ثالثا ـ عوامل تأثر السلفية بمعاوية والفئة الباغية

ثالثا ـ عوامل تأثر السلفية بمعاوية والفئة الباغية

عند تأمل أسباب ذلك التعلق الشديد الذي وقع فيه السلفية سلفهم وخلفهم بمعاوية وبغيره من الفئة الباغية من الطلقاء إعراضهم عن ثلاثة مصادر كبرى للحقيقة، طالما صوروا للعالم أنها حقهم وحدهم، وأنهم وحدهم المستأثرون بها من دون المؤمنين.. وهي القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والصحابة الكبار.

ففي هذه المصادر جميعا الحق الواضح الجلي الذي يبين حقيقة أولئك الطلقاء الذين انقلبوا على الإسلام الإلهي، وحولوه إلى إسلام بشري ممعن في الانحراف.

وسنتناول هنا نماذج عن هذه المصادر، لنكتشف حقيقة الخدعة الكبرى التي يعيشها السلفية بسبب تبنيهم لمعاوية وإسلامه الأموي.

1 ـ الإعراض عن الرجوع للقرآن الكريم في أحداث الفتنة

مع أن السلفية يؤمنون ـ كما يؤمن سائر المؤمنين ـ بأن القرآن الكريم يحوي كل الحقائق التي من تعلق بها واهتدى بهديها لن يضل أبدا، إلا أنهم في الواقع من أكثر الناس إعراضا عن تفعيله في أهم أوقات الحاجة إليه.

ومن مصاديق ذلك التعطيل الإعراض عن تدبر الآيات القرآنية الكثيرة التي تخبر عن حقيقة أولئك الطلقاء الذين تحولوا بين عشية وضحاها إلى قادة وسادة وحكام على الأمة، بل تحولوا إلى مدبرين لأمور دينها ودنياها.

ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى:{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7 – 10]

فهذه الآيات ـ باتفاق جميع المفسرين ـ نزلت في كفار قريش، وهي تقصد ـ أول ما تقصد ـ رؤساءهم الكبار الذين حولهم السلفية إلى مؤمنين صادقين، بل صحابة أجلاء، مع أن القرآن الكريم أخبر أنه سواء أنذروا أولم ينذروا، فإنهم لا يؤمنون..

ونحن في ذلك بين أن نصدق القرآن الكريم، وإخباراته الغيبية، وإما أن نصدق تلك المقولات السلفية التي خالفت القرآن مخالفة شديدة حين لم تكتف بإثبات الإيمان لأولئك الذين أخبر الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، وإنما أضافت إليه الدفاع عنهم، واعتبارهم من أركان الدين وأعمدته، بل أخرجت من الملة من لم يؤمن بذلك.

ومن الآيات الكريمة الدالة على هذا المعنى قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } [السجدة: 28 – 30]

فمن مصاديق الفتح في هذه الآية ـ وبحسب التفسير القرآني الذي هو أهم التفاسير وأدقها وأصحها ـ فتح مكة، أو الفتح الذي حصل بعد صلح الحديبية، حيت أسرع الكثير إلى الإسلام لا قناعة به، وإنما بسبب انتصاراته، فأسلموا رغبة أو رهبة، ولم يسلموا قناعة وإذعانا.

وللأسف فإن السلفية تتبنى أولئك الذين أسلموا بعد الفتح، أو بعد صلح الحديبية أكثر مما تتبنى غيرهم من السابقين، مع أن الله تعالى أشار في القرآن الكريم إلى الفرق الكبير بينهما.

وبناء على هذا يجتهد السلفية في نفي ارتباط الآيات الكريمة بفتح مكة مع ورود الكثير من الروايات عن السلف الذين يعتمدونهم في الدلالة على ذلك، وقد قال ابن كثير معبرا عن وجهة النظر السلفية: (.. ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم)([1])

وهذا تبرير عجيب، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل إسلام أي كان من غير بحث في باطنه، ولذلك قبل إسلام المنافقين، وتعامل معهم كما يتعامل مع المسلمين أنفسهم، مع علمه بباطنهم، وبكفرهم، بل بكونهم أشد كفرا من الكفار الصرحاء أنفسهم.

ومشكلة السلفية هي أنها تتصور أن قريشا لا يمكن أن تنافق.. وأن النفاق خاص بالأوس والخزرج، فلذلك يذكرون أن عبد الله بن أبي بن سلول نافق عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة حرصا على نفسه ومصالحه.. ولا يتصورون أن أبا سفيان أو معاوية أو غيرهما من صناديد قريش نافقوا بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة.. ولست أدري الدليل الذي خصوا به النفاق في أهل المدينة، وعصموا منه أهل مكة، مع أن الأدلة الواقعية الكثيرة تدل على أن صناديد قريش كانوا أكثر عتوا وطغيانا من صناديد المدينة.

وقد عقب الشيخ حسن المالكي على قول ابن كثير السابق بقوله: (ويقال له: من قال لك يا ابن كثير بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعامل الناس بما في القلوب؟ فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل من الناس الظاهر حتى ولو علم الباطن، والله في الآية يخبر عن الباطن والحقيقة إن صح كونها في فتح مكة، وماذا يريد ابن كثير من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل؟ أن يقتلهم مثلا؟ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) قبل أن يسلموا، وصاحوا يوم حنين: (بطل السحر اليوم)، ولم يعاقبهم، وحاولوا اغتياله أكثر من مرة ولم يعاقبهم، فهل إسلامهم مقبول في كل هذه المواقف؟ ثم ماذا سيقول ابن كثير في قوله تعالى: { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7]؟ وهذه نزلت في قريش في العهد المكي، أو تتناولهم بالأولوية حسب سياق الآيات)([2])

ومن الآيات القرآنية الواضحة والصريحة في شدة كفر كبار كفار قريش، وأنهم لا يختلفون عن كبار قوم عاد وثمود، تلك الآيات التي تذكر شروطهم للإيمان، باعتبارها شروطا تعجيزية لا يمكن تحققها، ومنها قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا } [الإسراء: 89 – 94]

ويؤيد هذا تلك الوقائع التاريخية المسجلة في كتب الحديث والسيرة، والتي تبين تعنت رؤوس الشرك ـ بمن فيهم البيت السفياني نفسه ـ أمام المعجزات والخوارق التي كان يظهرها الله على يدي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

فهل يمكن لمن رأى القمر منشقا في السماء ـ كما دلت على ذلك الروايات الكثيرة التي يبدع السلفية منكرها([3]) ـ ثم لا يؤمن، بل يزداد كفرا وعتوا، بل يضيف إلى ذلك كل أنواع الصد عن سبيل الله.. هل يمكن لمن كان هذا حاله أن يؤمن، ويحسن إيمانه عندما يرى جيش المسلمين داخلا إلى بلده، وليس له أي حيلة في صده؟

ومن الآيات القرآنية المخبرة عن مستقبل كفار قريش الذين واجهوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمحاربة والصد قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } [الحج: 55]

وهي إخبار من الله تعالى بأن أولئك المشركين ختم على قلوبهم، وأنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الساعة، وقد علق عليها الشيخ حسن المالكي بقوله: (وهذا إخبار.. وإخبار الله صادق لا كذب فيه.. والذي يقرأ سيرة أبي سفيان ومعاوية يعرف أن هذه المرية لم تفارق قلوبهم.. وقد نزلت وهم من كبار هؤلاء المقصودين في الآية والبقية تبع لهم، وإذا تمت تبرئة الرأس تبعه تبرئة البقية من باب الأولى فبطل معنى الآية، بينما اتهام الرأس يبقي معه بعض الأتباع فيبقى معنى الآية)([4])

ومن الآيات القرآنية المخبرة عن موقف كفار قريش من القرآن الكريم، وسعيهم الدؤوب لمعارضته ومحاربته قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 26 – 28]

وهي في تطبيقها التاريخي لا تنحصر في مكة المكرمة، ولا في أولئك الصناديد من المشركين، وإنما تمتد إلى الفترة التي قام فيها أولئك الصناديد وأبناءهم بالانقلاب على الإسلام المحمدي الأصيل، فقد (استمر معاوية في صد المسلمين عن كتاب الله عن طريق إغراقهم بالروايات الإسرائيلية والجبرية والشعر والعصبيات.. وغيرها)([5])، ولا يزال تأثير ذلك إلى اليوم.

ومن الآيات القرآنية المخبرة عن طبع الله على قلوب المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كفار قريش، قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) } [النحل: 107 – 110]

وهذه الآيات ـ كما يذكر الشيخ حسن المالكي ـ (لم تستثن إلا المهاجرين.. ومعلوم أن الطلقاء قسم ثالث، ليسوا مهاجرين ولا أنصارا.. فهم واقعون تحت الوعيد وخاصة رؤساؤهم وكبارهم.. وإذا شذ القليل فالشاذ لا حكم له) ([6])

ومن الآيات القرآنية المخبرة عن طبع الله على قلوب المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كفار قريش، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة: 6، 7]

وأول المقصودين بالآية ـ باعتبارها من أوائل ما نزل بالمدينة المنورة ـ هم كفار قريش الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معه من مكة المكرمة، والآيات واضحة في كون الله طبع على قلوبهم، وختم عليها، فلذلك يستحيل أن يؤمنوا.

يقول الشيخ حسن المالكي في بيان وجه دلالتها: (وهذا تأكيد لما سبق في السور المكية، وكل آية في الذين كفروا تتناول كفار قريش بالأولوية ساعة نزول الآيات، وتتناول رؤوسهم قبل الـعامة، لأنهم الأعداء الأساسيون، وهم من قامت عليهم الحجة وهم من تحاور وعاند وكابر وتآمر وأصر حتى ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فطبع على قلوبهم بكثرة العناد، لأن الهداية غالية ولا يعرضها الله دائما، بل لوقت ثم يرفعها لأن المخاطب يكون قد أخذ نصيبه من الوقت والحجة، والله هو العدل، فمن عرضت عليه الحجج عشرين سنة وهو يأباها ويحاربها ويحارب صاحبها لا يكون مستحقا لفضل الهداية، فالله لا يتوسل إلى أحد، وإنما يبتلي ويختبر، والاختبار سنة واحدة كان كافيا لأهل الأبطح) ([7])

وعقب على ذلك التلاعب الذي مارسته السياسة لتخرج أبا سفيان ومعاوية وكبار كفار قريش من أولئك الذين أخبرت الآيات الكريمة عنهم، فقال: (السياسة هي من حصر هؤلاء بالمقتولين! مع أن أكثر المقتولين يوم بدر ليسوا في عداوة أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في بلوغه بالحجة ولا في فهمه لها وعناده وكبره وصده عن سبيل الله.. والآية إن لم تكن في الزعماء المتبوعين فلن تكون في الرعاة التابعين، عدل الله يأبى هذا، ومنهج القرآن يأباه، فالقرآن يتناول الزعماء بالدرجة الأولى، وكان أبو سفيان من هؤلاء الزعماء بلا شك، بل هو زعيم الحروب ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الوحيد الذي حزب الأحزاب، فلم يكن يوم بدر أحزاب، وإنما كانت قريش فقط، ومن هنا يتبين لنا المسلك السياسي (الأموي خاصة) في تخصيص القرآن بما يميت آياته ويحصرها في ما لا فائدة فيه على المستوى الفكري عند المسلمين، إذ لو كانت ثقافة القرآن مستقرة في عقول المسلمين بأن أبا سفيان منهم، فلابد أن يثير هذا الاعتقاد بعض التساؤلات عن أثر أبي سفيان على السياسة العامة للمسلمين، وأثر ابنه معاوية في صرف دلالات القرآن إلى عدو ميت! ليطمئنوا بأن العدو مات! وأن كلام الله ليس على إطلاقه! أو أنه غير صحيح! فالله لم يختم على قلوب رؤوس الكفر من قريش، وأن التاريخ أثبت أن ما يخبر به الله ليس بالضرورة أن يكون صحيحا ولا مطابقا، وعلى هذا فالقرآن توقعات محمد فقط.. هذا ما يريد معاوية وأمثاله أن يثبتوه، والسلفية (حليفة معاوية) تتدين برأي معاوية، وتستبعد صحة مثل هذه الآيات ولو احتمالا.. تصوروا ! حتى مجرد الاحتمال أن أبا سفيان من هؤلاء مستبعد في الفكر السلفي، ليس لأن الله لم يقل ويكرر، ولكن لأن معاوية لم يرد ذلك، وخفاء الدور السياسي على الحمقى، فلا مكر كمكر السلطان، ولا جند كجند الحمقى، فإذا اجتمعا لم يردهما شيء) ([8])

ومن الآيات القرآنية المخبرة عن مستقبل المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كفار قريش، الآيات الكريمة التي تشبههم بكفار الأمم من قبلهم، لأن سنة الله فيهم جميعا واحدة، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 10 – 12]

والآية الأخيرة واضحة الدلالة في بيان مستقبل أولئك المشركين، سواء في الدنيا أو في الآخرة، يقول الشيخ حسن المالكي ـ في بيان تعامل السلفية مع أمثال هذه الآيات ـ: (هنا وعيدان من الله تحقق أحدهما في الدنيا، والسلفية لا يرون الثاني إلا توقعا خاطئا! فمن المخاطبون ساعة نزول الآية؟ أليست قريشا.. أليس هذا يتناول زعماء الحرب على الأقل ممن أعرقوا في المحاربة والتحزيب والتصدر والمبالغة في معاداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. هذه الآية وأمثالها عند السلفية راحت هباء منثورا بإظهار أبي سفيان ومعاوية الإسلام خوفا من السيف، مع ثبوت بقائهما على الكفر في أكثر من مناسبة) ([9])

هذه مجرد نماذج عن إعراض السلفية عن تطبيق الآيات القرآنية الكثيرة على كفار قريش، حرصا على معاوية وأبيه وأمه وكبار المشركين الذين أظهروا إسلامهم، وأخفوا عداوتهم للإسلام إلى أن جاءتهم الفرصة لينقلبوا عليه.. وللأسف خدع السلفية بذلك الإسلام الظاهر.. وتركوا أولئك الذين صدقوا في إسلامهم، وضحوا في سبيله، وباعوهم بالطلقاء.

2 ـ الإعراض عن الرجوع للسنة المطهرة في أحداث الفتنة

لم يكتف السلفية بالإعراض عن الآيات الكريمة الواضحة، والتي تبين حقيقة أولئك الأدعياء الذين انحرفوا بالدين، بل راحوا في تحد عجيب يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسها، ويؤولونها تأويلا عجيبا في سبيل أن يسلم لهم معاوية والفئة الباغية معه.

فقد وقفوا ـ سلفهم وخلفهم ـ موقفا سلبيا من كل الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي نصح بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته، وحذرها فيها من أن يحصل لها ما حصل للأمم من التحريفات، وهي من مقتضى الرسالة، ومقتضى حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته، إلا أن السلفية لا يلقون لهذا النوع من الأحاديث أي اهتمام، بل إن أحاديث الوضوء والغسل عندهم أهم من تلك الأحاديث..

فلذلك راحوا يتلاعبون بها، ويشككون في صحتها، ويؤولون ما لم يقدروا على تضعيفه.

وقد عبر عن ذلك التلاعب السلفي ابن القيم بقوله: (فيما صح في مناقب الصحابة على العموم ومناقب قريش فمعاوية رضي الله عنه داخل فيه)([10])

ولست أدري كيف عرف أنه داخل في تلك المناقب.. وبأي حجة، وهل اطلع على اللوح المحفوظ أو على ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نطق بتلك المناقب.

ولكثرة ما ورد في معاوية والتحذير منه ومن الفتنة العظيمة التي أحدثها في الأمة نكتفي هنا بنقل بعض ما أورد الشيخ حسن بن فرحان المالكي من أحاديث وردت في كتب السنة المعتمدة، وهي لا تنطبق إلا على معاوية، وعلى الفئة الباغية التي اتبعته([11]).

وهي أكثر من عشرين حديثا ألف الشيخ المالكي في آحادها الكتب والرسائل التي تدرس أسانيدها، وتذكر طرقها، وتبين مدى قوتها، وكيفية تلاعب السلفيين بها حرصا على إمامهم الذي يدل على بغيه وانحرافه وتحريفه كل شيء.

وقد قال بعد ذكره لها في بعض كتبه: (هذه عشرون حديثاً معطلة، عطلها حماة السنة ودعاتها.. وليس القرآنيون ولا المعتزلة.. عطلوها وتكتموا عليها، وتمنوا لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكت، فلم يخبر بشيء ولم يحذر من شيء، وهذا نفاق، لأنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل هو أسوأ، إن هذه الكراهية لبعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحتوي على ناقضين من نواقض الإسلام العشرة التي أوردها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لا لشيء إلا لأنها وردت في حق إمام عقائدهم وتاريخهم وشخصياتهم ومنهجهم وسلوكهم.. والحمقى يقصرون عن اكتشاف دوافع الدهاة وقوة مكرهم؛ فيقعون ضحايا تتساقط بسهولة أمام أقدام هؤلاء دهاة الطغاة، ويقدمون لهم الإسلام على طبق من ذهب، ليخدمهم في أي أمر أو نازلة)([12])

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)، وهو متواتر([13]).. ومثله حديث (قاتل عمار وسالبه في النار)، وله أسانيد قوية، وقد صححه الألباني، ولا ريب أن من وضع الجائزة لمن يأتي برأس عمار ـ وهو معاوية ـ مشارك في القتل، بل هو أول داع له بسبب الحرب التي أعلنها على الإمام علي.

لكن السلفية مع وضوح هذا الحديث أولوه تأويلا عجيبا، بل جعلوه مغايرا تماما لتحذيره صلى الله عليه وآله وسلم والذي قصد به نصيحية الأمة حتى يكون عمار علامة تميز الفئة الباغية عن الفئة المحافظة على الدين الأصيل.

لقد قال ابن كثير ـ تلميذ ابن تيمية النجيب ـ في شرحه للحديث: (وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين، وعمار مع علي وأهل العراق.. وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية.. ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم، لأنهم، وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران، والمخطئ له أجر)([14])

وهكذا حول ابن كثير ـ كما يفعل كل السلفية ـ الحديث عن مساره تماما، حيث زعموا أن لمعاوية وجيشه أجرا على تلك الحرب التي أقاموها في وجه الإمام علي.

وهكذا فعلوا مع تتمة الحديث: (يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)، فقد رد ابن كثير على هذا، فقال: (فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة، واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه) ([15])

ومن تلك الأحاديث الواضحة، والتي لا يمكن تأويلها أو التشكيك في ثبوتها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية)([16])، وقد صححه الألباني، ولا شك في انطباقه على معاوية.. لأن يزيد كان تابعا لأبيه، ولم يأت بجديد.. وأوليات معاوية في تغيير السنن كثيرة جدا، وأولها وأعظمها تغيير نظام الحكم الإسلامي.. كما رأينا ذلك في هذا المبحث.

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الخلافة ثلاثون عاماً، ثم يكون الملك العضوض)([17])، وقد تلاعب السلفية بهذا الحديث بما شاءت لهم أهواؤهم، فرووا في نقضه أحاديث أخرى أقل منه درجة، لكنهم قدموها عليه، كما هو شأنهم في التلاعب بالنصوص.

ومنها هذه الرواية العجيبة التي تنطق ألفاظها بكذبها: (أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان) ([18])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته ما حدث به عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملتى)، قال: وكنت تركت أبي قد وضع له وضوءا، فكنت كحابس البول مخافة أن يجىء، قال: فطلع معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هذا هو)([19])

قال الشيخ حسن بن فرحان معلقا عليه: (وهو صحيح الإسناد وفق منهج أهل الحديث، إلا أن بعضهم إذا لم يلتزم بمنهجه الذي ارتضاه فهذا شأنه، كأي جماعة أو دولة، فإذا وضعت دولة لها قانوناً فيه معايير الفساد، ثم لا تطبقه على الفاسدين فهذا شأنها، ولا يعني أنهم غير فاسدين، والحديث قد روي بأسانيد على شرط الصحيح، في قوة الرجال والاتصال في السند، ورجاله كلهم رجال الشيخين، وأشهر طرقه طريق عبد الله بن عمرو بن العاص (وأرجح أنه أذاعه بعد موت معاوية وبعد توبته على يد الحسين بن علي بمكة في أواخر عهد معاوية)، وقد روي بأسانيد أقل صحة عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر، وله شواهد من طريق آخر عن ابن عمر (وبسبب ذلك هدد معاوية بقتل عمر)، ولو كان هناك إنصاف لكان من علامات النبوة) ([20])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته قوله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث: (لعن الله الراكب والقائد والسائق)، فعن البراء بن عازب، قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم العن التابع والمتبوع اللهم عليك بالأقيعس)، فقال ابن البراء لأبيه: من الأقيعس؟ قال: معاوية([21]).

وقد قال الشيخ حسن بن فرحان المالكي تعليقا عليه: (ورد في معاوية وأبيه وأخيه، وله طرق كثيرة جداً، أغلبها صحيح لذاته، وفق منهج أهل الحديث، بل قد يصل هذا الحديث للتواتر، فهو مروي من طرق سفينة والحسن بن علي والبراء بن عازب وعاصم الليثي وابن عمر والمهاجر بن قنفذ، وكل هذه الطرق صحيحة الأسانيد مع أقرار بعض أصحاب معاوية كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فالحديث يقترب من التواتر لأن الطرق كلها بين الصحيح والحسن، وسيتفاجأ هؤلاء الغلاة قطعاً بصحة الأسانيد، وإذا ضعفوها فأنا معهم بشرط أن نطرد ذلك، ثم ينظرون هل يبقى لنا حديث كثير بعد هذا التشدد) ([22])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته ما رواه سعيد بن عمرو بن العاص قال: كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: (هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش، فقال مروان: غلمة، قال أبو هريرة: (إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان)([23])

وقد علق الشيخ حسن بن فرحان على الحديث بقوله: (والسؤال: يا ترى من هم هؤلاء الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم، سواء الهلاك المادي أو المعنوي؟ فهل نقبت عنهم السلفية المحدثة لتعرف سبب بلاء هذه الأمة وهلاكها؟ هل اهتموا بهذا الحديث كما اهتموا بأسطورة عبد الله بن سبأ والفرق الضالة وذم العقل والرأي وغيرها من الأمور التي لم يحذر منها لا كتاب ولا سنة؟ كلا.. إذن فهذا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبرنا بأصل الضلال والهلاك والبدعة والفتنة الذي أصاب هذه الأمة، وقال لنا بصراحة ووضوح ونصيحة تامة: إن سبب ذلك سفهاء من قريش يكون فساد وهلاك الأمة برمتها على أيديهم، ومع ذلك تجد السلفية المحدثة تذهب إلى أن الخطر الذي أدى إلى فساد الأمة هو عبد الله بن سبأ والعقل والمنطق والفلسفة والفرق الضالة وأهل الرأي والصوفية والشيعة والمعتزلة والجهمية…الخ! ولا يأتون على ذكر سفهاء قريش بحرف واحد)([24])

ثم راح يخاطب العقل السلفي الذي استهان بمثل هذه النصوص الخطيرة، وأعرض عنها إلى ما قاله سلفه الموالون للفئة الباغية، فقال: (على كل حال: ما زالت الفرصة قائمة، فادرسوا هذا الحديث.. وانظروا متى بدأ الملك العضوض، وهل كان له أثره على الفكر والدين والعقل والتدبر والعقل المسلم والنفسية المسلمة.. أم لا.. أو قولوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدري ما يخرج ما يقول، وأن سلفكم الصالح هو أعلم بمواطن الخطر وأنصح للأمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن قلتم حاشا وكلا أن نقول ذلك، فأريحونا من كتمنا وإفسادنا وإهلاكنا بمنهج هؤلاء الأمراء السفهاء الذين أخبر الصادق المصدوق بأن فساد الأمة على أيديهم، ليس هناك طريق ثالث، إما أن تقولوا بأنكم أعلم من رسول الله بهذا الفساد والهلاك من أين أتى، وإما أن تقروا بأن سلفكم خدعكم بتصوير الخطر في مكان آخر، وصرفكم عن وصية رسول الله، حتى أن أحدكم لو ُسئل عن مكمن البلاء الأول لخرجتم بخمسين جواباً خاطئاً وعشرين جواباً فرعياً، وتركتم السبب الأصلي الذي تفرعت عنه كل الأمراض، كل هذا بسبب هذا الإعراض عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تخرجوننا منها في اليوم عشر مرات، ثم إن اختبرناكم بمثل هذا الحديث لم نجد أحداً من سلفكم صنف كتاباً في سفهاء قريش، ولا حاول معرفتهم، بينما هناك المئات وربما الآلاف من المؤلفات التي تعيد أسباب فساد الأمة وهلاكها إلى أمور معظمها باطل، وقد يكون بعضها ثانوياً، وإن أصابوا في القليل الثانوي فما هو إلا نتيجة طبيعية للبلاء الأصلي الذي أهملتموه تماماً حماية لهؤلاء السفهاء، أو لأنكم أنتم جزء من هذا الفساد القديم، ونتيجة طبيعية له، فأنتم من حمل الفساد على ظهوركم وتجشتم إصعاده إلى قمة الدين فسال دينكم فساداً وجهلاً وظلماً، وبقي دين الله محفوظاً في القمة في مكان لم تهتدوا إليه) ([25])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته الأحاديث الداعية لاعتزال الفئة الباغية، وعدم التعاون منها، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يهلك الناس هذا الحى من قريش)، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم؟)([26])

وهذا الحديث مع أحاديث أخرى دلاله منه صلى الله عليه وآله وسلم على كيفية التعامل مع الفئة الباغية بعد أن يتحقق نصرها على الفئة المؤمنة الصادقة، وهي القيام بنوع من العصيان المدني تجاهها حتى لا يمتد تأثيرها لباقي شؤون الحياة، بعد أن امتد للسياسة والاقتصاد.

لكن السلفية للأسف لم يلقوا لهذا الحديث بالا، بل راحوا ينشرون فضائل تلك الفئة، ويدافعون عنها، ويتقربون إليها.

يقول الشيخ حسن المالكي تعليقا على الحديث: (لكن أكثر الأمة لم يعتزلوهم، بل أعانوهم وسوغوا لهم، ووضعوا في فضائلهم الأحاديث ودخل هذا الذم الصحيح مع ذلك الوضع القبيح في كتب الصحيح! وهنا يتم إفساد حديث بحديث! واضطربت معالم الدين وأوامر الشريعة، وهذا نتيجة طبيعية للحلف بين الغفلة والظلم، فلو أن سلفكم اعتزل الظالمين من سفهاء قريش (الأمراء) كما أوصى هذا الحديث لأمكن الإبقاء على الدين صافياً عند العلماء والفقهاء والصالحين، بلا خشية من تأثير السلطة ولا انتقاء ولا بتر ولا تحريف فضلاً عن الوضع الذي يشهد الدين والعقل والواقع ببطلانه، أنتم يجب أن تعترفوا بأن عقولكم صغار، ولذلك رحمكم الشرع وأمركم بأمر كالاعتزال لأن الشرع يعرف أن الإنسان خلق ضعيفاً، لكنهم قلتم: لا.. لن نخشى في الله لومة لائم، ولن يستطيعوا إضلالنا، فوكلكم الله إلى أنفسكم فضللتم بضلالهم وظلمتهم بظلمهم وأفسدتم بإفسادهم وأهلكتم بهلاكم، ومن ترك التوكل على الله وتنفيذ أوامره حرفياً وكله الله إلى نفسه، فكان الهوى إليه أقرب والضعف به ألصق)([27])

وقد رد الشيخ حسن على كل الاحتمالات التي قد يؤول بها الحديث، فقال: (وهذا الحل النبوي لاعتزال سفهاء قريش وظلمتهم لم يكن المقصود به منافقي الأنصار قطعاً، لأن نص الحديث ينص على قريش، ولا يراد به كفار قريش المقتولين ببدر قطعاً لأن التحذير مستقبلي، وعن سفهاء قريش لا كفارها، فإذا قلنا بعدالة الخلفاء الأربعة في الجملة – مع أن الحاكم الفعلي أيام عثمان كان معاوية- فلم يبق إلا سفهاء بني أمية ومعاوية أولهم، فالبلاء من هنا يبدأ، من سفهاء قريش الذين يهلكون الأمة ديناً ودنيا، من تبديل السنن وتعطيل معالم الدين وأحكام الشريعة وسن الملك العضوض، فهل جاء التحذير الخاص منهم على لسان أحرص الأمة وأدلها على أبواب السلامة؟ الجواب نعم، ولكن أهل الرواية بعد أن هجروا كتاب الله حملوا الأحاديث على ظهورهم كبني إسرائيل.. فلا يمعنون في معنى الحديث الصحيح، ولا يهتدون لعلل الحديث الضعيف، وهذا مرجعه إلى هجر الكتاب وضعف العقل وألفة السائد من المعايير والأفكار)([28])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته ما يسمى [حديث الدبيلة]، وقد رواه مسلم في صحيحه، وفيه ـ كما يذكر حسن بن فرحان ـ (إشارة واضحة لنفاق معاوية، ولا يعرف هذا إلا من تدبر الحديث بهدوء، فقد قاله عمار وهو متجه إلى قتال أهل الشام جواباً على قيس بن عباد، والحديث يفيد التخليد في النار، لأن فيه (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)..وهو رأي راوي الحديث عمار بن ياسر، وبه احتج وهو منطلق لقتال معاوية) ([29])

ونص الحديث كما روي في (صحيح مسلم) عن أبي نضرة عن قيس قال: قلتُ لعمار أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي: أرأياً رأيتموه أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (في أصحابي اثنا عشر منافقاً فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم: الدبيلة، وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم) ([30])

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (في أمتي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم: الدبيلة سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)

وقد روي الحديث بروايات أخرى سبب ورود الحديث، وكون معاوية من المنافقين الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن حذيفة قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقود وعمار يسوق أو عمار يقود وأنا أسوق به إذ استقبلنا اثنا عشر رجلاً متلثمين قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، قلتُ: يا رسول الله ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه وعسى يكفينيهم الدبيلة، قلنا: وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيقتله) ([31])

وقد ثبت تاريخيا ومن خلال مصادر السنة أن معاوية معاوية أصيب بالدبيلة، ومات بها، ومن تلك الروايات ما روي عن أبي بردة بن أبي موسى قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان وبه قرحة بظهره وهو يتأوه منها تأوهاً شديدا ً فقلت: أكل هذا من هذه؟ فقال: ما يسرني أن هذا التأوه لم يكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما من مسلم يصيبه أذى في جسده إلا كان كفارة لخطاياه) وهذا أشد الأذى) ([32])

والسلفية يذكرون بفخر عظيم ما ذكره معاوية من الأجر المرتبط بالمرض، وينسون حديث حذيفة وعمار، وأصحاب الدبلية الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفاقهم.

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته حديث عبادة بن الصامت في أمراء السوء الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقسم عبادة أن معاوية منهم، وهو ما رواه إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن عبادة بن الصامت، قام قائما في وسط دار أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمدا أبا القاسم يقول: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تعتبوا أنفسكم، فوالذي نفسي بيده، إن معاوية من أولئك)، فما راجعه عثمان حرفا)([33])

وقد علق عليه الشيخ حسن المالكي بقوله: (وسنده حسن، وعبادة بن الصامت بدري كبير، ليس من الطلقاء ولا الأعراب ولا المنافقين حتى نتهمه في روايته أو تفسيره للحديث، وعلى كل حال فإذا لم يكن فهمه لهذا الحديث من فهم السلف الصالح فأين سنجد فهم السلف الصالح؟ والحديث رواه الشاشي في مسنده والحاكم في المستدرك كاملاً ورواه أحمد مبتوراً) ([34])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته حديث (معاوية فرعون هذه الأمة)

ومن رواياته ما رواه الخلال وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان)([35])

ومنها ما رواه نصر بن مزاحم عن عبد الله بن عمر قال: (ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة، وما انخفضت تلك الدرجة إلا أنه قال: (أنا ربكم الأعلى)([36])

ومنها ما رواه الأصبهاني عن أبي ذر قال: قلت لمعاوية، أما انا فأشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أحدنا فرعون هذه الأمة، فقال معاوية: أما أنا فلا([37]).

وغيرها من الروايات التي خصها الشيخ حسن المالكي بدراسة مهمة ذكر فيها طرق الحديث وأسانيده، وكيف تلاعب السلفيون في القديم والحديث به، ومما جاء في مقدمته قوله: (هل لهذه الأمة فرعون؟ أتت الأحاديث السنية برجلين، وردت في كل منهما أحاديث بأنه فرعون هذه الأمة، وهما أبو جهل ومعاوية، إلا أن الحديث في أبي جهل ضعيف منقطع ولا واقع له من حيث السلطة والجنود والسحرة، والحديث في معاوية صحيح الإسناد ويدعمه الواقع من حيث الملك والجنود والسحرة والاضطهاد وتفريق الأمة شيعاً.. وكان حديث معاوية متداولاً يعرفه خواص أهل العلم في الوسط السني إلا شهرته تذبل مع الزمن حتى كانت النكبة الثقافية الأخيرة في عهد المتوكل العباسي، فأضاعت كثيراً من الأحاديث والأحداث المتداولة قبلها، حتى أصبح مشهورها غريباً، فالمرحلة المتوكلية نصرت الشق الناصبي في أهل السنة وكان قليلاً إلى أبلغ حد ممكن، وكانت نتيجة هذه المرحلة المتوكلية أن قادت السلفيةُ المحدثةُ أهلَ السنة إلى الانغلاق والتقوقع والتعصب الشديد والتكفير والتصنيف، مع عمليات هائلة من العبث بالحديث من الإخفاء للأحاديث غير المرغوب فيها والبتر لها وتحريفها وتقوية ما يضادها ولو كان موضوعاً)([38])

وقال في موضع ذاكرا مدى قوته، وكيف حاول السلفية تحريفه وتجاهله: (وهو من حديث أبي ذر، وله شاهد من حديث ابن عمر من ثلاث طرق عنه، وأسانيده صحيحة في الجملة، وهي أصح من تلك التي في أبي جهل على الأقل، مع توفر الدواعي على كتم الأولى ونشر الثانية، ثم له شواهد كحديث التابوت والموت على غير الملة والدعوة إلى النار.. وكل مثالب معاوية تشهد لبعضها، كلها نفاق وبغي ونار وظلم وفرعنة.. وقد حاول بعض أهل الحديث زحلقة هذا الحديث إلى أبي جهل والسند في ذلك منقطع، وأبو جهل لا يشبه فرعون لا في سلطانه ولا سحرته! وليس له أثر في الأمة، إنما ذلك معاوية، خاصة مع صحة الأسانيد في ذلك، ويمكن للتحقق من ذلك استعراض الآيات التي تحدثت عن فرعون، ثم النظر في سيرة معاوية، وسيندهش المتدبر، ولا يمنع السلفية من التصحيح إلا ألفتهم للمألوف ووحشتهم من الغريب، مع اعترافهم بأن الحق سيعود غريباً مع غربة الإسلام نفسه، فالغربة قد تكون من معايير الصحة وليس العكس، وقد فهم النواصب هذا الحديث في معاوية، فلذلك حاول بعضهم معارضته وتشبيه علي بفرعون بدلاً من معاوية؛ كما فعل ابن تيمية([39])وهذه طريقة ابن تيمية، فكل الأوصاف التي عاب بها علياً في منهاج السنة إنما وجدها وتحقق أنها في معاوية، فلذلك أراد قطع الطريق على من تسول له نفسه اتهام معاوية، بتهديده بأن هذا الوصف أو ذاك أقرب إلى علي بن أبي طالب، فآذن الله بالمحاربة كمعاوية، حاربه معاوية بالسيف بدعوى دم عثمان وحاربه ابن تيمية بالقلم بدعوى السلفية، والاثنان من الدهاة، أخذ الأول أكثر الأمة في القرون الأولى، وأخذ الثاني نصف الأمة في القرون الأخيرة! فإذا كان هذا دهاء الفقيه – الذي ليس معه دولة – وهو ابن تيمية في محاربة الإمام علي، وقد أخذ نصف الأمة معه، فكيف بدهاء المنافق الذي بيده الدولة وعلمائها وقصاصها وجيوشها؟ لا بد أن يكون أثره كبيراً جداً عند أكثر الأمة ولو بمستويات متفاوتة)([40])

هذه بعض الأحاديث التي وردت في شأن معاوية، تحذر منه، وتبين خطورة التحريف الذي جاء به.. وهي أحاديث متفقة تماما مع حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الأمة، ومن العجب أن يهتم السلفية بأحاديث التحذير من الدجال، ويبالغون فيها وفي الكثير من الأساطير المرتبطة بها، بينما يتغافلون على أمثال هذه الأحاديث التي ترتبط بالدين نفسه، وبالقيم النبيلة التي جاء بها.

ونحن لا نقول لهم: هذه الأحاديث صحيحة جميعا.. ولا أنها صحيحة رغم أنوفكم.. ولكن ندعوهم إلى ترك ذواتهم، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، والتعامل مع هذه الأحاديث بمثل ما يتعاملون به مع أحاديث التجسيم وتدنيس الأنبياء التي يدافعون عنها، وسيرون أن هذه الأحاديث أكثر قوة وواقعية فكل شيء يدل عليها.

3 ـ الإعراض عن الرجوع للصحابة السابقين في أحداث الفتنة:

من أكبر الدلائل الدالة على كون السلفية من الفئة الباغية، وأن أئمتهم هم أئمة الفئة الباغية إعراضهم عن النصوص الكثيرة الواردة عن الصحابة الكبار من الذين أعلنت عليهم الفئة الباغية الحرب.

وهي نصوص موجودة في كتب السنة والتاريخ، ولا يمكنهم تجاهلها، ولا تجاهل أصحابها، لأنهم من الصحابة الكبار الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجلهم.. لكنهم عندما يخالفونهم في أهوائهم يضربون بأقوالهم عرض الحائط.

وسنقتبس هنا بعض النماذج عن ذلك، لنرى مواقفهم حوله، ونرى هل يرجع السلفية حقيقة في الجرح والتعديل للصحابة والتابعين.. أم أنهم يؤثرون أهواءهم عليهم.. فيقدمون قول ابن بطة وابن معين على أقوال عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وغيرهما؟

ونحن ندعوهم من خلال هذه الآثار والنصوص إلى تطبيق أحكامهم على هؤلاء الصحابة الأجلاء، ليخرجوهم من أهل السنة بسبب موقفهم من معاوية كما أخرجوا سيد قطب والغماري والعقاد وغيرهم.

فمن الصحابة الكبار الذين وردت الأحاديث في فضلهم وصدقهم وسبقهم عمار بن ياسر.. وقد وردت عنه في كتب السنة الروايات الكثيرة التي لا تكتفي بتجريم معاوية فقط، وإنما تتهمه بالكفر والنفاق.

ومن تلك الآثار ما رواه الطبراني عن سعد بن حذيفة بن اليمان قال: قال عمار بن ياسر يوم صفين، وذكر أمرهم وأمر الصلح فقال: (والله ما أسلموا، ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما رأوا عليه أعواناً أظهروه)([41])

وقد علق الشيخ حسن بن فرحان على هذا الحديث الخطير بقوله: (السند صحيح على شرط الشيخين إلا سعد بن حذيفة بن اليمان وهو تابعي كبير ثقة، بل يحتمل أن له صحبة.. فالسند صحيح ورجاله كلهم ثقات سمع بعضهم من بعض.. وعنعنة الأعمش في الصحيحين، وهذا القول قاله عمار بن ياسر يوم صفين، ومعناه واضح؛ فعمار بن ياسر ميزان تلك الحروب يقسم بالله أن معاوية وأمثاله من رموز أهل الشام لم يسلموا يوم فتح مكة، وإنما استسلموا وخضعوا حتى يجدوا على الحق أعواناً، وله شاهد من حديث ابن عمر في قصة التحكيم: (أولى بهذا الأمر من ضربك وأباك على الإسلام حتى دخلتم فيه كرهاً) واصله في صحيح البخاري، ويدل على هذا القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] وأمثالها من الآيات التي ستتناول رؤوس الكفر أكثر من تناوله عوامهم، عدل الله يقول هكذا)([42])

ومنها أن عمار بن ياسر قال: (يا أهل الإسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما فلما أراد الله أن ينصر دينه وينصر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وهو الله فيما يُرى راهب غير راغب وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم! ألا وإنه معاوية فالعنوه لعنه الله وقاتلوه فإنه ممن يطفي نور الله ويظاهر أعداء الله)([43])

ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة والإمام أحمد في المسند، والبلاذري في الأنساب، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد فقال: (والذي نفسي بيده لقد قاتلت صاحب هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة)([44])

ومنها ما رواه البلاذري عن عبد الله بن سلمة، قال: كنا عند عمار بصفين وعنده شاعر ينشده هجاء في معاوية وعمرو؛ وعمار يقول له: الصق بالعجوزين فقال له رجل: أيقال الشعر عندكم ويسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسب أصحاب بدر؟! فقال: (إن شئت فاسمع، وإن شئت فاذهب، فإن معاوية وعمراً قعدا بسبيل الله يصدان عنه، فالله سابهما وكل مسلم، وإنه لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قولوا لهم كما يقولون لكم فإن كنا لنعلمه الإماء بالمدينة) ([45])

ومن تلك الروايات، وهي تدل على شخصية عمار الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يده وكان من نجباء أصحابه، ومن التلاميذ الصادقين للنبوة، ما حدث به عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: (اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهرت لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملاً من الأعمال هو أرض لك منه لفعلته)([46])

ومن تلك الروايات التي يتستر عليها السلفية أحباب معاوية، وأنصار الفئة الباغية، هذه الرواية الخطيرة التي تصور واقع الثورة المضادة التي قام بها معاوية، ووعي السابقين من الصحابة لذلك.

فقد حدث أسماء بن الحكم الفزارى قال: كنا بصفين مع على بن أبى طالب تحت راية عمار بن ياسر، ارتفاع الضحى – استظللنا ببرد أحمر، إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر؟ فقال عمار بن ياسر: هذا عمار. قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قال: إن لى حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سرا؟ قال: اختر لنفسك أي ذلك شئت. قال: لا، بل علانية. قال: فانطق. قال: إني خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذى نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصراً حتى كان ليلتي هذه صباح يومنا هذا، فتقدم منادينا فشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونادى بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة، ودعونا دعوة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ورسولنا واحد، فأدركني الشك في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه، فجئتك لذلك. قال له عمار: هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلتى فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات، وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن، بل هي شرهن وأفجرهن، أشهدتَ بدرا وأحدا وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها؟ قال: لا. قال: فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، هل ترى هذا العسكر ومن فيه؟ فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته، والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراما؟ قال: لا، بل حلال، قال: فإنهم كذلك حلال دماؤهم، أتراني بينت لك؟ قال: قد بينت لى، قال: فاختر أي ذلك أحببت. قال: فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال: أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أنا على حق وهم على باطل، وأيم الله لا يكون سلما سالما أبدا حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم، ولا ينصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة، وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار، وكان أحياؤهم على الباطل([47]).

هذه الرواية الخطيرة التي يصدقها كل شيء تدل على موقف السابقين الصادقين من الصحابة من الفتنة التي أحدثها معاوية ومن معه من الفئة الباغية، وأنها لم تكن قاصرة على موقف سياسي أو على مطالب بسيطة، وإنما كان الهدف منها تحريف الدين وتغييره تماما.

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما ذكره عمار بن ياسر في الحديث المشهور الذي أخبر فيه عن قتال الإمام علي لمن يريدون تحريف القرآن الكريم، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوسا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى به إلى علي، فقال: (إن منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله)، قال أبو بكر: أنا، قال: لا، قال عمر: أنا، قال: (لا، ولكن خاصف النعل) ([48])

وفي رواية عن أبي سعيد قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانقطع شسع نعله، فتناولها علي يصلحها، ثم مشى، فقال: إن منكم لمن يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، قال أبو سعيد: فخرجت فبشرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكبر به فرحا، كأنه قد سمعه([49]).

ونحب أن ننبه هنا إلى أنه لا تناقض بين هذه الروايات وبين ما روي من عدم تكفير عمار بن ياسر لأهل الشام الذين حاربوا الإمام علي([50])، لأن الكثير منهم كان من المغرر بهم، والجمع بينهما سهل يسير.

قال الشيخ حسن بن فرحان المالكي بعد إيراده لكلا النوعين من الروايات: (ولا تعارض هنا بين اتهام معاوية وأمثاله من الرموز ممن يقصدهم عمار وتفسيق عامة أهل الشام وظلمهم، ومن توهم التعارض قدمنا الأصح عن عمار وهو الحكم على هؤلاء بأنهم استسلموا ولم يسلموا قط.. لكن بالتفصيل يصح الأمر لأن في جيش أهل الشام المغرر به والأحمق ودليل ذلك إن بعضهم لحق بعلي عندما تبين له الحق)([51])

ونحب أن ننبه كذلك إلى أن أحاديث عمار الكثيرة في معاوية وموافقة كبار الصحابة بما فيهم الإمام علي عليها، يدل على ما يسميه السلفية إجماعا سكوتيا.. وذلك لعلم الصحابة بكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر عمارا علامة مميزة بين الفئة الصادقة المحافظة على أصالة الدين والفئة الباغية صاحبة الثورة المضادة.

ويدل على ذلك ما ما حدث به أبو عبد الرحمن السلمي قال: شهدنا مع علي صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتبعونه كأنه علم لهم([52]).

وقد علق الشيخ حسن المالكي على الحديث بقوله: (والسند صحيح على شرط الشيخين، وعلى هذا فقد كان على رأي عمار ثمانون من أهل بدر وثمانمائة من أصحاب بيعة الرضوان، وهذه السلفية العتيقة، لا تقاومها سلفية ابن عمر ولا غيره، مع أن ما ثبت عن المعتزلين وهم قلة سعد وابن عمر يتفق مع علي وعمار وقد ندم المعتزلون وأبرزهم سعد وابن عمر، مع أن ابن عمر ليس بدرياً.. إلا أن السلفية المحدثة غلت فيه بسبب حرصه على بيعة يزيد وتردده في بيعة علي وهذه من أخطائه رحمه الله وسامحه.. إلا أنهم لا ينقلون ندمه على ترك القتال مع علي، ولا تحديثه بحديث لعن معاوية ولا تهديد معاوية له بالقتل إن روى مثل هذه الأحاديث)([53])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر سعيد بن زيد بن عمرو، وهو ممن يعتبرهم السلفية أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد حدث محارب بن دثار قال: كان مروان على المدينة، فأمر الناس أن يبايعوا ليزيد وأرسل إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أهل الشام يدعوه إلى البيعة، قال: فخرج رجل أشعث أغبر رث الهيئة فقال: (يأمرني مروان أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتى أسلموا ولكن استسلموا فقال أهل الشام مجنون) ([54])

وفي رواية أن معاوية كتب إلى مروان بالمدينة يبايع لابنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام ما يحبسك؟ قال حتى يجئ سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد إذا بايع بايع الناس قال: أفلا أذهب فآتيك به، قال: فجاء الشامي وأنا مع أبي في الدار قال: انطلق فبايع قال: انطلق فسأجئ فأبايع فقال: لتنطلقن أو لأضرب عنقك قال: (تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم أنا قاتلتهم على الإسلام، قال: فرجع إلى مروان فأخبره، فقال له مروان: اسكت([55]).

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة، ونوساتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فم يجعل لي من الأمر شيء. فقال: الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجميع، وتسفك الدم، وتحمل على غير ذلك. فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت([56]).

والحديث واضح وصريح، وفوق ذلك هو في صحيح البخاري، وفوق ذلك كله نرى معاوية فيه كيف يتهجم على كبار الصحابة من أمثال عمر وابن عمر، بل يرى نفسه أولى بالحكم منهم.

وقد قال الشيخ حسن المالكي تعليقا على الحديث: (لا أدري لماذا لا تغضب السلفية المحدثة لعمر بن الخطاب هنا، فمعاوية يرى نفسه أولى من ابن عمر ومن عمر بالخلافة، بل إن كانت القصة في المدينة لأجل بيعة يزيد – كما في ألفاظ أخرى- فمعاوية يرى يزيد بن معاوية أولى من عمر وابن عمر بالخلافة، وهذا انتقاص شديد من معاوية لعمر بن الخطاب الذي ولاه وأحسن الظن به، سواء أكان يرى نفسه أولى من عمر أو كان يرى ابنه يزيد أولى من عمر.. ومع ذلك لا يحرك النواصب ساكناً عند هذا الحديث الذي هو في صحيح البخاري، وليس في روايات شيعة ولا معتزلة)([57])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الإمام علي الذي تجاهل السلفية كل أحاديثه في الفتنة، بل وضعوه مع الطلقاء وأهل البغي في محل واحد، وكأنهما خصمان متساويان متعادلان.

بل نراهم يفضلون معاوية عليه حين يرمون بالكذب والبهتان كل من يتحدث بفضائل الإمام علي، أو كل من يروي أحاديثه وينقل خطبه، باعتباره شيعيا، بينما لا يتهمون بذلك من كان مع معاوية وفي المعسكر المعادي للإمام علي.

ولذلك نراهم يتهمون كل من يروي مثل هذه الأحاديث الواردة عنه في الفتنة بكونه شيعيا، ومعنى كونه شيعيا في التحقيق التاريخي هو كونه كان في جيش الإمام علي في صفين أو قبلها أو بعدها، وهل يمكن عقلا أن يروي أحد أحاديث الإمام علي، وهو لم يكن معه في جيشه؟ وهل يمكن لأهل الشام الذين ملأ معاوية قلوبهم حقدا على الإمام علي أن يرووا مثل تلك الأحاديث.

ولهذا سنذكر هنا ما ورد من روايات عنه في كتب السنة وغيرها، ولا يهمنا الموقف السلفي الذي لا يطمئن إلا لأولئك الرواة الذين وثقتهم الفئة الباغية، ومن سار في صفها.

فمن تلك الروايات قول الإمام علي: (انفروا بنا إلى بقية الأحزاب، انفروا بنا إلى ما قال الله ورسوله، إنا نقول: صدق الله ورسوله، ويقولون: كذب الله ورسوله)([58]).

ومنها قوله: (انفروا إلى كذا، انفروا إلى بقية الأحزاب إلى من يقول: كذب الله ورسوله ونحن نقول: صدق الله ورسوله) ([59])

ومنها قوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا، ولكن استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة) ([60])

ومنها هذه الرواية الخطيرة التي تبين سنة الله في حصول الثورات المضادة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيها أن رجلا جاء إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم: الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد فبم نسميهم؟ قال: تسميهم بما سماهم الله في كتابه. قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه. قال: (أما سمعت الله قال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبي وبالحق، فنحن الذين آمنوا، وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى، بمشيئة الله ربنا وإرادته)([61])

ومنها كتاب كتبه إلى معاوية يقول فيه: (أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرها، وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حربا) ([62])

ومن خطبة له يوم صفين في حواره مع وفد معاوية: (ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك!، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عز وجل ولرسوله ص وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم ص الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ص وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مومن ومؤمنة، ومسلم ومسلمه)([63])

ومن كتاب له إلى معاوية: (ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبوسفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم..) ([64])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة، فقد وردت الروايات الكثيرة عنه، والتي تدل على موقفه من معاوية، ومن الفئة الباغية معه، ومنها ما رواه حبيب بن أبي ثابت، قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا، أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين) ([65])

ومن كتاب له معاوية جاء فيه: (وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّ الله خيّبك وستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك، وما الله بظلّام للعبيد) ([66])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة، فقد أرسل رسالة إلى معاوية يقول فيها: (..ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلين العابدين، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ظلما وعدوانا، بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلظة؟ أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أبلته العبادة وصفرت لونه وأنحلت جسمه؟! أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، وزعمت أنه ابن أبيك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فتركت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالفت أمره متعمدا، وابتعت هواك مكذبا، بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من الأمة وكأنها ليست منك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ألحق بقوم نسبا ليس لهم فهو ملعون)، أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك ابن سمية أنهم على دين علي، فكتبت إليه: اقتل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يضرب عليه أباك، والذي انتحالك إياه أجلسك مجلسك هذا، ولولا هو كان أفضل شرفك تجشم الرحلتين في طلب الخمور، وقلت: انظر لنفسك ودينك والأمة واتق شق عصا الألفة وأن ترد الناس إلى الفتنة، فلا أعلم فتنة على الأمة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي وديني أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلى ربي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله توفيقي لأرشد أموري؛ وأما كيدك إياي فليس يكون على أحد أضر منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك، إلا مخافة أمر لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوه، وأماتوا قبل أن يدركوه، فأبشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، واعلم أن الله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لك أخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلا خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيتك، وتبوأت مقعدك من النار فبعدا للقوم الظالمين)([67])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر عبد الله بن عباس، فمن خطبة له ألقاها في البصرة جاء فيها: (أيها الناس، استعدوا للمسير إلى إمامكم، وانفروا في سبيل الله خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون دين الحق، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر والصادع بالحق، والقيم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الذى لا يرتشى في الحكم، ولا يداهن الفجار، ولا تأخذه في الله لومة لائم)، فقام الأحنف بن قيس فقال: نعم، والله لنجيبنك، ولنخرجن معك على العسر واليسر، والرضا والكره، نحتسب في ذلك الخير، ونأمل من الله العظيم من الأجر([68]).

ومن خطبة له بصفين: (إن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعوانا على علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره، وأول ذكر صلى معه، بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل مشاهده التي فيها الفضل، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام، واعلموا: والله الذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله، لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية وأبو سفيان يقولان: كذب الله ورسوله. فما معاوية في هذه بأبر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر، وإنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل) ([69])

وهكذا كان موقف كبار التابعين الذين أقصتهم الفئة الباغية لوقوفهم مع الإمام علي، ومن بينهم محمد بن أبي بكر ـ ربيب الإمام علي وابن أسماء بنت عميس ـ فمن أقواله في معاوية رسالة مشهورة جاء فيها: (وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل، وعلى ذلك مات أبوك، وعليه خلفته، والشهيد عليك من تدني ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق..) ([70])

 ومنهم محمد بن الحنفية الذي روي عنه قوله: (لما أتاهم – يعني أتى أهل مكة- رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعلى الوادي ومن أسفله وملأ الأودية كتائب استسلموا حتى وجدوا أعوانا) ([71])

ولكن السلفية يضربون كل هؤلاء السلف بأولئك الذين قربهم معاوية، وأدناهم، ووهب لهم من الصلات ما جعلهم يسبحون بحمده حتى أن بعضهم، وهو قتادة قال: (لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي) ([72])

ومثله مجاهد الذي يروون عنه قوله: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي) ([73])

ومثله الزهري الذي يروون عنه قوله: (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئاً)([74])

ومثله الأعمش الذي ذكر عنده عمر بن عبدالعزيز وعدله فقال: (فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله) ([75])

ومثله المعافى الذي قيل له: معاوية أفضل أو عمر بن عبدالعزيز؟ فقال: (كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبدالعزيز) ([76])

فالسلفية يقبلون هذه الروايات ويحفظونها، وينشرونها، لكن روايات كبار الصحابة، وكبار التابعين، وكبار أهل بيت النبوة يرمون بها عرض الجدار، ثم يقولون بعد ذلك: لسنا من الفئة الباغية.. وهل هناك بغي أعظم من البغي على كبار الصحابة والتابعين.. وهل هناك بغي أعظم من البغي على أهل بيت النبوة الذين أمرنا بالتمسك بهم؟


([1]) تفسير ابن كثير: ج 6 / ص 374.

([2]) بحث في إسلام معاوية، ص18.

([3]) وردت قصّة انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الإمام أحمد والشيخان والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن ابن عمر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جبير بن مطعم ورواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق وأنس بن مالك ورواه الإمام أحمد والشيخان وأبو نعيم، انظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (9/ 430)

([4]) بحث في إسلام معاوية، ص24.

([5]) بحث في إسلام معاوية، ص24.

([6]) بحث في إسلام معاوية، ص25.

([7]) بحث في إسلام معاوية، ص27.

([8]) بحث في إسلام معاوية، ص27.

([9]) بحث في إسلام معاوية، ص27.

([10]) المنار المنيف (93).

([11]) وقد جمعها في سلسلة بعنوان [سلسلة مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة]

([12]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/26.

([13]) قال الشيخ حسن معلقا على هذا الحديث: (وهذا الحديث وضعت فيه كتاباً متوسطاً قد يتجاوز الأربع مائة صفحة، في طرقه وأسانيده ومواقف الناس منه، مع توسع في حرج النواصب منه ومحاولاتهم الكثيرة لإبطال معناه والرد عليها، وهو من دلائل النبوة الكبرى)

([14]) البداية والنهاية، (4/538).

([15]) البداية والنهاية، (4/538).

([16]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (35866)، وابن أبي عاصم (63)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/132)، وابن عدي في الكامل (3/164)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (18/160)

([17]) سنن الترمذي: 4/436 ــ سنن أبي داوود: 5/36، فضائل الصحابة- للامام أحمد بن حنبل ص 17، مسند احمد ج 5 ص 221.

([18]) رواه الطبراني

([19]) البلاذري في كتابه جمل من أنساب الأشراف (5 / 1978) وغيره.

([20]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/17.

([21]) وقعة صفين:217.

([22]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/18.

([23]) أحمد (2/324) والبخاري (4/242).

([24]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/18.

([25]) دراسة مفصلة حول حديث الدبيلة، ص64.

([26]) صحيح البخاري: 4 / 242)

([27]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 2/81.

([28]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 2/83.

([29]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/18.

([30]) صحيح مسلم)4/2143

([31]) رواه الطبراني في (الأوسط)، (مجمع الزوائد)1/109-111

([32]) المعجم الأوسط) للطبراني6/78

([33]) رواه الحاكم (3/401، 402) والشاشي (3/172) والبزار (7/164) ثم أحمد في المسند (8/415) – مع بتره- قال الشيخ حسن: (قد تبرع بعض المحدثين كأحمد فحذف أول الحديث –قصة بقر روايا الخمر- وحذف آخره (قول عبادة: والله إن معاوية لمنهم)!! وهذه من أخطاء أحمد – وعلى منهجه شيخه سفيان بن عيينة وتلميذه البخاري لكن أهل الجرح والتعديل لا يتكلمون!- وهؤلاء المحدثون يحذفون من الحديث مايخالف عقيدتهم! فكل ما يخشون أنه قدح في فلان أو فلان! أو ما يخشون أن يحتج به عليهم المخالفون، حذفوه أو بتروه وهم يعترفون بهذا ولا يرون في ذلك ضرراً، فمن يجرؤ على تضعيفهم؟ وقد صرح أحمد في هذا الحديث بالحذف –حذف قصة الخمر- عندما قال)فذكر الحديث)-!! فهو يلمح إلى أن الحديث معروف عند أهل الحديث لكنه تحرج من إيراد هذا) [مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/146.]

([34]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/20.

([35]) المنتخب من علل الخلال: 1/32.

([36]) وقعة صفين: ج 1 / ص 211.

([37]) أخبار أصبهان (ج7/ص40)، وهذا تعريض من أبي ذر بمعاوية، وقد كذب معاوية عندما قلب الحديث إلى ابي ذر، فهو يعلم أن ابى ذر أبعد عن أن يكون فرعون هذه الأمة.

([38]) دراسة حديثية موسعة لحديث (معاوية فرعون هذه الأمة)، ص5.

([39]) منهاج السنة (4/ 292)

([40]) مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/20.

([41]) رواه الطبراني في الكبير، ورواه ابن أبي خيثمة في تاريخه المسمى تاريخ ابن أبي خيثمة: 2 / 991)، وانظر: الهيثمي في مجمع الزوائد (1/118)

([42]) بحث في إسلام معاوية، ص67.

([43]) نصر (ص213)، تاريخ الطبري: 3 / 82)

([44]) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 7 / ص 175): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن سلمة وهو ثقة، وقال البوصيري في كتابه: (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة) (ج 8 / ص 5): رواه أبوداود الطيالسي وأبو يعلى وأحمد بن حنبل بسند صحيح.

([45]) أنساب الأشراف: 1 / 328)

([46]) تاريخ الرسل والملوك: ج 3 / ص 96)

([47]) نصر بن مزاحم في كتابه في وقعة صفين: ج 1 / ص 320)

([48]) تهذيب الخصائص ص 88.

([49]) فضائل الصحابة للإمام أحمد: 2 / 627، وانظر: مسند الإمام أحمد 3 / 82، المستدرك للحاكم 3 / 122.

([50]) ومن تلك الرويات ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة (8/722) عن زياد بن الحارث قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.

([51]) بحث في اسلام معاوية، ص85.

([52]) الاستيعاب: ج 1 / ص 352)

([53]) بحث في إسلام معاوية، ص86.

([54]) تاريخ دمشق: ج 21 / ص 89)

([55]) تاريخ دمشق: ج 21 / ص 88)

([56]) صحيح البخاري: (1 / 2025)

([57]) بحث في إسلام معاوية، ص90.

([58]) مسند البزار (2 / 191)

([59]) السنة لعبد الله بن أحمد: ج 3 / ص 253)

([60]) وقعة صفين (ص215)

([61]) وقعة صفين: ج 1 / ص 322)

([62]) شرح نهج البلاغة: 17 / 250)

([63]) تاريخ الطبري (5/ 8)

([64]) شرح نهج البلاغة: 15 / 117)

([65]) الأصبهاني في مقاتل الطالبيين (1/19)

([66]) مقاتل الطالبيين (ص: 65)

([67]) انظر: طبقات ابن سعد (ترجمة الحسين)، والأخبار الطوال للدينوري، وتاريخ دمشق، وتهذيب المزي، ونبلاء الذهبي، والبداية لابن كثير وغيرهم، وأكمل صيغة للرسالة رواها البلاذري في أنساب الأشراف (ج 2 / ص 119)

([68]) وقعة صفين (ص: 116)

([69]) وقعة صفين (ص: 318)

([70]) مروج الذهب: 1 / 352)

([71]) وقعة صفين(ص216)

([72]) السنة؛ للخلال (1/438)

([73]) السنة؛ للخلال (1/438)

([74]) السنة؛ للخلال (1/444)

([75]) السنة؛ للخلال (1/437)

([76]) السنة؛ للخلال (1/435)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *