ثانيا ـ آثار معاوية على القراءة السلفية للإسلام

ثانيا ـ آثار معاوية على القراءة السلفية للإسلام

يتصور البعض أننا عندما نتحدث عن معاوية نتحدث عن شخصية تاريخية، لا علاقة لها بالواقع، ولا بالدين.. وأن أمرها في الأخير يعود إلى الآخرة التي سنكتشف فيها جلية الأمر وحقيقته.

وهذا وهم كبير، فنحن لا يعنينا أن يكون معاوية مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا، فما أكثر المؤمنين وما أكثر الكفار وما أكثر المنافقين.. ولا يعنينا أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار.. فالله هو رب الجنة والنار.. ولا يضرنا إن دخل في إحداهما أو لم يدخل.

لكن الذي يعنينا هو آثار معاوية في الدين الذي نعتقده ونعيشه.. لأن معاوية كان في ذلك الصدر الذي أسس فيه للعقائد والفقه والسلوك.. وفيه فسر القرآن..وفيه نقل الحديث.. وفيه أسست نظم الإسلام السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

ودعوتنا للبحث في أمره وآثاره في الدين هي نفس دعوتنا للمسيحيين في البحث في شأن بولس وتأثيره في المسيحية.. وهو نفس دعوتنا لكل أهل دين تعرض للتحريف، للبحث عن جذور التحريف ومصادره والتحقيق فيها، لأنه لا يمكن معرفة الحقيقة من دون ذلك.. ولا يمكن معرفة الحقيقة ونحن نضع الحصانة الدينية لكل المشكوك فيهم وفي آثارهم.

ولذلك فإن اهتمامنا به نابع من هذه الآثار.. فهل أثر معاوية في الفهم السلفي للدين بقيمه ونظمه ومعانيه.. أم أنه كان فردا عاديا بسيطا، جل ما في الأمر أنه كان عاشقا للسلطة، ثم تولاها كما تولاها سائر الملوك والسلاطين.. ولذلك فإن خطأه منحصر في ذلك، وفي تلك الفترة التاريخية التي تولاها.

سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة عبر إبراز آثار معاوية على الفهم السلفي للدين من خلال الجواب التالية.

1 ـ آثار معاوية على صورة الشخصية الإسلامية:

الشخصية الإسلامية الحقيقية هي التي تستلهم مبادئها النظرية والعملية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره المثلى الأعلى، والقدوة الأكبر الذي قال الله تعالى فيه: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

ثم هي بعد ذلك ـ لتأكيد تلك المعاني وتقويتها ـ تستلهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين حسنت صحبتهم وتلمذتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومثلوه في جميع القيم التي جاء بها خير تمثيل، وماتوا على ذلك.

وهم الذين وردت في حقهم الآيات الكريمة تنوه بفضلهم، ومكانتهم، وقد وصفهم الإمام علي، فقال: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فما أرى أحداً يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً يراوحون بين جباهِهِم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب) ([1])

لكن السلفية، وباعتبارهم الطلقاء وغيرهم من الصحابة، شوهوا الشخصية الإسلامية تشويها عظيما، من أجل الحفاظ على سمعة من سموهم كذبا وزورا صحابة وتلاميذ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

ولهذا نراهم لا يكتفون بالقول بنجاة معاوية، ولا بكونه فردا من أفراد الصحابة، بل راحوا يضمون إلى ذلك ما هو أخطر بكثير، وهو اعتباره سيدا وقدوة وصاحب شخصية قوية يمكن للمؤمنين البسطاء أن يستبدلوا بها شخصية عمار وبلال وأبي ذر وقتادة وغيرهم من كبار الصحابة.. وكأن تلمذة معاوية القصيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقت تلمذة أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار.

وهم يروون لتأكيد هذا عن ابن عمر قوله: ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أَسْوَدَ من معاوية، قال: قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: هو – والله – أخير منه، وهو – والله – كان أسود من أبي بكر، قال: قلت: فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر – والله – كان أخير منه، وهو – والله – أسود من عمر، قال: قلت: هو كان أسود من عثمان؟ قال – والله – إن كان عثمان لسيدا، وهو كان أسود منه)([2])

ورروا عن قبيصة بن جابر الأسدي قوله: ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلاً أفقه فقهاً ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه ؛ ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحب رفيقاً، ولا أشبه سريرة بعلانية منه)([3])

ورووا عنه قوله: (ما رأيت أحداً أعظم حلماً ولا أكثر سؤدداً ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجاً ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية)([4])

ولست أدري كيف صار معاوية بهذه الأخلاق العالية، والسيادة الرفيعة التي سبق فيها ـ حسب تصورهم ـ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهو لم يتتلمذ يوما واحدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كان من ألد أعدائه هو وأسرته جميعا منذ صباه الباكر.

يقول الشيخ حسن بن فرحان معلقا على ذلك العشق والهيام الذي يقابل به السلفية شيخهم وإمامهم معاوية: (أعجب منهم أناس – يدعون أنهم يحبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم – يمدحون أشخاصاً أفنوا أعمارهم في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وصحابته على مدى ثمانين عاما، فقد ولد معاوية قبل البعثة بخمس سنين، ورضع بغض النبي منذ الصبا، فأبوه أبو سفيان، وأمه هند بنت عتبة آكلة كبد حمزة، وعمته حمالة الحطب.. لقد كان معاوية – في أول العهد المكي – من أولئك الصبية الذين كانت قريش تسلطهم على أذية رسول الله، وشارك شبابهم في بقية العهد المكي، ثم اشترك مع أبيه في حرب النبي في تلك الحروب، وكان فيها مقتل أخيه حنظلة ببدر (قتله علي)، ومقتل جديه عتبة وشيبة وخاله الوليد.. ثم أسلم نفاقاً يوم فتح مكة.. واشترك في غزوة حنين منافقاً، فقد كان ممن اعتزل مع أبيه فوق تلّ وقال معه: (بطل السحر اليوم) ! ثم قام هو وأبوه يوم حنين بسرقة جمل لعجوز مسلمة، فاشتكتهما إلى النبي، فأنكرا وحلفا، فأخبر الوحي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمكان الذي أخفيا فيه الجمل، فوبخهما وردّ الجمل على العجوز وتألفهما على الإسلام.. ثم كان معاوية في تبوك، وحاول مع أبيه اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عقبة تبوك، ولكن الله سلم ([5]).. ثم في عهد عثمان اجتهد في كنز الأموال واضطهاد الصالحين والربا.. وفي عهد علي قتل 25 بدريا ونحو 200 من أصحاب بيعة الرضوان بصفين. ثم في عهده، لعن علياً على المنابر، واضطهد الأنصار، ونبش قبر حمزة، وأمر أحد العمال بضرب قدم حمزة الذي قتل جده عتبة، فانبعث الدم من قدمه. وأراد تخريب منبر النبي مرتين، فأظلمت السماء، فترك ذلك، وذهب إلى الأبواء لينبش قبر أم النبي، ويطرحه في بئر، فأصابه الله باللقوة، فتوقف.. ثم كانت خاتمته أنه تحقق فيه قول النبي (يموت معاوية على غير ملتي)، والحديث صحيح على شرط مسلم، وقد صححت الحديث جامعة أم القرى.. وتحقق فيه الحديث الآخر (حديث الدبيله) ([6]) فأصابته الدبيلة (قرحة كبيرة) فانغرست في ظهره وخرجت من صدره، وبقي معذباً بها سنة كاملة)([7])

ثم ختم ذلك بقوله: (هذا هو عجلكم معاوية الذي ملأتم بمدحه الدنيا، ولو لم يكن فيه إلا الحديث الصحيح: (يموت معاوية على غير ملتي) لكفى بذلك ذماً. وهذا الحديث يقطع كل جدل، ورجاله ثقات أثبات سمع بعضهم من بعض، وصححه مجموعة من أهل الحديث على شرط مسلم، منهم المحدث محمد عزوز المكي وابن عقيل) ([8])

ولم يكتف السلفية بكل ذلك، بل إنهم لأجل الحفاظ على المكانة الرفيعة لمعاوية ومن معه من الفئة الباغية، راحوا يقدمون ـ شعروا أو لم يشعروا ـ معاوية على كل الصحابة، وحتى على السابقين منهم.

ومن الأمثلة على ذلك أنهم في الخلاف الخطير الذي جرى بين معاوية وأبي ذرّ الغفاري نراهم يقدمون معاوية، ويعتبرونه المحق، ويعتبرون أبا ذر جانيا بإنكاره على معاوية، ويلتمسون كل المبررات التي تحفظ ماء وجه معاوية، ولو بإراقة ماء وجه أبي ذر.

مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن صدق أبي ذر، وكونه ابتلاء لمن بعده، فقال: (ما أقَلّت الغَبْراءُ ولا أظَلّت الخضراءُ من رجل أصدق لهجة من أبي ذرّ)([9])

وسنحكي هنا باختصار قصة الخلاف، وما انجر عنها من نفي أبي ذر إلى الربذة ليموت فيها شهيدا، والقصة هي ما رواه البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب، قال: (مررت بالربَذَة فإذا أنا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن اقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت) ([10])

وقد روي أن سبب الخلاف كان أعمق من ذلك، فقد كان أبو ذر يلاحظ تلك التحريفات الخطيرة التي قام بها معاوية، وكان ينكر عليه، فبعث إليه معاوية بثلاث مائة دينار، فقال: (إن كان من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها)

وعندما بنى معاوية قصره الخضراء بدمشق، فقال: (يا معاوية ! إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الاسراف)

وكان يقول: (والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله اني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثره بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه)، وكان الناس يجتمعون عليه، فنادى منادي معاوية ألا يجالسه أحد([11]).

وفي رواية أن معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله فقال: اذهب إلى أبي ذر، فقل: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإني أخطأت. قال: يا بني، قل له: يقول لك أبو ذر: والله ما أصبح عندنا منه دينار ولكن أنظرنا ثلاثا حتى نجمع لك دنانيرك، فلما رأى معاوية أن قوله صدق فعله، كتب إلى عثمان: أما بعد، فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله، فابعث إلى أبي ذر فإنه وغل صدور الناس… الحديث([12]).

وقد حاول السلفية سلفهم وخلفهم أن يلتمسوا كل الحيل لتبرئة معاوية ومروان، وإلصاق كل التهم بأبي ذر غير مراعين حجمه في الصحابة، ولا أسبقيته للإسلام، بل قدموا عليه الطلقاء وأبناء الطلقاء.

ومن تلك الاعتذرات ما عبر عنه ابن تيمية بقوله: (وأما قوله: إنه نفى أبا ذر إلى الربذة وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حقه: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر)، وقال: (إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر)، فالجواب: أنّ أبا ذر سكن الرّبذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين الناس، فإن أبا ذر كان رجلا صالحا زاهداً، وكان من مذهبه أن الزّهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلا عن حاجته فهو كنز يكوى به في النار، واحتج على ذلك بما لا حجة فيه من الكتاب والسنة. احتج بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]، وجعل الكنز ما يفضل عن الحاجة، واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أنه قال: (يا أبا ذر ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا يمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار، إلا دينارا أرصده لدَين). وأنه قال: (الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا)، ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا، جعل أبو ذر ذلك من الكنز الذي يعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب، وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه كسائر المجتهدين من أمثاله…. فلما كان في خلافة عثمان توسع الأغنياء في الدنيا، حتى زاد كثير منهم على قدر المباح في المقدار والنوع، وتوسع أبو ذر في الإنكار حتى نهاهم عن المباحات. وهذا من أسباب الفتن بين الطائفتين، فكان اعتزال أبي ذر لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من الأغراض)([13])

وهكذا نرى ابن تيمية يعلم أبا ذر ماذا يفعل، بل نراه يهينه حين لا يكتفي بتقديم معاوية عليه، بل يقدم عليه كعب الأحبار نفسه، وكأن كعبا ومعاوية أعلم بالدين من أبي ذر الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صدقه.. بل أمر بحبه.

وهكذا ندرك أن سلف السلفية الأوائل ليسوا الصحابة السابقين، وإنما هؤلاء الطلقاء الذين استبدوا بالأمر من دون السابقين، ثم وجدوا من الفقهاء ومن متأخري الصحابة من ساندهم وأيدهم، فأصبحوا الممثلين الشرعيين للدين.

ونفس الأمر يقال في موقفهم من عمار بن ياسر، فهم يقدمون عليه معاوية، ويضربون بالأحاديث الواردة في فضله وكونه مقتولا من طرف الفئة الباغية عرض الحائط.

فهم يؤولون كل ما ورد من نصوص في ذلك تأويلا عجيبا، كهذا التأويل الذي نراه من بعض السلفيين الأكاديميين المعاصرين، فقد قال: (روى البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) وكان عمار مع أهل العراق، وقد قتله أهل الشام في صفّين، فالحديث دلّ على أن الفئة الباغية هي التي تقتل عمارا، ومن المحتمل أن الحديث لا يشمل كل أهل الشام، وإنما أريد به تلك العصابة- الفئة- التي حملت على عمار حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، وروي أن معاوية تأوّل الطائفة التي قتلت عمارا بأنها هي الطائفة التي جاءت به، فردّ عليه علي بقوله: (فالمسلمون إذن هم الذين قتلوا حمزة وليس المشركون)، وعند ابن تيمية أن ما ذهب إليه معاوية ضعيف، وأن ما قاله علي هو الصواب.. لكن لا يغيب عن البال أن في الطائفتين بغاة، فالذين قتلوا عمارا بغاة وهم من أهل الشام، والذين قتلوا الخليفة عثمان أعظم بغيا وجرما من هؤلاء، وهم مع جيش العراق، مما يجعل ما ذهب إليه معاوية بن أبي سفيان له وجه من الصحة، فقتلة عثمان هم السبب في مجيء عمار وغيره. وفي هذا الأمر يرى الباحث محب الدين الخطيب أن قتلة عثمان هم الفئة الباغية، فكل مقتول يوم الجمل وصفين فإثمه عليهم لأنهم هم الذين أججوا نار الفتنة بين المسلمين، ابتداء بعثمان وانتهاء بعلي ومرورا بطلحة والزبير وعمار)([14])

وقبله قال ابن تيمية: (ثم (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه ؛ بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها، ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار: كعبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو)([15])

بل إننا عندما نتأمل كلماتهم ومواقفهم نجدهم يقدمون معاوية على الإمام علي نفسه، غير مراعين صحبه، ولا أسبقيته للإسلام، ولا كل ما ورد في شأنه.

ولهذا يصورون معاوية أنه كان ولي دم عثمان، وأنه كان يطالب بالقصاص من قتلته الذين التحقوا بجيش علي.. وأن الإمام علي كان يمكنه أن يتفادى المشكلة، لو أنه دفع لهم القتلة..

يقول ابن تيمية: (لما رأى علي وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة، وهم –أي معاوية وأصحابه – قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين، قالوا: لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا، ظلمونا واعتدوا علينا. وعلي لا يمكنه دفعهم، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ؛ وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا، ويبذل لنا الإنصاف)([16])

وقال: (لكن قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر علي فيه ظلمة – يعني قتلة عثمان – يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان، وأنهم يقاتلونهم دفعا لصيالهم عليهم) ([17])

هذه بعض النماج والأمثلة عن مواقف السلفية التبريرية لكل جرائم معاوية في حق نفسه وحق المسلمين وحق الإسلام.. والمشكلة الأكبر في تلك التبريرات أنها صورت الشخصية الإسلامية بصورة متناقضة تماما مع الصورة التي أراد الإسلام تكوينها.

فالصورة المثالية للمسلم هي صورة أولئك الصحابة السابقين الذين مثلهم الإمام علي أحسن تمثيل، والتي تهتهم بالمبادئ قبل المصالح، وبالقيم قبل المنافع.. لكن الصورة الجديدة التي تكونت لدى السلفية بسبب ولائهم لمعاوية هي صورة المسلم البراغماتي المصلحي الذي لا يهمه سوى الصعود، ولا يهم أي سلم يصعد عليه.

أو كما عبر عن ذلك الجاحظ بقوله: (كان عليٌّ لايستعمل في حربه إلا ماعدّله ووافق فيه الكتاب والسنة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة، ويستعمل جميع المكايد، وجميع الخدع، حلالها وحرامها، ويسير في الحرب سيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى زنبيل، وفنغور إذا لاقى المهراج، وعليّ يقول: لاتبدؤوهم بقتل حتى يبدؤوكم، ولاتتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا باباً مغلقاً) ([18])

وعبر بعده سيد قطب عن ذلك، فقال: (إن معاوية وزميله عمراً لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب. ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع. وحين يركن معاوية وزميله عمرو إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لا يملك على أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل.فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح. على أن غلبة معاوية على علي، كانت لأسباب أكبر من الرجلين: كانت غلبة جيل على جيل، وعصر على عصر، واتجاه على اتجاه. كان مد الروح الإسلامي العالي قد أخذ ينحسر. وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدر الذي رفعهم منه الإسلام، بينما بقي علي في القمة لا يتبع هذا الانحسار، ولا يرضى بأن يجرفه التيار. من هنا كانت هزيمته، وهي هزيمة أشرف من كل انتصار) ([19])

ونحب أن نورد هنا مثالا يحرص السلفية على ذكره عند تعديدهم لمناقب معاوية، وخاصة أن الذي رواه هو البخاري صاحب الصحيح، وهو ما رواه عن ابن أبي مليكة، قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: (أصاب إنه فقيه) ([20])

وللأسف فإن السلفية يقبلون هذه الرواية عن ابن عباس، ويعرضون عن عشرات غيرها يذم فيها ابن عباس معاوية.. مع أن هذه الرواية نفسها لا تعبر إلا عن صورة ذلك المتكاسل المحتال الذي لا يصلي من الليل إلا ركعة واحدة في نفس الوقت الذي أعرضوا فيه عن أولئك السابقين الذين كانوا من أول الإسلام يقومون الليل نصفه وثلثه، بل حتى ثلثيه، بل حتى الليل جميعا.

بل إن الإمام الطحاوي ـ وهو من الموثوقين لدى السلفية ـ أورد رواية أخرى تدل على أن مقولة ابن عباس لم تكن سوى تهكما وسخرية، فقد روى بسنده عن عكرمة أنه قال: كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل، فقام معاوية فركع ركعة واحدة، فقال ابن عباس: (من أين ترى أخذها الحمار) ([21])

وقد علق الطحاوي على الرواية التي أوردها البخاري بقوله: (وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس (أصاب معاوية) على التقية له)

2 ـ آثار معاوية على النظام السياسي والاقتصادي الإسلامي:

كما أن الإسلام جاء ليبني الشخصية السوية المؤمنة الممتلئة بالورع والتقوى، والتي شوهها السلفية بتلك النماذج الجديدة التي استبدلوا بها التربية النبوية، بالتربية الممتلئة بالأهواء، تحت حجة الصحابة واحترام الصحابة، فإنهم كذلك راحوا إلى أهم الجوانب في الإسلام، وهو جانب العدالة في السياسة والاقتصاد، ليستبدلوه ـ عبر تقبلهم لنموذج معاوية ودفاعهم عنه ـ إلى الجور والظلم والاستبداد باسم الإسلام.

ولذلك نراهم يضربون بكل النصوص التي وردت في تغير نظام الحكم الإسلامي، وتحوله إلى ملك عضوض، وانفصال القرآن عن السلطان عرض الحائط، حيث يعتبرون معاوية خليفة وحاكما عادلا رغم أنف الواقع، ورغم أنف كل تلك النصوص التي يصححونها.

فابن تيمية ـ مثلا ـ يقول في سيرة معاوية: (وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة وكان رعيته يحبونه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم)([22])

ويقول: (واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة) ([23])

ويقول: (فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمان معاوية) ([24])

وهكذا نرى ابن كثير يقول في ترجمته له: (وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين.. فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو) ([25])

بل إن ابن أبي العز الحنفي، وفي كتاب العقيدة الذي يتبناه السلفيون، وعلى أساسه يبدعون الأمة ويضللونها يقول: (وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين)([26])

وهكذا يقول الذهبي في ترجمته له: (أمير المؤمنين ملك الإسلام) ([27])، ويقول: (ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم) ([28])

وينقل ابن العربي عن بعضهم قوله: (إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة) ([29])

ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا يروون أو ينسبون إلى سلفهم الأول كل أنواع التمجيد لنظام الحكم الذي أسسه معاوية، فقد قد رووا عن الزهري قوله: (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئاً)([30])

ورووا عن همام بن منبه قوله: سمعت ابن عباس يقول: (ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من معاوية)([31])

ورووا عن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله([32]).

وهكذا نرى المتأثرين بالسلفية من الإخوان المسلمين وغيرهم يجتهدون في التستر على جرائم معاوية، بل تبريرها وشرعنتها، كما فعل منير الغضبان الذي كان رقيبا للإخوان المسلمين في سوريا، فقد كتب كتابا حول معاوية يثني عليه سماه (معاوية بن أبي سفيان صحابي كبير وملك مجاهد)، قال في مقدمته: (ما أعتقد أن شخصية في تاريخنا الإسلامي ومن الرعيل الأول من الصحابة الذين تربوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاشوا وحي السماء قد نالها من التشويه والدس والافتراء ما نال معاوية بن أبي سفيان.. لقد أصبح كثير من المعلومات ثابتة في أذهان الناس لا تقبل الشك ولا تقبل الجدل، لا تتناسب أبداً والمستوى اللائق بصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصورة معاوية في أذهان الناس أنه طالب سلطة وسياسي بارع ونهاز للفرص لا يرعوي عن شيء في سبيل الوصول إلى الحكم. صارع من أجل السلطة وسعى إلى قتل عشرات الألوف من الناس لكي يصل إلى الخلافة، وهذا الصورة تتنافى مع حس المسلم وفطرته، لكنه لا يجد لها بديلاً، فكتب التاريخ تذكر ذلك، وعندما جاء المؤرخون المحدثون وكتبوا عن معاوية، زادوا الطين بلة، وكرسوا هذه المفاهيم في أذهان الناس وزادوهم قناعة بها، فكان لا بد من الكتابة عن معاوية بن أبي سفيان)([33])

هذا هدفه من الكتاب، وقد حاول أن يبرر فيه كل جرائم معاوية، وكل جرائم يزيد من بعده، وهو ما يعطي جرعات كافية للإرهابيين ليستنوا بسنة أخطر إرهابيين في التاريخ معاوية ويزيد.

ولذلك نراهم يرمون بالبدعة والضلالة بل بالكفر كل من تكلم في جرائم معاوية التي سنها في نظام الحكم والاقتصاد، والتي شرعها وبررها الفقه السلفي الذي يؤيد كل طاغية، ويقف وراء كل مستبد.

وقد أشار الشيخ حسن بن فرحان المالكي إلى بعض تلك السنن التي سنها معاوية ومن تبعه من الفئة الباغية في الأمة، فذكر منها: (التغيير في أعلى الهرم (السلطة).. انتهاك واسع للحقوق.. الإقطاعية.. العصبية القبيلة.. الملك العضوض.. الوراثة.. إبطال الشورى.. استخدام الاسلام لخدمة السلطة.. عقيدة الجبر.. الطاعة الطلقة.. الغلو في الخلفاء.. سب الأنبياء والصالحين.. التكفير.. تفريق المسلمين طوائف وفرق.. تشريع المظالم.. استهداف المقدسات.. فرض العقائد والأحكام.. الرشوة والفساد.. اصطناع الرجال بالمكر والمال والمنزلة… الاستئثار والاستتغلال والاستحواذ على أخصب الأراضي وأنفع الأموال.. فرض الضرائب على كل شيء حتى أصبحت بلاد المسلمين مزرعة كبيرة.. إذلال الناس، مثل ختم الأعناق والأيدي حصل مع كبار من الصحابة وعامة الفلاحين.. كراهية الشعوب وظلمهم أسلموا أو لم يسلموا.. احتقار المهن.. تحويل بيت مال المسلمين إلى خزينة للسلطان.. شن الحروب من أجل الغنيمة والتوسع.. التعذيب وأصنافه المختلفة مثل تعليق النساء من أثدائهن، وتسليط الحيوانات المفترسة على المعذبين، وتقطيع الجسد قطعة قطعة، والدفن حياً، وسمل الأعين (ونسبوا ذلك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى يشرعنوه)، وبتر الأطراف، والإلقاء من المباني العالية، وقطع الألسنة، وسبي المسلمات، وذبح الأطفال أمام والديهم عمداً، وإجبار البربر على بيع نسائهم وأبنائهم في حال التقصير في ضريبة غير واجبة، وحمل رؤوس الصحابة)([34])

وقد علق الشيخ حسن على هذه الجرائم وغيرها، بقوله: (كيف يتخذ الغلاة هؤلاء الظلمة أئمة هدى، وينافحون عنهم ويحتجون بمظالمهم في كتب العقائد، ويتعبدون الله بمظالمهم وكذبهم وفجورهم.. كيف يتخذ الغلاة هؤلاء قدوة لهم، ويتبعون سنتهم ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن هؤلاء الظلمة لم يكونوا يؤمنوا بأن الله سيحاسب الخليفة.. لقد أشاع بنو أمية ووعاظهم أن الخليفة ليس عليه حساب ولا عقاب إذا حكم ثلاثة أيام وبعضهم قال أربعين يوماً! وفضلوا الخلفاء على الأنبياء، فكيف يتخذهم الغلاة قدوة لهم من دون كتاب الله ومن دون سنة رسول الله؟ كيف يرضون بهذا وهم يعرفون منهم ذلك) ([35])

وما ذكره الشيخ حسن صحيح، فإلى الآن لا زال السلفية يعتبرون كل ما قام به بنو أمية وعلى رأسهم معاوية من جرائم اجتهادا يؤجرون عليه.. فالحاكم عندهم لا يسأل ولا يحاسب، بل هو فوق ذلك كله.

وقد أشار سيد قطب إلى هذا عند تأريخه للانحرافات التي انحرفت بالنظام السياسي والاقتصادي الإسلامي إلى الجور بدل العدالة، فقال: (مضى عثمان إلى رحمة ربه، وقد خلف الدولة الأموية قائمة بالفعل بفضل ما مكن لها في الأرض، وبخاصة في الشام، وبفضل ما مكن للمبادئ الأموية المجافية لروح الإسلام، من إقامة الملك الوراثي والاستئثار بالمغانم والأموال والمنافع، مما أحدث خلخلة في الروح الإسلامي العام. وليس بالقليل ما يشيع في نفس الرعية ـ إن حقاً وإن باطلا ـ أن الخليفة يؤثر أهله، ويمنحهم مئات الألوف ؛ويعزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليولي أعداء رسول الله ؛ ويبعد مثل أبي ذر لأنه أنكر كنـز الأموال، وأنكر الترف الذي يخب فيه الأثرياء، ودعا إلى مثل ما كان يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الإنفاق والبر والتعفف.. فإن النتيجة الطبيعية لشيوع مثل هذه الأفكار، إن حقاً وإن باطلا، أن تثور النفوس، وأن تنحل نفوس.تثور الذين أشربت نفوسهم روح الدين إنكاراً وتأثما، وتنحل نفوس الذين لبسوا الإسلام رداء، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، والذين تجرفهم مطامع الدنيا، ويرون الانحدار مع التيار. وهذا كله قد كان في أواخر عهد عثمان)([36])

وقال: (ومضى علي إلى رحمة ربه وجاء بنو أمية. فلئن كان إيمان عثمان وورعه ورقته، كانت تقف حاجزاً أمام بني أمية.. لقد انهار هذا الحاجز.. وانفتح الطريق للانحراف. لقد اتسعت رقعة الإسلام فيما بعد، ولكن روحه انحسرت بلا جدال. ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين، وفيض عارم في طاقته الروحية، لكانت أيام أمية كفيلة بتغيير مجراه الأصيل.ولكن روحه ظلت تقاوم وتغالب وما تزال فيها الطاقة الكامنة للغلب والانتصار.غير أنه منذ أمية انساحت حدود بيت مال المسلمين، فصار نهباً مباحاً للملوك والحاشية والمتملقين، وتخلخلت قواعد العدل الإسلامي الصارم، فأصبح للطبقة الحاكمة امتيازات ولأذيالها منافع ولحاشيتها رسوم، وانقلبت الخلافة ملكاً وملكاً عضوضاً، كما قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وثبة من وثبات الاستشفاف الروحي العميق. وعدنا نسمع عن الهبات للمتملقين والملهين والمطربين، فيهب أحد ملوك أمية اثني عشر ألف دينار لمعبد، ويهب هارون الرشيد ـ من ملوك العباسيين ـ إسماعيل بن جامع المغني في صوت واحد أربعة آلاف دينار، ومنزلاً نفيس الأثاث والرياش.. وتنطلق الموجة في طريقها لا تقف إلا فترة بين الحين والحين)([37])

ولذلك يمكن اعتبار معاوية أول مؤسس للعلمانية الدكتاتورية المستبدة في الإسلام، كما أشار إلى ذلك في خطبته في أهل الكوفة بعد الصلح، فقال: (يا أهل الكوفة ! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون، وتزكون وتحجون؟ ولكني قاتلتكم لأتأمرعليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك، وأنتم كارهون. ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته، فتحت قدمي هاتين)([38])

فهذه الخطبة إعلان صريح منه بـ (أن العبادات قد فصلت عن القيادة والسياسة، فالأولى لكم فيها اتباع الشرع وما قال الله وقال الرسول، والثانية لي وأنا حر فيها.. وأنه قاتل الناس ليتأمر عليهم، ويأخذ القيادة بحد السيف.. وأن الناس كارهون له في ذلك، إذ لم يكن ما فعله يحظى بذرة رضا.. وأنه تخلص من كل العهود والمواثيق والشروط التي قطعها على نفسه مع الإمام الحسن ومع الأشخاص والقبائل، وأن الدماء التي أريقت في سبيل وصوله إلى السلطة، والمعارك التي قتل فيها عشرات الألوف من المسلمين لا حساب عليها ولا قود ولا عقاب، وعلى الأمة إذن أن تنسى ما كان، وتبدأ صفحة جديدة من تاريخها، الذي ستبدأ أحداثه وفق تصور جديد، وسياسة مغايرة)([39])

وبذلك يكون معاوية قد أسس لما يمكن تسميته الثورة المضادة، حيث (أسس جهازا لتشويه أهل الحق، وآخر لتصفية المعارضين جسديا، واخترع الأحاديث، ولفق التفاسير، وأنشأ الفرق الفكرية المعارضة، ونشر بين المسلمين السكوت على الظلم والظالمين بل وتأييدهم، وأن الأسلم لهم عند احتدام المعركة بين الحق والباطل الفرار إلى رؤوس الجبال خشية الفتنة، وأرهب الآمنين من الناس، وصادر أموال المعارضين ظلما وعدوانا، وأغدق أموال الدولة على حزبه ومؤيديه، وعطل الحدود وأوقف الشرع، وابتدع في الدين على النحو المفصل في تاريخنا)([40])

كما أنه يمكن اعتباره أول من أسس للماكفيلية الإسلامية التي تجعل الغاية هدفا، وكل ما يؤدي إليها من خير وشر وسيلة، وإلى هذا أشار عباس محمود العقاد في وصفه للنظام السياسي الذي ابتدعه معاوية، حيث قال في كتابه [عبقرية الإمام]: (فلم تكن المسألة خلافا بين علي ومعاوية على شيء واحد ينحسم فيه النزاع بانتصار هذا او ذاك، ولكنها كانت خلافا بين نظامين متقابلين وعالمين متنافسين: أحدهما يتمرد ولا يستقر، والآخر يقبل الحكومة كما استجدت ويميل فيها الى البقاء والاستقرار.. أو هي كانت صراعا بين الخلافة الدينية كما تمثلت في علي بن أبي طالب، والدولة الدنيوية كما تمثلت في معاوية بن أبي سفيان)([41])

وأشار إليه الشيخ محمد رشيد رضا ـ وهو من المحدثين الذين يعتبرهم كثير من السلفية ـ فقد قال في مواضع مختلفة من كتبه: (قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة: إنه ينبغي لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين) قيل له: لماذا؟ قال: لأنه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعم الإسلام العالم كله، ولكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوربة عربا ومسلمين)([42])

بل أشار إلى ذلك بصراحة ووضوح الأديب الكبير عمرو بن بحر الجاحظ، وقد كان قريب العهد من معاوية ومن الفترة التي تولى فيها الأمويون، ورأى بعينه تدهور النظام السياسي الإسلامي، فقال: (فعندما استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة، وماكان عام جماعة بل كان عام فرقةٍ وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسرويا، والخلافة منصباً قيصرياً، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفساق، ثم مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا حتى ردّ قضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رداً مكشوفاً، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش ومايجب للعاهر من إجماع الأمة على أنّ سمية لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وأنه إنما كان بها عاهراً، فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار)([43])

3 ـ آثار معاوية على القيم الإسلامية:

لم يكتف معاوية ولا أنصاره من السلفية بتشويه الشخصية الإسلامية، ولا بنظام الحكم الإسلامي المبني على العدالة، وإنما راحوا فوق ذلك كله يشوهون كل تلك المعاني والقيم والنبيلة التي جاء بها الإسلام، والتي تضمنتها مصادره المقدسة.

ومن الآليات التي نفذ بها ذلك التشويه توفير كل الفرص لليهود الذين راحوا يفسرون القرآن الكريم، ويشوهون معانيه عبر تشويه تلك النماذج الطاهرة من الأنبياء الكرام الذين طلب من المؤمنين أن يتخذوهم قدوة وأسوة.

ولذلك كانت المساجد مفتوحة لليهود وتلاميذهم في عصر معاوية وفيما بعده من العصور، ليكتسب كعب الأحبار ووهب بن المنبه وغيرهما الكثير من الطلبة والتلاميذ الذين يأخذون عنهم، فتختلط رواياتهم جميعا بالقرآن الكريم، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تصبح تلك العجينة المركبة من الأهواء والمقدسات عجينة تتلقفها كل الأجيال باعتبارها دين الله.

أما أولئك الصادقون المخلصون من المؤمنين، فقد زج بهم فيما يسمونه كذبا وزورا فتوحات إسلامية، وهل يمكن لرجل يشوه الإسلام ويشوه كل قيمه أن يقوم بمثل هذه الفتوحات، التي لم تكن سوى نزعة توسعية لا تختلف عن النزعات التوسعية التي امتلأت بها قلوب الأباطرة والظلمة عبر التاريخ.

ولذلك فإن تلك المقولة التي يرددها السلفيون ومن يتبعهم من الحركات الإسلامية من أن معاوية كان من الفاتحين، وأن ذلك وحده كاف في فضله، لا معنى لها، لأن هذا الدين بمصادره المقدسة جاء ليحيي المعاني الإنسانية النبيلة الطاهرة، ولم يأت ليقتبل أو ليذبح أو ليقوم بتوسع على أي أساس عسكري.

ومن أخطر الكذبات في هذا تلك الرواية التي أشاعوها، وعلى أساسها حكموا لمعاوية وابنه يزيد بالغفران والرضوان والجنان..

وهذه الرواية ـ التي اشترك الكثير من أتباع معاوية في روايتها([44]) ـ هي (أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)([45])، ثم يعقبون على ذلك بأن يزيد بن معاوية هو أول من غزاها..

ومن العجب أن يعملوا هذه النبوءة، ويتغافلون عن عشرات النبوءات التي تخبر عن المظالم التي يرتكبها البيت الأموي في حق الأمة.

ويتعامون عن كون يزيد هو صاحب وقعة الحرة التي يصدق فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يَكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في المَاءِ) ([46])، وقوله: (من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، من أخافها فقد أخاف ما بين هذين [وأشار إلى ما بين جنبيه])

ومن تلك التشويهات الخطيرة التي جرهم إليها حبهم الموهوم للصحابة ولمعاوية والفئة الباغية معه تعظيمهم لبسر بن أرطاة باعتباره صحابيا، متغافلين عن دوره في قتل الصحابة وأبناء الصحابة وهدم دورهم وسبى الصحابيات، كما تنص على ذلك مصادرهم التي يعتمدونها.

ولكنه بسبب كونه من الفئة الباغية ومن أصحاب معاوية المقربين أعطيت له الحصانة الخاصة التي تحميه من النقد والتجريح.

فقد روى أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي أنه قتل قثم وعبد الرحمن ابني عبيد الله بن العباس وهما ولدان صغيران أمام أمهما([47])

يقول ابن العماد الحنبلي في ترجمته: (بسر بن أرطاة العامري أمير معاوية في أهل البيت من القتل والتشريد، حتى خد لهم الأخاديد، وكانت له أخبار شنيعة في علي وقتل ولدي عبيد الله بن عباس وهما صغيران على يدي أمهما، ففقدت عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه علي أن يطيل الله عمره، ويذهب عقله، فكان كذلك)([48])

ويقول الزركلي: (بسر بن أرطاة (أو ابن أبي أرطاة) العامري القرشي، أبو عبد الرحمن: قائد فتاك من الجبارين. ولد بمكة قبل الهجرة وأسلم صغيرا، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثين (في مسند أحمد) ثم كان من رجال معاوية بن أبي سفيان. وشهد فتح مصر. ووجهه معاوية سنة 39هـ في ثلاثة آلاف إلى المدينة، فأخضعها، وإلى مكة فاحتلها، وإلى اليمن فدخلها. وكان معاوية قد أمره بأن يوقع بمن يراه من أصحاب علي، فقتل منهم جمعا. وعاد إلى الشام، فولاه معاوية على البصرة سنة 41هـ بعد مقتل علي وصلح الحسن، فمكث يسيرا وعاد إلى الشام، فولاه البحر) ([49])

فهذا نموذج عن صاحب من أصحاب معاوية الذين يلزمنا السلفية أن نعظمهم، وأن نعطيهم من القداسة والحرمة ما نعطيه للإمام علي أو لعمار بن ياسر.. بل يلزموننا في حال التخيير بينهما أن نختاره لأنه لا شك في كونه على سنة معاوية وأحبابه من الفئة الباغية.

4 ـ آثار معاوية على الوحدة الإسلامية:

وهذه من السنن التي سنها معاوية، والتي لا تزال آثارها إلى اليوم، وهي سنة فرعونية، تؤكد كون معاوية فرعون هذه الأمة، كما وردت الأحاديث الشريفة بذلك كما سنرى.

فلا يزال السلفية إلى اليوم يعتبرون معاوية ـ لا عليا ـ قسيما للجنة والنار، فبه يمتحن السني عندهم، ولهذا نراهم يؤلفون الكتب الكثيرة في فضل معاوية، وهو الطليق بن الطليق الذي قضى حياته كلها في حرب رسول الله k هو وأبوه وأمه وأهله جميعا، لكنهم لم يؤلفوا ولا نصف كتاب في عمار بن ياسر، ذلك الرجل العظيم الذي اعتبره رسول الله k محكا ومعيارا لتمييز الفئة الباغية الظالمة من الفئة المحافظة على دين الله الأصيل، بل إنهم يعتبرون عمارا ضحية لابن السوداء، وللمخططات اليهودية التي انحرفت بالإسلام.

ولهذا نراهم في كتب العقائد التي وضعها سلفهم يجعلون العقيدة في معاوية إلى جانب العقيدة في الله ورسله وملائكته، كما قال الآجري في (الشريعة): (معاوية رحمه الله كاتب رسول الله k على وحي الله عز وجل وهو القرآن بأمر الله عز وجل وصاحب رسول الله k ومن دعا له النبي k أن يقيه العذاب ودعا له أن يعلمه الله الكتاب ويمكن له في البلاد وأن يجعله هادياً مهدياً.. وهو ممن قال الله عز وجل { يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } (التحريم: 8) فقد ضمن الله الكريم له أن لا يخزيه لأنه ممن آمن برسول الله k)([50])

وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى): (تترحم على أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان أخي أم حبيبة زوج النبي k خال المؤمنين أجمعين وكاتب الوحي وتذكر فضائله)([51])

ولهذا ـ أيضا ـ نراهم يجيزون نقد عمار والطعن فيه وتأويل ما ورد في فضله من نصوص، بينما يعتبرون الكلام في معاوية طامة كبرى، وزندقة عظمى، وبدعة ليس لصاحبها قرار سوى في النار.. لأن سلفهم هو الذي قرر ذلك، ولا راد لقراره.

فقد رووا عن سلفهم عبد الله بن المبارك قوله: (معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شَزْراً؛ اتهمناه على القوم، أعني على أصحاب محمد k)([52])

ورووا عن الربيع بن نافع قوله: (معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله k فإذا كشف الرجل الستر اجترئ على ما وراءه)([53])

ورووا كذبا وزورا عن النسائي أنه سُئِلَ عن معاوية، فقال: (إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية؛ فإنما أراد الصحابة)([54])

أما ما ورد من النصوص في الدعاء عليه، فإنهم يفرضون على المسلم تأويله حتى يصير من الفرقة الناجية، قال الألباني: (.. فسره بعض المحبين قال: لا أشبع الله بطنه، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لأن الخبر عنه أنه قال: (أطول الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة)([55]).. وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً في معاوية، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك.. ولذلك قال الحافظ ابن عساكر (إنه أصح ما ورد في فضل معاوية) فالظاهر أن هذا الدعاء منه k غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله k في بعض نسائه (عقرى حلقى) و(تربت يمينك)، ويمكن أن يكون ذلك منه k بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة متواترة، منها حديث عائشة قالت: (دخل على رسول الله k رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان؟ قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: (أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً)([56])

بل إنهم ولمبالغتهم في شأن معاوية حرموا الكثير من علماء المسلمين من الانتماء للفرقة الناجية بسبب نقدهم لمعاوية ولاستبداده وطغيانه.

ومن أمثلة ذلك تلك الانتقادات الشديدة لسيد قطب بسبب نقد علمي بسيط ذكره في كتابه (كتب وشخصيات) عن معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، قال فيه: (إن معاوية وزميله عمراً لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع. وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لايملك علي أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل، فلا عجب ينجحان ويفشل. وإنه لفشل أشرف من كل نجاح)([57])

وهو كلام طبيعي يبين فيه سيد قطب فضل السابق على الطليق، وأن أخلاق تلاميذ رسول الله k لا يمكن أن يعادلها أحد غيرهم.. لكن السلفية لم يعجبهم هذا، لأن النصب الذي ورثوه من أسلافهم جعلهم يفضلون من حيث لا يشعرون معاوية على علي، لأن معاوية هو الذي آوى سلفهم أبا هريرة وكعب الأحبار وغيرهما، بينما كان علي بن أبي طالب هو عدو سلفهم من اليهود وتلاميذ اليهود.

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز تعليقا على النص الذي أوردناه لسيد قطب: (هذا كلام قبيح سب لمعاوية وسب لعمرو بن العاص؛ كل هذا كلام قبيح، وكلام منكر.. معاوية وعمرو ومن معهما مجتهدون أخطأوا. والمجتهدون إذاأخطأوافالله يعفوا عنا وعنهم).

وعندما سئل: ألا ينهى عن هذه الكتب التي فيها هذاالكلام؟ أجاب: (ينبغي أن تمزق)([58]) مع أنه هو نفسه يثني ويحقق الكتب الممتلئة بسب الأنبياء، بل بسب سيد الأنبياء k.

ولو طبقنا هذه المعايير التي تعامل بها السلفية مع سيد قطب وغيره مع الصحابة أنفسهم، أو مع السلف الأول الذين يدعي السلفية انتسابهم لهم، لرأينا حقيقة السلف الذين يقصدهم السلفية.

ونحب أن نورد هنا بعض النماذج عن علماء ومحدثين وفقهاء كبار من المدرسة السنية، اتفقوا جميعا على ذم معاوية، وبيان عظم الفتنة التي أوقعها في الأمة، وذلك ردا على من يتصور أن ذمه خاص بالشيعة..

فمن المحدثين المتقدمين الذين ذموا معاوية وما فعله بالأمة، وهو ممن يعتبرهم السلفية سلفهم الأول، ومن أركان الرواية والدراية: الحافظ جرير بن عبد الحميد، وهو ـ كما يذكرون ـ ثقة عادل من رجال الستة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وابن ماجه)، وقد قال فيه ابن حجر العسقلاني: (وقال الخليلي في الارشاد: ثقة متفق عليه. وقال قتيبة: حدثنا جرير الحافظ المقدّم، لكني سمعته يشتم معاوية علانية) ([59])

ومنهم الحافظ الفضل بن دكين، وهو الثقة العدل الحافظ من رجال الستة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وابن ماجه)، فقد روى الحافظ الذهبي عن الحسين الغازي قال: سألت البخاري عن أبي غسان قال: وعماذا تسأل؟ قلت: التشيع، فقال: هو على مذهب أهل بلده، ولو رأيتم عبيد الله بن موسى، وابا نعيم، وجماعة مشايخنا الكوفيين، لما سألتمونا عن أبي غسان. قال الذهبي: وقد كان ابونعيم وعبيد الله، معظّمين لابي بكر وعمر، وانما كانا ينالان من معاوية وذويه، رضي الله عن جميع الصحابة) ([60])

ومنهم الحافظ الكبير سليمان بن مهران الأعمش الذي قال فيه الذهبي: (الأعمش سليمان بن مهران، الامام، شيخ الاسلام، شيخ المقرئين والمحدثين ابو محمد الاسدي الكاهلي مولاهم الكوفي الحافظ…) ([61])

وقد روى البلاذري في [أنساب الأشراف] بسند صحيح قال: (وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن عبيد الله بن موسى قال ذكر معاوية عند الاعمش فقالوا: كان حليما، فقال الاعمش: كيف يكون حليما وقد قاتل عليا وطلب – زعم – بدم عثمان من لم يقتله، وما هو ودم عثمان، وغيره كان اولى بعثمان منه.. وحدثت عن شريك عن الاعمش انه قال: كيف يُعَدُّ معاوية حليما وقد قاتل علي بن أبي طالب.) ([62])

ومنهم الإمام مسروق بن الأجدع، الذي قال فيه الذهبي: (مسروق ابن الاجدع، الامام، القدوة، العلم، ابو عائشة الوادعي الهمداني الكوفي… وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([63])

وقد روى البلاذري في [أنساب الأشراف]، قال: (وحدثنا يوسف واسحاق قالا: جرير عن الاعمش عن أبي وائل قال: كنت مع مسروق بالسلسلة فمرت به سفائن فيه أصنام صفر تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: بعث بها معاوية الى ارض السند والهند تباع له فقال مسروق: لو اعلمأانهم يقتلونني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية، أرجل يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا، أم رجل زين له سوء عمله) ([64])

ومنهم الحافظ شريك بن عبد الله، الذي قال فيه الذهبي: (شريك بن عبد الله العلامة الحافظ القاضي ابو عبد الله النخعي احد الاعلام..) ([65])

وقد قال عنه في [ميزان الاعتدال]: (وروي أنّ قوما ذكروا معاوية عند شريك فقيل: كان حليما. فقال شريك: ليس بحليم مَنْ سَفَّهَ الحق وقاتل عليا.. قلت: قد كان شريك من أوعية العلم) ([66])

ومنهم الحسن البصري، فقد روى الطبري وابن الأثير وابن الجوزي وأبي الفداء وابن كثير وغيرهم عنه قوله: (أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلا واحدة لكانت موبقة، انتزاؤهُ على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤهُ زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وقتله حجراً، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر، مرتين) ([67])

وروى البلاذري عن الحسن قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)، فتركوا أمره فلم يفلحوا ولم ينجحوا([68]).

ومنهم عبيد الله بن موسى وهو من مشايخ البخاري، فقد روى الخلال في [السنة]، قال: سمعت محمد بن عبيدالله بن يزيد المنادي يقول: كنا بمكة في سنة تسع، وكان معنا عبيدالله بن موسى، فحدث في الطريق، فمر حديث لمعاوية، فلعن معاوية، ولعن من لا يلعنه، قال ابن المنادي: فأخبرت أحمد بن حنبل فقال: متعدي يا أبا جعفر فأخبرني محمد بن أبي هارون أن حبيش بن سندي حدثهم أن أبا عبدالله ذكر له حديث عبيدالله بن موسى فقال: ما أحسب هو بأهل أن يحدث عنه وضع الطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولقد حدثني منذ أيام رجل من أصحابنا أرجو أن يكون صدوقا أنه كان معه في طريق مكة فحدث بحديث لعن فيه معاوية، فقال: (نعم لعنه الله، ولعن من لا يلعنه)، فهذا أهل يحدث عنه علي الإنكار من أبي عبدالله أي إنه ليس بأهل يحدث عنه إسناده حسن)([69])

ومنهم علي بن الجعد، وهو صاحب [مسند علي بن الجعد]، وهو من رجال البخاري وابو داود، فقد قال الآجري عنه: قلت لابي داود: أيما أعلى عندك؟ علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ فقال: عمرو أعلى عندنا. علي بن الجعد وسم بميسم سوء قال: ما ضرني أن يعذب الله معاوية. وقال: ابن عمر ذاك الصبي. وقال ابو جعفر العقيلي: قلت لعبد الله بن احمد بن حنبل: لم لم تكتب عن علي بن الجعد؟ فقال: (نهاي أبي أن أذهب إليه، وكان يبلغه عنه أنه يتناول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([70])

ومنهم الامام الشافعي، فقد قال أبو الفداء في تاريخه عنه: (ورويَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أّنه أسرّ إالى الربيع أنه لايقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد) ([71])

ومنهم الإمام النسائي، المحدث الكبير صاحب السنن، فقد ذكر المؤرخون أنه بعد أن ترك مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الامام علي بن أبي طالب، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله رجاء أن يهتدي به من يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به والقاه على مسامعهم بصورة دروس متواصلة.. وبعد ان فرغ منه سئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: (أما يرضى معاوية ان يخرج رأسا برأس حتى يفضل؟)، وفي رواية: (ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك)، فهجموا عليه وداسوه حتى أخرجوه من المسجد، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفى بها([72]).

ومنهم الحاكم النيسابوري المحدث الكبير المعروف، فقد قال الذهبي: (عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث.. قلت: كلا ليس هو رافضيا، بلى يتشيع.. قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليا عن معاوية رضي الله عنه وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا، لاسترحت من المحنة، فقال: لا يجئ من قلبي، لا يجئ من قلبي)([73])

ومنهم الإمام عبد الرزاق الصنعاني ـ وهو من كبار العلماء ومن رجال الستة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وابن ماجه)، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قال ابو داود: وكان عبد الرزاق يعرِّض بمعاوية) ([74])

وروى الذهبي عن مخلد الشعيري قوله: كنت عند عبد الرزاق فذكر رجل معاوية، فقال: (لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان) ([75])

وعلى نهج هؤلاء المتقدمين سار الكثير من المحدثين والفقهاء المتأخرين الكبار، ومنهم الحافظ أحمد الغماري وهو صوفي مالكي أشعري، فقد قال في كتابه [الجواب المفيد للسائل والمستفيد]: (وفي الصحيح، صحيح مسلم عن علي عليه السلام قال: والذي فلق الحبة برأ النسمة انه لعد عهده الي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق، وفي صحيح الحاكم وغيره: مَنْ سبَّ عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله؟ ومن سب الله فقد كفر، وفي الصحيح وغيره مما تواتر تواترا مقطوعا به:من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده، وهذا الحديث قد جمع اسانيده ابن جرير الطبري في مجلدين لكثرتها.. والمقصود من هذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها مع ما تواتر من لعن معاوية لعلي على المنبر طول حياته، وحياة دولته إلى عمر بن عبد العزيز وقتاله وبغضه، يطلع منه أنه منافق كافر، فهي مؤيدة لتلك الأحاديث الأخرى، ويزعم النواصب أن ذلك (أعني لعن معاية لعلي) كان اجتهادا، مع ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في مطلق الناس: (لعن المؤمن كقتله)، فإذا كان الاجتهاد يدخل اللعن وارتكاب الكبائر، فكل سارق وزان وشارب وقاتل يجوز أن يكون مجتهدا، فلا حد في الدنيا ولا عقابَ في الآخرة) ([76])

وقال في كتابه [جؤنة العطار] تعليقا على حديث [إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه]: (وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو يرفع كل غمة عن المؤمن المتحير في شأن هذا الطاغية قبحه الله، ويقضي على كل ما يموه به المموهون في حقه ومن أعجب ما تسمعه أن هذا الحديث خرجه كثير من الحفاظ في مصنفاتهم ومعاجمهم المشهورة، ولكنهم يقولون: (فطلع رجل)، ولا يصرحون باسم اللعين معاوية، سترا عليه وعلى مذاهبهم الضلالية في النصب وهضم حقوق آل البيت، ولو برفع منار أعداءهم، فالحمد لله الذي حفظ هذه الشريعة رغم على دس الدساسين وحفظ المبطلين) ([77])

ومنهم السيد محمد بن عقيل العلوي الشافعي، فقد كتب كتابين في ذم معاوية وهما: [النصائح الكافية لمن يتولى معاوية]، والآخر [تقوية الإيمان]، وقد أثبت فيهما أن السادة الشافعية العلوية باليمن كلهم متفقون على ذم معاوية، وعدم جواز الترضي عليه، بل قال بوجوب لعنه والتبري منه.

ومن تصريحاته الدالة على ذلك قوله في كتابه [النصائح الكافية لمن يتولى معاوية]: (قال لي بعض علماء حضرموت يوما بعد أن جرى البحث بيني وبينه في مسألة وجوب بغض معاوية وجواز لعنه ومنع الترضي عنه وتسويده: (إنّ أسلافك السادة العلويين الحسينين كلهم سنيون أشعريون عقيدة، شافعيون مذهبا، وهم من العلم والعمل والزهد والورع بمقام سام ومرتبة عالية فكيف خالفتهم بأقوالك واعتقادك أترى انهم اخطأوا وأصبت ام الامر بالعكس)، فأجبته: (إن السادة العلويين رضي الله عنهم لكما ذكرت من كمال العلم والمعرفة بالله وسلوك الطريق المستقيم وعقائدهم هي عقائد أجدادهم المطهرين وأسلافهم المهتدين.. لا يحيدون عن تلك الطريقة ولا يتحققون الا بتلك الحقيقة.. وقد وافق اعتقادهم أكثر ما دونه أبو الحسن الاشعري في كتبه الكلامية فهم أشعريون بهذا المعنى، وهم شافعيو المذهب في الفروع الفقهية إلا أن لهم اختيارات وانظار خالفوا فيها الشافعية والأشعرية.. كقول الكثير منهم بانتفاء عدالة معاوية وأشباهه وبغضهم في الله ومنع تسويدهم والترضي عنهم، على أنهم لا يخوضون في المسألة إلا في مجالسهم الخاصة بهم ولقد ذاكرت منهم رجالا كثيرة من فضلاء من أدركناهم وتوفاهم الله إليه ومن الموجودين الآن فيما يقول الأشاعرة والماتريدية في هذه المسائل وكلهم يرفضه ويأباه ويشير إلى السكوت إن خيفت فتنة، ولو كنت استاذنتهم لذكرت أسماءهم واحدا فواحدا، فليس بيني وبينهم خلاف في العقيدة، ولا افتراق في الطريقة، وإنما أسروا وأعلنت وأجملوا وبينت وأشاروا واوضحوا وعرضوا وصرحت) ([78])

ومنهم العلامة الكبير أحمد خيري الكوثري، وهو من علماء الحنفية الكبار، فقد كتب في تعداد جرائم معاوية في حق الإسلام أرجوزة خصها بذلك، سماها [الأرجوزة اللطيفة]([79])، ومما جاء فيها قوله:

فأول المعدود في الطغام

   والجالب السوء إلى الإسلام

المستعين دائما بالزور

   والممتطي مراكب الشرور

كبير أهل الزيغ والضلال

   لعين ذي الإكرام والجلال

خصيم آل سيد الوجود

   طريده عن حوضه المورود

أعني طليق السيف أي معاوية

   من بطنه في كل جوف خاوية

فانظر رعاك الله في أقواله

   وابحث هداك الله عن أفعاله

ترى الخداع والنفاق والكذب

   مع الفجور والرياء واللعب

ويخذل الشهيد ذا النورين

   ويخدع الناس بكل مين

وقتل عمار وما عمار

   من قال فيه السيد المختار

ما في الصحيحين أتى واشتهرا

   وعده السيوطي تواترا

فالبغي حكم قاتليه قطعا

   واللعن حكم البغي ذاك شرعا

هذا وكيف الناس يوما تنسى

   قتل أويس يا لها من بأسا

وغدره للسبط بعد العهد

   وجهره بأنه بالضد

وسبه أبا تراب ومعه

   ذرية وصحبة ما أفظعه

وإن ترد دليل ذا يا صاحبي

   في مسلم فانظره في المناقب

وقتله السبط بسُم ثم إن

   تحقق الأمر وجاءه اطمأن

وما الشمات أمره منكور

   وقد بدا السجود والتكبير

لولا النساء لُمنَهُ لما حزن

   ولا استمر مظهرا بغض الحسن

وقتل حجر وصحاب ستة

   من غير ذنب ما جنوه البتة

بعض ذنوب ذلك اللئيم

   حيث بها قد صار للجحيم

وغشه للرجل المسكين

   والغش ليس من أمور الدين

حتى تنال زوجه أرينب

   وفي الطلاق ليزيد مأرب

لولا الحسين جاءه برحمته

   لمات غما زوجها بحسرته

وإن ترد كبيرة الكبائر

   وإن تكن صغيرة الصغائر

فعهده للفاسق المخمور

   غلامه عبد الهوى والزور

أعني يزيدا لعنة الله العلي

   عليهما ما قام لله ولِي

إلى آخر الأرجوزة.. مع العلم أن صاحبها لم يكن شيعيا ولا رافضيا ولا مجوسيا، بل كان سنيا ماتريديا، وكان تلميذا نجيبا لعدو السلفية الأكبر في هذا العصر الشيخ محمد زاهد الكوثري.

هذه بعض النماذج والأمثلة عن علماء كبار من المدرسة السنية ذموا معاوية، وقد ذكرتها حتى لا يزايد علينا أي أحد بتلك النصوص التي يذكرها السلفية كل حين، ويعتبرون فيها التعرض لمعاوية زندقة وضلالا.. وسنرى في باقي فصول الكتاب أولئك الأئمة الذين نقلوا عنهم تلك المقولات لنرى حظهم من العلم والدين والحرص على الإسلام.


([1]) نهج البلاغة ج:1 ص:189 ـ 190.

([2]) سير أعلام النبلاء، 3/154.

([3]) تاريخ الطبري (5/ 337) وأورد هذا الخبر البخاري في التاريخ الكير (7 / 175).

([4]) البداية والنهاية (8 / 138).

([5]) قصة محاولة الاغتيال هي تلك ذكرها الله في قوله {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74] وكان مع أبي سفيان ومعاوية آخرون بلغوا أربعة عشر رجلاً، فلعنهم، ثم بعد عودة النبي من غزوة تبوك، أخرج الذين حاولوا اغتياله من المسجد، ولعنهم، وكان منهم أبو سفيان وابناه معاوية وعتبة، وسندها صحيح.

([6]) ففي صحيح مسلم من حديث قيس بن عباد عن عمار: (ثمانية تكفيكهم الدبيلة: مرض يظهر في ظهورهم فينجم من صدورهم)، وكان لا يستتقذ كل رداء، حتى أنهم جعلوا له رداء من حواصل الطير، فاستثقله وآذاه، ولما طال مرضه وأعياه، نصحه طبيب بلبس الصليب، والبراءة من دين محمد، ففعل ومات، انظر: رسالة بعنوان: حديث الدبيلة للشيخ حسن بن فرحان المالكي.

([7]) من مقال بعنوان: (هذا معاويه الذي ملأتم به الدنيا!)

([8]) من مقال بعنوان: (هذا معاويه الذي ملأتم به الدنيا!)

([9]) أحمد: 6/192

([10]) البخاري: 2/107.

([11]) ابن سعد 4 / 229.

([12]) سير أعلام النبلاء 2 / 50.

([13]) منهاج السنّة النبوية 6/271

([14]) د. خالد كبير علال، دراسات نقدية هادفة عن مواقف الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم – قضية التحكيم في موقعة صفّين بين الحقائق والأباطيل-

([15]) مجموع الفتاوى (35 / 77)

([16]) مجموع الفتاوى (35 / 72-73)

([17]) منهاج السنة (4/ 383)

([18]) رسائل الجاحظ ص 365 ( الرسائل السياسية )

([19]) كتب وشخصيات، ص 242 – 243.

([20]) صحيح البخاري -تحقيق : د. مصطفى ديب البغا ( ج 3 ص 1373 )

([21]) شرح مشكل الآثار1: 289، رقم: 1720

([22]) منهاج السنة [ 6 / 247 ] والحديث رواه أحمد ومسلم.

([23]) مجموع الفتاوى (4 / 478)

([24]) منهاج السنة (6 / 232)

([25]) البداية والنهاية (8 / 119)

([26]) شرح العقيدة الطحاوية (ص 722)

([27]) سير أعلام النبلاء (3 / 120)

([28]) سير أعلام النبلاء (3 / 159)

([29]) العواصم من القواصم (ص213)

([30]) الخلال في كتاب السنة (2/444).

([31]) السنة للخلال [ 440 ]، الطبري في التاريخ [ 3 / 269 ]، البداية [ 8 / 137 ]

([32]) السنة للخلال (1 / 437)

([33])  معاوية بن أبي سفيان صحابي كبير وملك مجاهد، منير محمد الغضبان، ص5.

([34]) خلاصات أموية، حسن المالكي.

([35]) خلاصات أموية، حسن المالكي.

([36]) العدالة الاجتماعيّة في الإسلام: ص161.

([37]) العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص164ـ 165

([38]) الكامل لابن الأثير: 6 / 220.

([39]) الامامة والقيادة، الدكتور أحمد عز الدين، ص 118

([40]) الامامة والقيادة، الدكتور أحمد عز الدين، ص 118

([41]) عبقرية الإمام ص80

([42]) تفسير المنار: ج11ص214، وذكر الحكاية نفسها في مقال له تحت عنوان ( ثورة فلسطين – أسبابها ونتائجها ) في مجلته المنار.

([43]) رسائل الجاحظ ص241 ( الرسائل الكلامية )

([44])  فقد اشترك في روايتها: الأسود وخالد بن معدان وثور بن يزيد، والثلاثة نواصب في الجملة، والنواصب يحبون معاوية ويضعون في فضله الأحاديث أو يروونها بمعنى مغاير وهذه منها [انظر بحثا مفصلا في الحديث للشيخ حسن بن فرحان المالكي]

([45])  البخاري مع الفتح (6|22). ومسلم (13|57).

([46]) رواه البخاري ومسلم..

([47]) وقد صحح الحديث الألباني، انظر: سنن الترمذي ت شاكر (4/ 53) ح 1450 قال الألباني: (صحيح) ومثله الأرنؤوط والهروي في المرقاة.

([48]) شذرات الذهب في أخبار من ذهب،، (1/ 277).

([49]) الأعلام: (2/ 51)

([50]) الشريعة:  3 / 496.

([51]) الإبانة الصغرى، ص: 299.

([52]) تاريخ دمشق59/209.

([53]) تاريخ بغداد 1/209.

([54]) تهذيب الكمال 1/339-340، وهذا من الكذب عليه، لأن المؤرخين يذكرون تعرضه لمحنة سببها كتابه في في فضل الإمام علي بن أبي طالب الذي جمع فيه الاحاديث الواردة في فضل الامام علي وأهل بيته..

([55]) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث قوي بشواهده، كما في سير أعلام النبلاء 3/123.

([56]) السلسلة الصحيحة: 1/164.81.

([57]) كتب وشخصيات، ص242.

([58]) شرح رياض الصالحين، بتاريخ يوم الأحد 18/7/1416.

([59]) تهذيب التهذيب ج1 ص298

([60]) سير أعلام النبلاء: 10/430

([61]) سير اعلام النبلاء ج6 ص226 رقم110

([62]) أنساب الأشراف ج5 ص137

([63]) سير أعلام النبلاء ج4 ص63 رقم17

([64]) أنساب الأشراف ج5 ص137

([65]) سير أعلام النبلاء ج8 ص37

([66]) ميزان الإعتدال ج2 ص274

([67]) تاريخ الطبري ج4 ص208 ، الكامل في التاريخ لابن الاثير ج3 ص487 ، المنتظم لابن الجوزي ج5 ص243

([68]) أنساب الأشراف (2/121)

([69]) السنة للخلال ج3 ص505 رقم 808

([70]) تهذيب الكمال ج20 ص347 ، تاريخ بغداد ج11 ص364

([71]) تاريخ ابي الفداء المسمى المختصر في أخبار البشر ج1 ص259 ، ورواه البغدادي في خزانة الأدب ج6 ص51

([72]) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ص699،ووفيات الأعيان لابن خلكان ج1 ص77 والمقفى الكبير للمقريزي ج1 ص402، والبداية والنهاية لابن كثير ج11 ص124 وغيرها كثير

([73]) سير اعلا م النبلاء ج17 ص174

([74]) تهذيب التهذيب ج2 ص574

([75]) ميزان الاعتدال ج2 ص610

([76]) الجواب المفيد للسائل والمستفيد ص59.

([77]) جؤنة العطار ج2 ص154

([78]) النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ص309.

([79]) الأرجوزة اللطيفة ص 9.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *