنه، ولسنا ندري من أين نقله لأن كل الذين عايشوا الحادثة، وعاصروها لم يذكروها مع كونهم من الثقاة لدى السلفية.

فممن عاصر الحادثة الشيخ ابن الفوطي الحنبلي البغدادي (المتوفى 723 هـ)، والذي ترجم له الذهبي قائلاً: (ابن الفوطي العالم البارع المتفنّن المحدّث المفيد، مؤرخ الافاق، مفخر أهل العراق، كمال الدين أبوالفضائل عبدالرزاق بن أحمد بن محمّد بن أبي المعالي الشيباني ابن الفوطي، مولده في المحرّم سنة 642 ببغداد، وأُسر في الوقعة وهو حَدَث ـ أُسر في الوقعة: وقعة بغداد ـ ثمّ صار إلى أُستاذه ومعلّمه خواجة نصير الدين الطوسي في سنة 660، فأخذ منه علوم الأوائل، ومهر على غيره في الأدب، ومهر في التاريخ والشعر وأيام الناس، وله النظم والنثر، والباع الأطول في ترصيع تراجم الناس، وله ذكاء مفرط، وخط منسوب رشيق، وفضائل كثيرة، سمع الكثير، وعني بهذا الشأن)([38])

وقال صاحب فوات الوفيات ابن شاكر الكتبي: (الشيخ الامام المحدّث المؤرّخ الاخباري الفيلسوف)([39])

أمّا ابن كثير، فقد قال عنه: (الامام المؤرّخ كمال الدين ابن الفوطي أبوالفضل عبدالرزاق، ولد سنة 642 ببغداد، وأُسر في واقعة التتار، ثمّ تخلّص من الأسر، فكان مشرفاً على الكتب بالمستنصريّة، وقد صنّف تأريخاً في خمس وخمسين مجلّداً، وآخر ـ أي كتاباً آخر ـ في نحو عشرين، وله مصنّفات كثيرة، وشعر حسن، وقد سمع الحديث من محي الدين ابن الجوزي، وتوفي في ثالث المحرّم في السنة التي ذكرناها)([40])

فهذا المؤرّخ، بشهادة أعلام السلفية ومؤرخيهم شاهد الحادثة، وهو إمام مؤرّخ معتمد، وله كتاب الحوادث الجامعة الذي تعرّض فيه لسقوط بغداد على يد هولاكو، ومع ذلك لم يذكر أي علاقة لنصيرالدين بذلك مع أنه ألّف كتابه هذا بعد الحادثة بسنة واحدة، أي سنة 657 تاريخ تأليف كتاب الحوادث الجامعة.

ولعل من أسباب حنق ابن تيمية عليه بالإضافة إلى تشيعه هو اهتماماته العلمية الكثيرة بالرياضيات والفلك وغيرها، والتي كان السلفية ولا زالوا يقفون منها موقفا متشددا.


([1])  سقوط بغداد أو حصار بغداد أو الغزو المغولي لبغداد أو الاجتياح المغولي لبغداد هو الاصطلاح الذي يشير إلى دخول المغول بقيادة هولاكو خان حاكم إلخانية فارس مدينة بغداد حاضرة الدولة العباسية وعاصمة الخلافة الإسلامية يوم 9 صفر 656 هـ الموافق فيه 10 شباط (فبراير) 1258م، بتكليف من الخاقان الأكبر مونكو خان الذي طلب من أخيه هولاكو استكمال فتوحات المغول في جنوب غرب آسيا التي كان قد بدأها جدهما جنكيز خان،  وهو ما قام به هولاكو حيث تمكن جيشه من اقتحام بغداد بعد أن حاصرها 12 يوما، فدمرها وأباد معظم سكانها.

([2]) الأمالي، الشيخ الطوسيّ، 1/ 302.

([3]) تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص295.

([4]) بحار الأنوار، 25 / 289.

([5])  منهاج السنة النبوية (5/ 155)

([6])  أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد (3/ 1159)

([7])  موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية، أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي، المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر، النبلاء للكتاب، مراكش – المغرب، الطبعة: الأولى، (7/ 382).

([8])  المرجع السابق، 7/283.

([9])  الفاضح لمذهب الشيعة الإمامية، حامد مسوحلي الإدريسي، مكتبة الرضوان، مصر، الطبعة: الأولى، 1428 ه – 2007 م، (ص: 146)

([10])  الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716ه)، سالم بن محمد القرني، مكتبة العبيكان – الرياض، الطبعة: الأولى، 1419هـ، (1/ 24)

([11])  الشيعة والسنة، المؤلف: إحسان إلهي ظهير الباكستاني (المتوفى: 1407ه)، الناشر: إدارة ترجمان السنة، لاهور – باكستان، الطبعة: الثالثة، 1396 ه – 1979 م، (ص: 11)

([12])  فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية للطباعة والنشر والتسويق، جدة، الطبعة: الرابعة، 1422 ه – 2001 م، (1/ 460)

([13])  الشيعة هم العدو فاحذرهم، شحاتة محمد صقر، مكتبة دار العلوم، البحيرة (مصر)]، (ص: 139).

([14])  موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود، مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة: الأولى، 1415 ه / 1995 م، (1/ 95)

([15])  المرجع السابق، (1/ 114)

([16])  قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة، عبد العزيز بن فيصل الراجحي، مطابع الحميضي – الرياض، الطبعة: الأولى، 1424 هـ، (ص: 91)

([17])  محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (673 – 748 هـ)، حافظ، مؤرخ، علامة محقق. تركمانيّ الأصل، من أهل ميافارقين، مولده ووفاته في دمشق، كتب الكثير من المؤلفات التاريخية منها تاريخ الإسلام؛ سير أعلام النبلاء؛ طبقات الحفاظ؛ طبقات القراء؛ مختصر تهذيب الكمال؛ الكاشف؛ التجريد في أسماء الصحابة؛ والميزان في الضعفاء؛ المغني في الضعفاء؛ وغيرها، انظر: فوات الوفيات 2: 183 ونكت الهمدان 241 وذيل تذكرة الحفاظ 34.

([18])  تاريخ الإسلام (48/ 290)

([19])  تاريخه:48/34.

([20])  تاريخ الإسلام:48/32.

([21])  البداية والنهاية  (13/ 244).

([22])  سير أعلام النبلاء:23/374.

([23])  البداية والنهاية  (13/ 244).

([24])  هو إسماعيل بن عمر القرشي البصروي ثم الدمشقيّ، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ فقيه. من كتبه (البداية والنهاية) في التاريخ على نسق الكامل لابن الأثير انتهى فيه إلى حوداث سنة 767 ، انظر: الدرر الكامنة 1: 373 والبدر الطالع 1: 153.

([25])  البداية والنهاية  (13/ 233)

([26])  المرجع السابق، (13/ 233)

([27])  هو أَبُو الفِدَاء إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد ابن عمر بن شاهنشاه بن أيوب: الملك المؤيد، صاحب حماة. مؤرخ جغرافي، قرأ التاريخ والأدب وأصول الدين، واطلع على كتب كثيرة في الفلسفة والطب، وعلم الهيأة، له (المختصر في أخبار البشر) ويعرف بتاريخ أبي الفداء، وهو من أشهر كتب التاريخ، وقد ترجم إلى الفرنسية واللاتينية وقسم منه إلى الإنكليزية، وقد كانت له علاقة جيدة بالمماليك، حيث اتصل بالملك الناصر (من دولة المماليك) فأحبه الناصر وأقامه سلطانا مستقلا في (حماة) ليس لأحد أن ينازعه السلطة، وأركبه بشعار الملك، فانصرف إلى حماة، فقرّب العلماء ورتب لبعضهم المرتبات، وحسنت سيرته، واستمر إلى أن توفي بها، انظر: الدرر الكامنة 1: 371 والبداية والنهاية 4: 158 وفوات الوفيات 1: 16.

([28])  تاريخ أبو الفداء/804.

([29])  مآثر الإنافة:2/89.

([30])  هو محمد بن علي بن محمد ابن طباطبا العلويّ، أبو جعفر، المعروف بابن الطقطقي: مؤرخ بحاث ناقد. من أهل الموصل، هو صاحب كتاب (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية)، انظر: الأعلام للزركلي (6/ 283)

([31])  الآداب السلطانية/233.

([32])  تاريخ مختصر الدول/240.

([33])  ابن العلقمي الخائن الغدار وابن خلدون العاقل الحصيف .. وحدة الفعل واختلاف الهوى، دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات، رشيد عبد النور، الحوار المتمدن، 11/3/2007 .

([34])  المرجع السابق .

([35])  المرجع السابق .

([36])  نقلا عن: [دكتور في جامعة الملك سعود يردد أكذوبة شيعية !!] موقع صيد الفوائد.

([37])  منهاج السنة النبوية (3/ 445)

([38])  تذكرة الحفاظ 4/1493.

([39])  فوات الوفيات 2/319.

([40])  البداية والنهاية 14 / 106.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *