الملك العضوض.. والصياغة البشرية للدين

الملك العضوض.. والصياغة البشرية للدين

في البدء.. كانت كل الأديان إلهية، ومملوءة بالقيم النبيلة.. ولم يكن في مصادرها المقدسة أي مس بكرامة الإنسان أو حريته أو حقوقه.. ولم يكن فيها إلا التناسق الجميل مع حقائق الحياة والكون؛ فكان العقل والعلم والفطرة والدين وجوها لذات واحدة، يؤدي بعضها إلى بعض، ويبرهن بعضها على بعض.

وكان الرسل وورثتهم مثالا ناطقا مجسدا لكل تلك التعاليم، فلم يكونوا سوى مظاهر لرحمة ربهم وعدالته ولطفه بعباده.. ولم تكن شريعتهم إلا تلك الشريعة المتناسبة مع أسماء الله الحسنى التي جعلها الله مفاتيح للكون والحياة والشريعة وكل شيء.

لكن ذلك كله لم يكن يعجب ورثة إبليس من أصحاب الملك العضوض، أو الممهدين لهم؛ فلذلك كانوا يسرعون كل حين إلى ورثة الأنبياء؛ فيحجبونهم عن وظائفهم التي وُكلت لهم، ويبحثون عن لصوص الأديان، ويعطونهم ثمنا قليلا، لينسجوا لهم دينا على مقاسهم، بحيث يتيح لهم التملك والسيطرة والاستبداد.

وحينها يبدأ اللصوص في تفسير كلمات ربهم المقدسة بما ينسجم مع أهواء أصحاب الملك العضوض، ثم يشتغل التنافس بينهم، أيهم يضيف للدين أكثر، وهنا تبدأ العقول المدنسة في مزاحمة كلمات ربها المقدسة.. لتملأها بالدجل والخرافة وكل ألوان الأهوء.

ثم يشتغل الخلاف بينهم، مثلما يشتغل الخلاف بين قطاع الطرق، ليتحول الدين بعدها لعبة من اللعب، يضيفون إليها وينقصون، ليرتاح الأمراء في قصورهم التي بنوها على جماجم المستضعفين في الوقت الذي تتقاتل فيه الرعية بسبب تلك الإضافات والتلبيسات.

وهكذا تتحول الرعية التي سلمت دينها لأولئك اللصوص، من الاشتغال بالبحث في أسماء الله والتحقق بها والسير على منهاجها، إلى البحث عن صورة إلهها وجهته ومكانه ومحل صعوده ونزوله.

وتنتقل من البحث عن القيم التي مثلها نبيها، أو دعا إليها، إلى تلك الإضافات الكثيرة التي وضعها اللصوص، والتي حولوا فيها النبي إلى بشر مثلهم ممتلئ بالأهواء التي تتناسب مع أصحاب الملك العضوض.

وهكذا تتحول الأديان الإلهية إلى أديان بشرية، وتسقط الرعية الخاضعة لأصحاب الملك العضوض في هاوية الانحرافات السلوكية والأخلاقية بسبب تلك المصادر الكثيرة التي زاحمت المصادر المقدسة.

هذا ما حصل في كل الأديان.. ولا يصح أن نستثني الإسلام منه؛ فسنة الله في خلقه واحدة، وكيف نستثنيه، وقد ورد في النصوص المقدسة ما يدل عليه، وورد في الواقع التاريخي ما يؤكده.

لكن أصحاب المجد المزيف، بدل أن يُعملوا النصوص المقدسة، راحوا ـ خوفا على معارفهم التي اكتسبوها من لصوص الأديان ـ يدافعون عن الملك العضوض، ولو على حساب وصايا ربهم وأنبيائهم وورثتهم.

ولهذا نجدهم يعرضون عن كل تلك الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصراحة ودقة عن أولئك الذين تبدأ بهم مسيرة التحريف الكبرى، والتي يجدونها في مصادرهم المعتمدة، لأن حرصهم على أصحاب الملك العضوض والممهدين لهم، صار أعظم من الحرص على تنفيذ وصايا نبيهم.

وحتى لا يكون كلامنا مجملا، وحتى نضع النقاط على الحروف، نحاول أن نتخلص من كل الرواسب النفسية والاجتماعية التي ملأنا بها المحرفون للأديان، ونقرأ قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الحريص على أمته، ومن لا ينطق عن الهوى: (أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية)([1])

وهذا الحديث الصحيح الذي صححه الألباني، يدل على سنة أصحاب الملك العضوض التي ذكرناها، والتي يتحول بسببها الدين من دين إلهي إلى دين بشري.

والواقع التاريخي أثبت من دون شك انطباق الحديث على معاوية، باعتباره قرب الكثير من لصوص الأديان، وأضاف تغييرات كثيرة للشريعة، كان لها آثارها الخطيرة على كل التحريفات التي جاءت بعده، والتي كان أعظمها تغيير نظام الحكم الإسلامي، وتحويله إلى نظام ملكي استبدادي ظل قرونا طويلة إلى أن سقط مع آخر خلفاء بني عثمان.

إلا أن حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته جعله يذكر الكثير من العلامات، حتى تتفطن إلى ما يراد بدينها، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الخلافة ثلاثون عاماً، ثم يكون الملك العضوض)([2])، وهم يتفقون على هذا الحديث، ولو أنهم حسبوا، لوجدوا أن الملك العضوض بدأ مع معاوية.

 لكن لصوص الأديان، وخشية منهم من أن يكون لذلك الحديث أثره في التفطن للخديعة الكبرى، راحوا يضعون حديثا آخر بدله يقول: (أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان) ([3])

ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل تلك الإشارات الصريحة، وإنما كان ـ بسب خطورة الأمر ـ ينبه كل حين إلى الحذر معاوية وفتنته، ومنها ما حدث به عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملتى)، قال: وكنت تركت أبي قد وضع له وضوءا، فكنت كحابس البول مخافة أن يجىء، قال: فطلع معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هذا هو)([4])

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (معاوية فرعون هذه الأمة)، ومن رواياته ما رواه الخلال وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان)([5])

ومنها ما رواه نصر بن مزاحم عن عبد الله بن عمر قال: (ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة، وما انخفضت تلك الدرجة إلا أنه قال: (أنا ربكم الأعلى)([6])

ومن تلك الأحاديث التي تحذر من معاوية وفتنته قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله الراكب والقائد والسائق)، فعن البراء بن عازب، قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم العن التابع والمتبوع اللهم عليك بالأقيعس)، فقال ابن البراء لأبيه: من الأقيعس؟ قال: معاوية([7]).

ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتحذير من معاوية باعتباره الرأس الأكبر من رؤوس الفتنة، وإنما أخبر عن جميع المساهمين معه في الشركة التي تقوم بتحريف الإسلام، وتحويله إلى ما نراه اليوم من دين مملوء بالمحبة والسلام وكل القيم النبيلة، وإلى دين مملوء بالكراهية والصراع وكل الأهواء المدنسة، ففي الحديث المتفق على صحته قال صلى الله عليه وآله وسلم: (هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش)([8])

ومع أن هذا الحديث واضح في الدلالة على تأثير أولئك المحرفين للدين وخطورتهم، وأنهم سبب كل الانحرافات التي وقعت في الأمة، إلا أن أولئك المتحذلقين من الخائفين على أصحاب الملك العضوض راحوا يجعلون هلاك الأمة على يد شخصيات وهمية كابن سبأ أو غيرهم حرصا على أولئك القرشيين الذين وكلوا أمر الدين إليهم.

وهكذا ورد حديث آخر لا يقل عنه صراحة، يخبر فيه صلى الله عليه وآله وسلم بالجهة التي يكون منها التحريف، ويأمر باعتزالها والابتعاد عنها وعن كل القرارات التي اتخذتها، ففي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يهلك الناس هذا الحى من قريش)، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم؟)([9])

وهذا الحديث مع أحاديث أخرى يدل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كيفية التعامل مع الفئة الباغية بعد أن يتحقق نصرها على الفئة المؤمنة الصادقة، وهي القيام بنوع من العصيان المدني تجاهها حتى لا يمتد تأثيرها لباقي شؤون الحياة، بعد أن امتد للسياسة والاقتصاد.

هذه بعض الأحاديث التي وردت في شأن معاوية، تحذر منه، وتبين خطورة التحريف الذي جاء به.. وهي أحاديث متفقة تماما مع حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الأمة، ومن العجب أن تهتم الأمة بأحاديث التحذير من الدجال، ويبالغون فيها وفي الكثير من الأساطير المرتبطة بها، بينما يتغافلون على أمثال هذه الأحاديث التي ترتبط بالدين نفسه، وبالقيم النبيلة التي جاء بها.

وقد أكدت تلك الأحاديث وغيرها بروايات الصحابة الذين سمعوا تلك الروايات، وراحوا يفسرونها، ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن عبادة بن الصامت، أنه قال: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمدا أبا القاسم يقول: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تعتبوا أنفسكم، فوالذي نفسي بيده، إن معاوية من أولئك) ([10])

ومنها ما رواه الأصبهاني عن أبي ذر قال: قلت لمعاوية، أما انا فأشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن أحدنا فرعون هذه الأمة، فقال معاوية: أما أنا فلا([11]).

ومنها ما روي عن سعد بن حذيفة بن اليمان قال: قال عمار بن ياسر يوم صفين، وذكر أمرهم وأمر الصلح فقال: (والله ما أسلموا، ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما رأوا عليه أعواناً أظهروه)([12])

ومنها قول عمار بن ياسر: (يا أهل الإسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما فلما أراد الله أن ينصر دينه وينصر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وهو الله فيما يُرى راهب غير راغب وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم! ألا وإنه معاوية فالعنوه لعنه الله وقاتلوه فإنه ممن يطفي نور الله ويظاهر أعداء الله)([13])

ومنها ما روي عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد فقال: (والذي نفسي بيده لقد قاتلت صاحب هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة)([14])

ومنها ما روي عن عبد الله بن سلمة، قال: كنا عند عمار بصفين وعنده شاعر ينشده هجاء في معاوية وعمرو؛ وعمار يقول له: الصق بالعجوزين فقال له رجل: أيقال الشعر عندكم ويُسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويُسب أصحاب بدر؟! فقال: (إن شئت فاسمع، وإن شئت فاذهب، فإن معاوية وعمراً قعدا بسبيل الله يصدان عنه، فالله سابهما وكل مسلم، وإنه لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قولوا لهم كما يقولون لكم فإن كنا لنعلمه الإماء بالمدينة) ([15])

ومن تلك الروايات، وهي تدل على شخصية عمار الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يده وكان من نجباء أصحابه، ومن التلاميذ الصادقين للنبوة، ما حدث به عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: (اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهرت لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملاً من الأعمال هو أرض لك منه لفعلته)([16])

ومن تلك الروايات التي يتستر عليها أحباب معاوية، وأنصار الملك العضوض، هذه الرواية الخطيرة التي تصور واقع الثورة المضادة التي قام بها معاوية، ووعي السابقين من الصحابة لذلك، فقد حدث أسماء بن الحكم الفزارى قال: كنا بصفين مع على بن أبى طالب تحت راية عمار بن ياسر، ارتفاع الضحى – استظللنا ببرد أحمر، إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر؟ فقال عمار بن ياسر: هذا عمار. قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قال: إن لى حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سرا؟ قال: اختر لنفسك أي ذلك شئت. قال: لا، بل علانية. قال: فانطق. قال: إني خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذى نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصراً حتى كان ليلتي هذه صباح يومنا هذا، فتقدم منادينا فشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ونادى بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة، ودعونا دعوة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ورسولنا واحد، فأدركني الشك في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه، فجئتك لذلك. قال له عمار: هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلتى فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات، وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن، بل هي شرهن وأفجرهن، أشهدتَ بدرا وأحدا وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها؟ قال: لا. قال: فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، هل ترى هذا العسكر ومن فيه؟ فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته، والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراما؟ قال: لا، بل حلال، قال: فإنهم كذلك حلال دماؤهم، أتراني بينت لك؟ قال: قد بينت لى، قال: فاختر أي ذلك أحببت. قال: فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال: أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أنا على حق وهم على باطل، وأيم الله لا يكون سلما سالما أبدا حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم، ولا ينصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة، وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار، وكان أحياؤهم على الباطل([17]).

فهذه الرواية الخطيرة التي يصدقها كل شيء تدل على موقف السابقين الصادقين من الصحابة من الفتنة التي أحدثها معاوية ومن معه من الفئة الباغية، وأنها لم تكن قاصرة على موقف سياسي أو على مطالب بسيطة، وإنما كان الهدف منها تحريف الدين وتغييره تماما.

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما ذكره عمار بن ياسر في الحديث المشهور الذي أخبر فيه عن قتال الإمام علي لمن يريدون تحريف القرآن الكريم، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوسا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى به إلى علي، فقال: (إن منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله)، قال أبو بكر: أنا، قال: لا، قال عمر: أنا، قال: (لا، ولكن خاصف النعل) ([18])

وفي رواية عن أبي سعيد قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فانقطع شسع نعله، فتناولها علي يصلحها، ثم مشى، فقال: إن منكم لمن يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، قال أبو سعيد: فخرجت فبشرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكبر به فرحا، كأنه قد سمعه([19]).

ونحب أن ننبه هنا إلى أنه لا تناقض بين هذه الروايات وبين ما روي من عدم تكفير عمار بن ياسر لأهل الشام الذين حاربوا الإمام علي([20])، لأن الكثير منهم كان من المغرر بهم، والجمع بينهما سهل يسير.

ونحب أن ننبه كذلك إلى أن أحاديث عمار الكثيرة في معاوية وموافقة كبار الصحابة بما فيهم الإمام علي عليها، يدل على ما يسمى إجماعا سكوتيا.. وذلك لعلم الصحابة بكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر عمارا علامة مميزة بين الفئة الصادقة المحافظة على أصالة الدين والفئة الباغية صاحبة الثورة المضادة، ويدل على ذلك ما ما حدث به أبو عبد الرحمن السلمي قال: شهدنا مع علي صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتبعونه كأنه علم لهم([21]).

ولم يكن أمر التحذير قاصرا على عمار بن ياسر، بل إن المحذرين منه كثير، ومنهم سعيد بن زيد بن عمرو، فقد حدث محارب بن دثار قال: كان مروان على المدينة، فأمر الناس أن يبايعوا ليزيد وأرسل إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أهل الشام يدعوه إلى البيعة، قال: فخرج رجل أشعث أغبر رث الهيئة فقال: (يأمرني مروان أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتى أسلموا ولكن استسلموا فقال أهل الشام مجنون) ([22])

وفي رواية أن معاوية كتب إلى مروان بالمدينة يبايع لابنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام ما يحبسك؟ قال حتى يجئ سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد إذا بايع بايع الناس قال: أفلا أذهب فآتيك به، قال: فجاء الشامي وأنا مع أبي في الدار قال: انطلق فبايع قال: انطلق فسأجئ فأبايع فقال: لتنطلقن أو لأضرب عنقك قال: (تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم أنا قاتلتهم على الإسلام، قال: فرجع إلى مروان فأخبره، فقال له مروان: اسكت([23]).

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة، ونوساتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فم يجعل لي من الأمر شيء. فقال: الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجميع، وتسفك الدم، وتحمل على غير ذلك. فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت([24]).

والحديث واضح وصريح، وفوق ذلك هو في صحيح البخاري، وفوق ذلك كله نرى معاوية فيه كيف يتهجم على كبار الصحابة من أمثال عمر وابن عمر، بل يرى نفسه أولى بالحكم منهم.

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الإمام علي الذي تجاهل السلفية كل أحاديثه في الفتنة، بل وضعوه مع الطلقاء وأهل البغي في محل واحد، وكأنهما خصمان متساويان متعادلان.

بل نراهم يفضلون معاوية عليه حين يرمون بالكذب والبهتان كل من يتحدث بفضائل الإمام علي، أو كل من يروي أحاديثه وينقل خطبه، باعتباره شيعيا، بينما لا يتهمون بذلك من كان مع معاوية وفي المعسكر المعادي للإمام علي.

ولذلك نراهم يتهمون كل من يروي مثل هذه الأحاديث الواردة عنه في الفتنة بكونه شيعيا، ومعنى كونه شيعيا في التحقيق التاريخي هو كونه كان في جيش الإمام علي في صفين أو قبلها أو بعدها، وهل يمكن عقلا أن يروي أحد أحاديث الإمام علي، وهو لم يكن معه في جيشه؟ وهل يمكن لأهل الشام الذين ملأ معاوية قلوبهم حقدا على الإمام علي أن يرووا مثل تلك الأحاديث.

ولهذا سنذكر هنا ما ورد من روايات عنه في كتب السنة وغيرها، ولا يهمنا الموقف الذي لا يطمئن إلا لأولئك الرواة الذين وثقتهم الفئة الباغية، ومن سار في صفها.

فمن تلك الروايات قول الإمام علي: (انفروا بنا إلى بقية الأحزاب، انفروا بنا إلى ما قال الله ورسوله، إنا نقول: صدق الله ورسوله، ويقولون: كذب الله ورسوله)([25]).

ومنها قوله: (انفروا إلى كذا، انفروا إلى بقية الأحزاب إلى من يقول: كذب الله ورسوله ونحن نقول: صدق الله ورسوله) ([26])

ومنها قوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا، ولكن استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة) ([27])

ومنها هذه الرواية الخطيرة التي تبين سنة الله في حصول الثورات المضادة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيها أن رجلا جاء إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم: الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد فبم نسميهم؟ قال: تسميهم بما سماهم الله في كتابه. قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه. قال: (أما سمعت الله قال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبي وبالحق، فنحن الذين آمنوا، وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى، بمشيئة الله ربنا وإرادته)([28])

ومنها كتاب كتبه إلى معاوية يقول فيه: (أما بعد، فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة، ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم، واليوم أنا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرها، وبعد أن كان أنف الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حربا) ([29])

ومن خطبة له يوم صفين في حواره مع وفد معاوية: (ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك!، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عز وجل ولرسوله ص وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم ص الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ص وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مومن ومؤمنة، ومسلم ومسلمه)([30])

ومن كتاب له إلى معاوية: (ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبوسفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم..) ([31])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة، فقد وردت الروايات الكثيرة عنه، والتي تدل على موقفه من معاوية، ومن الفئة الباغية معه، ومنها ما رواه حبيب بن أبي ثابت، قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا، أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين) ([32])

ومن كتاب له معاوية جاء فيه: (وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّ الله خيّبك وستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك، وما الله بظلّام للعبيد) ([33])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر الإمام الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة، فقد أرسل رسالة إلى معاوية يقول فيها: (..ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلين العابدين، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ظلما وعدوانا، بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلظة؟ أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أبلته العبادة وصفرت لونه وأنحلت جسمه؟! أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، وزعمت أنه ابن أبيك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فتركت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخالفت أمره متعمدا، وابتعت هواك مكذبا، بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من الأمة وكأنها ليست منك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ألحق بقوم نسبا ليس لهم فهو ملعون)، أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك ابن سمية أنهم على دين علي، فكتبت إليه: اقتل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يضرب عليه أباك، والذي انتحالك إياه أجلسك مجلسك هذا، ولولا هو كان أفضل شرفك تجشم الرحلتين في طلب الخمور، وقلت: انظر لنفسك ودينك والأمة واتق شق عصا الألفة وأن ترد الناس إلى الفتنة، فلا أعلم فتنة على الأمة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظرا لنفسي وديني أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلى ربي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله توفيقي لأرشد أموري؛ وأما كيدك إياي فليس يكون على أحد أضر منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك، إلا مخافة أمر لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوه، وأماتوا قبل أن يدركوه، فأبشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، واعلم أن الله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لك أخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلا خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيتك، وتبوأت مقعدك من النار فبعدا للقوم الظالمين)([34])

ومن الصحابة الذين روي عنهم مثلما روي عن عمار بن ياسر عبد الله بن عباس، فمن خطبة له ألقاها في البصرة جاء فيها: (أيها الناس، استعدوا للمسير إلى إمامكم، وانفروا في سبيل الله خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون دين الحق، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر والصادع بالحق، والقيم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الذى لا يرتشى في الحكم، ولا يداهن الفجار، ولا تأخذه في الله لومة لائم)، فقام الأحنف بن قيس فقال: نعم، والله لنجيبنك، ولنخرجن معك على العسر واليسر، والرضا والكره، نحتسب في ذلك الخير، ونأمل من الله العظيم من الأجر([35]).

ومن خطبة له بصفين: (إن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعوانا على علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره، وأول ذكر صلى معه، بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل مشاهده التي فيها الفضل، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام، واعلموا: والله الذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله، لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية وأبو سفيان يقولان: كذب الله ورسوله. فما معاوية في هذه بأبر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر، وإنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل) ([36])

وهكذا كان موقف كبار التابعين الذين أقصتهم الفئة الباغية لوقوفهم مع الإمام علي، ومن بينهم محمد بن أبي بكر ـ ربيب الإمام علي وابن أسماء بنت عميس ـ فمن أقواله في معاوية رسالة مشهورة جاء فيها: (وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل، وعلى ذلك مات أبوك، وعليه خلفته، والشهيد عليك من تدني ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق..) ([37])

 ومنهم محمد بن الحنفية الذي روي عنه قوله: (لما أتاهم – يعني أتى أهل مكة- رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعلى الوادي ومن أسفله وملأ الأودية كتائب استسلموا حتى وجدوا أعوانا) ([38])

لكن الحريصين على الملك العصوص راحوا يضربون هذه الأحاديث وغيرهم، بأولئك الذين قربهم معاوية، وأدناهم، ووهب لهم من الصلات ما جعلهم يسبحون بحمده حتى أن بعضهم، وهو قتادة قال: (لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي) ([39])

ومثله مجاهد الذي يروون عنه قوله: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي) ([40])

ومثله الزهري الذي يروون عنه قوله: (عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئاً)([41])

ومثله الأعمش الذي ذكر عنده عمر بن عبدالعزيز وعدله فقال: (فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله) ([42])

ومثله المعافى الذي قيل له: معاوية أفضل أو عمر بن عبدالعزيز؟ فقال: (كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبدالعزيز) ([43])

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل ذكر الأسس الكبرى التي قام عليها الدين البشري الذي صاغه أصحابه الملك العضوض وأعوانهم من لصوص الأديان، والتي رأينا أنها يمكن أن تجتمع في أساسين:

الأول ـ تحريف القيم العقدية.

الثاني: تحريف القيم الأخلاقية.

وسنضرب عليهما بعض الأمثلة والنماذج من خلال المبحثين التاليين:

1 ـ الملك العضوض.. وتحريف القيم العقدية

بما أن العقائد هي الأساس الذي تقوم عليه الأديان في كل جوانبها؛ فإذا ما حُرفت سهل تحريف كل شيء بعدها، فإن أصحاب الملك العضوض يولونها الأهمية الكبرى، بل ينطلقون منها في صياغة الدين بحسب ما تملي عليهم مصالحهم، لتحويله إلى أفيون للشعوب، يسيطرون به عليها، بعد أن يعزلوا الله عن ولايته على خلقه، ويتحولوا بدله إلى أنداد من دون الله.

وهم يستغلون في ذلك ضعف الأتباع الذين في قلوبهم مرض، أو الذين لم يتمكن الدين من قلوبهم، أو الذين لا تزال رواسب الشرك لم تنقلع عنهم، فيستخفونهم، ويتلاعبون بعقولهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك عندما ذكر بني إسرائيل، واستعجالهم عبودية العجل، بمجرد غياب موسى عليه السلام، مع كون هارون عليه السلام بينهم إلا أنهم عزلوه، وراحوا يلتفتون للسامري، باعتباره ـ عندهم ـ أكثر صحبة وأرفع درجة من هارون.

وهكذا وقع التحريف في العقائد الإسلامية عندما التف الجماهير ـ بتأييد وتشجيع من أصحاب العضوض ـ بكعب الأحبار ووهب بن المنبه ومقاتل بن سليمان وغيرهم، تاركين الصادقين السابقين الذين ضحوا بكل شيء في سبيل الإسلام، ثم كان مصيرهم العزل من كل شيء.

ولهذا تسللت كل خرافات الأمم إلى هذه الأمة، بسبب تلك المجالس التحريفية للقرآن الكريم، والتي كانوا يوهمون الناس أنها مجالس علم، وأن الملائكة تحيط بها، بينما لم يكن يحيط بها سوى الشياطين.

وكيف لا تحيط بها الشياطين، وهي تملأ العقول التي هذبها القرآن، بذلك التراث المدنس الذي جاء الإسلام لمواجهته.. لكن ما هي إلا فترة قصيرة حتى صار تفسير القرآن الكريم مفتوحا لمن هب ودب، وراح العلماء الذين وكل إليهم حماية التنزيل من أن تتسرب إليه خرافات التأويل يتهاونون في ذلك، ويتساهلون، ويرددون ما قاله الإمام أحمد: (ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والملاحم والتفسير)([44])

ويعنون بذلك أن التشدد في النقل ارتبط فقط بفروع الأحكام الفقهية، وخاصة ما تعلق بكيفية الطهار والصلاة ونحوها، أما في حقائق القرآن الكريم، وقصصه وعقائده، فالأمر فيها يسير وسهل.

ولذلك امتلأت كتب التفسير والحديث والسيرة بكل أصناف الخرافات، وأصبح القرآن الكريم مطية لها، حيث تُترك معانيه الواضحة الظاهرة إلى ما قاله أولئك المحرفون الذين كانوا جميعا من زبانية وجنود أصحاب الملك العضوض يستخدمونهم لتشويه الدين وتحريفه وجعله متناسبا مع أهوائهم.

وهكذا حصل مع النبوة التي تساهلوا في الروايات المرتبطة بها، بل ورد ما يدل على تدخل أصحاب الملك العضوض في صياغة الكثير من الأحداث، حتى تصبح النبوة بالصورة التي يرتضونها، ولذلك أدخل في السيرة والسنة الكثير من الروايات والأحاديث التي تشوه النبوة أعظم تشويه.

وبناء على هذا حصل التشويه الكبير في العقائد الإسلامية، وبرعاية خاصة من أصحاب الملك العضوض الذين قربوا المجسمة والمخطئة للأنبياء في نفس الوقت الذي أبعدوا فيه المنزهة والقائلين بعصمة الأنبياء، بل اعتبروهم مبتدعة، وحكموا بتضليلهم وابتداعهم.

وهو نفس ما فعله قسطنطين الأول في المسيحية عندما قرب المحرفين للمسيحية في نفس الوقت الذي اتهم فيه الموحدين منهم، والمحافظين على منهج المسيح عليه السلام بالهرطقة.

وسنذكر هنا باختصار بعض ما فعله قسطنطين الأول بالمسيحية لنعرف من خلاله ما فعل معاوية والمتوكل والقادر بالله وغيرهم من أصحاب الملك العضوض بالإسلام.

ونعتمد في ذلك على ما قاله المسيحيون أنفسهم، والذين يقر الكثير من باحثيهم بالجرائم التي ارتكبها قسطنطين في حق المسيحية، وهي لا تختلف كثيرا عن الجرائم التي ارتكبها أصحاب الملك العضوض في حق الإسلام، وتحويله من دين إلهي مملوء بالقداسة والقيم النبيلة إلى دين بشري مدنس بالكثير من الأهواء والقيم التي لا تتناسب مع فطرة الله التي فطر الناس عليها.

فقد جاء في بعض المواقع المسيحية المرتبطة بشهود يهوه، إقرارات بما فعله قسنطين الأول، نحب ذكرها هنا، لأنها تعبر عن الحقيقة التي دلت عليها المصادر التاريخية أحسن تعبير، فقد جاء فيه: (قسطنطين هو أول إمبراطور روماني يعلن اهتداءه إلى المسيحية،‏ مغيِّرا بذلك مجرى التاريخ.‏ فأيَّد هذا الدين الذي عانى الظلم والقهر في الماضي،‏ ووضعه على طريق أدَّت في النهاية إلى نشأة العالم المسيحي، وعليه،‏ أصبحت هذه المسيحية أقوى العناصر الاجتماعية والسياسية التي تلعب دورا في المسرح العالمي،‏ بحسب دائرة المعارف البريطانية) ([45])

وهذا كلام لاشك فيه، فالمسيحية قبل قسطنطين كانت مضطهدة، وكان له دور في إنقاذها إن صح التعبير، ولكن كان له دور أيضا في تشويهها، ولذلك فإن الذين يفتخرون بأصحاب الملك العضوض باعتبارهم ساهموا في الفتوح، لا يلتفتون إلى أنهم أيضا ساهموا في التشويه.. مع العلم أن الدين الإلهي لا يحتاج إلى التوسع بقدر ما يحتاج إلى الصفاء.‏

وقد ذكر صاحب المقال أهمية البحث حول شخصية قسطنطين وآثاره على المسيحية، وأن ذلك ليس مجرد بحث عن شخصية تاريخية، وإنما هو بحث عن الجذور التي نبت منها تشويه الدين، وكأنه بذلك يرد على أولئك الذين يرددون كل حين قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] من غير أن يفهموا معناها، ولا أن يدركوا أن تلك الأمة التي خلت هي التي تتحكم في التصورات التي يحملونها عن الدين، يقول في ذلك متسائلا: (لمَ يجب أن يهمك أمر هذا الإمبراطور الروماني؟‏)

ثم أجاب بقوله: (لأن مناوراته السياسية والدينية تؤثر إلى الآن في معتقدات وعادات كنائس كثيرة)([46])

ثم راح يفصل بعض مظاهر ذلك، فقال: (سنة ٣١٣ م،‏ كان قسطنطين متربعا على عرش الإمبراطورية الرومانية الغربية،‏ فيما حكم ليسينيوس ومكسيمينوس الإمبراطورية الشرقية.‏ وفي تلك السنة،‏ منح قسطنطين وليسينيوس حرية العبادة للجميع،‏ بمَن فيهم المسيحيون.‏ كما حمى قسطنطين المسيحية معتقدا أن وحدة إمبراطوريته من وحدة الاديان فيها، فقد هالته النزاعات التي قسَّمت الكنائس.‏ وإذ رغب في توحيد الصف،‏ أرسى لا بل فرض عقيدة [قويمة]،‏ أما الاساقفة من جهتهم فلزم أن يسايروا على حساب إيمانهم في سبيل استرضائه،‏ فأغدق هذا الإمبراطور الهبات والعطايا على مَن ساير،‏ وأعفاهم أيضا من الضرائب)([47])

ثم نقل عن المؤرخ تشارلز فريمان قوله:‏ (إن تبني صيغة العقيدة المسيحية ‹القويمة› لم يخوِّل [القادة الدينيين] الامر والنهي في السماء فحسب بل على الارض أيضا)، وعن المؤرخ أ.‏ ه.‏ م.‏ جونز قوله:‏ (لم تكتسب الكنيسة مدافعا عنها فحسب،‏ بل سيدا متسلطا عليها أيضا) ([48])

وبذلك تحولت المسيحية ـ كما يذكر صاحب المقال ـ إلى دين آخر، وقد قال معبرا عن ذلك: (أدى تحالف قسطنطين مع الاساقفة إلى نشوء ديانة جمعت عقائدها بين المسيحية والوثنية،‏ وكانت هذه النتيجة حتمية،‏ بما أن الإمبراطور عقد النية على تحقيق التعددية الدينية،‏ وكان الحق آخر همه،‏ فهو أولا وأخيرا إمبراطور وثني،‏ وليرضي الطرفين،‏ انتهج (الغموض في تصرفاته وسياسته عموما)،‏ كما يقول أحد المؤرخين، وفيما رجَّح كفة المسيحية،‏ لم يتوقف عن تأدية الشعائر الوثنية.‏ على سبيل المثال،‏ تعاطى التنجيم والعرافة،‏ ممارستين سحريتين يدينهما الكتاب المقدس.‏ (‏تثنية ١٨:‏١٠ـ‏١٢‏)‏ كما يصوِّره قوس قسطنطين في روما وهو يقدِّم الذبائح إلى الآلهة الوثنية،‏ وظل هذا الإمبراطور يكرم إله الشمس،‏ واضعا نقشه على النقود ومروِّجا عبادته.‏ وفي أواخر حياته،‏ أذن ببناء معبد في بلدة صغيرة بمنطقة أمبريا الايطالية تكريما لعائلته وشخصه،‏ وسمح بتعيين كهنة للخدمة فيه، ولم يعتمد قسطنطين ويصر (مسيحيا) حتى سنة ٣٣٧ ب‌م حين كان على فراش الموت..‏ ويرى علماء عديدون أنه ظل يقدِّم رِجلا ويؤخر أخرى حتى تستمر الفئات المسيحية والوثنية على السواء في دعمه سياسيا.‏ على كل حال،‏ إن سيرة حياته وتأخُّر معموديته يقوِّضان مصداقية إيمانه بالمسيح) ([49])

ثم بين صاحب المقال النتيجة التي آلت إليها المسيحية بعد ذلك التدخل الذي قام به قسطنطين الأول، فقال: (الاكيد أن الكنيسة التي شرَّعها غدت كيانا ذا نفوذ سياسي وديني أدار ظهره للمسيح واندمج في العالم.. وخلاصة القول إذًا أننا لا يجب أن نسلِّم جدلا أن الكنائس اليوم تعلِّم تعاليم المسيح،‏ بل علينا بفحص الكتاب المقدس بغية التعرف على تعاليمه الحقة)([50])

وهكذا ورد في مقال آخر ذكر ما فعله قسطنطين الأول بالمسيحية، وتحويلها من دين إلهي إلى دين بشري، وهو يشابه كثيرا ما فعله أصحاب الملك العضوض في الإسلام، والذي لم يبتل بقسطنطين واحد، وإنما ابتلي بالكثير، ولا يزال للأسف يبتلى.

وقد ذكر صاحب المقال الوسيلة التي اعتمدت في ذلك، وهي ذلك التقديس الذي لا يزال يحظى به قسطنطين في المسيحية، بحيث صار من الرموز التي لا يحل نقدها أو تشريحها أوالتساؤل عن أعمالها، أو الشك فيها، مثلما فعلنا نحن مع الرموز الكثيرة التي جعلناها أندادا نعبدها من دون الله، فقال: (الإمبراطور الرومانى قسطنطين هو بين الرجال القليلين الذين زين التاريخ أسماءهم بلقب [الكبير] وأضاف العالم المسيحى الالقاب [القديس]، [الرسول الثالث عشر]، [المقدس المساوى للرسل]، والمختار بواسطة العناية الالهية لينجز أكبر تحول فى العالم بأسره) ([51])

ثم ذكر نظرة أكثر المسيحيين لقسطنطين، فقال: (تعلم كثيرون من مدعي المسيحية بأن قسطنطين الكبير هو أحد أبرز المحسنين إلى المسيحية، وينسبون إليه إنقاذ المسيحيين من بؤس الاضطهاد الرومان وإعطاءهم الحرية الدينية، وعلاوة على ذلك، يعتقد على نطاق واسع أنه كان تابعا أمينا لخطوات يسوع المسيح، وذا رغبة شديدة فى ترويج المسيحية، وقد أعلنت الكنيسة الارثوذكسية الشرقية والكنيسة القبطية كلا من قسطنطين وأمه هيلانه قديسا، ويحتفل بعيدهما أما فى 3 حزيران او 21 ايار، وذلك حسب التقويم الذى تستخدمه الكنيسة)([52])

ثم أخذ يذكر ما تقوله المصادر التاريخية عن هذ االقسطنطين وجرائمه في حق شعبه وحق المسيحية، واستغلاله لها لتثبيت سلطانه، ومنها ما نقله عن كتاب [تاريخ الأمة اليونانية] والذي ذكر الانطباع العام الذى تركه الدين لدى الاباطرة الرومان فى القرنين الثالث والرابع: (حتى عندما لم تكن للذين تربعوا على العرش الإمبراطورى ميول دينية عميقة، فقد استسلموا للجو السائد فى عصرهم، إذ وجدوا أنه من الضرورى منح الدين مكانة مهمة ضمن نطاق خططهم السياسية، ليضفوا على الأقل مسحة دينية على أعمالهم، ولا شك أن قسطنطين كان رجلا جارى عصره. ففى بداية مسعاه احتاج إلى رعاية إلهية، وهذا ما لم تكن آلهة روما التى يضمحل تأثيرها قادرة على تزويده، وراحت الإمبراطورية، ومن ضمنها الدين ومؤسسات أخرى تنهار، وكانت هنالك حاجة إلى شئ جديد ومنشط لإعادتها إلى ما كانت عليه، تقول دائرة المعارف اليونانية ايدريا: (كان قسطنطين مهتما بشكل خاص بالمسيحية لأنها لم تدعم انتصاره وحسب، بل ودعمت أيضا إعادة تنظيم إمبراطوريته، وصارت الكنائس المسيحية الموجودة فى كل مكان بمثابة دعم سياسى له.. فأحاط نفسه بكبار أساقفة ذلك الزمان.. وطلب منهم صون وحدتهم) ([53])

ثم ذكر صاحب المقال نوع الاستثمار الذي قام به قسطنطين للمسيحية، فقال: (شعر قسطنطين بأن المسيحىة ـ رغم تفشى الارتداد وكثير من الفساد فيها آنذاك ـ يمكن أن يستخدمها بفعالية كقوة تمنح العزم فى سبيل تنفيذ خطته الكبيرة لكى تسود إمبراطوريته، واذ تبنى أسس المسيحية المرتدة ليربح التأييد من أجل بلوغ أهدافه السياسية، قرر أن يوحد الناس تحت دين جامع أو عالمى، واحد. فأعطيت العادات والاحتفالات الوثنية أسماء مسيحية. وأعطى رجال الدين المسيحيون مراكز، ورواتب، ونفوذ الكهنة الوثنيين) ([54])

ثم بين الأدوار القذرة التي قام بها في القضاء على الممثلين الحقيقيين للمسيحية في نفس الوقت الذي قرب فيه كل الانتهازيين، فقال: (واذ كان قسطنطين يبحث عن الانسجام الدينى لأسباب سياسية، قضى بسرعة على جميع أصوات المعارضة. ليس على أساس العقائد الحقة بل على أساس ما تقبله الغالبية. والاختلافات العقائدية العميقة داخل الكنيسة المسيحية المقسمة كثيرا، أتاحت له فرصة التدخل بصفته وسيطا [مبعوثا من الله] ومن خلال تعاملاته مع الدوناطيين فى إفريقيا الشمالية وأتباع أريوس فى الجزء الشرقى من الإمبراطورية، سرعان ما اكتشف أن الاقناع لم يكن كافيا لتشكيل دين صلب وموحد)([55])

ثم ذكر كيف راح يقنن للدين بالصيغة التي تحاول الجمع بين الوثنية والمسيحية، فقال: (أى دور لعبه الإمبراطور غير المعتمد فى مجمع نيقية؟ تذكر دائرة المعارف البريطانية [قسطنطين] نفسه أشرف موجها المناقشات بفعالية.. وإذ كانوا يرتاعون من الإمبراطور فإن الأساقفة باستثناء اثنين فقط، وقعوا الدستور، وكثيرون منهم ضد رغبتهم، وبعد شهرين من الجدال الدينى العنيف تدخل هذا السياسى الوثنى، واتخذ قرارا لمصلحة الذين قالوا إن المسيح هو الله، وكل مافهمه قسطنطين من المناقشات أن الانشقاق الدينى يهدد إمبراطوريته)([56])

وقد نقل محمد أبو زهرة عن ابن البطريق المسيحي وصفا للمجتمعين في مجمع نيقية وعددهم فقال: (بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة. وكانوا مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول أن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية، ويسمون المريميين، ومنهم من كان يقول أن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس وشيعته، ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة البيان وأشياعه)([57])

ونقل عنه ما ذكره عن دور قسطنطين في ترجيح كفة المختلفين، مع عدم علاقته بالدين أصلا، فقال: (اجتمع أولئك المختلفون، وسمع قسطنطين مثال كل فرقة من ممثليها، فعجب أشد العجب مما رأي وسمع، فأمرهم أن يتناظروا لينظر الدين الصحيح مع من، وأخلى داراً للمناظرة، ولكنه جنح أخيراً إلى رأي بولس، وعقد مجلساً خاصاً للأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي وكانت عدتهم ثمانية عشر وثلاثمائة) ([58])

ونقل عن ابن البطريق قوله: (وضع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً مجلساً خاصاً عظيماً، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه، وسيفه، وقضيبه. فدفعه إليهم وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على مملكتي، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين، وصلاح المؤمنين، فباركوا الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه، ووضعوا له أربعين كتاباً فيها السنن والشرائع، منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به) ([59])

وذكر كيف طبقت بعد ذلك تلك القوانين الدينية، وكيف امتحن الناس في دينهم على أساسها، فنقل عن كتاب تاريخ الأمة القبطية ما نصه: (إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه، وإنه لم يوجد قبل أن يولد، وإنه وجد من لا شيء. أو من يقول أن الابن وجد من مادة أو جوهر غير الله الأب، وكل من يؤمن إنه خلق، أو من يقول إنه قابل للتغيير، ويعتريه ظل دوران) ([60])

وعلق عليه أبو زهرة بقوله: (إذن قرر المجمع أُلوهية المسيح، وإنه من جوهر الله، وإنه قديم بقدمه، وإنه لا يعتريه تغيير ولا تحول، وفرضت تلك العقيدة على المسيحيين قاطبة مؤيدة سلطان قسطنطين، لاعنة كل من يقول غير ذلك والذين فرضوا هذا القول 318 أسقفاً، ويخالفهم في ذلك نحو سبعمائة وألف أسقف، وإن لم يكونوا متفقين فيما بينهم على نحلة واحدة، فهل ذلك المجمع لم يخل من نقد؟ إن باب النقد فيه متسع) ([61])

وهكذا يذكر المؤرخون دوره في صياغة الكثير من العقائد المسيحية التي تحولت بسببها من دين إلهي ممتلئ بالتنزيه والقيم النبيلة إلى دين بشري ممتلئ بالوثنية والصراع والعنف الذي ظل فترة طويلة إلى أن أقصيت المسيحية من الحياة، لفشلها في تسييرها.

ونفس الشيء تقريبا حصل للأسف في الإسلام بسبب أولئك الملوك الظلمة الذي أُعطوا قداسة خاصة، وأتيح لهم أن يتحكموا في قضايا الدين والدنيا جميعا، والذين راحوا يستعملون تلك السيوف ـ التي سلطوها على الأمم يقتلونها ويذبحونها ـ على كل مفكر وباحث، بدل أن يتيحوا الحرية الفكرية والدينية التي دعا إليها القرآن الكريم.

ومن الأمثلة على ذلك تلك الجرائم التي ارتكبها من سمى نفسه المهدي العباسي والد هارون، والذي سلط سيف الظلم على كل معارض له بتهمة الزندقة، وقد وصفه الذهبي بقوله: (إنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِق عليهم)([62])

وقد كان من وصيته لابنه موسى (الهادي) الذي ورثه الحكم من بعده قوله له: (يا بني، إن صار لك هذا الأمر، فتجرّد لهذه العصابة ـ يعني من يتهمهم بالزندقة ـ فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم، وترك قتل الهوام تحرّجاً، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين، أحدهما: النور، والآخر: الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات.. فارفع فيها الخشب، وجرّد فيها السيف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شريك له)([63])

ولذلك أثنى عليه ابن تيمية كثيرا، بل اعتبره من الخلفاء الراشدين الصالحين، بسبب الدماء التي سفكها، ومن أقواله فيه: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك مثل: دولة المهدي والرشيد ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله.. وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك)([64])

وهكذا فعل هارون، والذي رأينا نماذج عن جرائمه في الفصل المخصص له، وقد وصف ابن كثير دوره في حماية العقائد التي بثها أصحاب الملك العضوض من التجسيم وغيره، بقوله: (فضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جداً، قد ذكر الأئمة من ذلك شيئاً كثيراً، وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري، وقالوا: فلما مات الرشيد، وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك) ([65])

وقد روي أن أبا معاوية الضرير حدّث هارون بحديث أبي هريرة: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى. ثلاثا)([66])، فقال أحد الحاضرين: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما! فوثب به هارون، وغضب غضباً شديداً، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه، يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبره من ألقى إليه هذا، فأقسم ذلك الرجل بالأيْمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة منه، وأنه يستغفر الله ويتوب إليها منها، فأطلقه)([67])

وقد علق الصابوني ([68]) على القصة بقوله: (هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقابله بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف، على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول)([69])

وهكذا فعل المتوكل، والذي رأينا نماذج عن جرائمه في الفصل المخصص له، ولذلك وصفه ابن كثير بقوله: (لما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محباً للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن)([70])

وقال: (كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكف عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت، وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل.. وارتفعت السنة جداً في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد)([71])

وهو طبعا لا يقصد بالكتاب والسنة العودة إلى المصادر المقدسة، كما هي صافية نقية، وإنما يقصد بها تلك التأويلات والتحريفات التي تحولت بها المصادر المقدسة إلى مصادر للتجسيم والخرافة وكل أنواع الضلال، بدليل أنه ـ كما يذكر المشيدون به ـ (أمر الفقهاء والمحدثين أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية والصفات) ([72])

وهم يذكرون ـ بكل حقد ـ ما فعله من جرائم في حق من يخالفون تلك القوانين الدينية التي سنها له من ارتضاهم من الفقهاء، مثلما فعل أولئك الذين أحاطوا بقسطنطين، وراحوا يعذبون المخالفون لهم، وقد ذكروا من ذلك أنه أن صادر أموال أحمد بن أبي داود، وسجن أصحابه.. وقتل رجلاً كان نصرانياً فأسلم، ومكث سنين كثيرة، ثم ارتد فاستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضربت عنقه ([73])، ولما ظهر شخص يزعم أنه ذو القرنين ويدّعي النبوة، أمر المتوكل بضربه بالسياط، فضرب ضرباً شديداً، فمات من بعد ضربه ذلك([74]).

وهكذا فعل من بعدهم من أصحاب الملك العضوض، فالمعتضد نهى عن بيع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس([75]).

وهكذا فعل من قبلهم من الأمويين، ولعل أحسن النماذج على ذلك ما فعله الظالم المستبد خالد القسري الذي كان واليا علي العراق لهشام بن عبدالملك، والذي ذبح الجعد بن درهم يوم العيد بسبب بعض آرائه العقدية، ثم خطب الناس وقال: (أيها الناس! ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسي تكليما)، ثم نزل وذبحه أمام الناس([76]).

وقد أثنى على هذا السلوك الداعشي الإجرامي كل الممجدين للملك العضوض من أمثال ابن تيمية وابن القيم وانتهاء بابن عثيمين الذي قال في درس من دروسه العمومية: (جزاه الله خيرا، فالناس يضحون بالغنم والشاة والمعز والبعير والبقر.. وهذا ضحي بشر منها، فإنه شر من الإبل والغنم والحمير والخنازير.. وإني أسأل الآن: البعير عن سبع، والبقر عن سبع، وهذا الرجل عن كم.. عن آلاف آلاف وقي الله شرا كبيرا، لكن بعض الناس _ والعياذ بالله_ يقولون إن هذا العمل من خالد بن عبد الله القسري ليس دينا، ولكنه سياسي، ونقول لهم هذا كذب، لأن الرجل صرح أمام الناس أنه قتله من أجل هذه البدعة)([77])

بناء على هذا سنذكر هذا نموذجا للتقنين السياسي للدين، وهو أقرب النماذج إلى قسطنطين، ذلك أنه أصدر قانونا للعقائد لا يزال ساريا إلى اليوم، بل لا يزال الكثير يمتحن عقائد الناس على أساسه.

وهذا القانون السياسي للعقائد الإسلامية هو ما يطلق عليه [الاعتقاد القادري]، والذي يهتم به السلفيون وغيرهم، ويعتبرون ما فيه من بيانات بشرية حقائق قطعية لا يجوز الجدال فيها، مع أن الذي تبناها ودافع عنها وقررها لم يكن إلا رجلا من رجال الملك العضوض.

وقد قال بعضهم في كتابه الذي خصصه له، مبينا دوافع اهتمامه به: (تميّزت سيرة الخليفة العباسي القادر بالله بمزايا ومواقف رائعة تقتضي البحث والتصنيف، فقد أظهر الإسلام وأقام السنة، فألزم أهل الذمة الشروط العمرية، وهتك أستار الباطنية، وطعن في نسب العبيديين، وذلك في وقت استفحل شأنهم وكثر دعاتهم، كما استتاب المبتدعة وقمعهم، وانتصر لأهل السنة، ومن مآثره أنه كتب الاعتقاد القادري، وهو اعتقاد يستحق الدراسة والتأليف لجملة أمور، منها أن هذا الاعتقاد على طريقة أهل السنة والجماعة، وقد أثنى عليه أئمة من أهل السنة كابن تيمية والذهبي وابن كثير وغيرهم.. ولهذا الاعتقاد أثره الإيجابي ونفعه المتعدي في إظهار مذهب أهل السنة ومدافعة أهل البدعة، بل إن آثاره لم تقف عند بلد معيّن أو عصر محدد)([78])

وهذا النص وحده كاف للدلالة على مدى الارتباط بين القادر بالله وقسطنطين الكبير، ذلك أن كليهما وجدا مذاهب متعددة، وبدل أن يتركا الحرية الدينية، ويشرعا لشعبهما مبادئ التعايش بين المختلفين، أو مبادئ الحوار والجدال بالتي هي أحسن، أو يبحثا عن المشتركات، فيعتبراها أصلا، ويتركا للرعية بعد ذلك الاختيار فيما اختلف فيه، راحا ينصران فئة على أخرى، لأنها كانت أطوع لهم، وأقرب إلى طباعهم.

ولهذا نجد الطائفيين يبالغون في الثناء عليه، وعلى تلك الجرائم التي ارتكبها في حق المخالفين للعقائد التي أقرها، وراح يمتحن أصحاب الطوائف المختلفة بها، ويعاقبهم على خلافها.

فقد ذكر المؤرخون أنه في سنة 408هـ (استتاب فقهاء المعتـزلة، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الاعتـزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتـزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم)([79])

وقد أثنى عليه سبب هذا الموقف كل الطائفيون، ولا يزالون يمجدونه بسببه، يقول ابن تيمية: (ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام، وجهاد أعدائه، حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة..وكذلك الخليفة القادر ربما اهتم بذلك، واستتاب المعتـزلة من الفقهاء)([80])

وقال: (وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين ـ يقصد الفاطميين ـ وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة، وقمع أهل البدع، فكتب الاعتقاد القادري.. وأمر باستتابة من خالف ذلك من المعتـزلة وغيره)([81])

وقال الذهبي: (وفيها استتاب القادر بالله ـ وكان صاحب سنّةـ طائفة من المعتـزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم بالتوبة)([82])

وقال ابن القيم: (وكان [القادر] قد استتاب من خرج عن السنة من المعتـزلة والرافضة ونحوهم.. فتحرك ولاة الأمور لإظهار السنة)([83])

وهكذا أثنوا على عزله لعلماء الشيعة من الخطابة في الأماكن التي يتواجدون فيها، يقول ابن كثير مثنيا عليه بسبب ذلك: (وعزل خطباء الشيعة، وولى خطباء السنة، ولله الحمد وعلى ذلك وغيره) ([84])

وهكذا، وبدل أن يقيم علاقات طيبة مع الدولة الفاطمية، حتى يجتمع الجميع على حماية الدولة الإسلامية من الأخطار التي تهددها، راح يجمع أولئك الفقهاء الذين أحاطوا به للتشكيك في نسب الفاطميين، ولست أدري ما يجديه ذلك.

فقد ذكر المؤرخون في أحداث (402هـ) أن القادر بالله، ومن أجل مواجهة الفاطميين شكل محضراً يتضمن الطعن في أنسابهم، وأنهم زنادقة كفّار، (وكتب هذا المحضر، وأقره جمع من الأشراف والقضاة والمحدثين والفقهاء والعدول، وخلاصة هذا المحضر: أن الفاطميين ملوك مصر، منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرّمي، فليسوا من أهل البيت، ولا نسب لهم في ولد عليّ بن أبي طالب.. وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه كفار فسّاق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأحلوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادّعوا الربوبية) ([85])

وقد ذكر الذهبي دور القادر بالله في كتابة التاريخ وفرض ما يشاء من أحكام، فقال: (وفي هذا الوقت انبثت دعاة الحاكم في الأطراف، فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية)([86])

وللأسف، فإن ابن تيمية وغيره بدل أن ينتهج المنهج العلمي في البحث عن حقيقة ما ذكره ذلك المحضر، راح يعتبره حقيقة مثل كل تلك الأباطيل التي حولها أصحاب الملك العضوض إلى حقائق، وقد قال في ذلك، على طريقته في حصر الأمة فيما يتبناه، وتتبناه طائفته: (قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس، أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم)([87])

ولم يتوقف صراع القادر بالله مع الطوائف الإسلامية فقط، بل إنه تعداها للمسيحيين الذين استعمل كل وسائل إذلالهم كما هي عادة جميع أصحاب الملك العضوض، وقد أثنى عليه ابن تيمية بسبب ذلك، فقال: (وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر، وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك)([88])

وفوق ذلك، فإن فتنته لم تبق قاصرة على عصره، بل إنها تعدتها إلى كل العصور التي تلته، بما فيها عصرنا هذا الذي نعيشه، وذلك عندما وضع قانونا للإيمان الإسلامي، كما وضع قسنطين قانونا للإيمان المسيحي.

وقد كان ذلك القانون يقرأ في المساجد وغيرها، ويفرض على الرعية فرضا، يقول الذهبي في حوادث سنة 420هـ: (وفي شعبان جُمع العلماء والقضاة في دار الخلافة، وقريء عليهم كتاب طويل عمله القادر بالله، يتضمن الوعظ، وتفصيل مذهب السنة، والطعن على المعتـزلة، وفيه أخبار كثيرة في ذلك، وفي رمضان جُمعوا أيضاً، وقريء عليهم كتاب طويل عمله القادر بالله، فيه أخبار وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه ردّ على من يقول بخلق القرآن، وحكاية ما جرى بين عبدالعزيز وبشر المريسي ثم ختمه بالوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وفي ذي القعدة جمعوا الكتاب الثالث في فضل أبي بكر وعمر، وسبّ من يقول بخلق القرآن، وأعيد فيه ما جرى بين عبدالعزيز وبشر المريسي، وأقام الناس إلى بعد العتمة حتى فرغ، ثم أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوا)([89])

وقد نوه ابن تيمية بذلك القانون، وكيف صار يُعلن عنه في المساجد وغيرها، واعتباره من يخالفه مبتدعا ومهرطقا، فقال متحدثا عن كاتبه الذي كتبه للخليفة، وصار ينسب إليه: (قال الشيخ أبو أحمد الكرخي، الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها للخليفة القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرتها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة)([90])

وذكر كيف انتشر ذلك الاعتقاد، وكيف امتحن به الناس، بل حتى العلماء، وقتلوا بسبب مخالفتهم له، فقال متحدثا عن السلطان محمود بن سبكتكين الذي أيده القادر بالله، واعتبره من جنده وأنصاره، فقال: (وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر، وأظهر السنة، وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم، فرجح ذلك، ويقال إنه قال لابن فورك: فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ أو قال: فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم؟ وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحق الأسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسماً، ومن الناس من يقول: إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله، وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم، وفقهاء الرأي، فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه) ([91])

وهكذا استعمل السلطان محمود نفس ما استعمله القادر بالله من امتحان الناس في عقائدهم، وقتل من رأى فيه التنزيه، مثلما فُعل بالموحدين في المسيحية واتهامهم بالهرطقة.

وحتى لا يكون حديثنا مجرد دعوى كذلك، فسنذكر هنا عقيدتين من العقائد التي وردت في ذلك القانون العقدي الذي شرعه القادر بالله، وكلتاهما كان لها آثارها الخطيرة التي لا نزال نراها إلى اليوم في كتب العقائد الإسلامية.

أ ـ الاعتقاد في كلام الله تعالى وربطه بالتجسيم:

وقد نص على هذا الاعتقاد ذلك القانون بهذا النص الذي يدعو إلى التجسيم بكل المعاني، ويفرضه فرضا، بل يحكم بالقتل على من لم يقل به، فقد ورد فيه: (والله متكلم بكلام، لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه عليه السلام، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية، ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّم به تكليماً، وأنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلا جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم،وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق بكل حال، متلواً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه)([92])

وهذا نص خطير، لأنه يحكم بالكفر على أكثر الأمة، ما عدا الطائفة السلفية، فكل الأمة تنزه الله تعالى عن أن يكون لكلامه حرف أو صوت، على عكس المدرسة السلفية التي أملت تلك العقيدة على القادر بالله، وراح يفرضها على الأمة.

فالأشاعرة، والذين يشكلون النسبة الأكبر في الأمة، لو طبقنا عليهم ذلك القانون القادري، لحكمنا عليهم بالكفر والقتل جميعا، فقد قال الشيخ العثيمين مبينا اتفاق الأشاعرة مع المعتزلة في صفة الكلام: (وقالت الأشعرية الذين تذبذبوا بين أهل السنة والمعتزلة قالوا: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم في نفسه، وما يُسمع فإنه مخلوق خلقه الله تعالى ليعبر عما في نفسه. فما الفرق إذن بين المعتزلة والأشعرية؟ الفرق: أن المعتزلة يقولون: لا ننسب الكلام إليه وصفا، بل فعلا وخلقا. والأشاعرة يقولون: ننسب الكلام إليه وصفا لا باعتبار أنه شيء مسموع، وأنه بحروف، بل باعتبار أنه شيء قائم بنفسه، وما يسمع أو يكتب فهو مخلوق؛ فعلى هذا يتفق الأشاعرة والمعتزلة في أن ما يُسمع أو يكتب مخلوق، فالأشاعرة يقولون: القرآن مخلوق، والمعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلامه حقيقة، كما أن السموات خلقه حقيقة، وقالت الأشاعرة: ليس هو كلام الله تعالى حقيقة، بل هو عبارة عن كلام الله!!، فصار الأشاعرة من هذا الوجه أبعد عن الحق من المعتزلة، وكلتا الطائفتين ظالم، لأن الكلام ليس شيئا يقوم بنفسه، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الكلام صفة المتكلم، كان كلام الله صفة، وصفات الله تعالى غير مخلوقة، إذ إن الصفات تابعة للذات، فكما أن ذات الرب عز وجل غير مخلوقة، فكذلك صفاته غير مخلوقة، وهذا دليل عقلي واضح)([93])

وقال الشيخ محمد أمان الجامي: (ما الفرق إذن بين الأشاعرة وبين المعتزلة في صفة الكلام؟ خلاف لفظي غير حقيقي كلهم يتفقون على أن هذا القرآن الذي نقرأه ونحفظه ونكتبه مخلوق وليس بكلام الله، تتفق الأشاعرة مع المعتزلة على هذا بل موقف الأشاعرة أخطر لأن موقف المعتزلة واضح)([94])

وهكذا ينطبق على الأشاعرة كل تلك الأحكام القاسية التي حكم بها عليهم الاعتقاد القادري، والذي نشأ أصلا من تلك العقائد التي كان يبثها كعب الأحبار وغيره في كيفية تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام، والتي كان يشجعه عليها من عاصره من أصحاب الملك العضوض.

وقد كان السند الأكبر الذي اعتمد عليه القادر بالله لوضع تلك المواد الخاصة بتكفير القائلين بخلق القرآن، ما وصله من تلك النصوص التكفيرية التي أعطي لها ولأصحابها من القداسة ما لم يعط الأنبياء أنفسهم.

ومنها ما روي عن يحيى بن خلف المقرئ أنه قال: (أتيت الكوفة فلقيت أبا بكر بن عياش؛ فسألته: ما تقول في من قال: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر، وكل من لم يقل: إنه كافر؛ فهو كافر. ثم قال: أيُشك في اليهودي والنصراني؛ أنهما كافران؟ فمن شك في هؤلاء أنهم كفار؛ فهو كافر، والذي يقول: القرآن مخلوق. مثلهما)([95])

ويروون عن يزيد بن هارون قوله: (من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن لم يكفره؛ فهو كافر، ومن شك في كفره؛ فهو كافر)([96])

ويروون عن سفيان بن عيينة قوله: (القرآن كلام الله عز وجل؛ من قال: مخلوق. فهو كافر، ومن شك في كفره؛ فهو كافر)([97])

ويروون عن أحمد بن حنبل قوله: (من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن شك في كفره؛ فهو كافر)([98])

وبناء على هذا كله ينقلون الإجماع على ذلك، قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة؛ عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؛ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً؛ فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته.. ومن زعم أن القرآن مخلوق؛ فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ـ ممن يفهم ولا يجهل ـ فهو كافر)([99])

وهكذا قال ابن بطة: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة، ووصفها، مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام، وسائر الأمة، منذ بعث الله نبيه k، إلى وقتنا هذا.. من قال: مخلوق، أو قال: كلام الله، ووقف، أو شك، أو قال بلسانه، وأضمره في نفسه، فهو كافر بالله حلال الدم، بريء من الله، والله منه بريء، ومن شك في كفره، ووقف عن تكفيره، فهو كافر)([100])

وهذه الكلمات الممتلئة بالتكفير تنطبق على جميع المدارس الإسلامية من دون حاجة لأي تعيين أو تسمية.

ب ـ الاعتقاد في الصحابة ومراتبهم:

وهي من العقائد الغريبة، التي لم ترد لا في كتاب ولا في سنة، وإنما كان القصد منها مواجهة الشيعة الذين يرون الصحابة كسائر الناس، يخطّئون من أخطأ منهم، ويصوّبون من أصاب، لكن الطائفيين اعتبروا العقيدة في الصحابة الركن السابع من أركان الإيمان، إن لم تكن الركن الأول منه، ذلك أن النبي k عندما ذكر الأركان الست للإيمان في حديث جبريل نسي أو أخطأ ـ باعتباره بشرا في تصورهم ـ فلم يذكر هذه العقيدة الخطيرة التي تعتبر أهم العقائد، فراحوا يستدركونها عليه.

ولذلك نص الاعتقاد القادري على هذه العقيدة التي لم ينص عليها الكتاب والسنة، وقد ورد فيه بخصوص هذه العقيدة: (ويجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ويشهد للعشرة بالجنة ويترحم على أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن سبّ عائشة فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلا خيراً، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم)([101])

 وقد كان في إمكان هذا الاعتقاد أن ينص على احترام الصحابة باعتبار صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تسمية، ولا ترتيب، ذلك أن لكل طائفة صحابة تفضلهم، وترى أنهم أولى من غيرهم.. وبذلك تنتفي المشكلة، لكن القادر بالله عالج القضية بما عالجها به قسطنطين، فراح يحارب الطوائف بعضها ببعض، لتنشغل عن الإيمان بالله، وبالبحث عن أسمائه الحسنى، بالبحث في أسماء الصحابة، وأيهم أفضل من غيره.

وقد تحولت هذه العقيدة الجديدة بعد ذلك إلى عقيدة أكبر من كل العقائد حتى أن كل أعمال المؤمن تحبط عندهم إن قال بفضل علي على أبي بكر.. وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرسل إلا لأجل أن يفاضل الناس بين أصحابه.

وقد كان سند القادر بالله على هذه العقيدة الغريبة ما ورثه من أصحاب الملك العضوض الذين سبقوه، ومنها قول أيوب السختياني: (من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان استنار بنور الله عز وجل، ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى، ومن أحسن الثناء على أصحاب رسول الله k فقد برئ من النفاق ومن ينتقص أحدا منهم أو يبغضه لشيء كان منه فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح، والخوف عليه أن لا يرفع له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما)([102])

ولست أدري من أين له كل هذه الأحكام الخطيرة التي تحتاج إلى معصوم لإثبات أي حرف منها، فهل صارت إقامة الدين جميعا متوقفة على حب أبي بكر.. وهل صار حب عثمان سببا للاستنارة بنور الله.. ومن أين استنبط كل هذه الأنواع العجيبة من الجزاء والعقوبة، أم أن الجزاء والعقوبة محل اجتهاد، ويحق للسلف أن يتحدثوا فيها بما شاءوا، ويفرضوا على الله أن يجزي بها من شاءوا؟

ومثل ذلك ما رواه ابن كثير عن بعض السلف قال: (بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول: من أبغض الصديق فذاك زنديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمر، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض علي فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاوية)([103])

ومثل ذلك أو أخطر منه ما يروونه كل حين عن أبي زرعة من قوله: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله k فاعلم انه زنديق، وذلك أن الرسول k عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله k، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)([104])

وعند تتبعنا لحقيقة كلامهم ومرادهم منها لا نجد اهتماما كبيرا بأولئك الصادقين السابقين الذين أوذوا في الله، والذين لا يعيرهم الممجدين للملك العضوض أي اهتمام، بل إنهم مجهولون عندهم، لا قيمة لتضحياتهم، ولا عبرة بجهادهم.. وإنما العبرة عندهم بأولئك الطلقاء الذين قضوا حياتهم في حرب رسول الله k.

ولذلك نراهم يؤلفون الكتب الكثيرة في فضل معاوية وهو الطليق بن الطليق الذي قضى حياته كلها في حرب رسول الله k هو وأبوه وأمه وأهله جميعا، لكنهم لم يؤلفوا ولا نصف كتاب في عمار بن ياسر ذلك الرجل العظيم الذي اعتبره رسول الله k محكا ومعيارا لتمييز الفئة الباغية الظالمة من الفئة المحافظة على دين الله الأصيل.

ولهذا ـ أيضا ـ نراهم في كتب العقائد التي وضعها سلفهم يضمنون العقائد في معاوية إلى جانب العقيدة في الله ورسله وملائكته، كما قال الآجري في (الشريعة): (معاوية رحمه الله كاتب رسول الله k على وحي الله عز وجل وهو القرآن بأمر الله عز وجل وصاحب رسول الله k ومن دعا له النبي k أن يقيه العذاب ودعا له أن يعلمه الله الكتاب ويمكن له في البلاد وأن يجعله هادياً مهدياً.. وهو ممن قال الله عز وجل ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ (التحريم: 8) فقد ضمن الله الكريم له أن لا يخزيه لأنه ممن آمن برسول الله k)([105])

وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى): (تترحم على أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان أخي أم حبيبة زوج النبي k خال المؤمنين أجمعين وكاتب الوحي وتذكر فضائله)([106])

ولهذا ـ أيضا ـ نراهم يجيزون نقد عمار والطعن فيه وتأويل ما ورد في فضله من نصوص، بينما يعتبرون الكلام في معاوية طامة كبرى، وزندقة عظمى، وبدعة ليس لصاحبها قرار سوى في النار.. لأن سلفهم هو الذي قرر ذلك، ولا راد لقراره، فقد رووا عن سلفهم عبد الله بن المبارك قوله: (معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شَزْراً؛ اتهمناه على القوم، أعني على أصحاب محمد k)([107])

وكما أن كل عقيدة تحتاج إلى تفاصيل وفروع، فقد وضع الممجدون للملك العضوض الكثير من الفروع لهذه العقيدة الجديدة، ومنها عقيدة وجوب السكوت عن تلك الحروب المستعرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الناس، لأن كل الذين كانوا يحاربون كانوا يستعملون سيوفهم فقط، أما قلوبهم فقد كانت ممتلئة بالطهارة والنبل والصفاء.. فقد رروا وعن شهاب بن خراش قوله: (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة وهم يقولون: اذكروا مجالس أصحاب رسول الله e ما تألف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا عليهم الناس)([108])

ويقول ابن حجر بجرأة عجيبة: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وان المصيب يؤجر أجرين)([109])

وهكذا أصبح القاتل الظالم المحرف لدين الله مأجورا على ذلك رغم أنف كل الأحاديث المطهرة التي تحذر من تلك الفتنة العظيمة التي حولت دين الله إلى دين البشر.

ومن تلك العقائد عقيدة التفاضل بين الصحابة.. فلا يحل لأحد عند الممجدين للملك العضوض أن يختار من يشاء من الصحابة، ويعطيه المزيد من المحبة، بل عليه أن يعطيهم من المحبة بحسب ما تمليه العقيدة السلفية، فقد رووا أن الإمام أحمد سئل عن رجل ذكر أنه يحب أصحاب رسول الله k ولا يفضل بعضهم على بعض، فقال: (السنة أن يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلي من الخلفاء)([110])

وبناء على هذا فقد وضعوا سلما للتفاضل بين الصحابة عبر عنه ابن كثير بقوله: (وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ـ عليهم السلام ـ: أبو بكر الصديق ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب)([111])

وقد حصل الخلاف بين السلف الأول في المفاضلة بين عثمان وعلي، لكن ذلك الخلاف ترجح أخيرا لصالح عثمان، وهذا شيء طبيعي، لأن سلف السلفية لا يعيرون اهتماما كبيرا لعلي بن أبي طالب، ويجيزون سبه خلافا لسائر الصحابة، بل إنه لولا توليه الخلافة لتلك الفترة القصيرة لكان شأنه شأن عمار وبلال وزنيرة وسمية وغيرهم من الصحابة الذين لا يسمع بهم أحد.

وقال ابن تيمية في (منهاج السنة) في ذكر الخلاف الحاصل بين أيهما أفضل علي أم عثمان؟: (وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة، وهو مذهب أهل الحديث ومشايخ الزهد والتصوف وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، وذكر أن هذا هو مذهب جماهير أهل الكلام، ونقل عن أبي أيوب السختياني قوله: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار قال: وهكذا قال أحمد والدارقطني وغيرهما)([112])

ويفسر ابن تيمية سر ذلك التقديم بأنه: (لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم)([113])

هذه نماذج عن آثار أصحاب الملك العضوض في تحريف العقائد، وتوجيهها خلاف وجهتها التي جاء بها القرآن الكريم، ولذلك أصبحت أسماء الله الحسنى مهجورة، وعوضت بأسماء أخرى كثيرة، من بينها أسماء أصحاب الملك العضوض أنفسهم.. والذين يهتز أتباعهم لأي نقد لهم، أو دعوة لمراجعة آثارهم في الدين، في نفس الوقت الذي لا يهتزون لمن يسب الله وأسماءه الحسنى..

2 ـ الملك العضوض.. وتحريف القيم الأخلاقية

لقد كان من الآثار الكبرى لتلك البدع والمستحدثات التي أضافها أصحاب الملك العضوض للدين، استدراكا على المصادر المقدسة، نشر الكثير من القيم التي تتنافى مع الدين، ومن أبرزها قيم الصراع والعنف، والذي جعل من الإسلام دينا مليئا بمظاهر العنف، سواء مع المخالف في المذهب والطائفة، أو المخالف غير المسلم.

ولذلك استبدل الحوار والجدال بالتي هي أحسن بالسيف، وصار السيف هو الوسيلة الوحيدة المستعملة، ليس مع غير المسلمين فقط، وإنما مع المسلمين أيضا.

وليت الأمر اقتصر في ذلك على اجتهادات الفقهاء، بل إنه تعداه إلى المصادر المقدسة نفسها، ليمحو منها كل ما فيها من قيم الرحمة والتسامح والعفو، لا بمحو ألفاظها، فالقرآن الكريم قد تكفل الله بحفظه، ولهذا لم يستطع أصحاب الملك العضوض من هذه الأمة أن يحرفوه كما فعل أصحاب الملك العضوض من الأمم الأخرى، ولذلك استبدلوا تحريف التنزيل بتحريف التأويل.

ومن الأمثلة على ذلك العبث بالقيم القرآنية ذلك التلاعب الذي جرى باسم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ونحوها من علوم القرآن الكريم التي ابتدعها الممجدون للملك العضوض، وقيدوا بها المعاني القرآنية أو عطلوها، أو حرفوها.

ومن الأمثلة على ذلك العبث بالآية الكريمة التي تضع قانون التعامل مع المخالف في الدين أيا كان كتابيا أو غير كتابي، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، فالآية الكريمة تدعو إلى البر والقسط بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان المختلفة، بل حتى مع الملحدين منهم، لأن القيد فيها مرتبط بالمحاربة، ولا علاقة له بالدين، وهي بذلك تقسم الناس إلى معتدين ومسالمين، كما تقسمهم آيات أخرى إلى مستضعفين ومستكبرين.

لكن أصحاب الملك العضوض ـ وباسم علم أسباب النزول ـ عطلوا الآية الكريمة تعطيلا تاما، حيث أنهم جعلوها خاصة بقوم مخصوصين في زمان مخصوص، وأن علاقتنا بها لا تتعدى الترتيل مع اشتراط أن يكون الترتيل متناسبا مع مخارج الحروف وأحكامها.

وسأنقل هنا ما ذكره المفسرون من الأقوال في تفسير الآية الكريمة، أو بالأخرى في تحريفها، ومنها قول مجاهد أنهم (الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا) ([114])

ومنها قول عبد الله بن الزبير، أنه (عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر)([115])، وقد روى عنه الطبري وغيره في سبب نزول الآية قوله: (نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أم فى الجاهلية يقال لها قتيلة ابنة عبد العزى، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسمن، فقالت: لا اقبل لك هدية، ولا تدخلي علي حتى يأذن رسول الله k فذكرت ذلك عائشة لرسول الله k، فأنزل الله ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8])([116])

ومنها قوله بأنه (عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم؛ ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم)، وهو قول ابن زيد، فقد قال: (هذا قد نسخ، نسخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام)([117])

وبناء على هذا فقد عطلت هذه الآية الكريمة تعطيلا تاما.. وعطل بنفس السبب قوله تعالى في شأن رقة النصارى مقارنة باليهود: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون ﴾ [المائدة:82]، فقد ذكروا عن سلفهم أن هذا ليس عاما بكل النصارى، بل خاص بالنجاشي ووفده الذين أسلموا لما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم اثنان وثلاثون أو أربعون أو سبعون أو ثمانون رجلا، وليس المراد كل النصارى لأنهم في عداوتهم كاليهود([118]).

وهكذا عطلت هذه الآيات الكريمة باستخدام سلاح أسباب النزول.. وهكذا راحوا يستعملون ما وضعوه من علوم نسبوها للقرآن الكريم يستخدمونها مع كل الآيات الكريمة التي تدعو إلى التسامح والرحمة والعلاقات الطيبة بين البشر جميعا مسلمين وغير مسلمين.

ومن تلك العلوم، أو من تلك الأسلحة، وهو أخطرها سلاح النسخ، وقد قال الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلى (المتوفى: 1033هـ)، وهو من مشايخ السلفية الكبار في قوله تعالى: ﴿ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾ [البقرة:109]: (أصل العفو الترك والمحو والصفح الإعراض والتجاوز نسخ بقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة:29]، وأمر الله القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير، قال المحققون: إن مثل هذا لا يسمى منسوخا، لأن الله جعل العفو والصفح مؤقتا بغاية، وهو إتيان أمره بالقتال، ولو كان غير مؤقت بغاية لجاز أن يكون منسوخا)([119])

ومثل ذلك قالوا في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُون ﴾ [البقرة:139]، فقد اعتبروها أيضا منسوخة، نسختها آية السيف([120]).. فما حاجة المسلمين إلى محاجة خصومهم ومجادلتهم وحوارهم بعد أن أن أمدهم الله بقوة السيف؟ فكفى بالسيف شافيا، وكفى بالسيف محاورا.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة:256]، فهي مثل سابقاتها يذكرون أنها منسوخة بآية السيف([121])..

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ أولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء:63]، فقد ذكروا أن هذا (كان في بدء الإسلام، ثم صار الوعظ والإعراض منسوخاً بآية السيف)([122])

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ﴾ [المائدة:13]، فقد ذكروا أن سلفهم ذكر أنها (نزلت في اليهود، ثم نسخ العفو والصفح بآية السيف)([123])

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ﴾ [الأنفال:61]، فقد نص سلفهم على أنها منسوخة بآية السيف ([124]).. فما حاجة المسلمين للسلام، وقد أعطاهم الله القوة التي يقهرون بها أعداءهم.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين ﴾ [النحل:125]، فقد نصوا على أنها منسوخة نسختها آية السيف([125]).. فما حاجة المسلمين للحكمة والموعظة وقد من الله عليهم بنعمة القوة والعزة والتسلط.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُون ﴾ [المؤمنون:96]، فقد نصوا على أنها نسختها آية السيف([126]).. وذكروا أن ذلك واضح لكل عاقل.. فمن أعطاه الله القوة التي يقهر بها أعداءه لا يحتاج إلى أن يدفع بالتي هي أحسن.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيل ﴾ [يونس:108]، فقد نصوا على أن معناها نسخ لا لفظها بآية السيف([127]).

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين ﴾ [القصص:55]، فهي الأخرى نسخت عندهم بآية السيف([128]).. ويذكرون أن ذلك واضح لمن تأمله.. أليس الإعراض نوعا من الضعف.. والمسلم قوي عزيز لا يحتاج أن يذل نفسه؟

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب:45]، فهي مثل سابقاتها منسوخة عندهم بآية السيف([129]).. وهي واضحة عندهم لا تحتاج إلى شرح يبين نسخها.

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم ﴾ [فصلت:34]، فقد نص سلفهم على أنها منسوخة بآية السيف([130]).

ومثل ذلك قولهم في قوله تعالى:﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير ﴾ [الشورى:15]، فقد نصوا على أنها منسوخة بآية السيف ([131]).

وهكذا استطاعت آية واحدة أساء أتباع الملك العضوض فهمها أن ينسخوا بها كل قيم السماحة والرحمة التي جاء القرآن الكريم للدعوة إليها، ولهذا يذكرون في فضل آية السيف قول الحسن بن فضل: (نسخت هذه الآية كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء..)، وقال ابن حزم في كتابه الناسخ والمنسوخ: (في القرآن مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة نسخت الكل بقوله: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]..)([132])

ولهذا أباح أصحاب الملك العضوض لأنفسهم غزو شعوب العالم، واستعمال كل أنواع الجرائم في حقها، وباسم الإسلام، وباسم الفتح.. ولم يكتفوا بذلك، بل راحوا إلى المواطنين من أهل الأديان الأخرى الذين يسكنون معهم وطنا واحدا يتعاملون معهم بكل أنواع الإذلال، كما رأينا ذلك سابقا.

ولهذا يعتبرون من محامد هارون والمتوكل والمعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من أصحاب الملك العضوض من الذين أحيوا سنة قهر أهل الذمة وإذلالهم، ولذلك أثنى عليهم ابن تيمية، فقال: (وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر، وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك)([133])

وقال: (ولما ألزم المتوكل أهل الكتاب بشروط عمر الفاروق، استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق)([134])

وقال ابن كثير مؤرخا لذلك: (أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم.. وأن لا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة.. وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق)([135])

ولو أن الأمر اقتصر على أصحاب الملك العضوض لما كان لنا كبير اهتمام بالمسألة، لكن المشكلة أن تلك الأحكام الظالمة الجائرة، التي تخالف النصوص المقدسة، تحولت إلى دين جديد، نسخ دين السماحة والرحمة.

وقد أشار ابن القيم إلى بعض تشريعات هذا الدين الجديد الذي شيده أصحاب الملك العضوض بقوله: (وللإمام أن يستولي على كل وقف وقف على كنيسة أو بيت نار أو بيعة كما له أن يستولي على ما وقف على الحانات والخمارات وبيوت الفسق بل أولى فإن بيوت الكفر أبغض إلى الله ورسوله من بيوت الفسق وشعار الكفر أعظم من شعائر الفسق وأضر على الدين. وإن كنا نقر بيوت الكفر الجائز إقرارها ولا نقر بيوت الفسق فما ذاك لأنها أسهل منها وأهون بل لأن عقد الذمة اقتضى إبرارهم عليها كما نقر الكافر على كفره ولا نقر الفاسق على فسقه فللأمام أن ينتزع تلك الأوقاف ويجعلها على القربات)([136])

وهذه الفتوى تتناقض تماما مع ما ورد في النصوص المقدسة من إتاحة الحرية الدينية لهم، والقياس على الفسقة قياس مع الفارق، فالفاسق لم يقر في أي دين على فسقه، بل اعتبر في حال نشره الرذائل محاربا لله ورسوله بخلاف الكتابي المتعبد، فإن أمره إلى الله، وقد منعنا الله من التعرض له.

ووجه الاستدلال الذي استدل به ابن القيم في هذه المسألة يدل على مدى تغليب المواقف والفهوم الشخصية والقياسات البعيدة على النصوص القطعية.

ولم يكتف ابن القيم وسلفه بهذا، بل نراهم يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالمجاورين لهم من أهل الكتاب، فمما ذكره ابن القيم من أحكامهم قوله: (أما حكم أبنيتهم ودورهم فإن كانوا في محلة منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن جاوروا المسلمين لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء سواء كان الجار ملاصقا أو غير ملاصق بحيث يطلق عليه اسم الجار قرب أو بعد)([137])

وعلل هذا الحكم بقوله: (وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثر في الجواز.. وليس هذا المنع معللا بإشرافه على المسلم بحيث لو لم يكن له سبيل على الإشراف جاز، بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى)([138])

وبين عموم هذا الحكم على كل الأحوال، فقال: (والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع أنهم يمنعون من سكنى الدار العالية على المسلمين بإجارة أو عارية أو بيع أو تمليك بغير عوض، فإن المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام واحتجوا بالحديث وهو قوله: (الإسلام يعلو ولا يعلى)([139]) ([140])

ولسنا ندري علاقة الحديث الشريف بالموضوع، فالحديث في حال صحته يدل على علو المسلم بأخلاقه وقيمه الرفيعة، وهذا العلو يدل على المعاني لا على المحسوسات، فالمسلم يعلو بخلقه وعلمه وتفكيره ومنهجه في الحياة، لا بالتطاول بالبنيان على غيره.

وللأسف نجد التطبيق الخاطئ لهذا الحديث ساريا في الكثير من المسائل حتى في المجالس التي يجلسون فيها، قال ابن القيم: (واحتجوا بأن في ذلك إعلاء رتبة لهم على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.. ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجؤون إلى أضيق الطرق فإذا منعوا من صدور المجالس والجلوس فيها عارض فكيف يمكنون من السكنى اللازمة فوق رؤوس المسلمين)([141])

وهكذا نرى ابن القيم وسلفه وخلفه يتدخلون في حرية لباس أهل الكتاب، كما تدخلوا في حرية لباس المسلمين، فقد نقل عن أبي القاسم قوله: (وجوب استعمال الغيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صغارا وذلا وشهرة وعلما عليهم ليعرفوا من المسلمين في زيهم ولباسهم ولا يتشبهوا بهم)([142])

ومن مقتضيات هذا الغيار الذي هو نوع من التمييز العنصري منعهم من اللباس الطيب الجميل، فقال: (ولا يترك أهل الذمة يلبسون طيالسهم فوق عمائمهم، لأن هذا يفعله أشراف المسلمين وعلماؤهم للتمييز عمن دونهم في العلم والشرف وليس أهل الذمة أهلا لذلك فيمنعون منه)([143])

ومن مقتضياته أن (تكون نعالهم مخالفة لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزي الظاهر ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن فإن المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في الآخر بحسبها وهذا أمر معلوم بالمشاهدة)([144])

ومن مقتضياته ما نقله ابن القيم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أمصار الشام: (لا يمشي نصراني إلا مفروق الناصية ولا يلبس قباء ولا يمشي إلا بزنار من جلد ولا يلبس طيلسانا ولا يلبس سراويل ذات خدمة، ولا يلبس نعلا ذات عذبة ولا يركب على سرج ولا يوجد في بيته سلاح إلا انتهب ولا يدخل الحمام يوم الجمعة يهودي ولا نصراني حتى تصلى الجمعة)([145])

أما المرأة، فينقل ابن القيم عن أبي القاسم الطبري هذا الاجتهاد الغريب، الذي عبر عنه بقوله: (وأما المرأة إذا خرجت فيكون أحد خفيها أحمر حتى يعرف بأنها ذمية)([146])

والعجب ليس في كون الخف أحمر، ولكن العجب في كون أحد الخفين أحمر، بينما الآخر بلون مختلف.

بل إن الأمر لم يقتصر على الشروط المرتبطة باللباس، بل تعداه إلى شؤون خاصة جدا كتسريحة الشعر، فقد عقد ابن القيم فصلا حول أحكام شعر أهل الذمة جاء فيه: (والمقصود أن أهل الذمة يؤخذون بتمييزهم عن المسلمين في شعورهم إما بجز مقادم رؤوسهم وإما بسدلها، ولو حلقوا رؤوسهم لم يعرض لهم)([147])

وهكذا نراهم ـ كما حرموا أبناء المسلمين من التعلم بسبب الاختلاط وغيره ـ يحرمون أبناء غير المسلمين في مجتمعهم من تعلم اللغة العربية، فمما ذكره ابن القيم مؤيدا له من اجتهادات في هذا الباب قوله تعليقا على ما ورد في المعاهدة العمرية: (ولا نتكلم بكلامهم): (هذا الشرط في أهل الكتاب الذي لغتهم غير لغة العرب كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية، فمنعهم عمر من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم فألزمهم التكلم بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم حيث لم يسلط عليها الأنجاس والأخابث بذلونها ويتكلمون بها.. كيف وقد أنزل الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان عربي.. فصان أمير المؤمنين هذا اللسان عن أهل الجحيم وغار عليه أن يتكلموا به، وهذا من كمال تعظيمه للإسلام والقرآن والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم وبعث الله ورسوله من أنفسهم مع ما في تمكينهم من التكلم بها من المفاسد التي منها جدلهم فيها واستطالتهم على المسلمين)([148])

ولسنا ندري كيف يفهم هؤلاء الذين طولبنا بدعوتهم بالقرآن الكريم، وهم لا يعرفون العربية، ثم نجد من يحرم الترجمة، مع أن القرآن الكريم في أكثر خطابه يخاطب الإنسان مجردا من أي دين أو مذهب.

بل إن الأمر تعداه إلى ما هو أخطر من ذلك، حيث أن من الفقهاء من ذهب إلى حرمة تعلمهم القرآن الكريم، قال الباجي: (ولو أن أحدا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف يتدبره لم يرسل إليه به، لأنه نجس جنب ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه ذكره ابن الماجشون، وكذلك لا يجوز أن يعلم أحد من ذراريهم القرآن، لأن ذلك سبب لتمكنهم منه، ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجا عليهم به، ولا بأس أن يكتب إليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ)([149])

بل إن ابن القيم وسلفه يضعون من الشروط المجحفة المميزة بين الأكثرية والأقلية ما يسميه بشرط الضيافة، وهو شرط لم يدل عليه أي نص من النصوص القطعية، وقد عبر ابن القيم عن أدلته والأحكام المرتبطة به، فقال: (وهذا الضيافة قدر زائد على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط.. واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. هذا هو الصحيح.. كما أن شرطه عليهم في الجزية مستمر وإن لم يجدده عليهم إمام الوقت، وكذلك عقد الذمة لمن بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة)([150])

ومن التفاصيل المرتبطة بهذا ما نقله عن الشافعي من أنه (وتقسم الضيافة على عدد أهل الذمة وعلى حسب الجزية التي شرطها فيقسم ذلك بينهم على السواء. وإن كان فيهم الموسر والمتوسط والمقل قسطت الضيافة على ذلك.. قال الشافعي: ويذكر ما يعلف به الدواب من التبن والشعير وغير ذلك.. قال: ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من الحر والبرد منها إذ الضيف محتاج إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه ما يحتاج إلى طعام يأكله)([151])

ولو أن مثل هذه الشروط طبقت على المسلمين إذا نزل عليهم أهل الكتاب لكان في ذلك نوعا من العدالة، لكن المؤسف قصر ذلك على الذميين بحيث يتحملون رغم أنوفهم طول السنة وحدهم كل ضيف يمر عليهم، ليس وحده، بل حتى بهائمه.

بل إن الشروط أكثر من ذلك، قال ابن القيم: (ومن نزل بهم لم يخل من ثلاثة أحوال: الأول إما أن ينزل بهم وهو مريض، الثاني أو ينزل بهم وهو صحيح، الثالث أو ينزل بهم وهو صحيح فيمرض. فإن نزل بهم وهو مريض فبرىء فيما دون الثلاث فهذا يجري مجرى الضيف وكما يجب عليهم إطعام الضيف وخدمته يجب عليهم القيام على المريض ومصالحه فإنه أحوج إلى الخدمة والتعاهد من الصحيح. فإن زاد مرضه على ثلاثة أيام وله ما ينفق على نفسه لم يلزمهم القيام بنفقته، ولكن تلزمهم معونته وخدمته وشراء ما يحتاج إليه من ماله، وإن لم يكن له ما ينفق على نفسه لزمهم القيام عليه إلى أن يبرأ أو يموت. فإن أهملوه وضيعوه حتى مات ضمنوه)([152])

وهذا يجعل من الذميين مجرد عبيد مسخرين للمسلمين الذين يفدون عليهم شاءوا أم أبوا.

وهكذا انتكس الأمر، فتحول المسالمون الذين دعا القرآن الكريم إلى تأليف قلوبهم والمعاملة الحسنة معهم إلى محاربين لا يمكننا أن نتدين التدين الصحيح إلا إذا أريناهم وجوهنا الكالحة، تحت اسم [الولاء والبراء]

ولم يبق ذلك محصورا في كتب الفقه والتاريخ، وإنما انتقل إلى المعاصرين الذين لا يزالون يفتون من تلك المصادر، ومن الأمثلة على ذلك ما أجاب به الشيخ ابن باز عن سؤال يقول صاحبه: (يسكن معي شخص مسيحي،وهو يقول لي:يا أخي، ونحن إخوة، ويأكل معنا ويشرب، فهل يجوز هذا العمل أم لا؟)

فأجاب الشيخ بقوله: (الكافر ليس أخا للمسلم، والله يقول:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات:10]، ويقول k: (المسلم أخو المسلم)([153])، فليس الكافر -يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو مجوسيا أو شيوعيا أو غيرهم- ليس أخا للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحبا وصديقا، لكن إذا أكل معكم بعض الأحيان من غير أن تتخذوه صاحبا وصديقا، وإنما يصادف أن يأكل معكم، أو في وليمة عامة فلا بأس، أما اتخاذه صاحبا وصديقا وجليسا وأكيلا فلا يجوز، لأن الله قطع بيننا وبينهم المحبة والموالاة)([154])

وهذه المعاملة القاسية التي عومل بها غير المسلمين، هي نفسها التي قام أهل الملك العضوض بتشريعها للتعامل مع المسلمين المخالفين لهم في المذهب، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أبو إسماعيل الصابوني (توفي 449 هـ) عن خصائص أهل السنة المتمسكين بهدي السلف: (ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الديني، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان قَرّت بالآذان وقرت بالقلوب ضرّت وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جَرَّت، وفيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68])([155])

ثم ذكر علامات أهل البدع، وعلامات أهل السنة، ثم قال: (واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم…)([156])

ولهذا نراهم يتركون الاستدلال بالقرآن الكريم الذي يدعو إلى الإخوة الإيمانية والإنسانية، ويتركون هدي رسول الله k الممتلئ بالسماحة، أو هدي ورثته الذي عبر الإمام علي عن منهجهم في التعامل مع المسلم وغير المسلم بقوله في عهده لمالك الأشتر لما ولاه مصر: (.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه)([157])

لكن أصحاب الملك العضوض، المفتخرين بالأمجاد المزيفة، يتركون كل هذه التعاليم المقدسة، ويروون لأتباعهم قول الفضيل بن عياض: (من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يُعطَ الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد، آكل مع اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل مع صاحب البدعة)([158]).

ويروون عنه قوله: (من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق)([159])

ويروون عن ابن المبارك قوله: (وإياك أن تجالس صاحب بدعة)([160])

ويروون عن سفيان الثوري قوله: (من أصغى بإذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها يعني إلى البدع)([161])

ويروون عن ابن أي الجوزاء قوله: (لأن يجاورني قردة وخنازير، أحب إليَّ من أن يجاورني أحد منهم يعني أصحاب الأهواء)([162])

ويروون من أفعال سلفهم المثبتة لذلك ما حدث به ابن زرعة عن أبيه قال: (لقد رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلَق، فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، فإن جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين)([163])

ويروون عن طاوس أنه (جعل إصبعيه في أذنيه لما سمع معتزليًا يتكلم)([164])

وعن عبد الرزاق أنه (امتنع من سماع إبراهيم بن أبي يحيى المعتزلي، وقال: لأن القلب ضعيف وإن الدين ليس لمن غلب)([165])

وعن وعبد الله بن عمر السرخسي أن ابن المبارك هجر رجلا مدة لما أكل عند صاحب بدعة([166]).

وقال سلاَّم: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: أسألك عن كلمة، فولى أيوب وهو يقول: ولا نصف كلمة، مرتين يشير بإصبعيه([167]).

وهكذا استطاع أصحاب الملك العضوض ومن تبعهم من علماء السلاطين أن يؤسسوا قيما أخلاقية جديدة بدلا من تلك القيم التي جاءت بها المصادر المقدسة، وقد كان لتلك القيم آثارها السلبية الكثيرة على الواقع الإسلامي، حيث انتشرت الطائفية، والصراع بين المذاهب، لأن كل مذهب يتصور أنه على الحق، وغيره على الباطل.

وقد أعانهم أصحاب الملك العضوض على ذلك الصراع، حيث أنهم بدل أن يوجدوا قيما مشتركة للتعايش بين المذاهب والطوائف راحوا ينتصرون لمذهب دون مذهب أو طائفة دون طائفة، وبذلك تدخلت السياسة في الدين بكل قوة، لتملأه بكل أنواع التشويه.

ومن الأمثلة على ذلك ما قام به بعض أتباع الملك العضوض من أهل الحديث باستغلال نفوذه لدى الخليفة المعتمد على الله (256-279هـ)، فراح يضيّق على الصوفية، ويتهمهم بالزندقة، ويطالب الخليفة المعتمد بأن يسن فيهم سنن أجداده في المبتدعة من القتل والتنكيل.

وقد ذكر الهجويري بعض الأحداث المرتبطة بذلك، فقال بلغته الشاعرية الصوفية: (من المشهور أنه لما اتهم غلام خليل رجال الصوفية بالزندقة، ألقى القبض على الشيخ النورى وأبى حمزة والرقام، وجئ بهم إلى مجلس الخليفة. قال غلام خليل: هؤلاء قوم من الزنادقة ولو أمر الخليفة بقتلهم لاجتثت الزندقة من أصلها، فهم زعماء هذه الفرقة، ولو تم هذا الأمر على يديه لضمنت له حسن الجزاء. فأمر الخليفة فى الوقت بقتلهم، فلما اقترب الجلاد من الرقام تقدم النورى وقدم نفسه بدل الرقام بمزيد الفرح والسرور، فعجب لذلك الحاضرون وقال الجلاد له: يا أيها الشاب، إن السيف ليس بالشئ الذى يرغب فيه الناس، ويتقدمون إليه بمثل هذا الفرح، ولم يأت دورك بعد. فقال له النورى: نعم، قد فعلت ذلك لأن مذهبى مؤسس على الإيثار. الحياة هى أثمن شئ فى هذه الدنيا، وإننى أحب أن أضحى بنفسى ليحظى أخى ببضع من الدقائق الباقيات)([168])

ومن الأمثلة عليها ذلك الصراع (استغلال الحنابلة وأهل الحديث لنفوذهم في الدولة العباسية زمن الخليفتين القادر بالله (381-422هـ) وابنه القائم بأمر لله (422-467هـ)، فضيقوا على الأشاعرة وطاردوهم ببغداد واستطالوا عليهم)([169])

بل إن الصراع لم يقتصر على الخلافات العقدية، وإنما تعداه إلى فروع فقهية بسيطة، لكنها كانت تملأ حياة المسلمين بالغصص، وكان للحكام دور كبير في ذلك، بسبب ميلهم لبعض الطوائف، واستغلال نفوذهم في نصرتها، وهو ما يزيد الأحقاد شدة، ويزيد كذلك التنافس بينهم للوصول إلى مراكز النفوذ، واستثمارها في ضرب الخصوم.

ومن الأمثلة على ذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين، وهو من أتباع القادر بالله، لما أراد أن يُفاضل بين المذهبين الحنفي والشافعي ليتمذهب بأحدهما، جمع الفقهاء بمدينة مرو وأمرهم بالبحث في أي المذهبين أقوى، فوقع الاختيار على أن يصلي كل طرف ركعتين يدي السلطان على المذهبين، فقام الفقيه الشافعي أبو بكر القفال وصلى بوضوء مُسبغ، وسترة، وطهارة، وقبلة، وباقي الأركان التي لا يُجوّز الشافعي الصلاة دونها، ثم صلى ـ أي القفال ـ صلاة (على ما يُجوّزه أبو حنيفة، فلبس جلد كلب مدبوغ قد لُطخ رُبعه بنجاسة، وتوضأ بنبيذ، فاجتمع عليه الذباب، وكان وضوءا مُنكسا، ثم كبّر بالفارسية، وقرأ بالفارسية: دو بركك سبز. ونقر ولم يطمئن، ولا رفع من الركوع، وتشهّد وأخرج الريح بلا سلام)، فقال له السلطان: (إن لم تكن هذه الصلاة يُجيزها الإمام قتلتك)، فأنكرت الحنفية تلك الصلاة، فأمر القفال بإحضار كتبهم فوجدوا الأمر كما قال القفال، وتحوّل السلطان محمود إلى المذهب الشافعي([170]).

ولو أن هذا السلطان أحضر حنفيا، وطلب منه أن يذكر له فتاوى الشافعية الشاذة، لذكر له ما ينفره منه، وهذا ما حصل في فترات كثيرة، وخاصة في عهد الدولة العثمانية، حين أصبح المذهب الحنفي هو السائد والمسيطر بسبب تبني العثمانيين له، وانتقامهم من الشافعية الذين تبناهم السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت 589هـ)، الذي كان شافعي الفروع، أشعري الأصول، وانتصر لهذين المذهبين انتصارا كبيرا علانية وتعصب لهما على حساب مذاهب الطوائف الأخرى، فأعطى القضاء للشافعية في دولته، ومكّن للأشعرية في مملكته، وعلى نهجه سار أولاده من بعده في التمكين للأشعرية التي حرص على تربيتهم عليها([171]).

وهكذا كانت تحصل الفتن كل حين بين المذاهب الفقهية وبسبب فروع فقهية بسيطة، ومن الأمثلة عليها ما ذكره المؤرخون من الصراع الشديد بين الحنفية والشافعية إلى الدرجة التي استعانوا فيها بأعدائهم، فقد ذكروا في أحداث سنة 633 هـ أنه (اختلف أهل أصبهان.. وهم طائفتان حنفية وشافعية، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة ! فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم: أقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم ! فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكيز خان بعد وفاة أبيه والملك يومئذ منوط بتدبيره، فأرسل جيوشاً من المدينة المستجدة التي بنوها وسموها قراحرم، فعبرت جيحون مغربة وانضم إليها قوم ممن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم، فنزلوا أصفهان في سنة633 المذكورة وحصروها، فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم، وفتحت أبواب المدينة فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية ! فلما دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلاً ذريعاً ولم يفوا مع العهد الذي عهدوه لهم، ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس)([172])

وللأسف فإن مثل هذه الأحداث لا تذكر، ويطوى عليها كل سرابيل الكتمان، في نفس الوقت الذي يشاع فيه بأن ابن العلقمي هو الخائن الوحيد الذي اتصل بالتتر من غير أي تحقيق تاريخي.

ولم تكن تلك الأحداث هي الوحيدة، بل كان الصراع بين المختلفين على أبسط الفروع يشتد كل حين، ومن الأمثلة على ذلك ما حصل من صراع بسبب الجهر بالبسملة في الصلاة، ومن الأمثلة عنها (أن جماعة من الحنابلة ببغداد أحدثوا فتنة في المجتمع سنة 323هجرية، عندما اعترضوا على كل ما يرونه مخالفا للشرع حسب مذهبهم، كاعتراضهم على من يجهر بالبسملة في الصلاة، والأمر استدعى تدخل الشرطة ضدهم، فأمرت بأن لا يُصلي حنبلي بالناس إلا إذا جهر بالبسملة في صلاتي الصبح والعشاء، فلم يرتدع الحنابلة واستمروا في عنفهم ومشاغباتهم تجاه الشافعية، ولم يُوقفوا ذلك إلا بعدما أصدر الخليفة الراضي بالله (322-329هـ) توقيعا عنيفا زجرهم فيه، وهددهم بالقتل والتنكيل، والتشريد وحرق البيوت)([173])

وهذا ما ذكره المؤرخون أيضا في سنة 447 هـ، حيث ذكروا أنه (حدثت فتنة بين الحنابلة والشافعية الأشاعرة ببغداد، كان من أسبابها جهر الشافعية بالبسملة في الصلاة، فانقسمت العامة بين مؤيد ومخالف لهم، ثم انحازت كل طائفة إلى الطرف الذي مالت إليه، ولم تفلح مساعي ديوان الخليفة في التوفيق بين الفريقين وبقي الخلاف قائما، ثم توجه الحنابلة إلى أحد مساجد الشافعية، ونهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا وقال لهم: (أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها)، ثم تطور النزاع إلى الاقتتال، فتقوى جانب الحنابلة وتقهقر جانب الشافعية الأشاعرة، حتى أُلزموا البيوت،و لم يقدروا على حضور صلاة الجمعة ولا الجماعات، خوفا من الحنابلة)([174])

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل وصل عند الوهابية ودولتهم التي شكلوها في نجد إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير، فقد صرح ابن عبد الوهاب في رسالة أرسها إلى شريف مكة، مجيبا له عن سؤاله عن سبب قتاله للناس، فأجاب: (أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها.. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر.. [وأيضا] من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله k ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.. [وأيضا] من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر، من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول.. [وأيضا] من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا: كافر.. [وأيضا] من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر; فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم، فعل ; ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم، فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم)([175])

وهكذا صرح ابنه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، فقال: (لا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات ; وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون، لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا، ومن شن الغارة فقط غلط، ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه)([176])

وهذان النصان وحدهما كافيان في الرد على الذين يدعون أن الوهابية طائفة مسالمة، وأنها لا تنتهج العنف، مع أن فتاواها تلك، وهي غيض من فيض لم تترك أحدا إلا وأباحت دمه.

وبناء على هذه الفتاوى سار الوهابيون في الأرض يسفكون الدماء، ويخربون كل ما يمرون به من آثار حفظت لأجيال كثيرة.

يقول عثمان بن بشر، وهو من مؤرخي الوهابية المعتبرين يصف هزيمة أهل الرياض سنة 1187 هـ: (فَرَّ اهل الرياض، الرجال والنساء والاطفال لا يلوي أحد على أحد هربوا على وجوههم إلى البرية في السهال قاصدين الخرج، وذلك في فصل الصيف، فهلك منهم خلق كثير جوعاً وعطشا.. وتركوها خاوية على عروشها، الطعام واللحم في قدوره والسواني واقفة في المناحي، وأبواب المنازل لم تغلق، وفي البلد من الاموال ما لا يحصر، فلما دخل عبد العزيز الرياض وجدها خالية من أهلها الاّ قليلاً فساروا في اثرهم يقتلون ويغنمون)([177])

ويتحدث ابن غنام عن استحلال الوهابية لأموال من يقاتلونهم، فقال: (استولى ابن سعود على جميع ما في الرياض من أموال ونخيل فيئا من الله لأنه لم يوجف عليها خيل ولا ركاب)([178])

وهكذا فعل سنة 1206 و1207 حيث (هجم سعود على القطيف والأحساء، وقتل وأباد نحو ألف وخمسمائة رجل، واقام مجازر رهيبة بحق السكان)([179])

  وقد وصف عثمان بن بشر، وهو مؤرخ وهابي، (وقعة الرقيّقة) التي حدثت عام 1210، فقال: (ثور المسلمون بنادقهم دفعة واحدة، فأرجفت الأرض، وأظلمت السماء، وثار عج الدخان في الجو، وأسقطت كثير من الحوامل في الأحساء، ثم نزل سعود في (الرقيقة) المذكورة.وأقام مدة أشهر يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الاموال، ويهدم من المحال، ويبني ثغورا ويهدم دورا، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم، وأكثر فيهم سعود القتل.. فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام ويضرب عنقه عند خيمة سعود، حتى أفناهم الاّ قليلاً، وحاز سعود من الاموال في تلك الغزوة ما لايعد ولا يحصى) ويقول ابن بشر: ان ابن سعود قتل من أهل قرية واحدة هي (الفضول) ثلاثمائة رجل، حتى صارت تلك القرية مضرب الأمثال)([180])

ولم يكتف الوهابيون بموطنهم نجد أو ما يحيط به من أرض الجزيرة، بل قصدوا كربلاء المقدسة غير مراعين لحرمتها، فقد شن سعود بن عبد العزيز صحبة الوهابيين هجوما مباغتاً على كربلاء المقدسة، فأقاموا مجزرة رهيبة فيها، في شهر ذي القعدة من سنة 1216 هـ (المصادف 20 نيسان 1802م)

وقد وصفها المؤرخ الوهابي عثمان ابن بشر في كتابه (عنوان المجد)، فقال: (إن سعود سار بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة، من جميع حاضر نجد وباديها، والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك، وقصدوا أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين، وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من الاموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الاموال، وقتل من أهلها قريب الفي رجل، ثم ان سعودا ارتحل منها فجمع الغنائم وعزل أخماسها، وقسم باقيها على المسلمين غنيمة للرجل سهم وللفارس سهمان)([181])

وكان يمكن أن يكون هذا المصير هو نفسه مصير مكة المكرمة لولا أن أهلها استجابوا لرسالته، والتي جاء فيها: (أما بعد، فأنتم جيران الله وسكان حرمه آمنون بأمنه. إنما ندعوكم لدين الله ورسوله (قل يا اهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فان تولوا فقولوا: اشهدوا باننا مسلمون ” فأنتم في أمان الله ثم في أمان أمير المسلمين سعود بن عبد العزيز وأميركم عبد المعين بن مساعد، فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام)([182])

وعندما دخل مكة المكرمة في اليوم الثامن من محرم 1218هـ خطب في أهلها قائلا: (احمدوا الله الذي هداكم للاسلام وأنقذكم من الشرك. أطلب منكم أن تبايعوني على دين الله ورسوله وتوالوا من والاه وتعادوا من عاده في السراء والضراء والسمع والطاعة)([183])

ثم بادر الوهابيون لهدم القباب التي كانت على محل مولد النبي k ومولد الإمام علي والسيدة خديجة، فهدموها، وهدموا الكثير من الآثار الإسلامية([184]).

ثم قصدوا العلماء والوجهاء من علماء الحرمين ومن الشريف فطلبوا منه التوقيع على بيان بالاعتراف بالدين الجديد والتبرؤ من دينهم السابق والإفتاء بكفر عامة المسلمين، فأصدر علماء مكة المكرمة هذا البيان: (نحن علماء مكة الواضعون خطوطنا في هذا الرقيم: ان هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ودعا اليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب، أنه هو الحق الذي لا شك فيه. ولا ريب وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقا ومصر والشام وغيرهما من البلدان، إلى الآن، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنه: الكفر المبيح للدم والمال، والموجب للخلود في النار. ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر. وواجب على إمام المسلمين، والمسلمين، جهاده وقتاله حتى يتوب إلى الله مما هو عليه، ويعمل بهذا الدين)([185])، وهكذا فعل في المدينة المنورة حين دخلها([186]).

هذه أمثلة عما فعله أصحاب الملك العضوض بسبب تحويلهم للإسلام من دين إلهي ممتلئ بالسماحة والنبل وجميع الأخلاق الكريمة إلى دين ممتلئ بالعنف والتطرف والإرهاب.

ولذلك لا يمكن لأحد من الناس أن يعرف دين الله الحقيقي، وهو يتشبث بأولئك الملوك المستبدين الظلمة، وأعوانهم من سدنة معابد السلاطين.. أو ذلك الذي يزال يتشبث بتلك الأمجاد المزيفة التي راحت تحطم كل المعاني النبيلة التي جاء الإسلام للدعوة إليها.


([1]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (35866)، وابن أبي عاصم (63)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/132)، وابن عدي في الكامل (3/164)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (18/160)

([2]) سنن الترمذي: 4/436 ــ سنن أبي داوود: 5/36، فضائل الصحابة- للامام أحمد بن حنبل ص 17، مسند احمد ج 5 ص 221.

([3]) رواه الطبرانى فى (المعجم الكبير 22/184 رقم591)

([4]) البلاذري في كتابه جمل من أنساب الأشراف (5 / 1978) وغيره، وقد قال الشيخ حسن بن فرحان معلقا عليه: (وهو صحيح الإسناد وفق منهج أهل الحديث، إلا أن بعضهم إذا لم يلتزم بمنهجه الذي ارتضاه فهذا شأنه، كأي جماعة أو دولة، فإذا وضعت دولة لها قانوناً فيه معايير الفساد، ثم لا تطبقه على الفاسدين فهذا شأنها، ولا يعني أنهم غير فاسدين، والحديث قد روي بأسانيد على شرط الصحيح، في قوة الرجال والاتصال في السند، ورجاله كلهم رجال الشيخين، وأشهر طرقه طريق عبد الله بن عمرو بن العاص (وأرجح أنه أذاعه بعد موت معاوية وبعد توبته على يد الحسين بن علي بمكة في أواخر عهد معاوية)، وقد روي بأسانيد أقل صحة عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر، وله شواهد من طريق آخر عن ابن عمر (وبسبب ذلك هدد معاوية بقتل عمر)، ولو كان هناك إنصاف لكان من علامات النبوة)، انظر: مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/17.

([5]) المنتخب من علل الخلال: 1/32.

([6]) وقعة صفين: ج 1 / ص 211.

([7]) وقعة صفين:217، وقد علق الشيخ حسن بن فرحان عليه بقوله: (ورد في معاوية وأبيه وأخيه، وله طرق كثيرة جداً، أغلبها صحيح لذاته، وفق منهج أهل الحديث، بل قد يصل هذا الحديث للتواتر، فهو مروي من طرق سفينة والحسن بن علي والبراء بن عازب وعاصم الليثي وابن عمر والمهاجر بن قنفذ، وكل هذه الطرق صحيحة الأسانيد مع أقرار بعض أصحاب معاوية كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فالحديث يقترب من التواتر لأن الطرق كلها بين الصحيح والحسن، وسيتفاجأ هؤلاء الغلاة قطعاً بصحة الأسانيد، وإذا ضعفوها فأنا معهم بشرط أن نطرد ذلك، ثم ينظرون هل يبقى لنا حديث كثير بعد هذا التشدد)، انظر: مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/18.

([8]) أحمد (2/324) والبخاري (4/242).

([9]) صحيح البخاري: 4 / 242)

([10]) رواه الحاكم (3/401، 402) والشاشي (3/172) والبزار (7/164) ثم أحمد في المسند (8/415) – مع بتره- قال الشيخ حسن: (قد تبرع بعض المحدثين كأحمد فحذف أول الحديث –قصة بقر روايا الخمر- وحذف آخره (قول عبادة: والله إن معاوية لمنهم)!! وهذه من أخطاء أحمد – وعلى منهجه شيخه سفيان بن عيينة وتلميذه البخاري لكن أهل الجرح والتعديل لا يتكلمون!- وهؤلاء المحدثون يحذفون من الحديث مايخالف عقيدتهم! فكل ما يخشون أنه قدح في فلان أو فلان! أو ما يخشون أن يحتج به عليهم المخالفون، حذفوه أو بتروه وهم يعترفون بهذا ولا يرون في ذلك ضرراً، فمن يجرؤ على تضعيفهم؟ وقد صرح أحمد في هذا الحديث بالحذف –حذف قصة الخمر- عندما قال)فذكر الحديث)-!! فهو يلمح إلى أن الحديث معروف عند أهل الحديث لكنه تحرج من إيراد هذا) [مثالب معاوية في الأحاديث الصحيحة: 1/146.]

([11]) أخبار أصبهان (ج7/ص40)، وهذا تعريض من أبي ذر بمعاوية، وقد كذب معاوية عندما قلب الحديث إلى ابي ذر، فهو يعلم أن ابى ذر أبعد عن أن يكون فرعون هذه الأمة.

([12]) رواه الطبراني في الكبير، ورواه ابن أبي خيثمة في تاريخه المسمى تاريخ ابن أبي خيثمة: 2 / 991)، وانظر: الهيثمي في مجمع الزوائد (1/118)، وقد علق الشيخ حسن بن فرحان على هذا الحديث الخطير بقوله: (السند صحيح على شرط الشيخين إلا سعد بن حذيفة بن اليمان وهو تابعي كبير ثقة، بل يحتمل أن له صحبة.. فالسند صحيح ورجاله كلهم ثقات سمع بعضهم من بعض.. وعنعنة الأعمش في الصحيحين، وهذا القول قاله عمار بن ياسر يوم صفين، ومعناه واضح؛ فعمار بن ياسر ميزان تلك الحروب يقسم بالله أن معاوية وأمثاله من رموز أهل الشام لم يسلموا يوم فتح مكة، وإنما استسلموا وخضعوا حتى يجدوا على الحق أعواناً، وله شاهد من حديث ابن عمر في قصة التحكيم: (أولى بهذا الأمر من ضربك وأباك على الإسلام حتى دخلتم فيه كرهاً) واصله في صحيح البخاري، ويدل على هذا القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6] وأمثالها من الآيات التي ستتناول رؤوس الكفر أكثر من تناوله عوامهم، عدل الله يقول هكذا)، انظر: بحث في إسلام معاوية، ص67.

([13]) نصر (ص213)، تاريخ الطبري: 3 / 82)

([14]) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 7 / ص 175): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن سلمة وهو ثقة، وقال البوصيري في كتابه: (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة) (ج 8 / ص 5): رواه أبوداود الطيالسي وأبو يعلى وأحمد بن حنبل بسند صحيح.

([15]) أنساب الأشراف: 1 / 328)

([16]) تاريخ الرسل والملوك: ج 3 / ص 96)

([17]) نصر بن مزاحم في كتابه في وقعة صفين: ج 1 / ص 320)

([18]) تهذيب الخصائص ص 88.

([19]) فضائل الصحابة للإمام أحمد: 2 / 627، وانظر: مسند الإمام أحمد 3 / 82، المستدرك للحاكم 3 / 122.

([20]) ومن تلك الرويات ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة (8/722) عن زياد بن الحارث قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.

([21]) الاستيعاب: ج 1 / ص 352)، وقد علق الشيخ حسن المالكي على الحديث بقوله: (والسند صحيح على شرط الشيخين، وعلى هذا فقد كان على رأي عمار ثمانون من أهل بدر وثمانمائة من أصحاب بيعة الرضوان، وهذه السلفية العتيقة، لا تقاومها سلفية ابن عمر ولا غيره، مع أن ما ثبت عن المعتزلين وهم قلة سعد وابن عمر يتفق مع علي وعمار وقد ندم المعتزلون وأبرزهم سعد وابن عمر، مع أن ابن عمر ليس بدرياً.. إلا أن السلفية المحدثة غلت فيه بسبب حرصه على بيعة يزيد وتردده في بيعة علي وهذه من أخطائه رحمه الله وسامحه.. إلا أنهم لا ينقلون ندمه على ترك القتال مع علي، ولا تحديثه بحديث لعن معاوية ولا تهديد معاوية له بالقتل إن روى مثل هذه الأحاديث)، انظر: بحث في إسلام معاوية، ص86.

([22]) تاريخ دمشق: ج 21 / ص 89)

([23]) المرجع السابق،  ج 21 / ص 88)

([24]) صحيح البخاري: (1 / 2025)

([25]) مسند البزار (2 / 191)

([26]) السنة لعبد الله بن أحمد: ج 3 / ص 253)

([27]) وقعة صفين (ص215)

([28]) المرجع السابق،  ج 1 / ص 322.

([29]) شرح نهج البلاغة: 17 / 250.

([30]) تاريخ الطبري (5/ 8)

([31]) شرح نهج البلاغة: 15 / 117)

([32]) الأصبهاني في مقاتل الطالبيين (1/19)

([33]) مقاتل الطالبيين (ص: 65)

([34]) انظر: طبقات ابن سعد (ترجمة الحسين)، والأخبار الطوال للدينوري، وتاريخ دمشق، وتهذيب المزي، ونبلاء الذهبي، والبداية لابن كثير وغيرهم، وأكمل صيغة للرسالة رواها البلاذري في أنساب الأشراف (ج 2 / ص 119)

([35]) وقعة صفين (ص: 116)

([36]) المرجع السابق، (ص: 318)

([37]) مروج الذهب: 1 / 352)

([38]) وقعة صفين(ص216)

([39]) السنة؛ للخلال (1/438)

([40]) المرجع السابق، (1/438)

([41]) المرجع السابق، (1/444)

([42]) المرجع السابق، (1/437)

([43]) المرجع السابق، (1/435)

([44])   البرهان في علوم القرآن (2/ 156)

([45])  وقائع وشخصيات تاريخية، قسطنطين، موقع شهود يهوه، شباط/فبراير ٢٠١٤..

([46])  المرجع السابق.

([47])  المرجع السابق.

([48])  المرجع السابق.

([49])  المرجع السابق.

([50])  المرجع السابق.

([51])  قسطنطين الكبير – هل كان نصيرا للمسيحية؟، دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات، مجدى زكريا، الحوار المتمدن، 2/11/ 2012.

([52])  المرجع السابق.

([53])  المرجع السابق.

([54])  المرجع السابق.

([55])  المرجع السابق.

([56])  المرجع السابق.

([57])  محاضرات في النصرانية (ص: 124)

([58])  المرجع السابق، (ص: 124)

([59])  المرجع السابق، (ص: 124)

([60])  المرجع السابق، (ص: 124)

([61])  المرجع السابق، (ص: 124)

([62])  سير إعلام النبلاء 7/403 ، وانظر: تاريخ الإسلام 10/444 .

([63])  تاريخ الطبري 8/220 ، وانظر : تاريخ الاسلام للذهبي 10/444 .

([64])  مجموع الفتاوى (4/ 20)

([65]) البداية والنهاية،  10/221 .

([66]) رواه البخاري، (6614) ، مسلم ، ( 2652)

([67]) البداية لابن كثير 10/215.

([68]) إسماعيل بن عبدالرحمن النيسابوري الصابوني الشافعي، محدث، فقيه، مفسر، واعظ، نصر السنة في خراسان، ولقِّب شيخ الإسلام، توفي سنة 449هـ . نظر : طبقات الشافعية 4/271 ، وسير أعلام النبلاء 18/40 .

([69]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص 321 .

([70]) البداية والنهاية 10/337 ، وانظر : 10/351 ، وسير أعلام البنلاء 12/31 .

([71]) البداية والنهاية 10/316 .

([72]) سير أعلام النبلاء 12/34 .

([73])  انظر : تاريخ الطبري 9/207، والمنتظم 11/296 .

([74])  انظر : تاريخ الطبري 9/175 ، والكامل 7/50 ، والمنتظم 11/223 ، والبداية 10/314 .

([75]) انظر : المنتظم 12/305 ، والبداية 11/64 .

([76])  البخاري في (خلق أفعال العباد) ص 69..

([77])  هذا الكلام للشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرح العقيدة الواسطية..

([78])  الاعتقاد القادري (ص: 226)

([79]) انظر : المنتظم 15/125، 176 ، والكامل 9/305، وتاريخ الإسلام 28/27، والبداية 12/6 .

([80]) نقض المنطق ص 13.

([81]) نقض التأسيس 2/331.

([82]) العبر 3/98 .

([83]) الصواعق المرسلة 4/1286 .

([84]) البداية 12/26 .

([85]) انظر : المنتظم 15/82، 83 ، وتاريخ الإسلام 28/11، وسير أعلام النبلاء 15/177.

([86]) سير أعلام النبلاء 15/132 .

([87]) مجموع الفتاوى 35/128 ، 130 ، 131 .

([88]) نقص المنطق ص 20 .

([89]) تاريخ الإسلام 28/268 .

([90])  درء تعارض العقل والنقل (6/ 252)

([91])  درء تعارض العقل والنقل (6/ 253)

([92])  الاعتقاد القادري (ص: 247)

([93])  الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرح كتابه عقيدة أهل السنة والجماعة : الفائدة 8.

([94])  محمد أمان الجامي في محاضرة مفرغه بعنوان [ الرد على الأشاعرة والمعتزلة ].

([95])  السنة لحرب الكرماني،  375.

([96])  الإبانة ، 257.

([97])  السنة لعبدالله بن أحمد 25.

([98])  طبقات الحنابلة 1/173.

([99])  شرح أصول الاعتقاد 321.

([100])  الشرح والإبانة 251.

([101])  الاعتقاد القادري (ص: 248)

([102]) الاعتصام (1/60-68)، الكبائر للذهبي (1/236)، كتاب الشفا (2/47)

([103])   البداية والنهاية 6/184.

([104]) الكفاية في علم الرواية (1/49)

([105])   الشريعة [ 3 / 496.

([106])   الإبانة الصغرى [ ص: 299 ].

([107])   تاريخ دمشق59/209.

([108]) سير أعلام النبلاء (8/285)

([109])   فتح الباري(13/34)

([110])   رواه الخلال في (السنة) (2/ 372)

([111])   الباعث الحثيث (ص: 183)

([112])   منهاج السنة، (4/ 202)

([113])   مجموع الفتاوى، (4/ 428)

([114])   تفسير الطبري (23/ 322)

([115])   المرجع السابق،  (23/ 322)

([116])   المرجع السابق، (23/ 322)

([117])   المرجع السابق، (23/ 323)

([118])   قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن (ص: 100)

([119])  المرجع السابق، (ص: 54)

([120])   الناسخ والمنسوخ للنيسابوري ص44-45.

([121])  المرجع السابق، ص 96 -97..

([122])   المرجع السابق، ص 135.

([123])   المرجع السابق، ، ص 150.

([124])   قلائد المرجان، ص 176-177.

([125])   المرجع السابق،  ص 210..

([126])   المرجع السابق، ص 235..

([127])   المرجع السابق، ص 252..

([128])   المرجع السابق ص 253.

([129])   المرجع السابق ص 258.

([130])   المرجع السابق ص 268.

([131])   المرجع السابق ص 270.

([132])   الناسخ والمنسوخ لابن حزم (ص: 12)

([133]) . نقض المنطق ص 20 .

([134]) .  انظر : جامع المسائل لابن تيمية 3/270 ، وأحكام أهل الذمة 2/691 ، 693، 700 .

([135]) .  البداية والنهاية، 10/313 ، 314 ، وانظر: تاريخ الطبري 9/196 ، والكامل لابن الأثير 7/52 ، والمنتظم 11/222 ، 238 ، 265 ، وسير أعلام النبلاء 12/34 .

([136]) أحكام أهل الذمة (1/ 340)

([137]) أحكام أهل الذمة (3/ 225)

([138]) المرجع السابق، (3/ 226)

([139]) سنن الدارقطني ، ج4، ص371.

([140]) أحكام أهل الذمة (3/ 226)

([141]) المرجع السابق، (3/ 226)

([142]) المرجع السابق، (3/ 249)

([143]) المرجع السابق، (3/ 262)

([144]) المرجع السابق، (3/ 257)

([145]) المرجع السابق، (3/ 254)

([146]) المرجع السابق، (3/ 269)

([147]) المرجع السابق، (3/ 261)

([148]) المرجع السابق، (3/ 270)

([149]) المنتقى، ج3، ص165.

([150]) أحكام أهل الذمة (3/ 285)

([151]) المرجع السابق، (3/ 285)

([152]) المرجع السابق، (3/ 286)

([153]) صحيح البخاري (2310) ،صحيح مسلم (2580)

([154]) فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الطيار (ص:   370)

([155]) عقيدة السلف أصحاب الحديث: 100، 112.

([156]) المرجع السابق،: 100، 112.

([157])   نهج البلاغة: 53.

([158]) الحلية لأبي نعيم 8/103.

([159])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 261.

([160]) الآجري في الشريعة 1/64.

([161]) البربهاري في شرح السنة /60.

([162]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 231.

([163]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/636.

([164]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([165]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([166]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 274.

([167])  شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 291.

([168]) كشف المحجوب ، الهجويري، ترجمة إسعاد عبد الهادي قنديل ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1980  ، ص : 421 .

([169]) الفروع ، ابن مفلح، ج 2 ص: 14 .

([170]) الذهبي: السير ، ج17 ص: 486 .

([171]) أبو شامة : كتاب الروضتين ، ج 4 ص: 382 . و المقريزي : الخطط  ، ج 2 ص: 343 ، 358 .

([172]) ابن أبي الحديد في شرح النهج:8/237.

([173]) ابن كثير : البداية  ، ج 11 ص: 182 ، والصياغة منقولة من كتاب: التعصب المذهبي في التاريخ، ص89.

([174]) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 163 .و ابن الأثير : الكامل ، ج 8 ص: 73 . و ابن كثير : البداية و النهاية  ، وانظر: التعصب المذهبي في التاريخ، ص89.

([175]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 102)

([176]) المرجع السابق، (1/ 235)

([177]) عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن عبدالله بن بشر النجدي الحنبلي، ص 120.

([178]) تاريخ نجد المسمى (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام)، الحسين بن غنام، المحقق: ناصر الدين الأسد، ص 138.

([179]) تاريخ نجد، ص 182- 183.

([180]) عنوان المجد، ص 216.

([181]) المرجع السابق، ص 257 – 258

([182]) عنوان المجد، ص 261

([183]) سراة الليل هتف الصباح، عبد العزيز التويجري، ص 49.

([184]) المرجع السابق، ص 46

([185]) الدرر السنية والأجوبة النجدية، ج1 ص 314

([186]) المرجع السابق، ج1 ص 317

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *