الواعظ الناصح

الواعظ الناصح

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

من المعاني العظيمة التي أتذكرها في هذه الأيام.. أيام شهادتك.. تلك المواعظ الكثيرة الممتلئة بالرقة، والتي لا تزال كتب الرقائق ترددها، وتنسج على منوالها.. فأنت من أسس لهذا النوع من الأدب الرفيع، وما يرتبط به من علوم.

لقد كانت مواعظك سيدي حروفا نورانية شع بها قلبك المليء بالطهر والسمو.. فلذلك برزت طاهرة جميلة سامية.. كل من تعلق بها، وشرب منها طهر بها وحلق في سموات العرفان العالية.

وكيف لا يكون لكلماتك كل ذلك التأثير.. وكل كلام يبرز، وعليه كسوة النور الذي منه برز.. وهل هناك كسوة نور أشرف من كسوتك التي كساك بها ربك وحبيبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

وكلماتك سيدي ليست مجرد كلمات جوفاء ترددها.. بل هي حقائق عظمى، فكل كلمة بحر من بحار النور.. ومعراج من معارج الترقي.

كم تمنيت سيدي لو أسمعتك كل كلماتك التي وصلتنا.. فهي كثيرة جدا.. وكل كلمة منها قاموس من الكلمات.. وكل معنى منها محيط من المعاني..

لكني ـ سيدي ـ سأقتصر على بعض ما وصلنا من وصاياك ومواعظك لأهلك وأصحابك، ولعامة الناس، ولأعدائك.

مواعظه لأهله:

أما مواعظك لأهلك.. فقد كنت فيها مصداقا لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]

وكنت فيها مصداقا لسنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين أخبر الله عن أحدهم، وهو إسماعيل عليه السلام، فقال: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:55]

وكنت فيها مصداقا لسنة الأولياء والحكماء الذين أخبر الله عن أحدهم، وهو لقمان عليه السلام، فقال: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان:13]

وقد وردنا من مواعظك لأهلك الكثير مما لا نزال ننعم به..

ومنها وصيتك لابنك الحسن([1])، والتي تقول فيها له: (إنّي أوصيك بتقوى الله، أي بنيّ، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به؟)

ثم رحت تقول له في كلمات جامعة: (أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزّهادة، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلـّله بذكر الموت، وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدّنيا، وحذّره صولة الدّهر، وفحش تقلّب اللّيالي والأيّام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا، وأين حلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم)

إن كل كلمة من هذه الكلمات سيدي تحتاج إلى مجلدات لشرحها، وبيان الأسرار المودعة فيها، وأنا أعجب من الأمة تركت هذه الحكم الجليلة البارزة من تلميذ النبوة الأكبر، وراحت تنهل من كلمات الأحبار والرهبان، ممن لم يستوعبوا الإسلام، ولم يدركوا قيمه.

ثم قلت له ـ سيدي ـ وأنت تعظه: (فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تكلّف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته؛ فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال.. وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في اللّه حقّ جهاده، ولا تأخذك في اللّه لومة لائم، وخض الغمرات للحقّ حيث كان، وتفقّه في الدّين، وعوّد نفسك التّصبّر على المكروه، ونعم الخلق التّصبر في الحقّ.. وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك؛ فإنّك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربّك؛ فإنّ بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة، وتفهّم وصيّتي، ولا تذهبنّ عنك صفحا؛ فإنّ خير القول ما نفع، واعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلّمه)

ومن كلماتك الممتلئة بالمعاني في وصيتك إليه قولك: (واعلم يا بنيّ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي: تقوى اللّه، والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك، والصّالحون من أهل بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكّروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمّا لم يكلّفوا؛ فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن‏ تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلّم، لا بتورّط الشّبهات، وعلق الخصومات‏، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك، والرّغبة إليه في توفيقك، وترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة؛ فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتمّ رأيك فاجتمع، وكان همّك في ذلك همّا واحدا، فانظر فيما فسّرت لك، وإن لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء، وتتورّط الظّلماء، وليس طالب الدّين من خبط أو خلط، والإمساك عن ذلك أمثل)

ومما ورد في وصيتك من المعاني العرفانية الرفيعة قولك: (فتفهّم يا بنيّ وصيّتي، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة، وأنّ الخالق هو المميت، وأنّ المفني هو المعيد، وأنّ المبتلي هو المعافي، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلّا على ما جعلها اللّه عليه من النّعماء والابتلاء، والجزاء في المعاد، أو ما شاء ممّا لا تعلم.. فإن أشكل عليك شي‏ء من ذلك فاحمله على جهالتك؛ فإنّك أوّل ما خلقت به جاهلا ثمّ علّمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر، ويتحيّر فيه رأيك، ويضلّ فيه بصرك، ثمّ تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالّذي خلقك، ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك)

هذا جزء بسيط مما ذكرته لابنك الحسن.. وهو وحده كاف لأن يكون مدرسة في التربية والعرفان والسلوك.. وكل القيم النبيلة.

ومما حفظت لنا الدواوين من وصاياك وصيتك لابنيك الحسن والحسين عند احتضارك، وقبل استشهادك.. وهي وصية جامعة لكل ألوان الخير محذرة من كل أنواع الفتن، ومما ورد فيها قولك: (أوصيكما بتقوى اللّه، وأن لا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شي‏ء منها زوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر، وكونا للظّالم خصما، وللمظلوم عونا) ([2])

ثم رحت توصيهما بفروع البر وتفاصيله، فقلت: (أوصيكما وجميع ولدي وأهلي، ومن بلغه كتابي، بتقوى اللّه ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم؛ فإنّي سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام))

ثم رحت تؤكد عليهم، وبإلحاح شديد الالتزام بهذه الوصايا: (اللّه، اللّه في الأيتام! فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم.. واللّه، اللّه في جيرانكم! فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم.. واللّه، اللّه في القرآن! لا يسبقكم بالعمل به غيركم.. واللّه، اللّه في الصّلاة! فإنّها عمود دينكم.. واللّه، اللّه في بيت ربّكم! لا تخلّوه ما بقيتم؛ فإنّه إن ترك لم تناظروا.. واللّه، اللّه في الجهاد! بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل اللّه، وعليكم بالتّواصل والتّباذل، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع)

ثم رحت توصيهم بمواصلة مسيرتك من بعده، حتى لا يسيطر الدجالون على الدين، فينحرفوا به عن مساره.. لقد قلت لهم: (لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ فيولّى عليكم شراركم، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم)

مواعظه لأصحابه:

هذا بعض ما وصلنا من وصاياك لابنيك الطاهرين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيدي شباب أهل الجنة.. أما وصاياك ومواعظك لأصحابك ومن تبعك في زمنك أو بعده، فهي كثيرة جدا.. بل كل كلمة من كلماتك وصية وموعظة لهم.

ومن جملة تلك الوصايا والمواعظ ما حدث عنه تلميذك النجيب نوف البكاليّ، فقال: رأيت أمير المؤمنين ذات ليلة وقد خرج من فراشه، فنظر في النّجوم، فقال لي: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق.. قال: (يا نوف، طوبى للزّاهدين في الدّنيا، الرّاغبين في الآخرة، أولئك قوم اتّخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدّعاء دثارا، ثمّ قرضوا الدّنيا قرضا على منهاج المسيح.. يا نوف، إنّ داود عليه السّلام قام في مثل هذه السّاعة من اللّيل، فقال: إنّها لساعة لا يدعو فيها عبد إلّا استجيب له، إلّا أن يكون عشّارا، أو عريفا، أو شرطيّا) ([3])

وقد وصلنا في الروايات أنك سمعت رجلا من أصحابك يذمّ الدّنيا، فقلت له: (أيّها الذّامّ للدّنيا، المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أ تغترّ بالدّنيا ثمّ تذمّها؟ أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرّتك؟ أ بمصارع آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى؟ كم علّلت بكفّيك، وكم مرّضت بيديك؟ تبتغي لهم الشّفاء، وتستوصف لهم الأطبّاء غداة لا يغني عنهم دواؤك، ولا يجدي عليهم بكاؤك، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوّتك، وقد مثّلت لك به الدّنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك)

ثم بينت له الموقف الصحيح من الدنيا، فقلت: (إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتّعظ بها، مسجدا أحبّاء اللّه، ومصلّى ملائكة اللّه، ومهبط وحي اللّه، ومتجر أولياء اللّه، اكتسبوا فيها الرّحمة، وربحوا فيها الجنّة.. فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها؟ فمثّلت لهم ببلائها البلاء، وشوّقتهم بسرورها إلى السّرور، راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا، فذمّها رجال غداة النّدامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكّرتهم الدّنيا فتذكّروا، وحدّثتهم فصدّقوا، ووعظتهم فاتّعظوا) ([4])

وقد وصلنا في الروايات أيضا أنك سمعت رجلا يقول: {إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ}‏، فقلت له: (إنّ قولنا: إِنَّا لِلَّهِ‏ إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ إقرار على أنفسنا بالهلك) ([5])

ووصلنا أن بعض أصحابك رأى عليك إزارا خلقا مرقوعا، فسألك عنه، فقلت له: (يخشع له القلب، وتذلّ به النّفس، ويقتدي به المؤمنون، إنّ الدّنيا والآخرة عدوّان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحبّ الدّنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، وهما بعد ضرّتان)([6])

لكن أعظم تلك الوصايا والمواعظ ـ سيدي ـ وكلها عظيمة، وصيتك إلى كميل بن زياد.. وهي وصية ممتلئة بتعليم الأدب والأخلاق العالية، والسلوك الحضاري الرفيع.

ومما ورد فيها مما يتعلق بآداب الطعام قولك له: (يا كميل، ما من حركة إلّا وأنت محتاج فيها إلى معرفة.. يا كميل، إذا أكلت الطعام فسم باسم اللّه، الذي لا يضر مع اسمه داء، وهو الشفاء من جميع الأدواء.. يا كميل، إذا أكلت الطعام فواكل الطعام ولا تبخل عليه؛ فإنك لم ترزق الناس شيئا، واللّه يجزل لك الثواب بذلك.. يا كميل، أحسن خلقك، وابسط جليسك، ولا تنهرنّ خادمك.. يا كميل، إذا أنت أكلت فطوّل أكلك ليستوفي من معك، ويرزق منه غيرك.. يا كميل، إذا استوفيت طعامك فاحمد اللّه على ما رزقك، وارفع بذلك صوتك ليحمده سواك، فيعظم بذلك أجرك.. يا كميل، لا توقّرن معدتك طعاما، ودع فيها للماء موضعا وللريح مجالا.. يا كميل، لا تنفد طعامك فإن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينفده‏.. يا كميل، لا ترفعن يدك عن الطعام إلّا وأنت تشتهيه، فإذا فعلت ذلك فأنت تستمرئه.. يا كميل، صحة الجسد من قلة الطعام وقلة الماء) ([7])

ومما يتعلق منها بآداب التعامل مع المال قولك له: (يا كميل، البركة في المال من إيتاء الزكاة، ومواساة المؤمنين، وصلة الأقربين.. يا كميل، زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين، وكن بهم أرأف، وعليهم أعطف، وتصدق على المساكين.. يا كميل، لا تردنّ سائلا ولو بشقّ تمرة، أو من شطر عنب.. يا كميل، الصدقة تنمى عند اللّه.. يا كميل، حسن خلق المؤمن من التواضع، وجماله التعطّف‏، وشرفه الشفقة، وعزّه ترك القال والقيل)

ومما يتعلق منها بآداب التعامل مع المخالفين قولك له: (يا كميل، إيّاك والمراء! فإنك تغري بنفسك السفهاء، وإذا فعلت تفسد الإخاء.. يا كميل، إذا جادلت في اللّه تعالى فلا تخاطب إلا من يشبه العقلاء وهذا ضرورة..يا كميل، هم على كلّ سفهاء، كما قال اللّه تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُون} [البقرة:13].. يا كميل، في كلّ قوم صنف أرفع من قوم، فإيّاك ومناظرة الخسيس منهم! وإذا أسمعوك فاحتمل، وكن من الذين وصفهم اللّه تعالى فقال: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} [الفرقان:63].. يا كميل، قل الحق على كل حال، ووازر المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين)

ومما يتعلق منها بالموقف من الظلمة قولك له: (يا كميل، إيّاك وتطرّق أبواب الظالمين، والاختلاط بهم، والاكتساب منهم! وإيّاك أن تطيعهم، أو تشهد في مجالسهم بما يسخط اللّه عليك، وإن اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر اللّه تعالى، وتوكّل عليه، واستعذ بالله من شرهم، وأطرق عنهم، وأنكر بقلبك فعلهم، وأجهر بتعظيم اللّه تعالى لتسمعهم؛ فإنهم يهابوك وتكفى شرهم)

ومما يتعلق منها بآداب الحياة الشخصية قولك له: (يا كميل، لا بأس بأن لا يعلم سرّك.. يا كميل، لا تري الناس افتقارك واضطرارك، واصبر عليه بعز وتستّر.. يا كميل، لا بأس بأن تعلم أخاك سرك، ومن أخوك؟ أخوك الذي لا يخذلك عند الشدة، ولا يقعد عنك عند الجريرة، ولا يخدعك حين‏ تسأله، ولا يتركك وأمرك حتّى تعلمه، فإن كان مميلا أصلحه.. يا كميل، المؤمن مرآة المؤمن؛ لأنه يتأمله، ويسدّ فاقته، ويجمل حالته)

ومما يتعلق منها بحقوق الأخوة، والعلاقات بين المؤمنين قولك له: (يا كميل، المؤمنون إخوة، ولا شي‏ء آثر عند كل أخ من أخيه.. يا كميل، إن لم تحب أخاك فلست أخاه)

ومما يتعلق منها بكيفية التعامل مع النعمة والبلاء قولك له: (يا كميل، احمد اللّه تعالى والمؤمنين على ذلك وعلى كل نعمة.. يا كميل، قل عند كل شدة: (لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم) تكفها، وقل عند كل نعمة: (الحمد لله) تزاد منها، وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر اللّه يوسّع عليك فيها)

ومما يتعلق منها بالتحذير من الشيطان قولك له: (يا كميل، إذا وسوس الشيطان في صدرك فقل: (أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي، وأعوذ بمحمد الرضي من شر ما قدّر وقضي، وأعوذ بإله الناس من شر الجنة والناس) تكفى مؤونة إبليس والشياطين معه، ولو أنهم كلهم أبالسة مثله.. يا كميل، إن لهم خدعا وشقاشق، وزخارف ووساوس، وخيلاء على كل أحد قدر منزلته في الطاعة والمعصية، فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة.. يا كميل، لا عدو أعدى منهم، ولا ضار أضرّ بك منهم، أمنيّتهم أن تكون معهم غدا إذا جثوا في العذاب، لا يفتر عنهم بشرره، ولا يقصر عنهم، خالدين فيها أبدا.. يا كميل، سخط اللّه تعالى محيط بمن لم يحترز منهم باسمه وبنبيّه وجميع عزائمه.. يا كميل، إنهم يخدعوك بأنفسهم، فإذا لم تجبهم مكروا بك وبنفسك بتحسينهم شهواتك، وإعطائك أمانيك وإرادتك، ويسوّلون لك وينسونك، وينهونك ويأمرونك، ويحسنون ظنك بالله عزّ وجلّ، حتى ترجوه فتغترّ بذلك فتعصيه وجزاء العاصي لظى.. يا كميل، إنه [الشيطان] يأتي لك بلطف كيده، فيأمرك بما يعلم أنك قد ألفته من طاعة لا تدعها، فتحسب أن ذلك ملك كريم وإنما هو شيطان رجيم، فإذا سكنت إليه واطمأننت حملك على العظائم المهلكة التي لا نجاة معها.. يا كميل، إن له فخاخا ينصبها فاحذر أن يوقعك فيها)

ومما يتعلق منها برعاية الأولويات، وتقديم ما قدم الله وتأخير ما أخر، قولك له: (يا كميل، لا رخصة في فرض، ولا شدة في نافلة.. يا كميل، إن اللّه عزّ وجلّ لا يسألك إلّا على الفرض، فإنما قدّمنا عمل النوافل بين أيدينا للأهوال العظام، والطامّة يوم المقام.. يا كميل، إن الواجب لله أعظم من أن تزيله الفرائض والنوافل، وجميع الأعمال، وصالح الأموال، ولكن من تطوّع خيرا فهو خير له)

ومما يتعلق منها برعاية مقاصد الدين، قولك له: (يا كميل، ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقي، وعمل عند اللّه مرضي، وخشوع سوي، وإبقاء للجدّ فيها.. يا كميل، عند الركوع والسجود وما بينهما تبتلّه العروق والمفاصل حتى تستوفي ولاء إلى ما تأتي به من جميع صلواتك.. يا كميل، انظر فيم تصلّي وعلام تصلّي، إن لم تكن من وجهه وحلّه فلا قبول)

ومما يتعلق منها بطلب الحلال، والتحذير من أكل الحرام، قولك له: (يا كميل، إن اللسان يبوح من القلب، والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذّي قلبك وجسمك، فإن لم يكن ذلك حلالا لم يقبل اللّه تعالى تسبيحك ولا شكرك.. يا كميل، افهم واعلم إنّا لا نرخّص في ترك أداء الأمانات لأحد من الخلق، فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم، وجزاءه النار بما كذب، أقسم لسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثة: (يا أبا الحسن، أدّ الأمانة إلى البر والفاجر، فيما قلّ وجلّ حتّى في الخيط والمخيط)

مواعظه للعامة:

تلك ـ سيدي ـ بعض وصاياك ومواعظك لأصحابك المقربين.. أما مواعظك لعامة المسلمين.. فهي تشكل قاموسا من المعاني السامية الرفيعة التي تطهر النفس، وتملأ القلب بالمواجيد الصادقة، والروحانية السامية.

ولا يمكنني أن أسرد عليك ما وصلنا من مواعظك في هذا.. ولكني سأكتفي بذكر بعضها.. لأملأ نفسي من نورانية كلامك المقدس.

فمن ذلك أنك سرت في جنازة، فرأيت رجلا يضحك، فقلت: (كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب.. وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب.. وكأنّ الّذي نرى من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون.. نبوّئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنّا مخلّدون بعدهم.. ثمّ قد نسينا كلّ واعظ وواعظة، ورمينا بكلّ فادح وجائحة) ([8])

ومن ذلك أنك عند رجوعك من صفّين، أشرفت على القبور بظاهر الكوفة، فقلت ـ تسمع من كان معك، وتعظهم بذلك ـ: (يا أهل الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التّربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق، أمّا الدّور فقد سكنت، وأمّا الأزواج فقد نكحت، وأمّا الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟)

ثمّ التفت إلى من كان معك، وقلت: (أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم: أنّ خير الزّاد التّقوى)([9])

ومن ذلك أنك مررت بقذر على مزبلة، فقلت: (هذا ما بخل به الباخلون.. هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس) ([10])

وفي موعظة أخرى قلت: (إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا، ونهب تبادره المصائب، ومع كلّ جرعة شرق، وفي كلّ أكلة غصص، ولا ينال العبد نعمة إلّا بفراق أخرى، ولا يستقبل يوما من عمره إلّا بفراق آخر من أجله، فنحن أعوان المنون، وأنفسنا نصب الحتوف، فمن أين نرجو البقاء، وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعا من شي‏ء شرفا، إلّا أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا، وتفريق ما جمعا) ([11])

وفي موعظة أخرى قلت: (يا أيّها النّاس، متاع الدّنيا حطام موبئ، فتجنّبوا مرعاه، قلعتها أحظى من طمأنينتها، وبلغتها أزكى من ثروتها، حكم على مكثر منها بالفاقة، وأعين من غني عنها بالرّاحة، من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها، ومن استشعر الشّغف بها ملأت ضميره أشجانا، لهنّ رقص على سويداء قلبه: همّ يشغله، وغمّ يحزنه، كذلك حتّى يؤخذ بكظمه، فيلقى بالفضاء، منقطعا أبهراه، هيّنا على اللّه فناؤه، وعلى الإخوان إلقاؤه، وإنّما ينظر المؤمن إلى الدّنيا بعين الاعتبار، ويقتات منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بأذن المقت، والإبغاض إن قيل أثرى قيل أكدى، وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء، هذا ولم يأتهم يوم فيه يبلسون) ([12])

وفي موعظة أخرى قلت: (أيّها النّاس، اتّقوا اللّه فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه الّتي تحسّنت له بخلف من الآخرة الّتي قبّحها سوء النّظر عنده، وما المغرور الّذي ظفر من الدّنيا بأعلى همّته كالآخر الّذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته.. أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، الّذي ألبسكم الرّياش، وأسبغ عليكم المعاش، فلو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلّما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام، الّذي سخّر له ملك الجنّ والإنس، مع النّبوّة وعظيم الزّلفة، فلمّا استوفى طعمته، واستكمل مدّته، رمته قسيّ الفناء، بنبال الموت، وأصبحت الدّيار منه خالية، والمساكن معطّلة، وورثها قوم آخرون، وإنّ لكم في القرون السّالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟)([13])

ثم رحت تصيح بصوتك المجلجل الذي تهتز له القلوب والأرواح: (أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟.. أين أصحاب مدائن الرّسّ، الّذين قتلوا النّبيّين، وأطفؤوا سنن المرسلين، وأحيوا سنن الجبّارين؟.. أين الّذين ساروا بالجيوش، وهزموا بالألوف، وعسكروا العساكر، ومدّنوا المدائن؟)

وفي موعظة أخرى، قلت: (أيّها النّاس، إنّي قد بثثت لكم المواعظ، الّتي وعظ الأنبياء بها أممهم، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا، للّه أنتم! أ تتوقّعون إماما غيري يطأ بكم الطّريق، ويرشدكم السّبيل؟ ألا إنّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع التّرحال عباد اللّه الأخيار، وباعوا قليلا من الدّنيا لا يبقى، بكثير من الآخرة لا يفنى)([14])

ثم رحت تذكرهم بإخوانهم الذين استشهدوا في صفين، وتقول لهم: (ما ضرّ إخواننا الّذين سفكت دماؤهم وهم بصفّين، ألّا يكونوا اليوم أحياء، يسيغون الغصص، ويشربون الرّنق؟ قد واللّه، لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم، وأحلّهم دار الأمن بعد خوفهم)

ثم رحت تسميهم واحدا واحدا، وتقول: (أين إخواني الّذين ركبوا الطّريق، ومضوا على الحقّ؟.. أين عمّار؟.. وأين ابن التّيّهان؟.. وأين ذو الشّهادتين؟.. وأين نظراؤهم من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنيّة، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟)

ثمّ ضربت بيدك على لحيتك الشّريفة الكريمة، فأطلت البكاء، ثمّ قلت: (أوه على إخواني، الّذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السّنّة، وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه)

ثمّ ناديت بأعلى صوتك: (الجهاد، الجهاد عباد اللّه، ألا وإنّي معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرّواح إلى اللّه فليخرج)

مواعظه لأعدائه:

هذه سيدي بعض مواعظك لعامة المسلمين.. والتي شملت جميع المجالات..

ووعظك ونصائحك سيدي لم تخص بها هؤلاء.. بل أرسلت بها حتى إلى أعدائك الذين عاندوك وخاصموك، فقد كنت ترسل لهم الرسائل كل حين تذكرهم بالله..

ومن ذلك ما أرسلت إلى معاوية، تقول له: (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإن الدنيا دار تجارة، وربحها أو خسرها الآخرة، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الاعمال الصالحة، ومن رأى الدنيا بعينها، وقدرها بقدرها، وإني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مردله دون نفاذه، ولكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الامانة، وأن ينصحوا الغوي والرشيد، فاتق الله، ولا تكن ممن لا يرجو لله وقارا، ومن حقت عليه كلمة العذاب، فإن الله بالمرصاد وإن دنياك ستدبر عنك، وستعود حسرة عليك فاقلع عما أنت عليه من الغي والضلال على كبر سنك وفناء عمرك، فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر، وقد أرديت جيلا من الناس كثيرا، خدعتهم بغيك، وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجاروا عن وجهتهم ونكصوا على أعقابهم وتولوا على أدبارهم وعولوا على أحسابهم إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصعب، وعدلت بهم عن القصد.. فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، والسلام)([15])


([1]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(31)

([2]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(47)

([3]) نهج البلاغة: الحكمة(104)

([4]) نهج البلاغة: الحكمة(131)

([5]) نهج البلاغة: الحكمة(99)

([6]) نهج البلاغة: الحكمة(103)

([7]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 8 ص 208- 233 الكتاب رقم(30)

([8]) نهج البلاغة: الحكمة(122)

([9]) نهج البلاغة: الحكمة(130)

([10]) نهج البلاغة: الحكمة(195)

([11]) نهج البلاغة: الحكمة(191)

([12]) نهج البلاغة: الحكمة(367)

([13]) نهج البلاغة: الحكمة(370)

([14]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 182.

([15]) نهج البلاغة: رسائل 32.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *