سورية.. والكهانة الدينية

سورية.. والكهانة الدينية

من أبشع أنواع الحروب التي مورست على سورية من أول أزمتها إلى اليوم حرب الكهانة.. ليس فقط تلك التي برع فيها الكثير من رؤساء العالم، والذين تكهنوا جميعا بأنه لم يبق للرئيس السورية إلا أيام معدودة.

وليس تلك التي برع فيها عزمي بشارة وصفوت الزيات وغيرهما من المحللين السياسيين والعسكريين الذين كانوا ـ وكأنهم اطلعوا على اللوح المحفوظ ـ يحددون المواعيد الدقيقة لسقوط أي مدينة، أو انهيار أي مؤسسة.

وليس تلك التي برع فيها قراء الفناجين، والضاربون على الرمل، وقارئو الأكف، وقارئو الملامح، وأصحاب الأبراج.. والذين أجمعوا جميعا على سقوط النظام في أيامه الأولى.

كل هذه لا تعنينا في شيء، فكلها يستخدم الوهم، ويستند للذات، ولا يرتبط بأي دين، ولا بأي رسول، ولا بأي إله.

لكن الذي يعنينا، وهو المشكلة الكبرى التي اعتبرنا لأجلها الحرب على سورية حربا كونية، هي إدخال الله وكتابه ورسوله في هذه الحرب، وتفسير الأحاديث النبوية المطهرة الواردة في الفتن على أساس ذلك.

وهو ما جعل شذاذ الآفاق يقدمون من كل مكان ليصبحوا ـ حسب تصوراتهم ـ هم أولئك الجند المطهرون الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يكونون بالشام، وأنه يتحقق على أيديهم الفتح الأكبر لهذه الأمة، والنصر الأكبر على أعدائها.

ولهذا كان يتحدث الكثير من الناطقين بأسماء الإخوان المسلمين أو الحركات السلفية أو الألوية والفصائل المختلفة بثقة كبيرة بالنصر العظيم الذي يتحقق لأولئك الإرهابيين، لا على سورية وحدها، بل على كل المحور الذي تنتمي إليه.

ولا يمكنني في هذا المقال المختصر أن أحصي ما ذكروا، ولكني سأذكر نموذجا نال اهتماما كبيرا من لدن المهتمين بما يسمونه الثورة السورية، وبنى عليه الكثير جبالا من الأوهام، لكنه سرعان ما سقط كما سقطت كل أوهام الكهان الذي تكهنوا بمستقبل الرئيس السوري ابتداء من رؤساء العالم وانتهاء بسدنة المعبد السلفي والحركي.

وهو لكاهن لا يختلف عن كهان بني إسرائيل السابقين، بل هو يشبههم كثيرا، ليس في شكله فقط، وإنما في مشاعرة الحانية على اليهود، والمعادية لسورية، ولكل المحور الذي تنتمي إليه.

وهذا الكاهن هو [ياسين أحمد ياسين العجلوني]، وهو أردني يعمل معلم فيزياء وعلوم الأرض، لكنه كسائر المتطفلين والتجار الدينيين وجد أن السلع الأكثر مبيعا في الدول العربية هي السلع الدينية، فلذلك راح يختص في سلعة الفتن والملاحم، ويسقطها جميعا على الواقع الذي نعيشه، وقد وضع لذلك كتبا، نشرها في المواقع المختلفة بالإضافة لمدونته الرسمية، بالإضافة لقناته على اليوتيوب، والتي تجتذب مئات الآلاف من الزوار، بل إن بعض فيديوهاته شوهدت أكثر من مليوني مرة.

وقد بدأت شهرته مع بداية الأزمة السورية، حين أصدر فتواه حول نساء سورية، والتي انطلق فيها من أحاديث الملاحم والفتن، وقد نشرتها حينها الكثير من وسائل الإعلام، ونص فيها على أنه يجوز للاجئات السوريات أن يطلبن من القادر على كسوتهن وسترهن وإيوائهن أن يدخلن معه في عقد ملك اليمين، فيصير لهن سيدا، ويعشن معهه كجوار ومحظيات.

بل إنه لم يكتف بإجازة أن يمتلك الرجل جارية أو جاريتين، وإنما أجاز لكل رجل أن يملك خمسين جارية كاملة، يكتفي بإطعامهن وكسوتهن، ثم التعامل معهن بعد ذلك بما تحلو له أهواؤه وغرائزه، وقد علل فتواه الإجرامية هذه بأنها (الوسيلة الشرعية الوحيدة التي تضمن للمرأة السورية المهجرة ألا تستغل جنسيا أو تهان أو يتمتع بها بوسائل غير شرعية)

ولم يكتف بهذه الفتوى، بل أصدر فتوى أخرى يجيز فيها لمن سماهم [المجاهدين في سورية] أن يحصلوا على الغنائم ويأخذوا نساء وأطفال الشعب السوري، كجوار وعبيد، باعتبارهم شبيحة، وقد رد على المعارضين لهذه الفتوى بكون (الدول العربية والإسلامية وقعت اتفاقيات دولية تحرم ملك اليمين.. وأرغمت بريطانيا الحكام المسلمين على إلغاء الرق.. أما أهل الشام فلا اتفاقية بينهم وبين الأمم المتحدة)

وفي البيان نفسه راح يصيح فيمن سمهم المجاهدين: (أحذر المجاهدين والجيش السوري الحر والمهاجرين الذين سيفتحون إيران، أحذرهم من مخالفة أمر الله وأن توقعوا أي اتفاقية تلغون فيها أمر الله)، وأمر الله عنده هنا هو الاسترقاق والاستعباد.

وهو ـ في كل بياناته ومقالاته ـ يشيد بالجيش الحر، ويعتبره الدعامة التي يقوم عليها النصر في الشام، وتحقيق الوعد الإلهي بنصر هذه الأمة، فيقول عنه وعن الجيش الأردني: (لن يغدر الغرب بالجيش السوري الحر ولا بالجيش الأردني والله أعلم، وهذين الجيشين هما الأمل الوحيد للأمة اليوم، وأما جيش مصر فلم يرد في النصوص أن له دورا كبيرا إلا فيما يتعلق بنجباء مصر، وقد بينا أن هؤلاء النجباء قد بدأ ظهورهم مع فوز محمد مرسي لكن هؤلاء هم آباء من سيخرج للقتال مع المهدي محمد بعد خمسين سنة)

ويقول في موضع آخر: (إذا الجيش السوري الحر والجيش الأردني وحماس هؤلاء هم الطائفة المنصورة الذين سينتصرون على الأسد وكتائبه لكن بعد أن تظهر علامة جديدة وهي القتال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فهذا لم يقع بعد وأنا أرجح وقوعه خلال الأعوام القادمة حيث تعمد إسرائيل إلى هدم الأقصى بعد أن تشعل حربا بين إيران والعرب، فتعمد إيران إلى غزو السعودية والخليج ويصل بها الأمر إلى حرق البيت العتيق وهدم الكعبة، ويستولي شيعة المدينة عليها فينتقل عمود الإسلام من المدينة المنورة إلى عمان البلقاء إلى البلقاء وجباله إلى الأردن التي نزلها ابن حوالة)

ثم يترك لخياله أن يسرح، ليطمئن أولئك المرتزقة الخونة، فيقول في بداية تأسيس الجيش الحر: (فأمريكا وأوروبا ليس من مصلحتها أبدا ترك المقاومة السورية، أقصد الجيش السوري الحر، بل بعد الانتخابات سنرى التدخل في سوريا، وسنرى الجيش الأردني وهو داخلها وفاتحا لدمشق، إلا أننا كما قلنا سيتزامن ذلك والله أعلم مع هدم الكعبة وهدم الأقصى، فبمجرد أن تلوح بوادر النصر حتى نرى إيران تحرك آلتها العسكرية ومعها كتائب الشيعة في العراق ليبدا غزو الكويت والبحرين والخليج في غزو بري بحري جوي.. وهنا لا تملك أوروبا وأمريكا إلا أن تزيد من حلفها ونصرتها للشام والأردن، وبعد الانتصار سيضطر حزب الله إلى الدخول إلى الحضن الهاشمي أو مواجهة إسرائيل من الجنوب وتركيا من الشمال والجيش الهاشمي من الشرق، فيكون الخيار الأوفق له هو الوقوف مع الهاشميين، لكن حتما ستقع معارك في لبنان مع من سيرفض هذا التحول الشيعي في حزب الله وحلفائه في لبنان)

وهكذا يطلق لخياله العنان، فيقتحم جميع مجاهيل المستقبل مستثمرا أي نص، يتلاعب به كيف يشاء.

وهو يعتبر في نبواءته الصراع في العالم ليس صراعا بين قوى الاستكبار والاستضعاف، وليس صراعا بين المسلمين والصهاينة والمساندين لهم، وإنما يصوره صراعا بين السنة والشيعة.. فليس في العالم عنده إلا معسكران معسكر أهل السنة وحلفاءهم، ومعسكر الشيعة وحلفاءها.

ومن العجيب أن حلفاء المعسكر السني عنده يضم أمريكا وأوروبا وحتى اليهود، والذي يرى أنهم سيسلمون على يد المهدي الذي هو من نسل الملك الأردني الحالي، فقد راح يعقب على قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } [الإسراء: 8] بقوله: (فهذا دليل على أن الرحمة الالهية ستشمل شعب إسرائيل إلا قليلا منهم)

وقد قال في بعض نبوءاته عنهم: (بعد إحدى عشرة سنة سنرى بني إسرائيل اضحوا جزءا من المجتمع الإسلامي، فأنا انصح طلبة العلم بتعلم اللغة العبرية، فهؤلاء وأعدادهم بالملايين سندخلهم في بلادنا، ويصيروا موالي لنا، هذا يملك إسرائيلية، وذاك يزوج ابنته إلى إسرائيلي أسلم، وينطبق في بني إسرائيل وقتها قول الله تبارك وتعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } [الإسراء: 8].. وسنذهب إلى الأقصى، إلى بيت المقدس في عمرانه الكبير، حيث سيدخله المسلم والنصراني واليهودي، سيدخله الجميع ليصلوا فيه، سنشهد سنة 1446هـ الاحتفال العظيم بمرور 3000 سنة شمسية على بناء نبي الله سليمان له الذي أتم بناءه سنة 1647 ق.هـ)

أما إيران، فقد كان يرسل كل حين خطابات التحريض عليها، باعتبارها العدو الأكبر للأمة الإسلامية، وقد جاء في بعض خطاباته قوله: (.. نحن اليوم على أعتاب حرب يفنى فيها كثير من المسلمين، هذه الحرب سيستهدف فيها قلب العالم الإسلامي؛ مكة والمدينة، فيا أيها المسلمين اتقوا الله واحذروا، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت؟، ألا هل بلغت؟، اللهم فاشهد، فقد بلغت عن الإسلام من الكتاب والسنة حينما صمت العلماء، وقد حذرت مما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد صمت العلماء وصممت دوائر الإفتاء)

وقد سئل في هذا المجال: (من أقرب الفريقين إلينا نحن المسلمين؟ الاوروبيين والامريكان ام الروس والصينيين والهنود والمجوس؟):

فأجاب بقوله: (الاوروبيين والامريكان هم أقرب الينا من المجوس، فهؤلاء هم أهل الانجيل فهم يقاتلوننا بالانجيل ونحن نحبهم مع ذلك لأنهم اتباع المسيح عيسى بن مريم، فقد اكد الله ذلك في قوله: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } [المائدة: 82]، وقوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 2، 3].. فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يحبون الروم ويبغضون الفرس، والفرس هم المجوس؛ فالروس والصينيين والهنود ومن حالفهم من علويين وغيرهم من الصفوين هم حقيقة مجوس هذا الزمان.. فهاتين الايتين الكريمتين تؤكدان أن الروم اقرب الينا من المجوس، ونحن نفرق اليوم بين فارس زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفارس زماننا، ففارس زماننا فيها المؤمنين والمجوس بينما فارس زمان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت على دين المجوس، وفتح فارس في زماننا أسهل إن شاء الله لان اهلها سيقفون معنا عند قيامنا بتخليص اهلها من المجوس)

وأختم هذه الهلوسات برسالة أرسلها هذا الكاهن لليمنيين المظلومين المضطهدين لا ليسليهم فيها، ويعزيهم عما أصابهم من آلام وجراح، وإنما ليدعوهم لمبايعة ملك الأردن عبدالله الثاني، باعتباره خليفة للمسلمين، وقد جاء في الرسالة قوله: (هذه دعوة نوجهها لأهل اليمن لمبايعة ملك الأردن عبدالله الثاني خليفة للمسلمين، وقد تبين لنا من خلال دراسة نصوص الملاحم والفتن أن الملك عبدالله الثاني هو خليفة المسلمين القادم وفاتح بيت المقدس، وهو والد المهدي المنتظر، وقد رجحنا ولادة المهدي عام 1444هـ)

ثم راح يرغبهم في ذلك، فيقول: (إن الملك عبدالله الثاني بعد أن يصلحه الله في ليله ويهيئه لخلافة المسلمين ورفع راية الاسلام والقتال عليها سيقود المسلمين لقتال أعدائهم من المجوس وظلمة بني إسرائيل بعد أن يقوم المجوس خلال الـسنتين القادمتين باحتلال الجزيرة العربية وهدم المسجد الحرام والكعبة المشرفة بينما يقوم ظلمة بني إسرائيل بهدم المسجد الاقصى وبناء الهيكل مكانه)

ثم راح يداعب عواطفهم بقوله: (لقد نصرتم الاسلام في بدايته يا أهل اليمن وستنصرونه في السنوات القادمة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل عندما بعثه الى اليمن: (وقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين) فالمرة الأولى التي قاتلتم فيها على الحق كانت زمن الفتوحات الاسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، أما المرة الثانية ستكون خلال الـسنين القادمة، ستشاركون في القتال مع الملك عبدالله الثاني عند تحرير الجزيرة العربية من الاحتلال المجوسي، ثم في تحرير إيران من المجوس(فتح بلاد فارس) وهذا خلال السنوات الاربع المقبلة، ثم في فتح بيت المقدس وإقامة الخلافة الهاشمية كما رجحنا عام 1446هـ، ثم انتم وبقية المجاهدين من أهل الإسلام بقيادة المهدي محمد بن عبدالله بن الحسين بن طلال والمنصور اليماني(فسطاط الإيمان) ستقاتلون الروم والسفياني(فسطاط النفاق) قبل بيعة المهدي 1490هـ)

ثم بين الغرض من هذه الرسالة، فقال: (وإن دعوتنا للبيعة لعبد الله ليست مطمعا في دنيا وإنما حفظا لهذا الدين فالبلاد التي هي في أمان اليوم سينالها بلاء شديد من عدو فارسي مجوسي صفوي سيصل هؤلاء بحقدهم الى أطهر بلاد في الارض والى البيت العتيق، كذلك فان ظلمة بني اسرائيل قد عقدوا امرهم على هدم المسجد الاقصى وبناء الهيكل الثالث)

هذه مجرد نماذج عن الأفيون الديني الذي مورس في الحرب على سورية، كما مورس قبلها في تضليل الجماهير الإسلامية التي تسجد لكل لحية تراها، وكأنها المكنسة التي ستكنس ذلنا وهواننا وتخلفنا، أو كأنها المكنسة التي تطهر عقولنا من الخرافة والدجل الذي مورس علينا طيلة قرون كثيرة باسم الكتاب والسنة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *