الولي العارف

الولي العارف

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

من المعاني العظيمة التي أتذكرها في هذه الأيام.. أيام شهادتك.. ولايتك ومعرفتك.. فأنت ولي الله والعارف به والهادي إليه.. وأنت الصراط المستقيم.. وأنت المثال النموذجي للشخصية المسلمة في أوج كمالها.. وكيف لا تكون كذلك أنت تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخالصة.. فقد رباك على عينه مذ كنت صبيا صغيرا.. ثم رباك القرآن الكريم الذي عشت حياتك كلها تدافع عن تنزيله وتأويله إلى أن استشهدت في سبيله.

وخير من عبر عن ولايتك سيدي هي كلماتك الشريفة التي تصف بها عباد الله المقربين، ولم تكن تصف في الحقيقة إلا نفسك، فأنت نموذجهم الأعلى، ومثلهم الأسمى، وقدوتهم الحسنة.

ومن تلك الكلمات قولك ـ في وصف أولياء الله ـ: (إنّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل النّاس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودركهم لها فوتا، أعداء ما سالم النّاس، وسلم ما عادى النّاس، بهم علم الكتاب وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون، ولا مخوفا فوق ما يخافون) ([1])

ومنها قولك في وصف المؤمن: (المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شي‏ء صدرا، وأذلّ شي‏ء نفسا، يكره الرّفعة، ويشنأ السّمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلّته، سهل الخليقة، ليّن العريكة، نفسه أصلب من الصّلد، وهو أذلّ من العبد) ‏([2])

ومنها قولك، وأنت تصف أخا لك في الله لم تسمه: (‏كان لي فيما مضى أخ في اللّه، وكان يعظمه في عيني: صغر الدّنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فإن قال بذّ القائلين، ونقع غليل السّائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب، وصلّ واد، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضيا، وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلّا عند برئه، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه‏ على أن يتكلّم، وكان إذا بدهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه) ([3])

ثم قلت لأصحابك واعظا: (فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير)

وهكذا عرفت الولاية من خلال وصفك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النجباء الذين أحسنوا الصحبة، وأعطوها حقها، وحافظوا على عهودهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يبيعوها بمتاع من الدنيا قليل، فقد قلت في وصفهم: (لقد رأيت أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فما أرى أحدا يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، وقد باتوا سجّدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأنّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء للثّواب)([4])

وكنت تضرب لهم الأمثلة على هؤلاء الأولياء الأصفياء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ومن ذلك قولك عند استشهاد عمار بن ياسر: (إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار، ولم يدخل عليه بقتله مصيبة موجوعة، لغير رشيد. رحم اللّه عمارا يوم أسلم، ورحم اللّه عمارا يوم قتل، ورحم اللّه عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا ما يذكر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلّا كان الخامس. وما كان أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يشكّ في أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئا لعمار الجنة، عمار مع الحق أين ما دار، وقاتل عمار في النار) ([5])

أما معارفك سيدي، والمرتبطة بولايتك.. والتي هي هبة من الله لقلبك الطاهر الذي لم يزغ، ولم تنحرف به السبل عن منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهي كثيرة جدا.. وهي كفيلة بأن تقضي على كل ذلك الدجل الذي حرفت به العقائد، فارتبطت بالخرافة والأسطورة، بقدر ابتعادك عنك، وبقدر ارتباطها بالدجالين والمحرفين الذين كلفت بحربهم ومواجهتهم.

لكني سأقتصر هنا على أربعة أنواع من المعارف الكبرى.. لو أن الأمة اعتصمت فيها بكلامك، لما وقع بينها الضلال في العقائد، ولما دخل التجسيم والخرافة والأسطورة لهذه الأمة، كما دخل على الأمم قبلها.

المعرفة بالله:

أما معرفتك ـ سيدي ـ بالله، وتعريفك به.. فهو في منتهى الجمال والقوة والعقلانية.. وهو يتوافق تماما مع كل المعارف القرآنية، بل لا يصطدم بأي حرف منها، وهل يمكن أن يتعارض القرآن الصامت مع القرآن الناطق.

ولا يمكنني هنا أن أسرد عليك ما وصلنا من أقوالك في المعارف الإلهية، ولكني سأشرف لساني بذكر بعضها..

فمن ذلك قولك في تلك الخطبة التي وضعت فيها الأسس الكبرى للمعرفة الإلهية، لتحميها من التجسيم والخرافة والشرك والاتحاد والحلول، فقلت: (أوّل الدّين معرفته، وكمال معرفته التّصديق به، وكمال التّصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصّفة. فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: (فيم؟) فقد ضمّنه، ومن قال: (على م؟) فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شي‏ء لا بمقارنة، وغير كلّ شي‏ء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده) ‏([6])

ثم رحت تصف فيها كيفية خلق العالم، لتنفي كل الضلالات المرتبطة بذلك، فقلت: (أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بلا رويّة أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولأم بين مختلفاتها، وغرّز غرائزها، وألزمها أشباحها، عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها)

ومن كلامك في المعرفة الإلهية، والذي لا نزال نردده تلك الخطبة العظيمة التي رواها لنا تلميذ النجيب نوف البكاليّ، وقال ـ واصفا الحال التي كنت عليها حين ألقيتها ـ: خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين عليّ بالكوفة وهو قائم على حجارة، نصبها له جعدة بن هبيرة المخزوميّ، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكأنّ جبينه ثفنة من أثر السجود) ([7])

ثم راح يسرد الخطبة بطولها، ومما ورد فيها مما يتعلق بالمعارف الإلهية قولك: (لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدّمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبير المتقن، والقضاء المبرم)

ثم رحت ـ سيدي ـ تسرد شواهد العظمة من خلال دعوتك للنظر في الكون.. فالكون هو دليل المكون، فقلت: (فمن شواهد خلقه خلق السّماوات موطّدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات، غير متلكّئات ولا مبطئات، ولو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة، وإذعانهنّ بالطّواعية، لما جعلهنّ موضعا لعرشه، ولا مسكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطّيّب، والعمل الصّالح من خلقه.. فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج، في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السّفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرّعد في أفق السّماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة، تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السّماء، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها، ومسحب الذّرّة ومجرّها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها)

ثم رحت تنزه الله عن المحل والمكان والزمان والآلة، وكل ما هو من شيم النقصان، فقلت: (الحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسيّ أو عرش، أو سماء أو أرض، أو جانّ أو إنس، لا يدرك بوهم، ولا يقدّر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين، ولا يحدّ بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج ولا يدرك بالحواسّ، ولا يقاس بالنّاس، الّذي كلّم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات)

ثم رحت لأولئك الذين جسموا الله وقيدوه وحدوه، وما أكثرهم في عصرك.. وما أكثرهم في العصور التي تلتك، تتحداهم، وتقول: (بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك، فصف جبريل وميكائيل، وجنود الملائكة المقرّبين، في حجرات القدس مرجحنّين، متولّهة عقولهم، أن يحدّوا أحسن الخالقين. فإنّما يدرك بالصّفات، ذوو الهيئات والأدوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء، فلا إله إلّا هو، أضاء بنوره كلّ ظلام، وأظلم بظلمته كلّ نور)

ومن كلماتك النيرة في المعرفة الإلهية، ما ذكرته في خطبتك المعروفة بالوسيلة، والتي قلت فيها: ‏(الحمد لله الذي أعدم الأوهام أن تنال إلى وجوده، وحجب العقول أن تختال‏ ذاته، لامتناعها من الشّبه والتشاكل، بل هو الذي لا تتفاوت ذاته، ولا تتبعّض بتجزئة العدد في كماله. فارق الأشياء لا باختلاف الأماكن، ويكون فيها لا على الممازجة، وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلّا بها، وليس بينه وبين معلومه علم غيره كان عالما لعلومه. إن قيل: كان، فعلى تأويل أزليّة الوجود. وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه فاتّخذ إلها غيره علوّا كبيرا) ([8])

ومن كلماتك النيرة في المعرفة الإلهية، قولك في القرب الإلهي ومعناه: (الحمد للّه الّذي بطن خفيّات الأمور، ودلّت عليه أعلام الظّهور، وامتنع على عين البصير، فلا عين من لم يره تنكره، ولا قلب من أثبته يبصره. سبق في العلوّ فلا شي‏ء أعلى منه، وقرب في الدّنوّ فلا شي‏ء أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شي‏ء من خلقه، ولا قربه ساواهم في المكان به. لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الّذي تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى اللّه عمّا يقوله المشبّهون به، والجاحدون له علوّا كبيرا) ([9])

ومن خطبك في المعرفة الإلهية هذه الخطبة التي نزهت الله فيها وقدسته عما لا يليق بجلاله، فقلت: (الحمد للّه المعروف من غير رؤية، والخالق من غير رويّة، الّذي لم يزل قائما دائما، إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات إرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فجّ ذو اعوجاج، ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه، والشّمس والقمر دائبان في مرضاته، يبليان كلّ جديد، ويقرّبان كلّ بعيد. قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفاسهم، وخائنة أعينهم، وما تخفي صدورهم من الضّمير، ومستقرّهم ومستودعهم من الأرحام والظّهور، إلى أن تتناهى بهم الغايات. هو الّذي اشتدّت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، واتّسعت رحمته‏ لأوليائه في شدّة نقمته، قاهر من عازّه، ومدمّر من شاقّه، ومذلّ من ناواه، وغالب من عاداه، من توكّل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن أقرضه قضاه، ومن شكره جزاه) ([10])

ومن كلماتك في المعرفة الإلهية هذه الخطبة التي بينت فيها عظمة الله التي لا تحد ولا تقدر، فقلت: (الحمد للّه الّذي لم تسبق له حال حالا، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا. كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكلّ عزيز غيره ذليل، وكلّ قويّ غيره ضعيف، وكلّ مالك غيره مملوك، وكلّ عالم غيره متعلّم، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز، وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، ويصمّه كبيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان، ولطيف الأجسام، وكلّ ظاهر غيره باطن، وكلّ باطن غيره غير ظاهر. لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوّف من عواقب زمان، ولا استعانة على ندّ مثاور، ولا شريك مكاثر، ولا ضدّ منافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون. لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن. ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن. لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عمّا خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر، بل قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، المأمول مع النّقم، المرهوب مع النّعم) ‏([11])

ومنها خطبتك العظيمة المعروفة بـ (خطبة الأشباح) ‏([12])، والتي أجبت فيها عمن طلب منك أن تصف الله تعالى حتى كأنه يراه عيانا، فقلت له: (الحمد للّه الّذي لا يفره المنع والجمود، ولا يكديه الإعطاء والجود، إذ كلّ معط منتقص سواه، وكلّ مانع مذموم ما خلاه، وهو المنّان بفوائد النّعم، وعوائد المزيد والقسم، عياله الخلائق، ضمن أرزاقهم، وقدّر أقواتهم، ونهج سبيل الرّاغبين إليه، والطّالبين ما لديه، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل. الأوّل الّذي لم يكن له قبل فيكون شي‏ء قبله، والآخر الّذي ليس له بعد فيكون شي‏ء بعده، والرّادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه، ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال. ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلزّ اللّجين والعقيان، ونثارة الدّرّ وحصيد المرجان، ما أثّر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام، لأنّه الجواد الّذي لا يغيضه سؤال السّائلين، ولا يبخله إلحاح الملحّين)

ثم رحت تحذره والأمة من بعده عن الرغبة عن المعارف القرآنية إلى المعارف البشرية الشيطانية التي تشوه الله في الوقت الذي تدعي تنزيهه وتعظيمه، فقلت له: (فانظر أيّها السّائل، فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به، واستضئ بنور هدايته، وما كلّفك الشّيطان علمه، ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السّلام أثره، فكل علمه إلى اللّه سبحانه، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك)

ثم رحت تبين له صفة المعرفة الإلهية عند الراسخين في العلم، فقلت: (و اعلم أنّ الرّاسخين في العلم، هم الّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا. فاقتصر على ذلك، ولا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك، فتكون من الهالكين)

ولو أن الأمة سيدي أخذت منك هذه النصيحة الغالية لما دب الخلاف بينها، ولما قام للخرافة والشرك فيها سوق.. ولكنها أعرضت عنها، وراحت إلى تراث الأمم الأخرى تنهل منه، بعد أن أعرضت عن سفينة نجاتها، وحبل الله الممدود إليها.

ثم رحت ـ سيدي ـ تبين استحالة معرفة الله من خلال الوهم أو الفكر أو أي سبيل.. فقلت: (هو القادر الّذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولّهت القلوب إليه لتجري في كيفيّة صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلّصة إليه سبحانه، فرجعت إذ جبهت، معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولي الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته)

ثم رحت ترد على المجسمة الذي كانت الفئة الباغية تقربهم وتصلهم لينشروا سمومهم في الأمة، ويحرفوا عقائدها، فقلت: (كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزّؤوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، وأشهد أنّ من ساواك بشي‏ء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك، وإنّك أنت اللّه الّذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا، ولا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا)

ثم رحت سيدي تسرد من نواحي القدرة الإلهية ما يملأ القلوب مهابة وتعظيما، فقلت: (قدّر ما خلق فأحكم تقديره، ودبّره فألطف تدبيره، ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته، فكيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيئته؟. المنشئ أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من حوادث الدّهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، فتمّ خلقه بأمره، وأذعن لطاعته، وأجاب إلى دعوته، لم يعترض دونه ريث المبطئ، ولا أناة المتلكّئ، فأقام من الأشياء أودها، ونهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادّها، ووصل أسباب قرائنها، وفرّقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار، والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها)

ومن كلماتك ـ سيدي ـ في المعرفة الإلهية هذه الكلمات التي تبين فيها علاقة الكائنات بباريها، وعلاقته بها، فقد قلت فيها: (كلّ شي‏ء خاشع له، وكلّ شي‏ء قائم به، غنى كلّ فقير، وعزّ كلّ ذليل، وقوّة كلّ ضعيف، ومفزع كلّ ملهوف، من تكلّم سمع نطقه، ومن سكت علم سرّه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه منقلبه. لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك. لم تخلق الخلق لوحشة، ولا استعملتهم لمنفعة، ولا يسبقك من طلبت، ولا يفلتك من أخذت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك، ولا يردّ أمرك من سخط قضاءك، ولا يستغني عنك من تولّى عن أمرك. كلّ سرّ عندك علانية، وكلّ غيب عندك شهادة، أنت الأبد فلا أمد لك، وأنت المنتهى فلا محيص عنك، وأنت الموعد فلا منجى منك إلّا إليك، بيدك ناصية كلّ دابّة، وإليك مصير كلّ نسمة) ‏([13])

ومنها قولك في وصيتك لابنك الحسن في دلائل التوحيد، والتي تقول فيها له: (واعلم يا بنيّ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه أحد، ولا يزول أبدا ولم يزل، أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر) ([14])

ومنها قولك في خطبة أخرى تنزه الله فيها عن ادعاءات المجسمة والحشوية وتبرهن على ذلك بأصناف الأدلة التي لا تجد العقول السليمة إلا أن تستسلم لها: (الحمد للّه الدّالّ على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أن لا شبه له، لا تستلمه المشاعر، ولا تحجبه السّواتر، لافتراق الصّانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والرّبّ والمربوب. الأحد بلا تأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب، والسّميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة، والشّاهد لا بمماسّة، والبائن لا بتراخي مسافة، والظّاهر لا برؤية، والباطن لا بلطافة. بان من الأشياء بالقهر لها، والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له، والرّجوع إليه. من وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله، ومن قال: كيف؟ فقد استوصفه، ومن قال: أين؟ فقد حيّزه. عالم إذ لا معلوم، وربّ إذ لا مربوب، وقادر إذ لا مقدور) ‏([15])

ومن ذلك كلماتك سيدي التي كنت ترد بها على نفاة القدر.. ومنها هذه المحاججة التي نقلت لنا عنك، فقد ذكر المحدثون أن سائلا سألك عن القدر([16])، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر؟ فأجبته: بحر عميق فلا تلجه.. فعاد فسأل، فأجبته: سرّ اللّه عزّ وجلّ قد خفي عليك فلا تفشه.. فعاد فسأل، فأجبته: أيّها السائل، إنّ اللّه عزّ وجل خلقك لما شاء أو لما شئت؟ فقال: بل لما شاء.. فقلت له: فيستعملك لما شاء أو لما شئت؟.. قال: بل لما شاء.. فقلت له: أيّها السائل، أ لست تسأل ربّك العافية؟.. قال: بلى.. فقلت له: فمن أيّ شي‏ء تسأله العافية، من البلاء الذي ابتلاك به أو البلاء الذي ابتلى به غيرك؟.. قال: بل من البلاء الذي ابتلاني به هو.. فقلت له: أيّها السائل، ألست تقول: لا حول ولا قوّة إلّا… بمن؟.. قال: إلّا بالله العلي العظيم.. فقلت له: أيّها السائل، أتعلم ما تفسيرها؟.. قال: علّمني مما علّمك اللّه يا أمير المؤمنين؟.. فقلت له: فإنّ تفسيره أن العبد لا يقدر على طاعة اللّه، ولا تكون له قوّة في معصية في الأمرين جميعا إلّا بالله جلّ وعزّ.

ثم رحت تضع له الاحتمالات في ذلك، وقلت: (أيّها السائل، ألك مع اللّه جلّ وعزّ مشيئة، أو فوق اللّه مشيئة، أو دون ذلك مشيئة؟ فإن زعمت أن لك دون اللّه مشيئته فقد اكتفيت بها عن مشيئة اللّه، وإن زعمت أنّ لك فوق اللّه مشيئة فقد زعمت أنّ قوّتك ومشيئتك غالبتان على قوّة اللّه ومشيئته، وإن زعمت أنّ لك مع اللّه عزّ وجل مشيئة فقد زعمت أنّ لك مع اللّه شركا في مشيئته)

ثم قلت له: أيّها السائل، إنّ اللّه عزّ وجل يصح ويداوي، منه الدّاء ومنه الدواء، أعقلت؟.. فقال: نعم.

وغيرها من كلماتك ـ سيدي ـ التي حفظت بها حمى التوحيد من أن يصيبه دنس التشبيه والتجسيم والشرك والحلول والاتحاد.. كما أصاب غيرنا من الأمم، بل كما أصاب من غفلوا عن هديك وهدي قرآنهم ونبيهم وراحو إلى المنابع المدنسة يأخذون عنها.

المعرفة بملائكة الله:

تلك قطرة من بحر معارفك بالله.. أما المعارف المرتبطة بعالم الملائكة.. فقد بثثت لنا منها الكثير.. ولو أننا تدبرنا ما ذكرت، وأعملناه، كما أوصانا بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما دخلت تلك التشويهات والتدنيسات لهذه العوالم المقدسة.

ومن ذلك وصفك للملائكة عليهم السلام، وتنزيهك لهم عن تلك الأوصاف التي كانت تنتشر في المجتمع حينها، والتي سربتها إلى الإسلام خرافات الأمم السابقة.

فقد قلت ـ سيدي ـ في خطبة من خطبك تصفهم: (.. من ملائكة أسكنتهم سماواتك، ورفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك. لم يسكنوا الأصلاب، ولم يضمّنوا الأرحام، ولم يخلقوا من ماء مهين، ولم يتشعّبهم ريب المنون. وإنّهم على مكانهم منك، ومنزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك، وكثرة طاعتهم لك، وقلّة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك، لحقّروا أعمالهم، ولزروا على أنفسهم، ولعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك، ولم يطيعوك حقّ طاعتك) ‏([17])

وقلت في خطبة أخرى: (ثمّ خلق سبحانه لإسكان سماواته، وعمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، وملأ بهم فروج فجاجها، وحشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبّحين منهم في حظائر القدس، وسترات الحجب، وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرّجيج الّذي تستكّ منه الأسماع، سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها. وأنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أُولِي أَجْنِحَةٍ تسبّح جلال عزّته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا معه ممّا انفرد به، { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (26) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون} [الأنبياء:26-27].. جعلهم اللّه فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحمّلهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشّبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدّهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده. لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب اللّيالي والأيّام، ولم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظّنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم) ([18])

المعرفة برسل الله:

أما ما وصلنا من معارفك حول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهي في منتهى السمو والرفعة.. وهي ترد على كل أولئك الجحافل الذين حاولوا أن يشوهوا النبوة ويدنسوها..

ومن كلماتك التي لا نزال نرددها قولك: (واصطفى سبحانه من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرّسالة أمانتهم، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم، فجهلوا حقّه، واتّخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشّياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته. فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم‏ موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم. ولم يخل اللّه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجّة لازمة، أو محجّة قائمة، رسل لا تقصّر بهم قلّة عددهم، ولا كثرة المكذّبين لهم، من سابق سمّي له من بعده، أو غابر عرّفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدّهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء) ([19])

وفي خطبة أخرى قلت تذكرهم: (فلمّا مهد أرضه، وأنفذ أمره، اختار آدم عليه السّلام خيرة من خلقه، وجعله أوّل جبلّته، وأسكنه جنّته، وأرغد فيها أكله، وأو عز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمه أنّ في الإقدام عليه التّعرّض لمعصيته، والمخاطرة بمنزلته. فأقدم على ما نهاه عنه، موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التّوبة، ليعمر أرضه بنسله، وليقيم الحجّة به على عباده. ولم يخلهم بعد أن قبضه، ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته، ويصل بينهم وبين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه، ومتحمّلي ودائع رسالاته، قرنا فقرنا، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حجّته، وبلغ المقطع عذره ونذره) ‏([20])

وهكذا كنت تستشهد بهم، وبهديهم كل حين.. ومن ذلك قولك في هذه الخطبة التي ذكرت فيها زهد الأنبياء عليهم السلام، فقلت عن موسى الكليم عليه السّلام: (و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه عليه السّلام حيث يقول: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، واللّه ما سأله إلّا خبزا يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذّب لحمه)

وقلت عن داود عليه السلام: (و إن شئت ثلّثت بداود عليه السّلام صاحب المزامير، وقارئ أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: أيّكم يكفيني بيعها؟ ويأكل قرص الشّعير من ثمنها)

وقلت عن عيسى المسيح عليه السّلام‏: (و إن شئت قلت في عيسى ابن مريم عليه السّلام فلقد كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن، ويأكل الجشب، وكان إدامه الجوع، وسراجه باللّيل القمر، وظلاله في الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، وخادمه يداه)

وهكذا كنت تثني عليهم، وتبين فضلهم وخلالهم وسموهم، وترد عند ذلك كله على أولئك الذين تركوا القرآن وتركوا نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ووليه الناصح، وذهبوا إلى اليهود وتلاميذ اليهود يأخذون عنهم عقائدهم ودينهم ومواقفهم.

أما أحاديثك ـ سيدي ـ عن حبيبك وخليلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تعد ولا تحصى.. فأنت تذكره كل حين، وفي كل كلمة، وفي كل خطبة..

بل إنك كنت تقول لمن امتلأوا عجبا منك ومما آتاك الله من فضله: (ويلك، إنما أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم)([21])

ومن كلماتك التي حفظتها لنا الدواوين قولك ـ وأنت تلي غسله صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزه ـ: (بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك، من النّبوّة والإنباء، وأخبار السّماء، خصّصت حتّى صرت مسلّيا عمّن سواك، وعمّمت حتّى صار النّاس فيك سواء. ولو لا أنّك أمرت بالصّبر، ونهيت عن الجزع، لأنفدنا عليك ماء الشّؤون، ولكان الدّاء مماطلا، والكمد محالفا، وقلّا لك، ولكنّه ما لا يملك ردّه، ولا يستطاع دفعه. بأبي أنت وأمّي، اذكرنا عند ربّك، واجعلنا من بالك) ([22])

ومن كلماتك فيه وأنت تصفه، وتدعو إلى التأسي به، والاستنان بسنته: (فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاء لمن تعزّى، وأحبّ العباد إلى اللّه المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره. قضم الدّنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدّنيا كشحا، وأخمصهم من الدّنيا بطنا، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقّر شيئا فحقّره، وصغّر شيئا فصغّره. ولو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض اللّه ورسوله، وتعظيمنا ما صغّر اللّه ورسوله، لكفى به شقاقا للّه، ومحادّة عن أمر اللّه) ([23])

وقلت تصفه: (لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه. ويكون السّتر على باب بيته، فتكون فيه التّصاوير فيقول: يا فلانة- لإحدى أزواجه- غيّبيه عنّي، فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها. فأعرض عن الدّنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتّخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا، ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها من النّفس، وأشخصها عن القلب، وغيّبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه، وأن يذكر عنده. ولقد كان في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدلّك على مساوئ الدّنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصّته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته. فلينظر ناظر بعقله، أكرم اللّه محمّدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال: أهانه فقد كذب واللّه العظيم بالإفك العظيم. وإن قال: أكرمه، فليعلم أنّ اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له، وزواها عن أقرب النّاس منه. فتأسّى متأسّ بنبيّه، واقتصّ أثره، وولج مولجه، وإلّا فلا يأمن الهلكة، فإنّ اللّه جعل محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم علما للسّاعة، ومبشّرا بالجنّة، ومنذرا بالعقوبة، خرج من الدّنيا خميصا، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربّه. فما أعظم منّة اللّه عندنا حين أنعم علينا به، سلفا نتّبعه، وقائدا نطأ عقبه) ([24])

وقلت في خطبة أخرى تذكر فضله: (و أشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المقرّ في خير مستقرّ، المتناسخ من أكارم الأصلاب، ومطهرات الأرحام، المخرج من أكرم المعادن محتدا، وأفضل المنابت منبتا، من أمنع ذروة وأعزّ أرومة، من الشجرة التي صاغ اللّه منها أنبياءه، وانتخب منها أمناءه، الطيّبة العود، المعتدلة العمود، الباسقة الفروع، الناضرة الغصون، اليانعة الثّمار، الكريمة الحشاء. في كرم غرست، وفي حرم أنبتت، وفيه تشعّبت وأثمرت، وعزّت وامتنعت، فسمت به وشمخت، حتى أكرمه اللّه عزّ وجلّ بالروح الأمين، والنور المبين، والكتاب المستبين، فسخّر له البراق، وصافحته الملائكة، وأرعب به الأباليس، وهدم به الأصنام، والآلهة المعبودة دونه. سنّته الرشد، وسيرته العدل، وحكمه الحقّ، صدع بما أمره ربّه، وبلّغ ما حمله، حتّى أفصح بالتوحيد دعوته، وأظهر في الخلق أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، حتّى خلصت له الوحدانيّة، وصفت له الربوبيّة، وأظهر اللّه بالتوحيد حجّته، وأعلى بالإسلام درجته، واختار اللّه عزّ وجلّ لنبيّه ما عنده من الرّوح والدرجة والوسيلة، صلّى اللّه عليه عدد ما صلّى على أنبيائه المرسلين، وآله الطاهرين) ([25])

وقلت في كلمة أخرى تذكر فضله ومكانته عند الله: (اللّهم فمن جهل فضل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فإنّي مقرّ بأنّك ما سطحت أرضا، ولا برأت خلقا، حتّى أحكمت خلقه وأتقنته، من نور سبقت به السّلالة، وأنشأت آدم له جرما، فأودعته منه قرارا مكينا، ومستودعا مأمونا، وأعذته من الشيطان، وحجبته عن الزيادة والنقصان، وجعلت له الشرف الذي به تسامى عبادك، فأيّ بشر كان مثل آدم- فيما سقت الأخبار وعرفتنا كتبك- في عطاياك؟ أسجدت له ملائكتك، وعرّفته ما حجبت عنهم من علمك، إذ تناهت به قدرتك، وتمّت فيه مشيّتك)([26])

وبعد أن ذكرت أصوله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قلت: (فسبحانك لا إله إلّا أنت، أيّ صلب أسكنته فيه لم ترفع ذكره؟ وأيّ نبيّ بشّر به فلم تتقدّم في الأسماء اسمه؟ وأيّ ساحة من الأرض سلكت به لم يظهر بها قدسه؟ حتّى الكعبة التي جعلت منها مخرجه، غرست أساسها بياقوتة من جنّات عدن، وأمرت الملكين المطهّرين: جبرئيل وميكائيل، فتوسطا بها أرضك، وسمّيتها بيتك، واتخذتها معبدا لنبيّك، وحرمت وحشها وشجرها، وقدّست حجرها ومدرها!، وجعلتها مسلكا لوحيك، ومنسكا لخلقك، ومأمن المأكولات، وحجابا للآكلات العاديات، تحرّم على أنفسها إذعار من أجرت) ([27])

وقلت في خطبة أخرى تذكر بقيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما كلف به من وظائف: (فتوفّى اللّه محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم سعيدا شهيدا، هاديا مهديّا، قائما بما استكفاه، حافظا لما استرعاه، تمّم به الدين، وأوضح به اليقين، وأقرّت العقول بدلالته، وأبان به حجج أنبيائه، فاندمغ الباطل زاهقا، ووضح العدل ناطقا، وعطّل مظانّ الشيطان، وأوضح الحقّ والبرهان. اللّهمّ فاجعل فواضل صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفتك ورحمتك، على محمّد نبيّ الرحمة، وعلى أهل بيته الطاهرين) ([28])

و من كلام لك في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم: (.. كان حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أرجع أرحم] الناس بالناس، كان لليتيم كالأب الرحيم، وللأرملة كالزوج الكريم.. وكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشجع الناس قلبا، وأبذلهم كفا، وأصبحهم وجها، وأطيبهم ريحا، وأكرمهم حسبا، لم يكن مثله ولا مثل أهل بيته في الأولين والآخرين.. كان لباسه العباء، وطعامه خبز الشعير، ووسادته الأدم محشوّة بليف النخل، وسريره أمّ غيلان مرملا بالشريط.. يا أهل الكتاب كان حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعقل البعير، ويعلف الناضح، ويحلب الشاة، ويرقع الثوب، ويخصف النعل)([29])

و من كلام آخر لك في وصف خلق رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته([30])، وأنت تخاطب ابن الحسين، وتصف له جده صلى الله عليه وآله وسلم: (كان دخول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه مأذونا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزّء دخوله ثلاثة أجزاء: جزء اللّه، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزّء جزأه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدّخر عنهم منه شيئا)

ثم رحت تفصل له كيف كان صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع الناس، فقلت: (و كان من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في جزء الأمة: إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم وأصلح الأمّة، من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ويقول: أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها، ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة. ولا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون روّادا- ولا يفترقون إلا عن ذواق- ويخرجون أدلّة فقهاء)

وعندما سألك ابنك الحسين عن مخرجه صلى الله عليه وآله وسلم وكيف كان يصنع فيه، أجبته بقولك: (كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيه، ويؤلّفهم ولا يفرّقهم، وكان يكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم. وكان يحذّر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويهوّنه. معتدل الأمر غير مختلف. لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا. وكان لكل حال عنده عتاد. وكان لا يقصر عن الحق ولا يجوزه. وكان الذين يلونه من الناس خيارهم. وكان أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة لهم)

وقلت له حينما سألك عن مجلسه صلى الله عليه وآله وسلم: (كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر اللّه جل اسمه، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه منه، حتى لا يحسب من جالسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاومه في حاجة صابره، حتى يكون هو المنصرف عنه. من سأله حاجة لم يرجع إلا بها، أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا يوهن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، ترى جلساءه متعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب)

وقلت له حينما سألك عن سيرته في جلسائه صلى الله عليه وآله وسلم: (كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه راجيه، ولا يخيّب فيه مؤمّليه. قد ترك نفسه من ثلاث: من المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت‏ تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، وكان يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه، وكان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام)

وقلت له حينما سألك عن سكوته صلى الله عليه وآله وسلم: (كان سكوت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر. فأما التقدير ففي تسوية النظر، والاستماع بين الناس. وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى. وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شي‏ء ولا يستفزّه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به. وتركه القبيح لينتهى عنه. واجتهاده الرأي في صلاح أمته. والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة)

هذه بعض أوصافك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت أعرف الناس به، وأكثرهم معاشرة ومعايشة له.. ولو أن الأمة أخذت بها، واكتفت، لما طال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك التشويهات التي ألقاها الشيطان على ألسنة من لم يعرفوه، ولم يقدروه حق قدره.

معرفة المعاد:

أما المعارف المرتبطة بالمعاد.. فقد بثثت لنا منها الكثير.. ولاتخلو خطبة ولا رسالة من رسائلك من ذكر الموت وما بعده..وليس ذلك عجيبا منك، فأنت ابن القرآن.. وما كان لك أن تقصر في منهجه الذي يربط الدنيا بالآخرة، ويربط العمل بالجزاء.

ومن كلماتك المأثورة ـ سيدي ـ في هذا قولك في وصيتك لابنك الحسن، والتي تقول فيها له: (يا بنيّ، أكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه، حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك. وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها وتكالبهم عليها، فقد نبّأك الله عنها، ونعت هي لك عن نفسها، وتكشّفت لك عن مساويها. فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهرّ بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، نعم معقّلة وأخرى مهملة، قد أضلّت عقولها، وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث، ليس لها راع يقمها، ولا مسيم يسيمها، سلكت بهم الدّنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتّخذوها ربّا فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها) ([31])

ومنها قولك في خطبة من خطبك: (فاتّقوا الله عباد اللّه، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم، وترحّلوا فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا.. فإنّ الله سبحانه لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلّا الموت أن ينزل به.. وإنّ غاية تنقصها اللّحظة، وتهدمها السّاعة، لجديرة بقصر المدّة، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان اللّيل والنّهار، لحريّ بسرعة الأوبة، وإنّ قادما يقدم بالفوز أو الشّقوة، لمستحقّ لأفضل العدّة، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا، ما تحرزون به أنفسكم غدا)

وقلت في خطبة أخرى: (بادروا الموت وغمراته، وامهدوا له قبل حلوله، وأعدّوا له قبل نزوله، فإنّ الغاية القيامة، وكفى بذلك واعظا لمن عقل، ومعتبرا لمن جهل. وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس، وشدّة الإبلاس، وهول المطّلع، وروعات الفزع، واختلاف الأضلاع، واستكاك الأسماع، وظلمة اللّحد، وخيفة الوعد، وغمّ الضّريح، وردم الصّفيح.. فاللّه اللّه، عباد اللّه! فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن، وأنتم والسّاعة في قرن، وكأنّها قد جاءت بأشراطها، وأزفت بأفراطها، ووقفت بكم على صراطها.. وكأنّها قد أشرفت بزلازلها، وأناخت بكلاكلها، وانصرمت الدّنيا بأهلها، وأخرجتهم من حضنها، فكانت كيوم مضى، أو شهر انقضى، وصار جديدها رثّا، وسمينها غثّا، في موقف ضنك المقام، وأمور مشتبهة عظام، ونار شديد كلبها، عال لجبها، ساطع لهبها، متغيّظ زفيرها، متأجّج سعيرها، بعيد خمودها، ذاك وقودها، مخوف وعيدها، عم قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها) ([32])

ثم رحت ترغبهم في الجنة ونعيمها، وتقول: {وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً}[الزمر: 73]، قد أمن العذاب، وانقطع العتاب، وزحزحوا عن النّار، واطمأنّت بهم الدّار، ورضوا المثوى والقرار، الّذين كانت أعمالهم في الدّنيا زاكية، وأعينهم باكية، وكان ليلهم في دنياهم نهارا، تخشّعا واستغفارا، وكان نهارهم ليلا، توحّشا وانقطاعا، فجعل الله لهم الجنّة مآبا، والجزاء ثوابا، {وكانُوا أَحَقَّ بِها وأَهْلَها}، في ملك دائم، ونعيم قائم.. فارعوا عباد اللّه، ما برعايته يفوز فائزكم، وبإضاعته يخسر مبطلكم، وبادروا آجالكم بأعمالكم، فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم، ومدينون بما قدّمتم، وكأن قد نزل بكم المخوف، فلا رجعة تنالون، ولا عثرة تقالون، استعملنا الله وإيّاكم بطاعته، وطاعة رسوله، وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته)

ومن ذلك قولك في خطبة من خطبك في تزهيد الناس عن الدنيا: (للموت تولدون، وإلى القبور تنقلون، وعلى التراب تتوسّدون، وإلى الدود تسلّمون، وإلى الحساب تبعثون.. يا ذوي الحيل والآراء، والفقه والأنباء، اذكروا مصارع الآباء، فكأنكم بالنفوس قد سلبت، وبالأبدان قد عريت، وبالمواريث قد قسمت، فتصير يا ذا الدلال، والهيئة والجمال، إلى منزلة شعثاء، ومحلّة غبراء، فتنوّم على خدّك في لحدك، في منزل قلّ زوّاره، وملّ عمّاله، حتّى يشقّ عن القبور، وتبعث إلى النشور. فإن ختم لك بالسعادة، صرت إلى الحبور، وأنت ملك مطاع، وآمن لا تراع، يطوف عليكم ولدان، كأنهم الجمان، بكأس من معين، بيضاء لذّة للشاربين. أهل الجنّة فيها يتنعّمون، وأهل النار فيها يعذّبون، هؤلاء في السندس والحرير يتبخترون، وهؤلاء في الجحيم والسعير يتقلّبون، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان، وهؤلاء يضربون بمقامع النيران، هؤلاء يعانقون الحور في الحجال، وهؤلاء يطوّقون أطواقا في النار بالأغلال، فله فزع قد أعيا الأطباء، وبه داء لا يقبل الدواء) ([33])

ومما جاء فيها قولك: (اسمع يا ذا الغفلة والتصريف، من ذوي الوعظ والتعريف، جعل يوم الحشر يوم العرض والسؤال، والحباء والنكال، ويوم تقلب فيه أعمال الأنام، وتحصى فيه جميع الآثام، يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها، وتضع الحوامل ما في بطونها، ويفرّق بين كل نفس وحبيبها، ويحار في تلك الأهوال عقل لبيبها. إذ تنكّرت الأرض بعد حسن عمارتها، وتبدلت بالخلق بعد أنيق‏ زهرتها، وأخرجت من معادن الغيب أثقالها، ونفضت إلى الله أحمالها، يوم لا ينفع الجدّ، إذا عاينوا الهول الشديد فاستكانوا، وعرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا. فانشقّت القبور بعد طول انطباقها، واستسلمت النفوس إلى الله بأسبابها، وكشف عن الآخرة غطاؤها، وظهر للخلق أنباؤها. فدكّت الأرض دكّا دكّا، ومدّت لأمر يراد بها مدّا مدّا، واشتد المثارون إلى الله شدّا شدّا، وتزاحفت الخلائق إلى المحشر زحفا زحفا، وردّ المجرمون على الأعقاب ردّا ردّا، وجدّ الأمر- ويحك يا إنسان- جدّا جدّا، وقرّبوا للحساب فردا فردا، وجاء ربك والملك صفا صفا، ويسألهم عما عملوا حرفا حرفا. وجي‏ء بهم عراة الأبدان، خشعا أبصارهم، أمامهم الحساب، ومن ورائهم جهنم، يسمعون زفيرها، ويرون سعيرها، فلم يجدوا ناصرا ولا وليا يجيرهم من الذل، فهم يغدون سراعا إلى مواقف الحشر، يساقون سوقا. فالسماوات مطويّات بيمينه كطيّ السجلّ للكتب، والعباد على الصراط وجلت قلوبهم، يظنون أنهم لا يسلمون، ولا يؤذن لهم فيتكلّمون، ولا يقبل منهم فيعتذرون، قد ختم على أفواههم، واستنطقت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يا لها من ساعة! ما أشجا مواقعها من القلوب حين ميّز بين الفريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، من مثل هذا فليهرب الهاربون، وإذا كانت الدار مثل الآخرة، فلها يعمل العاملون)

وهكذا في كل خطبك تنقل لهم معاني القرآن المرتبطة بالمعاد، وتصورهم لها تصويرا، وتنفذ من خلالها إلى قلوبهم وأرواحهم..

ومما يرتبط بالمعاد دعواتك الكثيرة التي تسأل الله فيها حسن العاقبة بأدب وخلق رفيع.. ومنها قولك في بعض أدعيتك: (إلهي كيف أسكت بالإفحام لسان ضراعتي، وقد أقلقني ما أبهم عليّ من مصير عاقبتي؟.. إلهي قد علمت حاجة جسمي إلى ما تكفّلت له من الرزق في حياتي، وعرفت قلّة استغنائي عنه في الجنّة بعد وفاتي، فيا من سمح لي‏ به متفضّلا في العاجل، لا تمنعنيه يوم فاقتي إليه في الآجل.. إلهي إن عذّبتني فعبد خلقته لما أردت فعذّبته، وإن رحمتني فعبد ألفيته مسيئا فأنجيته.. إلهي لا احتراس من الذنب إلّا بعصمتك، ولا وصول إلى عمل الخيرات إلّا بمشيئتك، كيف لي بإفادة ما سلبتني فيه مشيئتك؟ وكيف لي باحتراس من الذنب ما لم تدركني فيه عصمتك؟.. إلهي أنت دللتني على سؤال الجنّة قبل معرفتها، فأقبلت النفس بعد العرفان على مسألتها، أفتدلّ على خيرك السؤّال ثم تمنعه، وأنت الكريم المحمود في كلّ ما تصنعه، يا ذا الجلال والإكرام؟.. إلهي إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك، فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضل سعتك.. إلهي نفسي قائمة بين يديك، وقد أظلّها حسن توكّلها عليك، فاصنع بي ما أنت أهله، وتغمّدني برحمتك.. إلهي إن كان دنا أجلي، ولم يقرّبني منك عملي، فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك، وإن عذّبت فمن أعدل منك في الحكم هنالك.. إلهي إنّك لم تزل بارّا بي أيّام حياتي، فلا تقطع برّك بي بعد وفاتي.. إلهي كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي وأنت لم تولّني إلّا الجميل في حياتي.. إلهي إن ذنوبي قد أخافتني، ومحبّتي لك قد أجارتني، فتولّ في أمري ما أنت أهله، وعد بفضلك على من غمره جهله، يا من لا تخفى عليه خافية، صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، واغفر لي ما خفي عن الناس من أمري)([34])

ومنها قولك: (الهي كأني بنفسي قد أضجعت في حفرتها، وانصرف عنها المشيّعون من عشيرتها، وناداها من شفير القبر ذوو مودّتها ورحمها، المعادي لها في الحياة عند صرعتها، ولم يخف على الناظرين إليها ذلّ فاقتها، ولا على من قد رآها توسّدت الثرى عجز حيلتها، فقلت: ملائكتي فريد نأى عنه الأقربون، ووحيد جفاه الأهلون، وخذله المؤمّلون، نزل بي قريبا، وأصبح في اللحد غريبا، وقد كان لي في دار الدنيا راعيا، ولنظري إليه في هذا اليوم راجيا، فتحسن عند ذلك ضيافتي، وتكون أشفق عليّ من أهلي وقرابتي) ([35])

ومنها قولك: (إلهي سترت عليّ في الدنيا ذنوبا ولم تظهرها، فلا تفضحني يوم ألقاك على رؤوس العالمين، واسترها عليّ هناك يا أرحم الراحمين.. إلهي لو طبّقت ذنوبي بين السماء والأرض، وخرقت النجوم، وبلغت أسفل الثرى، ما ردّني اليأس عن توقّع غفرانك، ولا صرفني القنوط عن انتظار رضوانك.. إلهي سعت نفسي إليك لنفسي تستوهبها، وفتحت أفواه أملها تستوجبها، فهب لها ما سألت، وجد لها بما طلبت، فإنك أكرم الأكرمين، بتحقيق أمل الآملين) ([36])

إلى آخر دعواتك الكثيرة، والممتلئة بالمعاني السامية الرفيعة.


([1]) نهج البلاغة: الحكمة(432)

([2]) نهج البلاغة: الحكمة(333)

([3]) نهج البلاغة: الحكمة(289)

([4]) نهج البلاغة: خطبه 70 ص 99.

([5]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 2 ص 238- 239، عن أنساب الأشراف: ج 1 ص 174 ح 419، والطبقات الكبرى: ج 3 ص 262.

([6]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 1.

([7]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 182.

([8]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 1 ص 48- 63 الخطبة رقم(13)

([9]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 49.

([10]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 90.

([11]) نهج البلاغة: الخطبة رقم .65.

([12]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 91.

([13]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 109.

([14]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(31)

([15]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 152.

([16]) دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم، للقاضي القضاعي، ص 107- 109.

([17]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 109.

([18]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 91.

([19]) نهج البلاغة: ضمن الخطبة رقم 1.

([20]) نهج البلاغة: ضمن الخطبة رقم 91.

([21]) الكافي: 1 / 89.

([22]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(235)

([23]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(160)

([24]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(160)

([25]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 2 ص 5- 14.

([26]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 3 ص 63- 81 الخطبة رقم(17)

([27]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 3 ص 63- 81 الخطبة رقم(17)

([28]) إثبات الوصية: 130.

([29]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 1 ص 74- 79 الخطبة رقم(17)، عن كتاب تاريخ ابن عساكر، ورواه أيضا في الرياض النضرة: ص 227.

([30]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 1 ص 97 الخطبة رقم(20) ورواه أنساب الأشراف: ج 1 ص 386، ودلائل النبوة: ص 554.

([31]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(31)

([32]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(190)

([33]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 2 ص 37- 43.

([34]) مسند الإمام علي: 2/516.

([35]) الصحيفة العلوية.

([36]) الصحيفة العلوية.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *